رفع غيث رأسه وقد غزت ملامحه علامات الصدمة. كاد أن يتحدث ولكن قطعه أمجد قائلاً بهدوء ورزانة: "عارف إنك مستغرب طلبي. بسبب الخلاف اللي حصل بينا إمبارح، بس صدقني يا ريت تركن الخلاف على جنب لمصلحة أختك يا غيث." تنهد غيث بإرهاق بادٍ على ملامحه. "ليهتف بخشونة: "وأيه بقى مصلحة أختي؟ أمجد بجدية: "أولاً أحب أعرفك بنفسي...
الرائد أمجد السيوفي. وأثناء ما أنا براقب أختك، وداني سمعت صوت التقاط كاميرا. معنى كده إن حمزة لعبها صح وعايز يفضحكم وسط البلد. واللي صور وجودهم قادر يفبرك فيديو يسوء سمعة صبا. وأنتم ساعتها مش هتقدروا تتكلموا، وممكن كمان مكانتك كعمده الصعيد تنزل للأرض." غيث باستغراب وقد ارتفعت حاجبيه بتساؤل: "والكلام ده هيفيدني بأيه؟ أمجد بعقلانية: "هيفيدك بأني أتجوز صبا ودلوقتي حالاً! غيث بدهشة: "دلوقتي؟! أمجد: "ده هيبقى مجرد لعبة."
غيث وقد احتدمت ملامحه ليهتف بغضب: "يعني إيه لعبة؟ هي أختي لعبة في إيدك؟! أمجد بنفاذ صبر: "افهم يابني آدم... حمزة بكرة الصبح هينشر في البلد كلها فيديو يشوه سمعتكم. وأنتم بكلمة بسيطة تقدروا تكذبوا الموضوع. إزاي حصل كده وصبا كانت في بيت جوزها أصلاً؟ غيث وقد اتخذ حديث أمجد على محمل الجد، ولكن ما يشغل عقله حقاً هو كيف سيخبر الجميع بأن شقيقته قد تزوجت ليلة أمس دون أي إعلان؟
ليرفع رأسه إلى أمجد ويجده يتطلع إليه بثبات وثقة تامة. يعلم أنه سيوافق لا محالة. غيث بتساؤل: "بس إزاي هقولهم أختي اتجوزت من غير فرح ولا إعلان؟ كده الشك هيزيد إن في حاجة؟! أمجد بهدوء وكأنه كان ينتظر ذلك السؤال وقد أحضر إجابته في ذهنه أيضاً ليهتف: "بسيطة جداً. اتحجج بموت عم إبراهيم وإن مينفعش تعمل فرح وهو لسه ميت من يومين." وبالفعل استطاع أمجد بإجابته البسيطة أن يقنع غيث. ليميل غيث بجسده إلى الأمام ويضع رأسه بين كفيه
ليتنهد ويهتف بشرود وحزن: "أنا موافق... ولكن مهلاً مهلاً." أين صوت والدته؟ أين رأيها في تلك الزيجة المزيفة؟ ليرفع رأسه ويلتفت إلى والدته والتي تجلس بشرود وحزن تتساقط دموعها على صفائح وجهها. كانت في عالم آخر. عالم موازي لعالمنا القاسي المرعب وأيضاً الظالم. غيث بهدوء وهو يربت على كفها لتنتفض هي بفزع وكأنها بالفعل انتقلت إلى عالم آخر: "أنتي كويسة يا أمي؟ هبة وهي تتنهد بحزن: "ومين هيحصله اللي حصل ويبقى كويس!
ربت على كفها بحنان ليقول ببحة صوت رجولي: "الحمد لله يا أم غيث إنها جت على كده." لينظر أمامه بشر ونبرة صوت متوعدة: "بس وحياتك يا أمي لهندمهم، وحياتك لهخليه يبكي بدل الدموع دم. المهم موافقة على جواز صبا؟ رفعت هبة رأسها وقد غزت ملامحها علامات الحزن: "اللي إنت شايفه صح يا ابني اعمله." نهض غيث ليصيح بصوت أشبه للصراخ: "محروس! وفي أقل من ثانية كان يقف أمامه الحارس محروس بجلابيبه الصعيدي البني وهو يلهث: "أمرك يا غيث بيه."
