الفصل 6 | من 12 فصل

رواية عشق الغيث الفصل السادس 6 - بقلم ايمان شلبي

المشاهدات
22
كلمة
2,697
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

الدكتور بأسف: أنا آسف، الآنسة حصل لها شلل مؤقت. صدمة... صدمة حلت على رأس غيث ويونس، وبالأخص يونس. وكأن دلواً من الماء البارد سُكب فوق رأسه. زاغت عيناه في نقطة معينة وهو يحاول استيعاب تلك الصدمة. تلقى صدمات عديدة في حياته، ولكن تلك الصدمة الأولى، والتي أفقدته النطق والحركة، أفقدت عقله التفكير. فهو من تسبب فيما حدث لها. بالتأكيد ستوبخه، ستكره وجوده، رائحته، مجرد طيفه سيذكرها بما حدث لها، وإن كان مؤقتًا.

ليفيق من شروده على يد غيث وهو يربت على كتفه بشفقة. غيث: اجمد كده يا يونس. يونس بتنهيدة تعب: صعب عليا يا غيث، صعب عليا أحط عيني في عينيها بعد اللي حصل لها بسببي! غيث بصوت خشن: إيه اللي حصل خلاها تنزل متضايقة يا يونس؟ يونس بتنهيدة: مش وقته يا غيث، هحكيلك بعدين. بس دلوقتي إزاي هنقولها؟ غيث بحزم: أنت هتدخلها. يونس بقلق: لا، أنا مش هقدر أبص في عينيها.

غيث بإصرار: أنا ماشي يا يونس، اللي كسر حاجة لازم يصلحها. وأنت كسرت حاجة، وحاجة صعبة أوي تتصلح.

وبالفعل، في خلال دقائق كان يتركه غيث وسط حيرته، قلقه، خوفه. ليغمض عينيه بقوة ويخرج شهيق وزفير استعدادًا لمواجهة القطة الشرسة. وضع يديه على مقبض باب الغرفة ليفتحه ببطء قاتل، وكأنه سيدلف إلى مقبرة. ليدلف بخطوات هادئة بطيئة، وأيضًا بها نسبة من الرعشة. حتى اتجهت عيناه إلى تلك الشاحبة والتي تجلس وعيناها على نقطة فراغ في الغرفة، شاردة، حزينة. دموعها تسقط على صفائح وجهها، خصلات شعرها منسدلة على كتفها بعشوائية، متطايرة مع نسمات الهواء القارصة. ولكن في الحقيقة، هي لا تشعر ببرودة الجو، بل تشعر بنيران مشتعلة بداخلها. نيران حارقة تقودها نحو الانتقام ممن تسببوا في تلك الحالة، والتي إلى الآن لن تستطيع تصديقها إطلاقًا.

"ميان... ميان! يدعوها باسمها بذلك البرود، وكأن ما حدث ليس من تسببه هو وتلك التي يدعوها خطيبته. وكأن صوته كانت بداية انفجار حمم بركانية ستحرق البحر واليابسة. لتلتفت إليه وعيناها مظلمتان، محاطتان بلون أحمر كالدماء المحبوسة. تتطلع إليه بكره ظاهر من عينيها. ولو كان بجانبها لقتلته لا محالة. يونس بارتباك: م... ميان، أنا... قطع جملته صوت انفجار بركان الغضب النابع من نبرة صوتها: "امشي! اطلع براااااااااااا! براااااا!

مش عايزة أشوفك! وشك! براااااا! توقع يونس رد فعلها قبل أن تفعلها، لذلك لم يُصدم. ولكنه ظل على حاله الثبات الخارجي، وإن كان بداخله ينهار بالمعنى الحرفي. كانت تلهث بعنف وتحول لون وجهها إلى الأحمر من انفجارها، والتي يعتبر نقطة في بحر واسع بما تشعر به. فلو كان هناك أكبر مما فعلته، لن تتردد. لإخماد تلك النيران المشتعلة في قلبها.

