أوقف جاسر السيارة في أحد أماكن الاستراحة على الطريق. جلس على المقعد ليطلب كوبًا كبيرًا من القهوة. لم ينعم بلحظة نوم واحدة منذ الأمس. الأمس كان آخر سطر بحياته مع عزة، خطتها هي بيدها الغادرة. مر أمامه أحداث اليوم الخانق، بدأ من سفره ووصوله لبيت والدتها صباحًا. في العاشرة. جاسر: خير، عزة جرالها حاجة؟ أم عزة: مش هتقوليلي اتفضل يا مرات عمي، ولا نكلم على الباب؟ فسحت الطريق لتعبره للداخل.
أم عزة: اتفضل، بس مش متعودة إنك تزورني. ده أنت حتى مبتعملهاش في العيد. بس طمني، هي عزة كويسة؟ جلس على المقعد. جاسر: زي الفل، وزمنها على وصول. بس ياريت فنجان قهوة عشان نعرف نتكلم. عادت بعد قليل تحمل القهوة لتجلس أمامه. أم عزة: في إيه يا جاسر؟ جيتك كده مطمنتنيش. جاسر: أنا بقالي قد إيه متجوز بنتك؟ أم عزة: ييجي حداشر سنة. جاسر: بنتك عمرها جتلك غضبانه؟ أم عزة: لأ. بس أنا مش فاهمة إيه الحكاية.
جاسر: هفهمك كل حاجة. بس جاوبيني، بنتك قالتلك إني عمري استخسرت فيها حاجة؟ أم عزة: لأ. جاسر: ولا حرمتها من حاجة؟ أم عزة: لأ. جاسر: بنتك ربنا أراد إنها متخلفش. عمري جرحتها بكلمة؟ أم عزة: لأ. الشهادة لله هي اللي قالتلك اتجوز. جاسر: جميل. لما بنتك بقى تخون العيش والملح وتخوني وتفتح خزنة مكتبي عشان تاخد تنازل الأرض بتاع بيان تديهولها، يبقى بنتك إيه؟ قالت بصدمة.
أم عزة: مستحيل عزة تعمل كده. جاسر، لما بيان جت هنا أنا فهمتها معدتش تيجي عشان مش عاوزة مشاكل. قال بغضب. جاسر: لما بنتك تعمل اللي قلتلك عليه، تبقي إيه؟ تبقي خاينة ومتستاهلش حاجة. قالت بعصبية. أم عزة: إنت إزاي تتهم بنتي باتهام زي ده؟ جاسر: الدليل زمانه جاي. جلس يحتسي قهوته ببرود ظاهري، ولكن ما بداخله يشتعل كجمرة نار. نصف ساعة وحضرت. عزة: جججاسر! إنت إيه اللي جابك؟ وجيت إزاي؟ نزع الحقيبة من يدها وقال.
جاسر: جيت بالعربية يا حلوة. وليه؟ عشان ده. أخرج الملف وأعطاه لوالدتها. جاسر: أدي الدليل. بنتك المحترمة سرقت مفاتيح جوزها عشان تسرق خزنته وتاخد ورق تديه لعدوته. بعتيني بكام يا عزة؟ عزة برعب: ااا أنا معرفش حاجة عن الورق ده. ووواكيد حور اللي حطته عشان توقع بينا. جاسر: عقد ذراعيه وقال بسخرية: حور دي أشرف من إنك تجيبي اسمها على لسانك. يعني مش انتي اللي أخدتي الورق؟ عزة: لأ.
جاسر: تمام. أنا هبلغ البوليس وهو يرفع البصمات ونتأكد يااا عزة. قالت برعب. عزة: بببوليس إيه؟ جاسر: مالك؟ إنت مش بتقولي مش انتي؟ خايفة ليه؟ أنا من بليل وأنا قافل المكتب بالمفتاح عشان البصمات. سخرت على المقعد وقالت. عزة: عاوز توديني السجن يا جاسر؟ سهير: يابني استهدي بالله بس ونتفاهم. جاسر: نتفاهم على إيه؟ بعتيني بكام يا عزة؟ بيان وعدتك بكام قصاد الورق ده؟ دفنت رأسها بين كفيها. عزة: ك كانت هتديني مليون جنيه.
جاسر: وصدقتيها؟ تفتكري واحدة ماشية في الحرام وقالتلك عشان تسرقي جوزك هتصدق؟ ياخسارة يا عزة. ياخسارة كل لحظة كذبت فيها نفسي وبقيت على العشرة. ياخسارة سنين ضاعت من عمري وأنا واهم إني بحب واحدة زيك. سهير: اهدي بس يا جاسر. هي غلطت بس أنا هعرفها غلطها. اهدي يابني واقعد. بس عشان نتفاهم. أي كان دي بنت عمك برضه ومش هترضى لنا الفضيحة يابني.
