تابعهم يتحركون. يدخل سليم الحقائب ويعود. لينحني ويرفع عائشة بين ذراعيه. هو فقط يراقب عيناها اللامعة بالسعادة من أجل أخيه. ثم توجهت إلى السيارة لتحمل حقيبتها وتتحرك للداخل، تاركة إياه واقفاً مكانه. تلك البسمة العنيدة. زفر وحمل حقيبته بعصبية ودخل ليصفع الباب بقوة. كان سيثير أي شيء لترد عليه فقط، ولكنه لم يجدها. وجد حقيبتها مفتوحة وضوء الحمام مضاء. بدل ثيابه وجلس على طرف الفراش يدخن.
خرجت بعد قليل ترتدي أسدال صلاتها، وعلى يدها فستانها الفضي لتطويه وتضعه في الحقيبة. تخرج منها شيئاً ما وتحملها لتضعها بجوار الخزانة. ثم تتحرك لتضع ما بيدها على إحدى الطاولات. تزفر بضيق وتلملم بذلته التي ألقاها على طرف الفراش وتعلقها بالخزانة، وتبعها باقي ثيابه. بسمة لن تتغير. تهتم بكل شيء، بكل التفاصيل المتعلقة به. ولكن هو وضع نفسه خارج أولوياتها بفعله. إلى متى ستظل تعاقبه على رغبة رعناء انتابته؟
وعصمه الله أن يقع في المحذور. حسناً، سيتحدث معها بهدوء. أفاق من شروده ليجدها دخلت في صلاتها. تأملها للحظات، لا يعرف عددها، ولكن غارق في ملامحها الملائكية. وبدأ عقله بمقارنة بسيطة بين هذا الطهر والشفافية والنقاء لبسمة، وبين عهر وسفاقة صفا. وللأسف سما قبلها. لقد كاد يقع في نفس الفخ للمرة الثانية. وسؤال صفا ما زال يرن برأسه. هل كانت سما ستعيش على ذكراه كل هذا الوقت؟ بالتاكيد لا. ولكن بسمة...
بسمة ظلت على ذكرى زوجها الراحل لسنتين. ومابينهما ليلة واحدة امتلكها عنوة. وتذكر كلمتها: "لو كان عاجزاً مريضاً لظللت معه".
وقتها صرح عقله أن سما ما كانت لتصبر عليه أبداً. "دي مش كل حاجة". هكذا ظن، أو كان متيقناً. وقتها احترم موقفها ونبل أخلاقها. بسمة لم تعش زوجة. فقط كانت مضمدة للجروح، محتملة لآلام الآخرين. حسام ومرضه، وهو وجنونه العابث. ولكن لا أحد يتحمل ألمها هي. لقد نفي حبه لها أمام صفا، وكأنه يوصمها. وأعلن بسفاقة في وجهها أنه رغب بامرأة غيرها، لأنها تشبه حبيبته الراحلة. الراحلة للمرة الأولى يطلق عليها الراحلة دون سماه. لا يستطيع تصديق أنها تلاعبت به من أجل رغبة كما ادعت صفا. ولكن عقله يصدق كلامها. سما كانت امرأة شغوفة بشدة، وهذا ما جعل ذكرياته معها في ستة أشهر كثيرة. كل الذكريات حميمية.
وعاود مرة أخرى لتذكر مجون صفا. لما يصفها بالمجون وهو كان يحب مثيلتها. كان... لقد أصبح حبه لسما ماضٍ انتهى. ولكن ماينبض بقلبه ويحيي إحساسه الآن، تلك الساجدة لربها تناجيه. هل تشتكيه لربها؟
تشتكي ظلم رجل لم تر منه إلا القسوة الحية. القسوة التي ما عامل بها أحداً من قبل. حتى عندما تلمسها، تلمسها بقسوة ليترك شفتيها مدممتين. ورغم هذا صالحته هي، وكأنها تفهمت جنون غيرته عليها. هذا الجنون الذي تولد من أجلها فحسب. بدأ بداخله. حتى رغبته بها مختلفة.
تنهد بقوة. لقد ظن أن رغبته ماتت مع الراحلة عن عالمه. ولكن بسمته أحيتها. لم تعد رغبة شاب في مقتبل العمر كل ما يفكر به متعة فراش. مهلاً، هل كانت علاقته مع سما مجرد رغبة كما ادعت صفا؟ لقد أحبها. أحبها بمفهوم مراهق في العشرين من عمره. لم تنضج مشاعره بعد. لهذا مشاعره تختلف مع بسمته المجروحة. مودة ورحمة. هكذا وصفت هي الزواج: "إن انتفى السكن فتبقى المودة والرحمة". هذا كان حالها مع حسام. أما معه...