يونس بجمود وكبرياء: مهما كان، هو يونس الجبالي. وإن كان بداخله نادم، وإن كان يحترق ويخشى فكرة رحيلها، ولكنه في النهاية يونس الجبالي، الجبل الشامخ الثابت أمام الجميع، أيًا كان ما بداخله من نيران واضطرابات. ولكنه في النهاية سيظل الجبل. يونس بفتور مصطنع: اهدي. ده قضاء وقدر. وبعدين أنتِ بتلوميني أنا؟

يعني أنتِ اللي هربتي من بيت جوزك ياهانم. حتى ولو هو مزعلك، ولو حصلت بينكم مشاكل، الدنيا متتسبش بيت جوزك وتمشي. المفروض تلومي نفسك إنك مشيتي. أنتِ اللي تتحملي نتيجة غلطك، مش أنا يا ميان هانم! أنهى جملته ليغمض عينيه بقوة، متأثرًا بتلك الزهرية والتي قذفتها ميان على بعد انش واحد من رأسه. لولا أنه أمال سنتيمتر واحد، لكانت اخترقت رأسه لتسبب له عاهة مستديمة. ميان وهي تُزمجر بعنف: اخرج برا! هقتلك يا يونس! هقتلك!

ليبدا صوتها في الاختناق وهي تهذي بكلمة واحدة "هقتلك". بدأت تختنق رويدًا رويدًا وتواجه صعوبة في التنفس، وكأنها ستفارق الحياة. قلق يونس عندما وجدها بتلك الحالة، ليهرول إليها وهو يهتف بقلق، وكأنه طفل صغير يخشي فراق والدته: "ميان مالك... ميان ردي عليا! لم تستجب، وإنما كانت تشير له بسبابتها ناحية الباب، تطلب منه أن يذهب ليحضر الطبيب. ولكنه للأسف، كان عقله متوقفًا عن التفكير في تلك اللحظة. كان كل همه أن لا تفارق الحياة.

حالف ميان القدر عندما دلفت إحدى الممرضات لتشرف على حالتها. لتهرول إليها سريعًا عندما وجدتها بتلك الحالة. الممرضة ليونس وهي تدفعه للخارج: لو سمحت يا أستاذ، اطلع برا. يونس برعب: هـ... هي هتموت؟ الممرضة بسرعة: لا، بس لو مقدرناش نلحقها هتموت. يونس: طب مستنية إيه؟ انقذيها بسرعة. الممرضة بنفاذ صبر: يا أستاذ، اطلع بسرعة عشان أقدر ألحقها. خرج يونس من الغرفة وكأنه سيترك روحه بداخلها. خرج وهو قلق الخسارة. فسخسرها!

سيخسر روحه. يعلم بأن تلك القسوة غير المبررة أطلاقًا ستجعلها تكره فكرة بقائه. سيجعلها تصر الرحيل. بعد فترة، خرجت الممرضة وهي تتنهد بتعب واضح على ملامح وجهها. فيبدو أنها كانت تخوض إحدى المعارك لإنقاذ تلك الراقده كرقود الأموات. هرول إليها يونس بقلق واضح في نبرته: طمنيني. الممرضة وهي تزفر بتعب: الحمد لله، قدرت أنقذها. احمدوا ربنا إني دخلت في الوقت المناسب. لتصمت ثواني ثم تهتف بتساؤل وفضول واضح من نبرتها وملامحها

المتلهفة لمعرفة الإجابة: صحيح، هو مين يونس؟ يونس بجمود وخشونة، حيث عادت نبرة صوته إلى مجراها الطبيعي: ليه؟ الممرضة وهي تلوى شفتيها للأمام بحيرة: أصل هي طول ما أنا بحطلها التنفس، مش بتنطق غير اسمه وبتقول: "هقتلك يا يونس". يونس بثبات: شيء ميخصكيش. المهم، هي هتفضل في المستشفى كتير؟ لوت شفتيها بسخرية وهي تلوك العلكة والتي لا تفارق فمها: آه، هتفضل يومين لحد ما تبقى كويسة. يونس: طيب. وكاد أن يدلف إلى الغرفة

ليوقفه صوتها تصيح بغضب: "ممنوع الدخول يا أستاذ، هي مش وكالة من غير بواب! التفت يونس بجسده وهو يتفحصها من أعلاها إلى أخمص قدميها بسخرية: "أنتِ تعرفي أنا مين؟ الممرضة بسخرية: مين يعني؟ يونس وهو يقترب منها ليقف أمامها ويضع يديه في جيب بنطاله ليهتف بخشونة وصوت حاد: "يونس الجبالي، صاحب المستشفى اللي أنتِ واقفة فيها دي، واللي ممكن متقفيش فيها تاني!

ابتلعت الممرضة ريقها بصعوبة بالغة، وقد أسدلت أهدابها عدة مرات وهي تلوم نفسها بداخلها ألف مرة على لسانها السليط والذي أوقعها في مشاكل مع مالك هذه المستشفى. الممرضة بتوتر: آ... أنا آسفة يا يونس بيه. يونس وهو يغمض عينيه بتعب، فهو لن يقوى على الجدال إطلاقًا، ليهتف بجدية: "اتفضلي على شغلك." قبل أن ينهي آخر حروف جملته، كانت تتبخر من أمامه.

