جلس غيث يداعب يحيي، والأخير يضحك بقوة ويجذب شعره وهو مستمر بدغدغة بطنه. ضحكات تلك الصغير دوماً ترتد بداخله، تفتح له طاقة نور. "احم."
نحنة ناعمة أخرجته من مرحه الطفولي. ليرى طرف ثوب بلون أرجواني، لتتبع عيناه اللون. يعشق الأرجواني. يضيق عند خصرها ليظهر خصر نحيل غاية في الروعة. وخمار بلون أخضر فاتح ليخفي باقي مفاتنها المبهره خلفه. اللعنة، إن فتنتها كاملة في هذا الوجه المستدير كاستدارة قمر منير. اليوم، تطفي حمرة طفيفة على خديها وشفتيها الوردية الجميلة. أعلنت انتهاء الحداد ورغبتها في متابعة الحياة معه. يبدو أن نظراته المفترسة أخجلتها، لأنها ضمت يديها أمامها لتفركهما. حسناً، لقد فتن بطلتها ووجنتها التي ازداد احمرارها.
"فكرة، انتي في بيتكوا مش محتاجة عزومة. اقعدي." ابتسمت وأشارت إلى شعره وقالت: "فكرة شعرك." مرر يده في خصلاته الطويلة نسبياً ليعيدها مكانها وقال: "يا يحيي، تشلفط الجثة... بس قولي بقي هي أمك حلوة أوي ليه كده؟ تعرف يايحيي إن أنا بحب اللون ده أوي." "أسيبك تعد مع يحيي." نظر إليها وقال بحزم: "ابقي قاعدة وتسيبيني وتقومي؟ عقدت ذراعيها وقالت بهدوء: "بس أنت بتكلم يحيي مش بتكلمني." ابتسم لو قال:
"إنك حلوة أوي واللون ده جميل عليكي أوي، ولون الروج تحفة." قاطعته: "وأقوم... وعلى فكرة أنا مش بحط روج." قالت جملتها لتمسح شفتيها المكتنزة بيدها ثم تفردها أمامه. هز رأسه نفياً وقال: "مصدقك على فكرة... أنا بحب أتأكد بنفسي." اشتعل وجهها وخفضت عيناها. "قليل الأدب." نظر إلى يحيي المحدق بوجهه: "كده يايحيي أمك بتشتمني." "يحيي كخ." "غيث يايحيي...
شوفي بقي دلوقتي عايزة أعرف رأيك في حاجة. ممكن نقعد في بيتي. اللي يحيي اجالي فيه ده أصلاً بيت أبويا الله يرحمه وأنا كنت عايش هناك لحد قبل ما أسافر. أو جاسر اقترح إني آخد جناح في الدور التاني في القصر. ده مقفول بس كل جناح فيهم تقريباً شقة منفصلة." تنهدت بقوة: "إنك ممكن تسيب بيتك؟ ولا كنت قعدت في القصر أصلاً."
"حقيقي أنا كل ذكرياتي في البيت ده. لو حابة هنغير كل حاجة. على ذوقك زي ما تحبي. ولو حابة تقعدي في القصر برضه عادي." تنهدت بقوة وقالت: "الأفضل يبقى المكان مستقل عشان يعني أبقى على حريتي." نظر في عينيها: "وفقتي ليه؟ قطبت: "عايزني أرفض؟ "بس ردك عليا في المقابر كان بيقول إنك هترفضى." "مش محرم ليه عشان أقف أفتح معاك حوار." "رحتي المقابر ليه؟
"مسألتكش أنت رحت ليه. ومع كده ده إنسان كان زوجي وكان لازم أودعه للمرة الأخيرة. عشان أقدر أقفل صفحة وأفتح صفحة جديدة." ورغماً عنه تأملها بإعجاب. "تنهدت بقوة. يبقى مش هينفع أتجوز." "فاهم." "غيري. أنت ممكن تتجوز وتفضل تفكر في مراتك عادي. ربنا مش هيحاسبك. بس أنا مينفعش أبقى في عصمة راجل وأفكر في واحد تاني. دي تبقى خيانة للأمانة. ربنا يحاسبني عليها."
نظر إليها باحترام وتقدير حقيقي. لقد أعجزته بحكمتها وتقواها. هل هي إحدى الملائكة؟ "وهو أنا لو فكرت فيها مش هتضايقي؟ "لأ... لكن وارد أضايق في المستقبل بس... برضه مقدرش أصرح بده. عشان القلوب بإيد ربنا محدش بيتحكم فيها. سألت أنا وفقت ليه؟ وفقت عشان صليت استخارة وحسيت إن أنا مرتاحة. وحور قالتلي إنك عارف ربنا ومش بتسيب فرض. وبابا كمان قلي كده." قال بتردد: "صريحة أوي... أنا بقى لسه مش قادر أقفل الصفحة. ومحتاجلك معايا."
"ما أنا هبقى معاك." تنهد: "يبسمة، أنا من ساعة ما رجعت من بره... مقدرتش أدخل أوضتي أنا وسما. ومش هقدر أعمل ده لوحدي. الأوضة فيها حاجاتها كلها لبسها وبرفانها و... أغمض عينيه وبلع ريقه. فقالت: "معاها." "لو مش هيضايقك هبقى محتاجلك معايا نقفل الصفحة دي مع بعض. ممكن؟ ابتسمت وهزت رأسها موافقة. "مش هتضايقي."