غيث بجمود وثبات: "حالاً تجيب لي مأذون لو من تحت الأرض! محروس بغباء وهو يتناقش في وقت غير الوقت أطلاقاً: "مأذون ليه يا غيث بيه؟! غيث بصراخ أمام وجهه: "أنت هتتناقش معايا؟ بقولك عايز مأذون تقولي حاضر وبس متسألنيش السبب! محروس بخوف وتوتر: "ح حاضر يا بيه طوالي أه." "مأذون ليه يا غيث؟
التفت غيث بجسده ليجد تقي تقف في منتصف الدرج بشعرها والتي تترك له العنان وتقف ببجامة قطنية برمودا. أحضرت في ذلك الوقت شياطين الغضب. لينفجر بها كالبركان المكتوم منذ آلاف السنين. اخترقت نظرته عينيها كالسهام القاتلة ليزمجر بعنف وقد اهتزت أرجاء الفيلا لنبرته. "اطلعي غطي شعرك والبسِ حاجة محترمة وبعدين ابقي تعالي اتكلمي ياهانم يامحترمة!
فزعت تقي ليهتز قلبها بعنف بين ضلوعها خشية من هيئته المرعبة والتي لأول مرة تراها. ولكن انفلت لسانها السليط لتهتف بارتجاج وتوتر: "ب بس أمجد أخويا مفيش حد غريب! غيث بصراخ: "ولو كان أبوكي متقعديش كده قدامه. ويالا اطلعي بدل ما اتغابى عليكي."
كادت دموعها أن تسقط ولكنها تحكمت فيها بصعوبة بالغة كي لا تنكسر تُداس كرامتها. لتلتفت بجسدها وكأن بالتفاتها كان بداية لانفجارها في البكاء لتهرول سريعاً إلى غرفتها وتغلقها خلفها لتتحول دموعها إلى شهقات. فهي لم تعتد تلك القسوة ومن مَن غيث!
لتجلس أرضاً وتضم ركبتيها إلى صدرها وهي منتظرة أن يطرق بابها ليعتذر عما بدر منه أو لو يضمها فقط دون اعتذار فعلي ستسامحه. ولكن مرت دقيقة اثنتين وأكثر حتى مرت نصف ساعة وإلى الآن لم يعرها أي اهتمام وكأنها حشرة بالنسبة له. لتنام في مكانها ودموع عينيها لم تجف! أما في الأسفل كان يجلس أمجد وغيث ويضعون أيديهم في أيد بعض وفي المنتصف المأذون والذي يُغلق عينيه بنعاس. ولكن كيف له أن يرفض الذهاب ولغيث الجبالي عمده تلك القرية!
حتى صدعت جملته: "أين العروس؟ غيث بثبات: "فوق." المأذون: "حد يخليها تنزل عشان تمضي على عقد الزواج." نهض غيث وهو يجذب الدفتر والقلم بجمود: "أنا هخليها تمضي." صعد غيث بخطوات رزينة ثابتة عكس الاضطراب والضعف والعجز بداخله. كيف له أن يخبرها بأن تمضي على عقد زواجها من شخص لا تعلم حتى هويته!
طرق باب غرفتها ليستمع إلى همسها الخافت بدخول الطارق. أغمض عينيه بألم وصعوبة ليدير مقبض الباب وهو مستعد لأن يفجر قنبلته أو بالمعنى الآخر حقيقة قدومه إليها! دلف بخطوات بطيئة ثقيلة ليجدها تجلس وتنظر أمامها. غيث بنبرة حزن: "صبا." التفت برأسها لتهتف بلهفة ودموع: "غيث." اقترب منها ليجلس بجانبها ويجذب رأسها إلى صدره: "هش بس يا حبيبتي اهدي. الحمد لله إنها جت على كده. وعد مني حقك هاخدهولك وأشرب من دمه."
رفعت صبا عينيها المغرورقة بالدموع وبها بصيص أمل أن يكون ما حدث مجرد حلم. فالشعور بالخذلان أصعب من أي شعور آخر. لتهتف وسط دموعها: "غيث قولي إن أنا في حلم. قولي إن حمزة مطلّعش خاين وكان عايز كان عايز... بتّرت جملتها وهي تستيقظ وتتيقن أن ما حدث ليس بحلم وإنما بحقيقة مؤلمة قاتلة تمنت لو لم تعشها أطلاقاً، تمنت لم تعش حياة الخذلان! غيث وهو يحاوط وجهها برقة: "لعله خير يا حبيبتي الحمد لله. عارف إنك مش قادرة تستوعبي.
