بعد قليل كان يدخل البيت الكبير ليفاجيء بوالدته تغفو على مقعدها المتحرك وتضع يدها على يحيى. ربت على خدها فاعتدلت جالسة. "يا غيث، حور عاملة إيه؟ "بالسلامة وربنا رزقه بـ أنيس وعشق." "لله ألف حمد وشكر ليك يا رب." "بسمة يا أمي عشان ترتاحي، انت شكلك تعبان أوي." "اللي شكلكوا ميت من التعب." "غيث الأعصاب وحشة... لأ وايه حور اشتغلتنا بلوفرات على المقاس مش هولد إلا لما يجي. ودا جه خرج بالعيال تقوليش كانوا مستنين الإذن." "زينب
ضاحكة: ما هي عاقلة يا غيث... معرفتش كان فين." "سيبيه لما يرجع هبقى أعرف." أراحها غيث في الفراش لترفع بسمة عليها الأغطية وتقول بابتسامة. "اتعشيتي يا أمي؟ "يا حبيبتي أكلت مع يحيى ولد زي العسل ربنا يحفظه. أبقى هاتيه يعد معايا." "تصبحين على جنة." "من أهله يا حبيبتي." حاوط غيث كتفيها بذراعه ليتحرك للخارج. حمل يحيى النائم وتحركوا للخارج.
أراح يحيى بفراشه ليرفع عليه الأغطية، ليربت على شعره بحنان. لقد اشتاق للصغير، نعم هو ليس ابنه ولكنه شعر بهذا منذ رآه، شعر بهذا الصغير جزء منه. شعور رائع أن يكون لديك أطفال. شعر بسعادة حقيقية من أجل جاسر. سعادته الواضحة عيناه تتلألأ وكأنها أحد النجوم.
صوت فتح الباب جعله يلتفت إليها. ضوء الصالة ينعكس عليها ليظهر فتنتها. حسناً، يمكنه افتراسها دون خجل فهي لن تراه. ترتدي ترنج بنطال طويل وأكمام طويلة، ولكنه أظهر تكاوين جسدها الفاتن. إنها تستطيع تحريك رغبته حتى لو لم تقصد، حتى لو تغطت بإسدالها تفتنه. اقتربت لتهزه يدها الصغيرة برفق. اعتدل فهمس. "كل لقمة وخد حمام سخن وابقى نام. أنت ما أكلتش من الصبح." أمسك يدها ليتحرك للخارج حتى لا يوقظ صوتهم يحيى. رفع كفها ليقبله.
"يخليكي. أنا فعلاً محتاج حمام بس ملييش نفس." هزت سبابتها. "الكلام ده يا أستاذ... أنا سخنت الغدا وغرفت. يلا بقى." وقف أمام الطعام. "طبختي إمتى؟ "لما أنت رحت البيت قلت نتغدا وبعدين نبقى نمشي، بس اتلبخنا. يلا اقعد بقى. دا أنا عملالك فراخ وملوخية بس إيه رهيبة." ابتسم، يبدو أن سليم محق، إنها تتعامل بالفعل بحرية. تناول بعض الحساء وقال باستماع. "عقلي. عمري ما أكلت ملوخية حلوة كده." قالت بحذر: "عجبتك؟ "تسلم إيدك...
بس كلي أنت كمان ما أكلتيش حاجة طول اليوم." "اليوم كان طويل ومضغوط. دا كفاية القلق اللي كنا فيه." "مش متخيلة أنا كنت خايفة إزاي وهي بتنزف، بس معرفش إنك مسيطرة كده." "بعرف أتصرف وقت الضغط." "قاطعها: كده تنهاري." تنهدت: "في العادة مبنهرش قدام حد، بس يمكن عشان كنت مضغوطة شوية." أغمض عيناه للحظة. "ضغطك للدرجادي؟ قالت بسرعة: "أبداً...
بالعكس أنا أخدت على البيت بسرعة ومش حاسة فيه بالغربة. وغير كده أنا أصلاً عندي فوبيا من الدم." تنهد بقوة. "طيبة أوي يا بسمة." ابتسمت وهي تجمع الأطباق. "أنا هحضرلك الحمام على ما تخلص أكون أنا نظفت المطبخ." قالت جملتها لتتحرك أمامه متجهة إلى الحمام الكبير. "الحمام إزاي يعني؟ تحرك خلفها ليتابع ما تفعله. تملأ الحوض وتستشعر سخونة الماء. تضع بالماء من بعض الزجاجات التي أحضرتها معها بالتأكيد. التفتت لتشهق. "عليك خضتني."
اقترب ولثم خدها. "من الخضة يا بوسي." اشتعل وجهها لتهرب بلحظة مهمة بكلمات لم يسمعها. حسناً، شكل الحوض بالرائحة العطرة المنبعثة منه أغراه. خلع تيشرته ليفاجيء بها تشهق. "الخضة يا بسمة." قالت بارتباك: "أنا بس قلتلك هجيبلك الفوط وووو الحاجات دي."
