والله الواحد مش عارف كان هيعمل ايه من غير حور. "هي حور كده بتحب تهتم بكل حاجة... بس انت بتاكل يحيي ومش بتاكل." "بتهيألك، أنا باكل، انتي اللي مش بتاكلي." "أنا شبعت الحمد لله... هات يحيي عشان أغسله." "لأ، أنا هغسله... ممكن فنجان قهوة؟ "بالليل كده مش هتعرف تنام." "مانا مش عايز أنام." قال جملته وحمل الصغير للحمام. عاد بعد قليل ليجدها حملت الأطباق ونظفتها وتقف بالمطبخ تبحث عن القهوة.
جلس يحيي على الأريكة واتجه ناحية المطبخ. وقف خلفها وقال وهو يفتح أحد أبواب الخزانة: "بصي القهوة أهي والسكر أهوه والكنكة في الدرج دا." "طب ممكن تنزلهولي عشان مش هطول." اقترب تلقائياً لينزل العلب. التصق بها عفوياً، ليضطرب هو لسبب لايفهمه وترتعش الجميلة. رعشة أثارت فضوله ليلفها بين ذراعيه فتخفض هي وجهها المشتعل. "مالك في إيه؟ "مفيش حاجة بس... آآ هعملك القهوة و... "انتي خايفة؟ "أبدا بس... يحيي و... "اهدي يابسمة...
إحنا لسه ماخدناش على بعض عشان أاقربلك." حمل العلب ووقف يصنع القهوة. "أنا هعملها." "أنا وانتي واحد. قوليلي بقي اخترتي اللون دا ليه؟ "أنا بحب النبيتي." "أنا كمان. لما شوفت الفستان دا فكرت أجيبه لعيشة عشان لما تتخطب وجبته فعلاً نبيتي، وبعدين افتكرت إن عيشة مبتحبش اللون ده فجبت التاني... بس انتو غيرتو معالمه خااالص." "لأ هو زي ما هو بس مينفعش نلبسه كده يعني... عشان حرام." حمل كوبه وناولها واحد وقال باسمة:
"على فكرة أنا عملتها مظبوط عشان أنا بشربها كده." "أنا كمان بشربها مظبوط." تحرك للخارج للتحرك هي خلفه. وضع الكوب ورفع الصغير النائم وقال: "هنيمه جوا عشان ميقعش." قال جملته وتوجه لغرفة جانبية ليريح الصغير. تركت لعينيها العنان لتأمل البيت على الأقل. رفع صورته وزوجته من الصالة الكبيرة. عاد بعد قليل وقال: "متقلقيش، غطيته." "أنا مش بقلق عليه وهو معاك." جلس بجوارها.
"عشان بحس إنك بتحبه وهو كمان حاسس بكده عشان كده اتعلق بيك." خرج علبة لفافاته وقال: "يضايقك لو دخنت؟ "مكنتش أعرف إنك بتدخن... بس ده خطر على صحتك." "يعني بتضايقي؟ "لأ، أبداً، براحتك." أشعل لفافة ونفث دخانها وقال: "بسمة، اقعدي براحتك، متحسسنيش إني ضغطك." "فركت يديها." أمسك يدها: "انتي إيدك متلجة... ياماما اهدي." زفرت بقوة وكأنها تستدعي الهدوء. "مقلتليش بقي عملتوا إيه في الفستان." أشارت إلى رابطة تحت ذقنها:
"معملناش حاجة، إحنا بس لبسنا غطا عليه مش أكتر." "طب أنا عايز أشوفه." "في إيه؟ انتي هتموتي؟ أنا جوزك على فكرة." "طب... أغمض عينيك." "هشوف الفستان في الحلم." ابتسمت. "أيوه كده فكّي." أخرج من جيبه شوكولاتة وقال: "سمعت إنك بتحبي الشيكولاتة." "بحبها جدا... جربتي القهوة بالشيكولاتة؟ "ودي إزاي بقى؟ مسكت اللفافة من يده وأطفأتها لتفتح الشيكولاتة وتخرج قطعة وتناولها له: "حطها على لسانك وخد بوق قهوة."