جاسر: انتي صح. للأسف بنت عمي. بس يكون في علمك. أنا لو شوفتك في أي مكان يخصني دمك هيبقى حلال يا عزة. ولعلمك أنا حاطط في المكتب كاميرات وسرقة جنابك متسجلة. عشان سيادتك فتحتي كشاف الموبايل. انتي طالق يا عزة. طالق. تحرك ناحية الباب وقال. جاسر: وابقي خليلك صور الورق اللي معاكي يمكن تنفعك. عزة: يابيه القهوة بردت. أجيب لك غيرها؟ رفع عينيه للنادل أمامه وقال. جاسر: لأ شكرًا. أنا ماشي.
انطلق على الطريق. قلبه يعتصره الألم، وتردد صوت حوريته الصغيرة بأذنه. "لو خرجت من قلبك كلامها ميجرحكش". تنهد بحرارة. "مش حب يا حور... مكنش حب". بس نفسي صعبانة عليه. مقهور. مش قادر أصدق إنها قدرت تخدعني الوقت دا كله. آآآه. وصل البيت في بداية الليل. جيد. هو ليس في حاله تسمح له برؤية أي حد. يحتاج فقط أن يضم الصغيرة بين ذراعيه ويخرج كل جراحه. والدته: انت كنت فين يا جاسر؟ نظر إلى والدته ويحيي النائم بين ذراعيها. حمله منها.
جاسر: معلش يا أمي أنا تعبان. والدته: مراتك بتولد. صاعقة مزلزلة تمتليء بحمم بركانية أصابته بالتجمد. جاسر: حور! إزاي؟ والدته: نيم يحيي على الكنبة وروحلها يابني. المستشفى غيث وسليم معاها. وضع الصغير على الأريكة الكبيرة ليخرج مسرعًا. كيف ركب السيارة؟ كيف وصل إلى المستشفى؟ غيث يحتضن بسمة الباكية. وسليم يحتضن عائشة. شلل مؤقت. صغيرتي. قلبه ينزعه أحدهم ببطء مميت. صوت محمود: هي كويسة يابني. متخافش كده. صوت ضعيف مهزوز خرج منه.
جاسر: حور جرالها إيه؟ خديجة: لسه بتولد. ادعلها يابني. جاسر: عاوز أشوفها. غيث: اهدي يا جاسر. الدكتورة معاها جوه. هي بتولد من امبارح. يونس بانهيار: حبيبتي يا حور. سليم: اهدي يا يونس. حرام عليك مش ناقصين شدة أعصاب. أبعد الجميع ليتحرك ناحية الغرفة ويقتحمها. لم يدرك أنه ضرب أحدهم ودفع أحدهم. يريد فقط رؤيتها. وأخيرًا سمع صوت صراخها بإحدى الغرف، فهرع للداخل. صوت ممرضة: دا دخل هنا إزاي؟ طلعوه بره.
حور: اااااااااه. الحقني يا جاسر. صوت ممرض: يا أستاذ مينفعش اللي بتعمله ده. هو يرى صغيرته المتألمة، وجهها محتقن من كثرة الألم وشعرها ملتصق بجبهتها الحارة. يقترب ليربت على رأسها. جاسر: أنا جنبك. متخفيش. حور: خلي بالك من ولادي. أنا بموت. وضع أصابعه على شفتيها. جاسر: أوعي تقولي كده تاني. حور: اااااااااه. "واء واء واء". الطبيبة: دا كان مستنيك بقى عشان ينزل. ألف مبروك. بنوته. جاسر: عشق جاسر للحوريه بتاعته.
حور: اااااااااه. واء واء. الطبيبة: إنتي بطل بجد. أنا أول مرة أولد تؤم طبيعي. ألف مبروك وحمد لله على سلامتك. ولد كمان زي القمر أهو. قبل جبينها وهو يرى الطبيبة والممرضة تنظفها. صغيرته ترتعش من البرد. لتعطيه الممرضات الفتى والفتاة الصغيرين. ليرتعش قلبه وتدمع عيناه. صغيرين بشدة. كان يتأمل ملامحهم الصغيرة. ترى من تكون عشق؟ وأيهم أنيس؟ صورة مصغرة لحوريته وقرينها الباكي بالخارج. الطبيبة: ألف حمد لله على السلامة يا مدام.
ليقترب من حوريته المبتسمة بشحوب. حور: إنتي كويسة؟ جاسر: قلتلهم. مش هولد إلا ما يجي جاسر. حور: صغيرتي قادرة على زرع الفرحة بقلبه أينما وجدت. الطبيبة: دول صغيرين أوي. جاسر: يا أستاذ دي ولادة في السابع. هستدعي بس دكتورة أطفال تبص عليهم. بس مبدأيًا الحمد لله مش محتاجين حضانة. حور: أنااا سقعانة أوي.