قالت جملتها لتنتزع المنشفة وتضعها داخل الثبت وتهرب من أمامه سريعا. لينفجر ضاحكا. أكل هذا الخجل والارتباك لأنها رأته عاري الصدر. تمدد بالمغطس ليشعر باسترخاء غريب. أغمض عيناه وأراح رأسه للأعلى. تنهد بقوة ليهمس. "يا غيث...
لن ينكر وجودها معه بدل الكثير بداخله. انزاح الحزن الجاثم فوق صدره بمجرد الحديث معها. هذا الحديث الذي لم يتمكن من إخراجه من داخله لعشر سنوات. تلاشى شعوره المميت بالوحدة. صار يستمتع بمحاصرتها بالخجل ورؤية وجهها المشتعل. ما حقيقة شعوره نحوها؟
احتياج. ولكن الاحتياج شعور متبادل. هي قدمت اهتماماً لم يعهده بحياته. دفء. أعدت له طعام. رتبت فوضاه. ربتت على جراحه الدفينة. تركته يفرغ لوعت فراق حبيبته. اشتياقه لها. حظي بنوم دافئ لم يشعره بحياته وهي بين ذراعيه. ولكن ماذا قدم هو؟
بكائها، كلمتها العفوية تدل على أنها جرحت وبشدة من كلماته. من فيض الذكريات التي تدفقت عليه بالأمس حتى عندما تكلم وأساها بطريقة سطحية. وفي الحقيقة هي كانت تريد التخفيف عنه فحسب. هل يستطيع منح قلبه لأخرى؟ بسمة حركت شيئاً بداخله. لمست شيئاً من مشاعره. يأتنس بوجودها ولكن يحبها؟ هو دفن قلبه مع سماه. لما تلك الحيرة؟ منذ رحيل سما لم تطرق باله امرأة. لم يشعر بوجود أنثى بعد رحيلها. لقد عزف عن كل النساء. ولكن هي...
هي وحدها حركت رغبته. لماذا هي؟ قربها منه يجعله يتمنى المزيد. لماذا هي؟ يريد رؤية ضعفها الأنثوي بين ذراعيه. يبدو أن إرهاق اليوم أصابه بهلوسة. زفر بقوة. وبعد قليل خرج يجفف شعره بالمنشفة. كانت انتهت من تنظيف المطبخ. كان على وشك إلقاء المنشفة على أحد المقاعد ولكن يده توقفت لينظر إليها. اقتربت وأمسكت يده لتتجه ناحية غرفة صغيرة. فتحت الباب وقالت.
"القوضة دي هنخليها للغسيل. هي فيها وصلات للغسالة. شوف أي حاجة مش نظيفة حطها في الثبت دا، ماشي." قالت جملتها لتنتزع المنشفة وتضعها داخل الثبت. "إني حاسس إنك بتكلمي يحيى، بس ماشي." اقتربت لتقف على أطراف أصابعها وتلدغ خده قائلة بمشاكسة. "عليك شطور خالص وعشان أنت حلو هعملك بكرة كب كيك بالفراولة." يعرف أن اقترابها عفوي بحت وكلماتها مرحة، ولكن اقترابها جعله يتجمد حرفياً. جموده فسرته هي بشيء آخر. "أسفة مقصدش...
أناااا كنت بهزر معاك ووو." هي تعتذر بارتباك. وهو بوادي آخر. عيناه تعلقت بكرزتيها المكتنزتين ولونها الوردي المبهر. لمسه لم يتحكم بها من أصابعه ليستشعر نعومتها. ماذا لو تذوقها؟ اقترب دون وعي. نعم هو لا يعي أي شيء. فقط يريد تجربة مذاقها الشهي. لتتلامس الشفاه. تلك البسمة تصر على تشتيته وذهاب عقله. بشفاه ساكنة. عدم تجاوبها مؤلم بشدة. إنها امرأة مكتملة الرغبة. قطب بين عينيه إن كانت تنفر منه. لما؟
فتح عينيه ليصدم أنها ترتجف حرفياً. لتسند يديها على صدره وكأنها على وشك الوقوع. لتفتح عيناها تظللها لمعة مميزة بشدة لخضارها. لتخفض بصرها. أمسك يدها المثلجة وأجلسها ليجلس أمامها ويقول بعصبية لم يتمكن من إخفائها. "افهم ليه دا كله. لو مش عاوزاني المسك عادي. بس مينفعش تتعاملي معايا بالبرود ده." ارتعشت ذقنها وبدأت دموعها تسيل. تفرك يديها كطفل ينتظر التوبيخ. "آآآسفة... بس أنا مش عارفة أعمل إيه." قطب بين عينيه وقال بغضب.