اللعنة، رصيده لديها صفر في كل شيء. لقد أوجد بسمة بداخله قلباً جديداً. مشاعر رجولية مكتملة. لرجل ناضج. مشاعر عشق دافئة. تتحول لهوج مجنون ما أن يقترب منها. رغبته بها تختلف. يريد القرب واحتواءها. ولكن ما يحدث معه هو نفسه عاجز عن تفسيره. فما أن يقترب حتى يلغي كل شيء بعقله وتبقى هي فقط. لقد حرمته من ضمها نائمة عندما انفصلت بنومتها في غرفة يحيي. لم يكن يدرك أن هذا سيؤثر عليه هكذا. لم يستطع النوم لليالٍ. يدخل الغرفة ليراها تحتضن يحيي إليها. يحسده بشدة أنه ينعم بدفء ذراعيها الحانية.
شهقة خافتة تبعتها همهمة باسمه. لينتبه أنها ما زالت ساجدة طوال فترة شروده. ليهمهم باختناق: "عليا يابسمة... والله أنا بخاف من ربنا أوي."
لتخرجها همهمته المختنقة من دعائها وخشوعها. لترفع رأسها وتختم صلاتها. لما يظن أنها تدعو عليه. منذ اليوم المشؤوم الذي أعلن فيه ضمنياً أنه لا يراها امرأة، وأنه سيسعى خلف كل شبيهة لزوجته. وهي في كل صلاة تدعو الله أن يغفر له ذلته، ويسكنها بقلبه كما سكن هو قلبها. برغم كل ما لاقته منه، إلا أنه سكن بداخلها. ولكن ما زالت مجروحة وقلبها يئن رغماً عنها. وكلما لان قلبها لمحاولاته المستميتة لإصلاح الأمر بينهم، تتردد كلماته بينهم. تتردد كلماته الزابحة في أذنها. تطلب من الله أن يمنحها القدرة على الصفح. أن يغفر ذنوبه. لا تعرف لماذا تأثرت بجملته، برغم ذلته. هي لم تنفِ إيمانه وخوفه من الله. لا أحد معصوم. هل يعلم أنها ظلمها؟
ودعوة المظلوم لا ترد. لملمت سجادتها لتطويها وتضعها على جانب الأريكة وتجلس عليها. الغرفة بكاملها ليس بها سوى سرير وخزانة صغيرة، وتلك الأريكة، وجزء صغير كمطبخ مكشوف، وحمام. تنهدت بقوه وقالت: "يقدر ينفي خوف حد من ربنا... وأنا مبدعيش على حد." لقد أعطته بصيص أمل ليتحرك ويجلس بجوارها ويقول بحذر: "أنا سمعتك بتقولي اسمي، يبقى يا بتدعي عليا يا بتدعيلي." تنهدت بقوة لتقول: "الظن." ابتسم ليقترب قليلاً: "بتدعيلي ليه؟
شبح ابتسامة يطفو على شفتيها. اشتاق إليه وبشدة. لتمنحه لفتة من عينيها الخضراء الساحرة: "لما بدعي لحد بظهر الغيب، ربنا بيبعت ملك يقول ولك مثله." قال بغيظ: "يعني بتدعيلي مصلحة؟ دا أنتِ مستغلة بقى." أخيراً انتزع ضحكة. لتظهر غمازات خديها الرائعة. ضحكة حقيقية لم يراها لعشرة أيام. ليقترب أكثر ويمسك كفها بين يديه. توقع أن تسحبها، ولكنها لم تفعل. "أنا عارف إني غلطت أوي في حقك. افتريت عليكي وجرحتك و... قاطعته:
"المسميات في مكانها. اسمها خنتك." هبت واقفة وأكملت باختناق: "من ساعة ما عرفت مفتكرش إني اعترضت مرة واحدة على إنك كنت بتحب مراتك. وافتكر كمان إني معترضتش لما كنت بتجيب سيرتها وتفتكر حياتك معاها. عشان دي مراتك بحلال ربنا. لكن تروح ترجع ذكرياتك معاها مع واحدة حية... تبقى خيانة والخاين ملوش أمان." لهذا الحد جرحها، وهي كانت تضمد جراحه بصبر. ولكن فعلته نفذت صبرها. بلع ريقه بصعوبة وقال:
"أنا في نظرك خاين ومليش أمان. وأقول أنا جبان وندل وبيمد إيده على واحدة." رفعت يدها أمامه وقالت بثبات جعله يحدقها: "دي أنا متكلمتش فيها ومعتبرتكش فيها. عشان أنا عارفة كويس أوي إيه اللي خلاك تعمل كده." وقف أمامها وقال بترقب: "هو." نظرت بعينيه وقالت بثبات: "كنت بتخرج غضبك من غيث اللي ضعف." حدق بوجهها. كيف علمت بهذا؟ "إزاي؟ قالت بألم: "أنت مبصتليش ولا مرة. كنت عاوز توجع نفسك بس. عشان كده كان لازم استحملك لآخر طاقتي."