"مش عارف ليه مش حاسس إني بتغفل بس ماشية." فعل كما قالت: "امممم تصدقي فعلاً جميلة." فعلت مثله لتغمض عينيها وتهمس: "عندما تعشق الشيكولاتة." ضحك على كلمتها المسرحية وقال: "تنفعي تعملي إعلانات، بس برضه هشوف الفستان." "هو انت مش بتنسى؟ "أنا مش يحيي يابوسي." اتسعت ابتسامتها لتظهر غمازاتها الممتعة. "حلو بوسي... محدش قالهولي قبل كده." رفع يده وفك رابطة الغطاء وقال: "لما أقول كلمة تتنفذ، ماشية؟
هزت رأسها موافقة. إنها بالفعل تخافه. أبعدت الغطاء لتخطف عيناه. اللعنة، إنها فاتنة، فاتنة أكثر مما يجب. بشرة لبنية بيضاء تضاهي بشرة الأطفال نعومة. شامات رائعة على كتفها. شعر أشقر لامع وكأنه سبائك ذهبية منسابة. زفر بقوة. "حلو أوي... زي ما يكون متفصل عشانك." ابتسامة خجلة أخرجتها من توترها جزئياً. "شكراً... انت كمان البدلة لونها حلوة عليك."
"عيشة امبارح قالتلي على موضوع الفستان وأنا سألتها اختارتي أي لون. في بعض حاجات بتعدي عليا مش باخد بالي منها، لو منبهتنيش تفلت مني زي موضوع الشبكة مثلاً، لولا إن جاسر نبهني مكنتش خدت بالي. وده مش قلة اهتمام على فكرة، بس فعلاً في حاجات بتقع مني مش باخد بالي منها." هزت كتفها. "على فكرة عادي... حتى لو مجبتش خالص مش هتفرق يعني... كانت كفاية الدبلة جدا." ابتسم.
"لأ، اللي في العلبة الحمرا ده ذوقي. أنا اللي في العلبة الزرقا دي شبكة ماما. هي متعودة على كده، إحنا نجيب بفلوسنا وهي تجيب. عملت معانا كلنا كده. اتفرجي بقى على سليم وهو بياخد علبته، كنت حاسس إنه هيتفرقع بس طلع مخه كبير وعدى الليلة لأنه لو كان قال لأ كان هيقلب الدنيا. انتي متعرفيش ماما جبروت." ضحكت. "لأ خالص، دي طيبة وحنينة جدا." ابتسم.
"ماما شخصيتها قوية جدا، يمكن مكنتش باينة أيام بابا أوي أصل هو كان كبير إخواته. البيت كله كان بيترعب منه، كلمته دستور غير قابل للمناقشة. يمكن أنا شوية منزلتش تحت إيده، بس اللي كان بيعمله في جاسر مش طبيعي، كان بيضرب جاسر وأخاف أنا. كان مربيلي الرعب بضربه لجاسر، كنت أعمل العملية وهو اللي يضرب." قالت ضاحكة. "يا حرام، ده انت كنت مفتري." "هو أنا اللي كنت بضربه؟ "اذكروا محاسن موتاكم."
هب واقفاً ليخلع سترته وألقاها على إحدى المقاعد المنتشر عليها ثيابه. "لأ من ناحية محاسن، فهو كان في محاسن وعفاف وتهاني." قطبت. "مين دول؟
"الأسماء اللي جت في دماغي. بابا على قد شدته دي، لما كان جاسر أو أنا بنتعب، كان بيفضل قاعد جنبنا طول الليل. ومرة جاسر جاله الصفرا كان بيموت، شفت دموعه. عمره ما حرمنا من حاجة، بس هو كان شايف إن قسوته على جاسر هي اللي هتخليه يشيل المسئولية. لحد ما اتولد علاء، ده بقى كان الدلوعة، هو بن البطة البيضا وإحنا ولاد البطة السودا." "طب اشمعنى علاء؟
"عارفة، متلقتش السبب. واحد، علاء شبه ماما وهو كان بيعشقها، أي حاجة تقولها لازم تتنفذ." قاطعته. "انت بتدور على إيه؟ أكمل عبثه بالملابس الملقاة على إحدى الأرائك وقال: "على ترنج، مش بعرف أقعد ببدلة، بتخنقني." هبت واقفة وتوجهت ناحية مقعد آخر وقالت: "انت مرتب جدا الصراحة. واضح إنك بتدور في كنبة هدوم الخروج، الترنجات على الكنبة دي."