ليتنهد بقوة وحزن ويهتف: "ولا أنا قادر أستوعب هو ليه عمل كده بس وحياتك عندي ما هرحمه بس عايز أطلب منك طلب وأتمنى توافقي! صبا: "اتفضل." مد غيث يديه بالدفتر وهو يقول لها: "تمضي على الورق ده." صبا باستغراب وهي تمسح دموعها: "ورق إيه ده؟ غيث بتنهيدة: "هحكيلك."
انتهى يونس من سرد الحقيقة كاملة ليتطلع إلى ميان والتي تبدل حالها مائة وثمانون درجة. كانت تبكي تبتسم تتألم في آن واحد. هربت الحروف من فمها وأنما نظرات العتاب والفرحة أيضاً كانت كفيلة بشرح ما تشعر به. يونس بخفوت: "ميان أنتي كويسة! وكان ردها بسيط حيث عانقت عنقه بقوة وسقطت دموعها على رقبته وهي تهتف بخفوت وهمس استمع إليه: "أنا بحبك." توقفت جميع حواسه. اتسعت حدقتاه بذهول. فماذا قالت؟
ابتعد عنها كمن لدغته عقرب ليتطلع إلى وجهه والذي احمر خجلاً فما قالته ليس بهين. يونس وهو يجاهد لإخراج الحروف فقد كانت حالته كحال طفل يحاول جاهداً أن يتحدث ويتحدث ولكنه في النهاية يتفوه بكلمة أو كلمتين. ليهتف أخيراً: "م ميان أنتي قولتي إيه! و و إزاي وإمتى؟ نظرت ميان في جميع الاتجاهات سوى عينيه وقد كانت تفرك يديها بتوتر وارتباك. تحول وجهها إلى الاحمرار توهج كالجمر المشتعل: "زي ماسمعت."
جذب يونس كف يديها لتُثير تلك الحركة العفوية رجفة في جسدها أثارت قشعريرة على طول عمودها الفقري لتحاول جذبها بخجل ولكنه رفض رفضاً قاطعاً وهو يتطلع إليها ويهتف بحزم قاطع: "ميان لو سمحتي جاوبي عليا إزاي؟ و وأنا كنت بعاملك بالطريقة دي ومفهمك إني بحب يارا وهتجوزها؟ وأخيراً قد تخلت ميان عن خجلها لتهتف بشراسة وهي تجذبه من تلابيب قميصه بعنف وتهتف بأنفاس حادة أمام وجهه:
"متجبش سيرتها تاني ومتقولش بتحبها. إنت بتحبني أنا. أنا مراتك." للمرة الثانية. للمرة الثانية قد ذهلته ردة فعلها. فقد أخرجت الغيرة القطة الشرسة. القطة المستعدة لقتل من يقترب من أبنائها أو حتى زوجها. ارتبك يونس من ذلك القرب المهلك ليتطلع إلى عينيها وياليته لم يفعل! فقد زادت تلك الشرارات المشتعلة بريقاً خاصاً في عينيها. تجعل من ينظر إليها يسقط أسيراً لتلك العيون.
وأخيراً رحمت هي ضعفه لتبتعد عنه ولكن تلك المرة اختلفت نظرتها ولم تُعطِ له فرصة للحديث لتهتف بشرود وحزن:
"كنت أسمع البنات تتكلم عن وسامة عيال العمده. مكنش في سيرة غير سيرتهم. عمري ما اهتميت بالموضوع. كنت أقول وأنا مالي يعني حلوين ولا وحشين هو أنا هتجوز حد فيهم. أنا بنت الراجل الغلبان اللي شغال عندهم. مكدبش عليك وأقولك كان فيه جزء نفسي يشوف الشباب اللي مفيش سيرة غير سيرتهم. بس كنت أحاول أشغل نفسي بأي حاجة تانية مش عايزة أشوف حد أو أعلق نفسي بحد ميعرفش إني عايشة أصلاً. لحد ما في يوم كنت في آخر امتحان في ٣ث وأنا خارجة من المدرسة."
