الفصل 45 | من 77 فصل

رواية عشق الحور الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم مروه شحاته

المشاهدات
20
كلمة
1,030
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

تمدد غيث في الحديقة أمام بيته، ينظر لنجوم السماء المتلألئة. لقد وافقت أن ترتبط به، أن تكمل معه الطريق، أن تبني معه حياة جديدة على أطلال حياته وحياتها. كلاهما يمتلئ بالألم، كلاهما هدم الموت حياته. ولكنها وافقت أن تجازف معه لبناء حياة جديدة. لماذا خفق قلبه عندما علم بموافقتها؟

تنهد. دوماً كان يحب التمدد على العشب ومتابعة صخب النجوم المتحركة في السماء، روعة تحركها وسباقها البعيد عن القمر. عندما أخبر جاسر، قال إنه حالم أكثر مما يجب، يتطلع دوماً للبعيد. لعله محق، فهو استطاع أن يقتلع جذوره ليعيش بعيداً لعشر سنوات، وسماه كانت تخشى الليل، ترهبه. كف عن متابعة السماء لأجلها فقط. ولكن هنا، كان يبث النجوم عشقه لها. هل عاد لفترة ما قبل سماه؟

رؤية النجوم وإخبارها عن مكنون قلبه. لماذا لم يدخل البيت ويتحدث لصورة سما كما اعتاد دوماً؟ لماذا؟ يريد أن يرى البسمة الحزينة الغامضة. نعم، غامضة. كلاماتها معه كانت تثبت الرفض. لما وافقت؟ هل أشْفَقَت عليه عندما رأته يقطعه الألم بالمقابر؟ بالتاكيد رأته. لماذا هذا الخاطر أثقل قلبه؟ هو لا يريد شفقة. هو يريد مشاعر حقيقية. يريد دفئاً عاطفياً افتقده بافتقاد سماه.

تلك البسمة، كل شيء بها مميز، حتى تحالفها بالسواد. عيناها بلونها الأخضر كأرض واسعة تمتلئ خيراً، تلمع بلمعان صاحبتها البيضاء المتدرجة بحمرة رائعة. شفتاها مكتنزة بلون كرزي طبيعي. وللمرة الثانية يحاول تخيل شكل شعرها. فليكن مثل شعر والدته، أم جاسر. ذلك الشلال المجنون الذي كان يصل لبعد ركبتيها. يذكر جيداً جديلتها الطويلة التي قصتها يوم وفاة عمه حداداً عليه.

حسناً، فليكن مثل شعر عائشة الذي يماثل شعر والدته. يذكر أنه كان يحب تمشيطه وهي صغيرة، ويذكر أيضاً أنه من أطلق عليها "ربونزل". عائشة مدللته الصغيرة، وردة متفتحة وسط ثلاث ذكور. كانت دميته المدللة هو وجاسر. ولكن جاسر كان دوماً يكبت مشاعره. اليوم فقط رأى لمعان الحب بعينيها. صغيرته ستتزوج، سيخطفها فارس على حصانه الأبيض. وسليم فارس حقيقي.

كل يوم يزداد احتراما له. احترم بشدة طلبه للكتاب. لم يفكر يوماً مثله. سليم مقيد بعقيدة راسخة بشدة. البسمة الحزينة أيضاً تشبهه في هذا التقوى واحترام الذات. لقد اشتاق ليحيى الصغير، هذا الفتى شبيه والدته، نسختها الصغيرة الممتعة. يعشق تدليل الصغير والتحدث معه، يحب ملمس يديه، وضحكته المجلجلة، وحتى اسمه الذي ينطقه بطريقة خاطئة.

جاسر فاجأه بأمر السكن في القصر. هو لا يحب هذا. منذ كان طفلاً، وهذا هو بيته. هنا تزوج أباه وأمه، هنا عاشا لسنوات من دونه، هنا ولد. ثم حادثة أولى

تقضي على أسرته بالكامل: أباه وأمه والسائق، ويخرج هو حياً، طفلاً لم يكمل شهراً من عمره، مجرد رضيع. لم يعرف له أب غير عمه، وأم غير زينب. أعطته من حنانها ولم تفرق أبداً بينه وبين جاسر. بالعكس، كان هو المدلل، ودوماً له تمييز عن جاسر لدى عمه، فهو الصغير. وحتى جاسر أحبه كأنه أخوه الشقيق. كان أقرب إليه من علاء.