اعتدل واقفاً وتأملها. ترتب فوضاه. هو يعلم جيداً أنه كائن فوضوي. سما كانت مثله، لذا استعان بخدم للبيت. كانت تحاول فك طلاسم الثياب المبعثرة وتطوي كل منامة مع بنطالها. ناولته ترنج كحلي. "السترة دي تقريباً ده بنطلونها، أصل معظمهم يا أسود يا كحلي." تناول الترنج ضاحكاً. "لأ، مهو انتي مش فاهمة، أنا بلبس الترنج على بعضه مرة واحدة بس، وبعد كده مش فارقة بقى." "وطبعاً المرة دي أول ما تطلعيه من الكيس... "صحة."
هزت رأسها لتكمل طي باقي منامته. "على فكرة كلهم نضاف، ممكن تاخدي واحد تغيري هدومك بدل ما انتي قاعدة متأربجة كده." قالت بسرعة. "ماشي، على الأقل ده مستور، بس متتريقش." انتقى واحد بنفس اللون الكحلي ووقفت. "ادخلي في الأوضة اللي نايم فيها يحيي على ما أغير أنا كمان." تحركت للداخل. بدل ملابسه وحاول أن يعدل ثيابه كما فعلت، ولكنه فشل فالقاها على أحد المقاعد. "هي بتطبقهم إزاي؟
فتحت الباب لتظهر أمامه. فهم الآن لما تحدثت عن السخرية. إنها تغرق حرفياً بمنامته. إنها ضئيلة بشدة، أو أنه عملاق ولم يلاحظ هذا إلا الآن. تحركت ببطء خشية أن تتعثر وجلست على أقرب مقعد. تثني البنطال حتى ظهرت قدمها الصغيرة وعلقت. "عارفة هتموت وتضحك... شكلي مسخرة صح؟ اقترب منها وقال باسماً. "يعني هو كان كفاية الجاكيت... أول مرة أعرف إن أنا عملاق أوي كده." هزت كتفها وقالت. "هو...
العيب مش فيك، انت في الحقيقة. على فكرة البيت حلو وتقسيمته كمان." أمسك يدها بطريقة عادية وقال: "تعالي لما أفرجك عليه." البيت مكون من عشر غرف تقريباً، هذا بالإضافة إلى الصالة الكبيرة والمطبخ المكشوف. أدخلها كل الغرف تقريباً ما عدا غرفة واحدة. لم تكن بحاجة أن تسأل، إنها بالتأكيد غرفة زوجته الراحلة. قال:
"إحنا هنغير كل حاجة. خسارة حرام العفش شكله جديد، هو بس محتاج حملة نظافة محترمة وهنغير في أماكن شوية حاجات. يعني هننقل السفرة مكان الليفنج، وهنغير الستاير عشان لونها غامق، هنحطها بيضا، والسجاد كمان عايز يتغير." قطب بين عينيه. "تخيلتك عايزة تغيري كل حاجة. على فكرة ده حقك ومش خسارة ولا حاجة." "لو تغييره هيريحك غيره... هو ذوقه حلو لو اترتب." قال بحزن. "البيت كله ذوقي ما عدا اللي انتي قولتي عايزة تغيريه، و...
أوضة النوم الكبيرة." اقتربت خطوة. "انت قلت إنك محتاجني عشان تقفل الصفحة القديمة... بس اللي لاحظته إنك شلت صورها من البيت." جلس على المقعد ليشعل لفافة وقال: "تعرفي إن أهلها قطعوني بعد أما ماتت؟ أختها قالتلي انت السبب. بكرة هتنساها وتعيش حياتك. مش عارف ليه افتكرت الكلام ده وجاسر بيشيل الصور بتاعته." تنهدت بقوة وجلست بجواره. "ندمان مش كده؟ هز رأسه نفياً وقال:
"لأ، بس برتاح لما بتكلم معاكي. عارفة يمكن انتي الوحيدة اللي بقدر أتكلم معاها عن اللي جوايا ومش عارف ليه ببقى حاسس إنك فهماني. كأني بتكلم مع نفسي." "أنا فاهمة إحساسك... وعلى فكرة كل الأهالي كده. أهل حسام قطعوني بعد موته، ولولا إن هو كان كاتب البيت باسمي كانو طردوني منه. ومش كده وبس، محدش فيهم هان عليه يسأل حتى عن الولد، ولا حتى شافوه. أخواته قالولي انتي اللي موتيه أخونا، كان كويس قبل ما يتجوزك."