قال بانفعال: "ده حقك عليا إني استحملك وقت غضبك. عشان كده كنت بداري وشي منك عشان الأثر ميبنش. وعشان كده كمان جبت فستان مقفول عشان محدش يسأل إنتي جسمك أزرق من إيه. أنا ممكن أتحمل منك أي حاجة إلا الخيانة." هل قبض أحدهم على قلبه ووضع صخرة ما تحجب عنه التنفس؟ أخذ نفساً عميقاً، لعل الهواء يتخلل رئتيه. "كده إنك هتسبيني." عقدت ذراعيها: "ده القرار اللي كان مفروض يتتاخد... بس للأسف مينفعش."
جملتها الأولى منعت الهواء، والأخيرة فتحت بصيص أمل. "هتفضلي معايا؟ "هو دا السؤال. السؤال مينفعش ليه." هو تقريباً يعرف ما ستقوله، ولا يحتاج أن يستمع إليه. ولكنها أكملت: "خاطر سليم وعيشة. للأسف إحنا مربوطين زي شبكة عنكبوت. لو اتفلت منها خيط كلها هتتفلت. ولا سليم ولا عيشة ليهم ذنب." قال باختناق: "إنتي كملتي عشانهم بس. يعني مينفعش تديني فرصة تانية نفتح فيها صفحة جديدة ونعتبر اللي فات مات ونبدأ من الأول." تنهدت بقوة:
"اللي فات مات فعلاً. ولا أي حاجة بتمر بتعيد فيه الروح وتخليه حي." قال بتأكيد: "مات. وعاوز أفتح صفحة جديدة." شبح ابتسامة تتلاعب في عينيها. ليتجمد حرفياً. وهي تنزع حجابها لتحرر سبائكها. ثم تبعد عنها أسدالها ليظهر تحته ثوب ليس ثوب شيء ما، بلون أرجواني من الشيفون يظهر جسداً مرمرياً ملفوفاً بإتقان. لتحطم ما بقي من تماسكه وتقترب خطوة وتهمس بصوت ناعم بشدة. "... تصبح علي جنه ياغيث.
حركتها في حد ذاتها كارثة. قنبلة موقوته وهو على وشك الانفجار. ترفع أحد الأغطية ووسادة وتبدأ في فرشها ببطء ممتع. ثم تتمدد على الأريكة لترفع عليها الغطاء مانعة عيناه من النظر. قاسية. زفر الهواء بقوة ليقترب منها ويتجمد مكانه. "النور ياغيث." ليقول بغيظ: "ياست بسمه... ماشي." ليغلق الضوء ويجلس على الفراش يشعل لفافة وينفث دخانها مصاحبة لزفراته الضجرة. "مش جيلك نوم؟ أوم صلي ركعتين قيام لليل." هل يخنقها الآن؟
ولكنها محقة. هو يحتاج للصلاة لتهدأ طاقته المجنونة وجسده المشتعل الذي يخرج أبخرة ساخنة من أذنيه. لقد اعتاد سابقاً رؤية سما بثياب مماثلة. ولكن هي، كيف وتلك الجرأة؟ أنثى مكتملة أكثر مما يجب وهو مسكين جائع عطش حتى الموت. ولكنها حرمته من الطعام والشراب وأمرته بالصوم. ولكن إلى متى؟ هب واقفاً أمام الأريكة ليقول: "هتصلحيني امتى؟ لتتنحنح لتثبت له أنها تضحك. "ورزقك." قال بإلحاح: "آخدك في حضني بس." لتواجه قائلة: "أطمنلك الأول."
اقترب هامساً: "انتي عمرك ما لبستي كده." اعتدلت جالسة لتظهر ما خفي تحت الغطاء اللعين. ثم تطلق رصاصة طائشة تصيبه في الصميم. "مش واحدة ست... ولأ، أنا نسيت أنا مبملش عينك." هب واقفاً وقال بحنق: "بتمليها... بتمليها أوي. بس كده افتري يعني." لترتاح على الأريكة وتدفن رأسها في الوسادة لتضحك وتهمس بلا صوت: "عليا ياغيث إن ما وريتك مباش أنا بسمة الدسوقي يابن الراوي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!