جاسر عاشق حتى النخاع. كان يعلم من البداية أن ما يشعره تجاه عزة ليس بحب، وكثيراً ما أخبره بهذا، ولكنه دوماً يعاند ويكابر. عزة، تلك الأفعى التي يمقتها منذ صغره، هي ووالدتها الحرباء الكبرى. كان يكره افتعالها المشاكل دائماً مع زينب، شجاراتهم التي لا تنتهي. ولكن زينب... أقوى امرأة رآها على وجه البسيطة. وتذكر كلماتها: "يا حبيبي، أنا عارفة إنك كنت بتحب سما، بس إنك تفكر في الجواز دا مش معناه إنها خرجت من قلبك." قال بحنق:

"الواد ده مش هيكبر بقي ويبطل يفتن؟ وكزت رأسه: "بطل تظلمه. جاسر مقليش حاجة." "أمال عرفتي منين بقي إن شاء الله؟ "قالت لي... مش عيب إن واحدة تشغل عينك، مش عيب إنها تحرك مشاعرك، ومش عيب إنك تبدأ حياة جديدة. العيب إنك تخبي على أمك." قبل يدها:

"أنا مش مخبي ولا حاجة، بدليل إني جاي بكامل إرادتي أعترف أهو. الحكاية كلها يا أمي إني متلخبط، مش عارف إن كنت اللي عملته دا صح ولا غلط، مش عارف إن كانت هتوافق ولا لأ. بس مرة واحدة حسيت إني محتاج أقعد مع سما وأتكلم معاها، بس برضه مرتحتش. يمكن اللي خرجني من اللي أنا فيه إني شوفت يحيي." "يعني فكرت زيك وراحت هي كمان المقابر؟ "لسه بتحب جوزها... "متقولش راحت تودعه، زي ما أنت كنت رايح تودع سما، بس مقدرتش تواجه نفسك بده."

"هي خلاص سما هتنتهي من حياتي يا أمي." ربتت على كتفه: "مش هتنتهي، بس هتستخبي، ليها حتة جوه قلبك، هتقفل عليها الباب وتسيب قلبك فاضي يتقبل حب جديد. زي بالظبط ماهنجمع ذكرياتك معاها في أوضة وهنقفل عليها. الأوضة الكبيرة اللي في ظهر القصر هنلم فيها حاجة سما كلها." قال بحزن. قاطعته:

"محمود لما شاف بنته بتضيع منه عمل كده. أجر بيتها بفرشها كلها، ومش كده وبس، دا أخد كل قمصانها اللي لبستها في بيتها وحرقها. من بعيد تحس إنها قسوة، لكن لما تقرب تعرف إنه حب وخوف. طول ما هي شايفة الحاجات اللي بتجمع ذكرياتها معاه، عمرها ما هتنساه. أنت كمان محتاج شوية قسوة. الأم عشان تفرح بطفل بتمر بأصعب ألم على وش الأرض، الولادة يا غيث. بس بعد أما بتاخد ابنها في حضنها، كل الوجع دا بيروح. أنا عارفة إن مش سهل عليك إنك تقرر قرار زي دا، ويمكن حاسس بالندم، بس قرارك صح، محدش هيحس بوجعك إلا واحدة جربته. أهم حاجة يا غيث، اليتيم اللي ربنا جعله في بيتك عشان تدخل بيه الجنة، راعي ربنا فيه. وحاجة كمان...

اتقي ربنا في بسمة، وأوعى تقرب منها غير في الحلال عشان ربنا يبارك فيها ويحفظها." "يا أمي... بس أنتِ وشك شكله تعبان." "أنا حاسة بشوية تعب. انده لي عيشة تقيس لي الضغط، وهنام شوية وهبقى كويسة."

تنهد بقوة. أمه محقة كالعادة. والآن بعد تفكير هادئ، علم من تكون ناقلة الأخبار، بالتأكيد المشاغبة الصغيرة. التي كان يبدو عليها الألم لسبب يجهله. عجيبة هي تلك الحور. برغم صغر سنها وبراءتها التي تظهر واضحة بتصرفاتها العفوية، إلا أنها تملك قلباً كبيراً وحباً يغرق الجميع، باستثناء عزة بالتأكيد. أحياناً يشعر أنها تريد تقطيعها ونشر جثتها على ظهر الكوكب. ابتسم، تلك الصغيرة قادرة على منح الجميع ابتسامة، إنها طفلة بحق. ولكن غيرتها قاتلة. والغريب أن جاسر مستمتع بتلك الغيرة.

لما شعر بالحنق من كلمات علاء، برغم أنه متيقن أنه يمزح؟ هو ليس برجل غيور بطبعه. في العادة غيرته مقبولة. يبدو أن رياح التغيير ستهب عليه. بعض التصرفات يشعرها غريبة عليه، كفضوله القاتل في الصباح ليعلم لماذا ذهبت للمقابر. هل شعر بالغيرة؟ لقد سعد لرؤيتها، ولكن من داخله كان حانقاً.

تنهد بقوة وهو يرى ضوء الفجر يزاحم سواد الليل ليزيحه وينتشر في الأفق. تنهد بقوة واعتدل جالساً. النهار في سبيله لإعلان يوم جديد. يوم سيبدأ فيه حياة فعلية بعيداً عن الذكريات والأطلال وأشباح الماضي. نفض ملابسه ليترجل للبيت. في الصباح ستفرغ والدته البيت، سينال قسطاً من النوم، ويبدأ بتجميع أشياء حبيبته، يودعها ويطلب لها من الله الرحمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...