يبدو أنه أيقظ شجونها. عيونها الدامعة وصوتها المختنق يثبت هذا. اعتدل في مواجهتها. "هو مات إزاي؟ تنهدت بقوة. "بعد جوازنا بأسبوع جتله حمى، سخونية عادية. اتصلت ببابا وأخدناه ورحنا المستشفى. الدكتور حطه تحت الملاحظة وأداله علاج... بس السخونية مش بتنزل. بلغت أخوه الكبير وأجى على المستشفى. أربع تيام ومحدش فاهم السخونية دي سببها إيه. سافرت معاه مصر واتحجز في عين شمس التخصصي وبعد يومين طلع التشخيص...
كنسر في الكبد وفي المرحلة الأخيرة. بس ربنا رحمه من الألم، دخل في غيبوبة كبدية وبعدين مات. رجعت البلد بيه بس في كفن. وعلى قد ما كنت مكسورة أوي، بس كنت بطمن نفسي، ده ميت بطون يعني شهيد عند ربنا. وربنا خففها عليه، متألمش كتير. بس إخواته مشافوش كده. شافوا إن أنا اللي موته، وإني نحس. رحت بيتي عشان مينفعش أخرج في العدة. أجع طردوني. أنا مكنتش أعرف إن حسام كتب البيت باسمي. بابا بس اللي كان عارف وقفلهم وحصلت مشاكل، طبعاً غير الكلام الجارح اللي كان بيتقال. ورجعت بيتي. فضلت معايا حور ويونس، سليم مكنش لسه رجع. لحد ما عرفت إن أنا حامل. يوميها ماما خديجة خدتني في حضنها وقالتلي ربنا بيعوض صبرك خير. عارف بقى إخواته كان رد فعلهم إيه؟
أخوه الكبير قالي الطفل ده لازم ينزل." قال بغضب. "طب ليه؟ سقطت دموعها.
"عشان المفروض إن يحيي له حق أبوه في الميراث وهما مش عاوزين كده. هما كانو قسموا فعلاً نصيب حسام عليهم. عشان كده بابا قعدني في البيت ومنعني أروح لحد ما ولدت. كان خايف حد منهم يتعرضلي أو يأذيني. أنا عارفة انت حاسس إيه. حسيت إحساسك ده لما بابا قرر يأجر البيت ويلم حاجاته كلها وصوره ويبعتها لأهله. لما عمل كده حسيت إنه مات اليوم ده، وإنه معتش هيبقي موجود تاني."
لما انتابته هذه المشاعر المتخبطة، لما جذبها بين ذراعيه يربت على ظهرها وكأنه يمنحها الدعم. كلا، لقد شعر أنها من تمنحه الدعم وتربت على جرحه. هل يداوي الألم المماثل؟ رفع وجهها ومسح دموعها وهمس بانفعال: "انسى... زي ما أنا كمان هنسى. يمكن ربنا بعتك ليا عشان يفتحلي باب... بس لازم ندخله سوا." مسحت وجهها وقالت بسرعة. "معلش بقى... جت فيك المرة دي... أنا بس كنت عاوزة أخفف عنك."
تأملها. وجهها، أنفها الصغير يعلوه الاحمرار، شفتيها الكرزية. رفع يده وأزاح خصلاتها خلف أذنها وقال باسمة: "تعرفي إنك جميلة قوي." بدأ الاحمرار يغزو وجنتها لترفر عيناها بسرعة وتهمس. "شكراً... آآا على فكرة انت مش أكلت كويس." وابتسم. "أنا مش جعان... غريبة إنك بتتكسفي أوي كده." هزت كتفيها. "الحياء شعبة من الإيمان." ضحك بقوة. فقالت. "انت بتضحك ليه؟ "أصل سليم قالي كده. هو انتو ليه شايفيني بجح؟ هزت كتفها.
