في يوم كان ينتظر بالسيارة أمام المدرسة ليتابع الحركة الساكنة، ثم تبدأ بعض الفتيات في الظهور فيغض بصره كعادته، ولكن عيناه تخونه وتتفلت من حصاره ليبحث عنها في هذا الجمع. حتى تتلاقى العيون فتهرع الصغيرة نحوه لتركب السيارة. "طمنيني عملتي إيه؟ قالت بسعادة: "عليكِ دا أنا بيذكر لي جاسر باشا الراوي بجلالة قدره." انفجر ضاحكًا، لتقطع ضحكته إحدى الفتيات بشعر أصفر وتضع الكثير من مستحضرات التجميل. "يا حور مش تعرفينا؟
التفتت إليه لتنزع يدها عن السيارة وتقول بغيظ: "بمناسبة إيه يا ست إيه؟ شوفي لكِ سكة يا ماما." بمياعة قالت: "بصراحة مش مصدقة إن القمر ده يبقى جوزك." قالت بغضب وهي تفتح باب السيارة لتدفع الفتاة وتقول بغضب: "أكبر في عينك، والله ما أسيبك يا إيه." أمسك ذراعها قبل أن تنزل وقال: "رايحة فين يا مجنونة إنتي؟ قالت بغيظ: "يا جاسر أنا هنزل أربيها عديمة التربية دي." مد يده ليغلق بابها وانطلق بالسيارة، لتقول بعصبية: "وقلة أدب."
رمقها بنظرة سريعة وقال: "تهدي شوية، ما حصلش حاجة عشان دا كله." التفتت إليه وعقدت ذراعيها: "بقى تلقيك فرحان بنفسك عشان قلت لكِ قمر، مش كده؟ ضحك بقوة، ولا يعرف سبب ضحكاته من ثورة الصغيرة التي أكملت بغضب: "مهو أنت غاوي حاجات ملزقة وملونة." أوقف السيارة على جانب الطريق: "إيه بقى؟ أشاحت بوجهها وقالت باختناق: "ست زفت اللي بتعاكسك كده عينك عينك، وأنت بتضحك عادي بدل ما تنزل وتديها جوزين قلم. عجبتك المسخرة والمياصة مش كده؟
سعيد لن ينكر هذه الصغيرة، عكس عزة في كل شيء. أدار وجهها ليفاجيء بدموعها. "بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا أصلًا مش شفتها، ربنا أمرنا بغض البصر، أنا دورت وشي أول ما قربت." قالت بلهفة: "بس أنتَ قلت ملزقة وملونة. نرجع بقى نشوفها وربنا غفور رحيم." ليفاجيء بالمجنونة تقفز ليصبح نصف جسدها فوقه وتضربه بقبضتها الصغيرة وهي ترتعد: "لواحدة غيري فاهم ولا لأ؟ كان يضحك بقوة، حتى قالت جملتها الأخيرة ليحتضن وجهها ويهمس: "عاوزاني مش أشوف غيرك؟
"... ومتكلمش غيري و... امتلأت عيناها دموع، علم الآن سبب بكائها بالأمس. فهمس: "اسمها إيه بقى غيره؟ سقطت دموعها وقالت بانكسار: "زودتها ودا مش من حقي، أنا آسفة." كانت في سبيلها أن تعتدل، ولكنه سحبها لتصبح على ساقيه وهمس: "مراتي من حقها تغير عليا." رفرفت عيناها بروعة وهمست: "... تعلقت عيناه بشفتيها، اشتاق لشعور دفئها. همس وهو يقترب منها: "كده كنتِ بتعيطي امبارح؟ "عني... عارف حسيت بوجع هنا."
أمسكت يده لتضعها على قلبها المرتجف كعصفور صغير. حركتها عفوية بشدة، يعلم هذا جيدًا، ولكنها أشعلت كل شيء بداخله. مفتون، مسير وليس مخير، ليتناول شفتيها بقبلة مثيرة بشدة. ليهمس بصوت متحشرج من العاطفة: "قلبك يا حوريتي." لتحدق المعتوهة بوجهه وترفع أصابعها الصغيرة لتداعب خصلات شعره، وتمس بصوت هامس: "جاسر لحور وبس." لتتعالى أنفاسه بقوة، هو على وشك الغرق في فتنتها لولا بوق سيارة تسلل لأذنه.