دلف إلى غرفة ميان ليجدها تُغلق أهدابها بتعب. ليسحب إحدى الكراسي ويجلس أمام فراشها، ويسحب كف يديها برقة ليطبع قبلة في باطنه وهو يُغمض عينيه بندم، وكأنه يعتذر عما بدر منه. يونس بهمس وهو يضع رأسه على كفها: أنا آسف يا ميان، آسف. مسيرك تعرفي الحقيقة كاملة. ***

وصل غيث إلى الفيلا وهو يحمل هم العالم أجمع فوق رأسه. فكيف سيخبر تقى بأن شقيقتها قد شلت عن الحركة. وكأن القدر لم يحالفه هذه المرة، حيث وجد تقى تهرول إليه وهي تتساءل بعيون باكية عن شقيقتها. حاوط غيث وجهها برقة وهو يتطلع إلى عينيها بصمت، وكأن بصمته ذلك ونظرة عينيه الغامضة يُخبرها أن هناك شيء. كانت تقى تبحث في ظلمة عينيه عن إجابة واضحة ليخبرها أن ما تفكر به ليس صحيحًا، وأن شقيقتها بخير.

تقى بدموع: غيث، والنبي رد عليا. ميان حصلها حاجة. وأخيرًا تحرر سجن شفتاه من الصمت ليهتف بأسف: "تقى، أنتِ مؤمنة بقضاء ربنا؟ هزت تقى رأسها عدة مرات، ومع كل هزة دموعها تتساقط أكبر، ودقات قلبها تعلو واحدة تلو الأخرى. ليسحبها غيث من معصمها برقة وهو يتجه بها نحو الأريكة ليجلسها ويجذب كف يديها ويضغط عليه، وكأنه يحثها على تلقي تلك الصدمة. غيث بصعوبة في النطق: مـ... ميان، لما نزلت من هنا عملت حادثة.

كاد أن يكمل جملته ليجد تقى تنهض كمن لدغتها عقرب وهي تهز رأسها بنفي عدة مرات بهستيريا: "لاء! لاء! متقولش! مـ... ميان مماتش، صح يا غيث؟ قـ... قوللي والنبي، مـ... ميان! نهض غيث سريعًا بقلق وهو يهدئها: "اهدي، اهدي. والله ميان عايشة." تقى بزعر: أو... اومال إيه يا غيث؟ قولي. غيث بأسف: ميان حصل لها شلل مؤقت. ليسترد حديثه سريعًا: بس والله متخافيش، هي مع العلاج هتقدر تمشي تاني، والله.

جلست تقى على الأريكة خلفها بصدمة. صدمات، صدمات تتلقاها فوق رأسها، وكأن مُسمى حياتها صدمات فقط. وكأن القدر يُقسم أن يمحو فرحتها، وكأنه يُقسم أن يهدمها كالبنيان القديم على أرض مسروقة. استندت برأسها على الأريكة خلفها وهي تُغمض عينيها بتعب، وقد فقدت القدرة على النطق حرفيًا، وتوقف سيل دموعها، بل تجمد داخلها لتصبح كالصنم. لم يتحمل غيث حالتها تلك ليجلس بجانبها ويجذب رأسها إلى صدره.

"تقى حبيبتي، عشان خاطري اهدي. متخافيش. والله ميان هتبقى زي الفل، والله." وكأن ما فعله وما قاله كانت إشارة لتنفجر باكية في أحضانه، وقد بللت دموعها صدره وهو يضمها بقوة. يُحاول بقدر المستطاع أن يُطمئنها. تمنى في ذلك الوقت لو انتقلت أحزانها وأوجاعها إليه، ليتبقى لها الفرح. تقى بشهقات وقد تخلت شفتيها عن الصمت: "ليه... ليه بيحصل معانا كده يا غيث؟ ليه حياتنا بتتدمر؟ وكان القدر حالف يهدم كل ذرة أمل فيا. و...

والله يا غيث، أنا مش وحشة." لترفع وجهها إليه بدموع وتتساءل ببراءة: "هـ... هو أنا وحشة يا غيث؟ غيث وهو يهز رأسه بنفي ويحاوط وجهها: "لا يا عمر غيث، أنتِ مش وحشة. ربنا بيحبك عشان كده بيبتليكي. 'إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه'. عشان خاطري يا حبيبتي، بلاش أشوف دموعك. ووعد مني والله ميان هتبقى كويسة، وعد مني أعمل كل جهدي عشان عيوني متلمحش دمعة واحدة من عيونك دول. أنتِ عيونك دول مش مخلوقين للدموع، أنتِ عيونك مخلوقة للفرح بس."