"فكرة. أنا عارفة كويس جداً إنها مش سهلة. خصوصاً اللي فهمته من كلامك إنك كنت بتحبها أوي. أنا كمان كان صعب عليا جداً إن بابا يمنعني من الذكريات اللي كنت عايشة عليها. ياجر البيت ويرجع حاجاته لأهله. حتى الصور. كنت في الوقت ده محتاجة أي حد يكون جنبي فعلاً. يمكن لولا سليم وكلامه معايا وحور كمان... مكنتش قدرت أتخطى المرحلة دي. صدقني أنا مقدرة أوي اللي بتقوله." قال بانفعال: "قلبك طيب أوي...
عارفة أنا مش عارف رحت ليه. رحت عشان أحكيلها ولا أودعها. حسيت إنها ماتت اليوم ده. قلبي كان وجعني بس كنت خايف." "من إيه؟
"ترفضى وتقفلي باب أمل اتفتح جوايا. مش عارف اتفتح إمتى بس أنت الوحيدة اللي قدرتي تعملي كده. عارف إنك هتستحملي كتير معايا. وهتتعبي كتير معايا. بس أنا حقيقي محتاجلك. وكل اللي بطلبه من ربنا إني أقدر أسعدك وعوضك اللي أنتِ معشتيهوش. واللي أنا كمان اتحرمت منه من سنين. عارفة ببقى مرتاح أوي وأنا بتكلم معاكي. مش عارف بيني كده هحبك باين." قاطعته بارتباك: "يحيي نام... وأنا لازم أنيمه."
حدق بوجهها المشتعل وتلك الأسنان اللؤلؤية القاسية التي تقضم شفتيها المكتنزة. ترى كيف يكون مذاقها؟ إنها تشبهه الكرز الطازج. اقترب ليتشتت برائحتها الأنثوية المغرية. يزفر الهواء بنعومة. غارق حتى أذنيه في فتنة مخفية عن عينيه. لمسة غير مقصودة ليده التي تحمل الفتى. ثم اعتدلت لتقول بسرعة: "عيشة قالت إن الفساتين أنت جبتهم وهما حلوين و... تصبح على جنة." قالت جملتها لتختفي من أمامه في لحظة. ممتعة هي بسمة خجولة.
كان غارقاً في تأثيرها. لما هي خجولة هكذا؟ أليس الأجدر بها أن تكون أقل حياء من هذا؟ سما كانت متحررة بشدة، تعبر عن مشاعرها ببساطة. دون خجل. وهذه البسمة تخجل من مشاعره هو. يد جاسر التي وضعت على كتفه أخرجته من شطحته لأرض الواقع. "يا أخينا رحت فين؟ "النجوم." "زمان يا غيث هترجع تاني للنجوم والقمر." "بتحب النجوم؟ "جاسر يا حبيبي خلينا نروح. اتفقت معاها على الشبكة والسكن." "غيث إيه؟
"جاسر يا غيث بدل ما أمد إيدي عليك قدام الناس. عدي." "سليم يا غيث أنت عجبتك القعدة لوحدك؟ هب واقفاً وقال: "هتحفلوا عليا." "خديجة يا جماعة العشا جاهز." "جاسر عشا إيه؟ إحنا يا دوبك نروح." "خديجة كده أزعل والله." "غيث قتيل العشا." ثم مال على أذن جاسر: "تعد معانا؟ سليم ضاحكاً: "واحد يا حلو. معندناش حريم تعد مع الرجالة." غيث بإحباط: "حمى... ماشي يا سي سليم بكرة تقع تحت إيدي يا حلو. معلش يا أمي خلي العشا يوم تاني."
"محمود يا ابني." اجتمع الرجال على مائدة الطعام ليسأل غيث: "يحيي لسه نايم؟ يونس ضاحكاً: "كده برضه يا غيث تاكله الشيكولاتة كلها؟ طب هتخانق على إيه دلوقتي أنا وبسمة؟ محمود: "يفضحك. أنت متسترش أبداً. بتاكلوا الشيكولاتة بتاعته الواد الصغير." تشارك الجميع بالضحك وقال غيث: "شيكولاتة يا سي يونس كده بس." انتهى الطعام ليرحل الجميع. ويتحرك سليم لغرفته. ينظر لعلبتها وكأنها كنزة دفين. متى يأتي الوقت الذي كلماتها أن يصرح بالعشق؟
عائشة من زرعت ورود ورياحين فواحة بقلبه. إنها ليست كما كان يعتقد فتاة مدللة. بالعكس تريد تحمل المسؤولية. جميلة هي جميلة بكل شيء. حديثها كلماتها المرحة وروحها الطيبة. أمسك الصندوق بين يديه تحسسه ليفتحه ويفرغه ليرى سلسة مفاتيح فضية محفور عليها جملة "الله يحفظك". ورقة صغيرة. "دي عشان تفتكرني غلاسة وأنت بتفتح الباب والعيادة والعربية. الوردة الحمرا جميلة. وأنا كمان بحبها أوي. عائشة." ابتسم وهو يتمسك بتلك القلادة:
"يحفظك ليا يا عيشة." استلقى على الفراش. من كان يصدق أن سليم الذي عاش طوال عمره يحارب فتنة النساء يقع بفتنة تلك اليمامة البيضاء صاحبة عيون الغزال الواسعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!