"يمكن عشان انت جريء شوية... و... قليل الأدب حبتين." انفجر ضاحكاً. "أنا قليل الأدب... طب ليه كده؟ ده أنا حتى لسه مقلتش أدبي خالص." تنهحت وقالت بارتباك. "آآا أنا هروح أطمن على يحيي." كادت أن تقوم ولكنه أمسك يدها. "انتي خايفة مني ليه؟ بسمة، إحنا لسه بنتعرف... يعني عشان نقدر ناخد على بعض لازم نشيل الحدود بينا." "أنا مش خايفة... بالعكس أنا بطمن معاك." "بس مش قادرة لسه تستوعبي وجود راجل في حياتك مش كدة." أغمضت عيناها.
"ممكن يكون ده إحساسك... أنا أصلاً متعودتش على وجود راجل في حياتي... فلسه مش عارفة أتاقلم... أو... يمكن خايفة أتعلق بيك... مش عارفة. يمكن أنا مجربتش المشاعر اللي انت عشتها مع مراتك الله يرحمها." تنهدت بقوة لتفتح عيناها. "شوف، انت قلت إنك محتاج تلم حاجتها. عارف فرحت إنك فكرت فيا. عارفة إن ده صعب عليك، والأمكنتش سبت البلد كلها. ممكن يكون ده السبب اللي مخليك عاوز تغير البيت." قاطعها.
"لأ مش ده السبب. اللي فهمته من عم محمود إنك ملحقتيش تعيشي حاجة. بس اللي عرفته منك بيقول إنك معشتيش من أصله... كنت حابب بس أفرحك. مش عارف ليه نفسي أشوف بسمة فرحانة." ابتسمت. "انت طيب أوي... عشان كده كنت عاوز تعمل فرح." "وهنعمل الفرح." "بس بابا قلي إنك عاوزني أبيت معاك." "عشان محتاجك جنبي...
عاوز أعمل كل حاجة معاكي. عارف إن بضغط عليكي بس مش عارف ليه. حسيت إني مش هقدر أدخل الأوضة دي إلا معاكي. سما كانت كائن بندق كسول، تقريباً كل حياتها كانت جوه الأوضة دي عشان كده مقدرتش أدخلها. أنا قفلتها من يوم ما ات، محدش دخلها." قالت بألم. "انت ممكن تسيب حاجاتها لو... وضع أصابعه على شفتيها. "تعالي معايا."
تحركت بجواره ليفتح الغرفة ثم يضيئها. أطلال ما بالداخل مجرد أطلال لغرفة تمتليء بالتراب وتعشش بها العناكب، مهجورة بهجر الروح التي كانت تحيا بها. انتبهت لكلمته المذبوحة. "يااااه كل حاجة اتغيرت. راحت، يابسمة." سقطت دموعها من جرحه المه المذبوح. ربّتت على كتفه. ليتحرك ببطء يجلس على طرف الفراش. يفتح أحد الأدراج ويخرج ألبوم صور. اقتربت لتجلس أمامه.
"كانت بتعشق الصور زي ما تكون كانت حاسة إن هي دي اللي هتفضل منها. شوية ورق عليهم صورتها." قالت باختناق. "للدرجادي وحشتك؟ تلمس الصور وقال باختناق. "أوي.... وحشتني أوي. نفسي آخدها في حضني وأقولها أنا أسف." سقطت دموعها. "عشان اتجوزتني مش كده؟ هز رأسه نفياً. "لأ...
عشان قلبي رجع يدق تاني، عشان مشاعري اتحركت وأنا كنت فاكرها ماتت. بسمة أنا مش واخدك سلم عشان أنسى سما. أنا مش عاوز أنساها، وقلبي اتعلق بيكي غصب عني. أنا رحت كلمتها، عارفة. حكيتلها عنك. بسمة حزينة بس حركت حاجة جوايا." تأمل دموعها وقال بحزن. "بسمة أنا آسف. عارف اللي بقوله صعب ويجرح. مكنش المفروض أقولك تدخلي معايا هنا. تعالي نطلع بره." تحرك خطوة ولكن استوقفته همهمتها المختنقة. "يابختها." أوقفها أمامه ليمسح دموعها. "ليه؟
"أصل مفيش حد بيحب كده. انت فضلت عايش على ذكراها عشر سنين ومقدرتش تنساها. بتتوجع زي ما تكون لسه رايحة منك دلوقتي." وضمها بين ذراعيه وقال: "وجرحتك أنا آسف." هزت رأسها نفياً لترفع عيناها له. "لو حابب تسيب الأوضة أنا هنضفهالك." وضع أصابعه على شفتيها. "ششش... مَعادش موجود هنا غير أطلال قديمة. اللي عاوزاه منك تلمي هدومها وحاجتها عشان مش عاوز أشوفها." شبح ابتسامة باهتة على شفتيها.