"اللعنة، هذه الصغيرة تفقده عقله بالكلية. جيد جدًا أنه على الطريق السريع المؤدي للمدينة." همهم بخفوت: "كده إحنا في الشارع يا مجنونة إنتي." شهقت بقوة تقفز على مقعدها وتدفن رأسها بين كفيها. مرر أصابع مرتعشة في خصلات شعره يحاول استجماع تشتته. الصغيرة بعثرته باتقان، أشعلته بلمسة. زفر الهواء بقوة عدة مرات. ليدير السيارة وينطلق بها. توقف أمام أحد المحلات، كانت لا تزال تدفن وجهها بيديها. قال بضيق: "حاجة يا حور عشان دا كله؟
لترفع وجهها الأحمر وتهمس باختناق: "آسفة." لا يعلم لما غضب من اعتذارها. لا يجب أن تعتذر. لقد غرق بتصريحها ولمستها. أشاح بوجهه وقال بعصبية وهو يفتح الباب: "يا حور انزلي." ترجل من السيارة ليغلق الباب بقوة، أفزعتها وأدمعت عيناها. لتنزل تتحرك بجواره بانكسار. لهذا الحد لا يطيقها، هو يريد فاتنته وحسب. طلب لها أحدث الهواتف ليضع به خط جديد ويناوله لها. همهمت بضيق: "مش عاجبك؟ "حلو، بس مش هعرف أستعمله."
"كتالوج يا حور، اقريه وإنتي هتعرفي. يلا بينا." زفر بقوة وتركها بالمحل وخرج. لتتبعه. لقد قسى عليها بشدة. يراها تتحرك ناحية السيارة بانكسار. "استني." توقفت مكانها ولكنها لم تلتفت. فوقف قبالتها: "عشان اتنرفزت حقك عليا." "حاجة؟ أمسك يدها وقال باسمًا: "تعالي نلف في السوق شوية."
تحركت بجواره وعقلها شارد. لقد تجاوزت كل الخطوط بفعلتها. هو لا يريدها، حتى لو قبلها. هو لا يراها امرأة. دخل بها أحد المحلات. ليس لديها أي فضول لرؤية ماحولها. لم تنتبه إلا عندما أمسك يدها ليضع بها خاتم زواج. نظرت إلى يدها وإليه باستغراب. "إيه رأيك في دي؟ هذا الخاتم يثبت أنه لها. حمقاء، هذا الطوق يثبت أنها له وليس العكس. وبدون وعي سقطت عيناها على يده التي تحمل طوق عزة، لتمتلئ عيناها دموع. ليغتال حزنها بلحظة عندما
يناولها مجموعة ويعلق: "اخترت بتاعتك، اختاري إنتي بقى بتاعتي." قالت بلهفة: "لدغ خدها. إنتي اللي هتلبسهالي." بحثت بحماس وعيون لامعة لتنزع واحدة من البلاتين الأسود وتضعها بخنصرها فوق الأخرى الباهتة بيده. ليرفع يده ويتأملها: "حلو يا حور." "عجبتك؟ "يلا بقى، قدامك المحل اختاري اللي انتي عاوزاه." تحركت أمام المعروضات وبجوارها موظفة المحل. انتقلت سلسة بمصحف كبير نوعًا ما، وواحدة بها قلب رقيق، وأخرى فارغة. قال باستغراب:
"تلت سلاسل فوق بعض؟ قالت بعفوية أربكته: "الكبيرة دي لماما الحاجة، ودي لعيشة." أمسك الفارغة وقال: "بقى لمين؟ قالت بخجل: "بس هجيب فيها حرفين، حرفي وحرفك عشان يبقوا مع بعض." غريبة هي حقًا. أمامها ذهب وألماس وكل ما لفت انتباهها سلسة بسيطة. ورغم عنه امتلأ تقدير لها. تذكرت أمه وأخته الصغيرة. تصر على بعثرته كالعادة. تناول مجموعة الخواتم وبدأ ينتقي لها. قالت بحدة: "لمين؟ حدق بندقها المشتعل وقال: "واضح إنك مكسوفة."