الطبيبة: معلش هننقلك الأوضة وتتغطي كويس. هتبقي كويسة خالص. حمد لله على سلامتك. أنا لو أعرف إنهم تؤام كنت فتحت قيصري. إنتي كنتي متابعة مع مين؟ جاسر: مع الدكتورة شاهندا محمود. بس هي أجلها الوجع وأنا مش موجود. فجبوها على هنا وحضرتك عملتي الواجب وزيادة. الطبيبة: دا واجبي يا فندم. الدكتورة شاهندا أستاذتنا كلنا. وضع جاسر أحد الأطفال بحضن حور وقال باسمًا. جاسر: أنا مش عارفهم من بعض الصراحة.
أخرج حزمة أوراق نقدية وأعطاها للطبيبة. قالت بسرعة. الطبيبة: حضرتك بتعمل إيه؟ الكلام ده مينفعش. جاسر: لأ ينفع طبعًا. دا أقل من حقه. دول ولاد جاسر الراوي. ممرضة: كبير كفر الراوي. خديهم يا دكتورة. أخرج حزمة أخرى ووضعها بيد الممرضة. الممرضة: قسموها على بعض. هي هتخرج إمتى؟ جاسر: حالا يا باشا. اجتمع الجميع بالغرفة التي نقلت إليها حور. بسمة ضاحكة: عملتيها إزاي دي؟ يخرب عقلك. غيث: ااه مش هولد إلا ما يجي جاسر.
سليم: عيال مؤدبة. لازم ياخدوا الإذن من أبوها. عائشة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. زي القمر يا حور. بس مش عارفة مين فيهم عشق ومين أنيس. حور: اللي إنتي شايلاها دي عشق. جاسر: وعرفتي إزاي؟ حور: من الهدوم. شارك الجميع في الضحك. خديجة: بسمة. أمال فين يحيي؟ جاسر: متقلقيش مع ماما. لما روحت كانت نايمة. يونس وهو يرفع الفتى: شوف ياحبيب خالك. من دلوقتي أهو بحذرك. خليك جبله. لهتتفرمط مرمطة مقولكش. اسأل مجرب.
جاسر: تعبتوا معايا كلكوا يا جماعة. معلش. محمود: إنت بتقول إيه يابني بس؟ غيث: اسكت يا عم محمود. إنت مخدتش الخضة. سليم: حقًا. دا أنا كنت بسوق وأنا بترعش. مع إني بولد بهايم بالهبل. حور: كده برضو يا سليم؟ غيث ضاحكًا: كلنا شفنا إنها تعبانة. وهي تقول أنا كويسة. لولا بسمة كنا سمعنا كلامها.
يونس: دي مفترية. كنت قاعد في وسط السكشن ومرة واحدة قلبي اتقبض وبطني وجعتني. أتفرج على منظري وأنا بتوجع وبقولهم أختي بتولد. هوريهم وشي تاني إزاي يا ظالمة؟ حور بتعب: ماشي يا يونس. أفوقلك بس. سليم: طيب يا جماعة لازم نسيبها ترتاح شوية. بسمة وعائشة: أنا هقعد معاها. خديجة: لأ طبعًا. أنا اللي هقعد معاها. جاسر: خلصتوا؟
محدش هيقعد معاها غيري. وبعدين هي كلها كام ساعة وتخرج بالسلامة. غيث خد مراتك وعائشة وروح عشان يحيي. وطمني ماما. وأنت يا عمي خد الحاجة معاك وروح. أنت وسليم ويونس. أنتو تعبتوا معانا النهارده. غيث ضاحكًا: اسجد سجدتين شكر يا سليم. فلّت من التسمم من أكل عائشة. حور: ليه كده يا أبيه؟ دي عائشة طبيخها حلو. عائشة: هو كده يا غيث؟ سليم: طب متزعليش. عنيا تحت الحوض وأنا هاكله بكرة. عائشة: يخليك ليا يا مسعودي.
غيث ضاحكًا: عائشة هبلت سليم يارجالة. انصرف غيث ومعه بسمة وخديجة في السيارة. خديجة: طمنوني. عاملين إيه؟ غيث: الحمد لله يا ست الكل. إحنا أخدناكي عشان بسمة كانت عاوزة شوية هدوم. أصل بصراحة شكلها مسخرة بترنجات. بسمة: ماما أنا هجيبلك يحيي بكرة عشان هنوضب البيت. خديجة: يابنتي هو إنتي مش هتبطلي الطبع ده. بسمة ضاحكة: لأ. أنا كده بحب التجديد. خديجة: أيوه ياحبيبتي بس إنتي لسه عروسة.
غيث: إحنا لسه هنفرش. والمفروض كنا هننزل النهارده نجيب الستاير والسجاد وقوضة يحيي وقوضتنا. بس اتلبخنا في حور. يا أمي فرحنا هنعمله مع سليم. خديجة: ربنا يفرح قلوبكم ويقرب بينكم في الخير. من غيث. لقد أبهرته بسمته اليوم. قوتها وحسن تصرفها. حتى أبهرها ضعفها والتجائها لذراعيه ليبثها الأمان. رأى لمعان السعادة بعينيها للمرة الأولى عندما حملت أطفال حور الصغار. إنها بسمة صافية اليوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!