ليمسك كف يديها ويضغط عليه برقة. "ووعد مني، كل حاجة هتبقى أحسن من الأول." لينظر داخل سواد عينيها، والتي تفعل به الأفاعيل وتُهدم كل ذرة ثبات يتحلى بها. "واثقة فيا صح؟

" وكان ردها بسيطًا، صادمًا نوعًا ما. ولكنها كانت الجواب على سؤاله، حيث حاوطت عنقه ودموعها تتساقط عند رقبته، وكأنها بتلك الفعلة تُخبره أنها تثق به أكثر من نفسها. رغم صمتها، ولكن فعلتها كانت أقوى من أي جواب. ليضمها إليه أقوى ويغمض عينيه بألم، فهي تثق به، وهو يُخبئ خلفه سر يُهدمها، يُحطم ما تبقى منها. نيران... نيران مشتعلة ب بداخله تكوي صدره ألف مرة. ابتعدت تقى لتهتف بصوت مبحوح: "ممكن أروح لها؟

غيث بحنان: "لا يروحي، الدكتور قال بكرة." هزت رأسها بتعب وإرهاق. غيث: "ماما وصبا فين؟ تقى: "عند خالتك." غيث: "طيب، يلا قومي أطلعك فوق ترتاحي شوية." تقى: "حاضر." لتنهض وتترنح في وقفتها، ليسندها غيث بسرعة وقلق. غيث: "مالك؟ تقى بتعب: "مش قادرة." أنهت جملتها لتشهق بفزع وتحاوط عنقه تلقائيًا عندما حملها غيث على ذراعيه. غيث: "بس بس، متخافيش. أنا هطلعك الأوضة."

ارتخت ملامح وجهها المذعورة لتضع رأسها على صدره وتُغمض عينيها حتى وصل إلى غرفتهم، ليضعها برقة ويجذب إحدى الأغطية عليها عندما أحس بارتعاشة جسدها. وكاد أن يبتعد لتتمسك في كفه بخوف وهي تُغمض عينيها: "أنت رايح فين؟ مال غيث بجسده قليلاً ليقبل جبينها برقة: "متخافيش يروحي، عندي شوية شغل. شوية وهارجع." هزت تقى رأسها لتستند على الفراش وتنام بعمق، وكأنها ستهرب من واقعها المرير إلى عالم الأحلام. ***

في منزل خاله غيث، كانت تجلس صبا بملل. فهي تكره وجودها في ذلك المنزل بسبب نظرات ابن خالتها الحانقة الحاقدة. صبا بملل: ماما، أنا هطلع أقف برا شوية. نرمين خالتها وهي تلوي شفتيها بسخرية: إيه يابت اختي، زهقتي منا ولا إيه؟ صبا بابتسامة صفراء: لا يا خالتي، طبعًا مين قال كده. أنا حرانه بس، عن إذنك. لتخرج بسرعة وهي تشتم بداخلها بأبشع الألفاظ. خرجت لتسير بملل قاتل في الحديقة المجاورة للمنزل.

أما في الأعلى، في إحدى الشرف، كانت هناك عين تتطلع إليها. ولم تكن سوى عين أمجد، حيث استغرب وجود تلك الفتاة مرة أخرى. ظل يتشرب ملامح وجهها الطفولية، وكأنه ولأول مرة يرى فتاة في حياته. ولكن في الحقيقة، تلك الفتاة بها شيء من السحر، شيء يجذبه، يجعله يتمنى أن تكون له. وإن كان من المستحيل ذلك. ولكن اتسعت حدقتاه بزعر... قلق... خوف...

عندما وجد من يقترب منها من الخلف ويضع مخدرًا على أنفها لتفقد الوعي وتسقط بين يديه. ليحملها ويتجه نحو سيارته. حدث كل ذلك في لمح البصر. لم يفكر كثيرًا، وإنما هرول نحو الأسفل بأقصى سرعة لديه، وكأنه يستمع إلى صيحاتها الصامتة بالإنقاذ. ولحسن الحظ، لحقهم أمجد حيث ركب سيارته واتجه خلفهم. رغم أنهم ابتعدوا مسافة، ولكن ذلك لصالحه كي لا يكشف أمره.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...