انطفأ اشتعال عيناها وقالت: "والله أبداً، أصل أنا مش بحب البهرجة يعني... بعد إصرار منه لم تنتقي الصغيرة سوى خلخال وسلسلة مفاتيح أنيقة من الفضة. وبعد مشاجرة دفع ثمنها. لتعطيها له: "سلسلة مفاتيحك شكلها مش حلو، دي أحلى." هذه الفتاة ستذهب بعقله تمامًا. إنه على وشك ضمها بين ذراعيه، ولكنه اكتفى بإحاطة كتفيها بذراعه ليهمس: "يلا بقى عشان تشوفي هتجيبي إيه لامك وإخواتك. شوفي المول اللي هناك ده هنتلاقي فيه كل حاجة."
فراشة محلقة تفرد جناحيها لتنشر السعادة. كانت تنتقي لكل واحد هدية بعد أن تسأل على ثمنها. وقفت داخل محل العطور. ظن أنها ستنتقي لها واحدًا، ولكن الصغيرة دوما تفاجئه. ترفع يدها أمام أنفه: "رايك؟ شممهم وقال: "رجالي، جايباه لعمك؟ "ليك... هاه، إيه رأيك؟
دفعت الحمقاء ثمنه بكل النقود التي تحملها. علم الآن لما سألت على ثمن الثياب. لتردها بالعطر. لم ير في حياته امرأة تحمل هذا القدر من الكبرياء. كانت تتطلع إلى محل الزهور. هل تحب الصغيرة الزهور مثله؟ تقدم ناحية المحل واشترى زهرة توليب واحدة تشبه الصغيرة بندرتها وروعتها. تعلقت عيناها به منذ خروجه. ناولها لها لتلمع عيناها وتقول بانفعال: "دي عشاني؟ هز رأسه موافقًا لتقفز الصغيرة وتتعلق بعنقه: "يخليك ليا، أنا فرحانة أوي."
أبعد ذراعيها وهمس برفق: "خلي الجنان دا أما نبقى لوحدنا." رفرفت عيناها بقوة ليشعل وجهها: "الفرح دا عشان وردة." احتضنت الزهرة: "أنا بحب الورد أوي." "مش محتاجة حاجة تانية؟ "ربنا يخليك." "تعالي بقى نتغدى عشان تلحقي تشوفي الجماعة ونروح." دخل أحد المطاعم لتجلس أمامه. لما عيناها امتلأت حزن مرة أخرى. طلب الطعام. يراها تتلاعب بطعامها وهي شاردة. "إيه فيه؟ نظرت إليه وقالت: "مش ينفع أبات عند ماما اليومين دول يعني؟ قاطعها:
"تباتي بره بيتك؟ ما الذي جعله يقول ذلك؟ عزة تسافر بالأسبوع عند والدتها ولم يعترض ولا لمرة واحدة. زفر بقوة: "عاوزة تباتي هناك ليه؟ فركت يديها وقالت بارتباك: "بس... أصل يعني بدل ما أنام لوحدي." لهذا الحد تريد الهروب من البيت حتى لا تراه معها. ورغم عنه ابتسم ليرفع يدها التي تحمل طوقه ويطبع عليها قبلة ناعمة: "كل يوم لحد ما تنامي، ماشي؟ "والنبي." هز رأسه موافقًا لتتمسك بكفيه وتقول بسعادة: "ميحرمشيش منك أبدا."
قضوا وقتًا ممتعًا حقيقيًا. في بيتها للمرة الأولى التي يعرف أن حمزة أخاها التوأم نصفها الآخر شبيه صغيرته. تتحرك بارتياحية شديدة. لأنها تنتمي لهذا المكان. عائلتها كريمة برغم فقرهم. متماسكة بشدة يملؤها الود.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!