"أنا يمكن معرفكش أوي بس أقدر أقرأ عنيك كويس. انت محتاج تعيش مع ذكرياتها. أنا مش همنعك. هجمع اللي انت عاوزه بس معاك." فرك جبهته وقال بألم. "بلاش... مش عاوز أشوف حاجاتها مش هقدر." "لأ هتقدر عشان أنا معاك. نزلي الشنط وأنا هجمع حاجاتها."
ليس من السهل أن ترى زوجها يتألم لفقد أخرى، يسرد ذكريات لثيابها. عطرها. انتهت من حزم أشياءها. ثم ملابسه. يقطعها الألم ورغم هذا تشعر بقربها منه. لقد شاركها لحظة ضعفه، شاركها وجعه، لعل مشاركة الوجع أقوى من مشاركة السعادة. أفرغت الأدراج وتركت ألبوم صورها على الفراش. عيناه حمراء تحتبس بها الدموع، وأنفاسه مختنقة. انتهت من إفراغ الغرفة لتقترب منه. ربّتت على خده. "معنتيش الألبوم مع الحاجة ليه؟
لم تستطع التحكم بدموعها نزلت كسيل. "عشان... ااانت اااقلت اااعاوز تفتكرها ووو... وعيون خضراء متسعة تمطر لتداوي قلبه وتربت على جرحه. يعلم أنه ليس من السهل ما قاله، ليس من السهل أن تتقبله كرامة امرأة، حتى لو لم تحبه. عند هذا الحد توقف كل شيء. ألمه، حزنه، ذكرياته القديمة، عشقه لسما. ليسأل سؤال غاية في السخافة. "انتي وفقتي تتجوزيني ليه؟ حدقت بوجهه ببلاهة لتجف دموعها. "نعم؟ قال بإلحاح. "ليه وفقتي؟ مسحت وجهها وقالت.
"لنفس السبب اللي خلاك تتقدملي." وقاطعها. "يعني انتي كمان قلبك اتحرك؟ هزت كتفيها بعجز. "بس انتي قلتي إنك مش هتضايقي دلوقتي. يمكن بعدين." قالت بحزن. "أنا مش مضايقة، أنا بس قلبي وجعني عشانك. شوف الفجر قرب يأذن. ادخل خد حمام سخن وغير هدومك عشان اتبهدلت وتعالى نصلي. الصلاة بتفتح القلب وتهديه." انحنى وقبل جبينها وقال. "حاضر. بس ادخلي خدي حمام انتي كمان، وانتي عارفة طريق الهدوم بره." تابعتها عيناه حتى خرجت وهمس.
"ربنا يقدرني وأسعدك وأداوي جرحك زي ما داويتي جرحي." تنهد بقوة ليتحرك للحمام. بعد قليل كان يؤمها في الصلاة. إنها محقة، فهو أهدأ كثيراً. التفت ليربت على خدها. "أنا سهّرتك معايا أوي." "لأ أبداً." "ممكن أطلب منك طلب؟ "اتفضل." "ممكن آخدك في حضني انت ويحيي وننام؟ همست. "ماشية." هب واقفاً ليرفعها بين ذراعيه ويعلق. "هو عم محمود مكنش بياكلك؟ انتي خفيفة كده ليه؟ قالت بخجل.
"انت كده بقيت كويس طالما رجعت تتريق. وعلى العموم يعني التخن مش حاجة كويسة." أراحها على الفراش ليندس بجوارها يضمها إليه مستمتعاً بارتعاشها المغري ورائحة شعرها الندى. ولكن لم يحن الأوان بعد للقرب أكثر من ذلك، ليهمس. "اهدي... مش هعمل حاجة أكيد يعني، ويحيي موجود. أنا عاوز أحس بيكي في حضني."
تنهيدة ارتياح جعلته يبتسم. لن ينكر وجودها بين ذراعيه مميز، دفئها الذي تشعه حولها مميز. ارتعاشها المغري مميز. إنها امرأة فريدة في كل شيء. ليغمض عيناه بعد يوم طويل مشحون أكثر مما يجب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!