"إيه مش عارفة؟ أنت كنتي متجوزة و... أغمضت عيناها وقالت. "واحد." قال بذهول. "بتقولي إيه؟ هزت كتفيها بعجز وقالت باختناق. "... كان تعبان من يوم الصباحية، بس أنا مش قلت لحد." حدق بوجهها بذهول. "إيه أنا مش فاهم... اتجوزك وبقيت حامل من يوم الدخلة؟ هزت رأسها موافقة. مسحت دموعها وقالت بارتباك. "آآآكان بيحبني بس أنا كنت خايفة وووانت عارف البلد واحنا أرياف وووو أنا آسفة." قال باهتمام. "إيه أنا عاوز أفهم."
بلعت ريقها بصعوبة وقالت. "كتبنا يوم الدخلة... أنا كنت خايفة أوي... ووو يعني يعني عشان بابا هيجي الصبح ووو فاااا يعني هو ضربني بس مش جامد... بس بعد كده طبطب عليا... ووو قلي متزعليش ووو وتعب تاني يوم وكان مش بيقوم من السرير." هز رأسه لعله يستوعب ما تقوله. "عايزة تفهميني إنه ملمسكيش غير يوم الدخلة وأخدك عافية، فانت فضلت عايشة على ذكرياته سنتين. طب اديني عقلك تتوعي إزاي دي؟ شهقت بقوة. وسقطت دموعها. "كل حاجة الحكاية دي...
حتى لو كان عاجزاً بالمرض برضه كنت هكمل معاه. ربنا قال مودة ورحمة. كنت بخدمه برضا عشان ربنا يدخلني الجنة." عاجز أمام كلماتها. عاجز أمام مشاعرها النبيلة التي ما عادت موجودة. وللحظات وضع سما مكانها. هل كانت لتصبر عليه؟ بالتأكيد لا. هذه يحركها إيمانها برغم العشق الذي كان بينهما. هو واثق أنها من المستحيل أن تحتمله. احتضن خدها ووجد نفسه دون وعي يعتذر. "آسف...
أنا بس بفكر زي البشر. صعب أوصل لحد بيفكر زي المليكة. أنتِ حاجة جميلة أوي بجد. حقك عليا عشان اتنرفزت عليكي." شهقت: "مش زعلانة منك... بس أنا خلفت الوعد. أنا وعدته إني مش هقول لحد." احتضنها إلى صدره وقال بانفعال. "نفسك مقولتيش. وأنا مسمعتش حاجة. عارفة أنا قلت إيه لـ عيشة قبل كتب الكتاب؟ رفعت رأسها لتحدقه. مسح دموعها. "اتعاملي مع سليم بحرية زيادة شوية." اتسعت عيناها فقال بابتسامة.
"سليم مستحيل يعدي الحاجز اللي بينهم. قلتلها لو مقدرتيش تعدي مش هتعرفي تعيشي معاه." "بثق في سليم للدرجادي؟ لدغ خدها وقال بابتسامة. "يا بوسي... بثق في إيمان سليم. عارف إنه مش هيتجاوز. عشان بيخاف من ربنا. زيك بالظبط. عشان نعدي الحاجز اللي بينا اتعاملي بطبيعتك وأنا مش هعلق تاني. ماشي؟ هزت رأسها موافقة. "مش هتزعل مني تاني." احتضن خدها. "بس موعدكيش إني مش هلمسك. بس بحدود لحد ما نعمل الفرح. بس عشان ناخد على بعض تمام."
فركت يديها وقالت بارتباك. "هتضربني." "ذكرياتك زفت في الحكاية دي. أنا مستحيل أمد إيدي عليكي." بس بلاش رعب، هي كل حاجة هتيجي لوحدها. ومش لازم تقعدي بكم وبنطلون في البيت، البسي هدومك عادي. بس لن اتنازل أني آخدك في حضني وأنام. قال جملته ليرفعها بين ذراعيه، ليريحها بجوار يحيي. يتمدد بجوارها، كان على وشك أن يعتنق ظهرها كالامس، ولكنها التفتت لتحتضن هي خصره. مهمهه... طيب أوي يا غيث، ربنا يخليك ليا.
ضمها إلى صدره وطبع قبلة وسط سبائكها المنتشرة. ليه... يا أحلى بوسة في الدنيا. وكزة رقيقة على صدره. تقولي كده عشان بتكسف. ونام بقى عشان هنروح بدري نجيب حور. هيجيبها. هيعرف يسندها ويجيب العيال. يا أحلى بسمة.
لن ينكر أنه منبهر بها، بطريقة تفكيرها، وجزء من داخله سعيد أنها كصفحة بيضاء لم تحمل بصمة رجل حقيقية. كل ما حملته ذكرى اغتصاب وطفل، مسكينة هي بسمته. وتجلت بعينيه لمعة عيناها فور قبلته تلك، اللمعة التي تجاهلها، والتي أخبرته أنها امرأة مكتملة، ولكن لم تكتمل رغبتها بعد. ستكتمل، ولكن بين ذراعيه هو، لتحمل بصمته وحسب. أخيراً داعب النوم عيناه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!