فلاش باك. خرجت تلك الفتاة الجميلة الهادئة ذات القوام الممشوق وهي ترتدي ملابس المدرسة والتي هي عبارة عن قميص من اللون البينك وبنطال قماش من اللون الرمادي وتلك الجرافت نفس لون البنطال. وترتدي خلف ظهرها حقيبة باللون البينك بها رسومات باربي مثل مالكة تلك الحقيبة. فكان يدعوها جميع أصدقائها بباربي لهدوئها ورقتها وأيضاً جمالها الخلاب. أحد أصدقائها وتُدعى ليلي: "الحمد لله أخيراً خلصنا من الثانوية العامة."
ردت ميان بهدوء يضاهي هدوء ونقاء ذلك القلب: "الحمد لله يارب كلنا نجيب مجموع حلو ونفرح أهلنا." إحدى الفتيات وهي تلوي فمها بسخرية وحقد: "لا من الناحية دي متقلقيش. إنتي هتطلعي الأولى زي كل سنة." لم ترد ميان وأنما ابتسمت ابتسامة صفراء لتشيح بوجهها بعيداً عن تلك الحقودة والتي تكرهها بدون سبب واضح. ليلي: "طب يلا يا بنات هنخرج نروح فين كده؟ ميان: "لا أنا مش هخرج أنا لازم أروح بسرعة عشان عيد ميلاد تقي." ليلي:
"كل سنة وهي طيبة ياقلبي طب تمام إحنا هنخرج ونبقى نكلمك في يوم تاني تخرجي معانا." ميان: "تمام باي يا بنات." ذهبت ميان لتدلف إلى شارع جانبي. في الحقيقة ليس ممتلئ بالناس فكانت وقت صلاة الظهر وفي تلك البلد معظم الرجال ملتزمون بالصلاة في المسجد. كانت تسير ميان بشرود. لتفيق على صوت همس من خلفها. أسرعت في خطاها بخوف شديد وهي تدعو ربها أن ينقذها من ذلك المأزق. أحد الشباب: "إيه يامزة هنفضل نجري وراكي كتير."
لم ترد وأنما سقطت دموعها وقد بدأت في الركض ليهرولوا خلفها ولكن في أقل من ثانية كانت تقف خلفهم سيارة أحدث صوت صريرها صوت عالي ليلتفت الشباب بفزع ولكن ميان ظلت تركض وتركض حتى وصلت إلى نهاية الشارع لتقف خلف حائط وهي متلهفة لمعرفة لمن تلك السيارة. اتسعت حدقتاها بذهول عندما وجدتهم مطروحين أرضاً. ويقف شاب ذو عضلات بارزة من قميصه الأبيض ويلهث بقوة. ولم يكن سوى يونس وهو يهتف بكلام لم تلتقطه أذنيها فكانت على بعد مسافة كبيرة منه ولكن من الواضح أنه غاضب وبشدة.
باك. ميان: "إنت بعدها ركبت عربيتك." لتتنهد بشرود وحيرة:
"وأنا فضلت واقفة أكتر من خمس دقايق أستوعب اللي حصل. وبحاول أستوعب دقات قلبي اللي كانت في سباق. مجرد ما لمحتك حصلي حسيت بمشاعر لأول مرة تحصل لي. روحت البيت وأنا طول اليوم مبفكرش غير فيك وفي إنت مين وليه عملت كده. عدى يوم ورا التاني وأنا مش قادرة أنساك. تعرف يايونس استغربت حالي أوي وقولت إزاي ممكن أتعلق بحد كده من يوم وحتي متكلمناش. كنت كل يوم أصلي قيام ليل وأدعي لو خير ليا نتجمع من تاني." لتنظر داخل سواد عينيه بحب:
"وقد كان يايونس بقيت مراتك." كان يونس ينصت إليها وملامحه جامدة وجهه خالي من أي مشاعر حتى انتهت. عم الصمت الغرفة وميان تفرك أصابعها بتوتر وخجل من سرد قصتها والتي هو أهم أبطالها. وأخيراً تحررت شفتيه من الصمت ليغمغم قائلاً بهدوء: "أنا آسف على كل لحظة نزلت دموعك فيها بسببي. أنا مستاهلش حبك ياميان. مستاهلش دموعك. أنا عرقي صعيدي طبعي صعب أوي. رقة قلبك مستحيل تستحمل طباعي." ميان.
ليغمض عينيه بصعوبة. الكلمة التي سينطقها يعلم أنها ستكسره ستدمره قبل أن تدمرها ولكنه حسم أمره أخيراً لينطق بجمود: "ميان إنتي طالق."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!