الفجر قرب يأذن، تعالي نتمشى شوية جنب الساقية... البلد دلوقتي فاضية ومحدش هيشوفنا. أحمق ينقاد خلف حمقاء، لا يستطيع مجابهة رجاء عيناها. أوقف السيارة بجوار الساقية وترجل، لتتعلق الصغيرة بذراعه. كانت تسير بصمت حتى وصلوا للساقية، رفعها لتجلس فوقها، فأصبحت في مواجهته. همست بعشق: "أوي... بس زعلانة منك أوي." تصريح رائع يحتاجه، وعتاب غريب. "أنا عملت إيه؟ تأملت وجهه، لتلمس أصابعها الصغيرة ملامحه. "بعيد عني...
مع إننا اتفقنا إننا واحد، وجعنا واحد. وقفت قدامك عشان تترمي في حضني وتحكيلي، بس أنت هربت. ومتقولش خفت عليكي، أنت عمرك ماهتاذيني. وجعك، غضبك، جرحك يروحوا في حضني... مين يستحملك غيري؟ بس أنت حسستني إني مليش لازمة في حياتك... إني عيلة صغيرة على الهامش. قفلت على وجعك وهربت."
طفلة تربت على قلبه المتألم، تداوي جروحه وتهدهده كطفل. عشقها وعشق كلامها وعتابها ودموعها. لحظة فريدة في حياته، لحظة علمته طفلة معنى الحب الحقيقي، الحب الذي يملأ القلب. يقف أمامها عاجزاً عن النطق، يتمنى وبشدة أن يرتتمي بين ذراعيها ويبكي ويصرخ، يخرج ضعف نفسه وهوانه على امرأة باعت حبه من أجل المال، وأخرى تحاربه من أجل رغبة مدنسة. وعليها، على امرأة مكتملة في كل شيء، تهبه كل شيء دون انتظار مقابل واحد.
لدمعت عيناه وهمس بانفعال: "يا حور... أنتِ حاجة كبيرة أوي عليا." لتضم الصغيرة رأسه إلى صدرها، تربت على شعره بحب وهمس: "دنيتي كلها... مهما كان الجرح جامد، لما يتقسم على اتنين يخف." سقطت دموعه للمرة الأولى في حياته بين ذراعيها. همس باختناق: "ذنبك إيه؟ داعبت شعره بحنان. "مش ذنب يا جاسر." دفن رأسه أكثر في صدرها وهمس بانفعال: "لأ...
ذنب. لما تحبي غلط يبقى ذنب. لما تتخدعي بحب عشر سنين يبقى ذنب. لما أتكسر في كل حاجة يبقى ذنب. لما مبقاش فارق مع اللي حبيتها يبقى ذنب. لما اللي حبيتها تبيعني عشان الفلوس يبقى ذنب. لما تجيبلي واحدة لبيتي رميتها نص الليل بقميص نوم في الشارع وتقولي اتعامل معاها عادي عشان الفلوس يبقى ذنب. ذنب وملوش توبة... يبقى وجع وجرح."
شهقة فلتت من شفتيها جعلته يمسح وجهه ويعتدل في مواجهتها. وجهها غارق في الدموع. لقد أخرج جرحه وذبح الصغيرة بسكين ليس له نصل. مسحت دموعها بسرعة وهمست بانكسار يملأ عيناها البندقيه: "لو اخترت غلط... الحب ملوش ذنب." تحاول أن تبدو متماسكة أمامه، تهرب بعيناها منه، ولكنه يفهمها جيداً ويعرف مقدار الألم الذي سببته كلماته. ليكسر صغيرة صرحت بالعشق، صغيرة لملمت تشتته وداوت جرحه. وهو... هو ذبحها بدون واعظ من ضمير. احتضن وجهها وقال:
"كده كان لازم أهرب." قالت باختناق: "مش مني... أنا من الأول عارفة أنت قد إيه بتحبها. بس أنا راضية بالحتة الصغيرة اللي ليا في قلبك... الحتة دي تكفيني ومش طالبة غيرها." سقطت دموعها وتنهدت بقوة. "غصب عني بموت لما بتبقي معاها... مش بعرف أنام... وبيجي نفسي أوي أخنقك وأضربك... بس أنت بتطيب بخاطري وبتتصل بيا. كفاية عليا نظرة عينك الحلوة وأنت معايا... ببقى حاسة إنها من قلبك...
بس أنا بفهم والله، أنا مش عيلة صغيرة. نظرة عينك ليها مش نظرة حب واحد لمراته... نظرة... حب واحد لبنته، صاحبته... لحلاله اللي بيرتاح معاها." مسحت عيناها بظهر يدها، وأكملت الصغيرة ذبحه على حالها. "أنا راضية... كفاية إني بشوفها في عينيك حتى لو مش ليا... عارف بحسدها غصب عني... شفتها في عينيك يوم ما اتخانقت معايا... كانت بتلمع ليها و... احتضن وجهها وهمس بانفعال:
"اليوم ده عزة ماتت في قلبي يا حور. يمكن لسه مدفنتش، لكن ماتت. كل المشاعر الحلوة اللي كنت بحسها ليها راحت. أنا ندمان أكتر من إني موجوع...
ندمان على عمر طويل راح وأنا بقدم في تنازلات بفتكر إن هو ده الحب. بس هي شفته ضعف. عزة اتكسرت جوايا من يوم ما وقفت قدام رجالة العيلة أقول لهم إني مش فارق معاها. حاولت أديها ألف عذر مقدرتش، عشان أنا عارف كويس أوي إنها قالت كده عشان الناس تقول عليها المضحية الكبيرة. أنا مخترتش أحب عزة، بس اخترتك أنتِ ليه مش عارف. من يوم ما شفتك وأنتِ بتضربي الواد كريم، وأنا كل يوم براقبك وأنتِ راجعة من المدرسة من بعيد ببص عليكي وأنا عارف إن ربنا هيحاسبني على النظرة دي، بس غصب عني. لما قالت اتجوز...
محدش جه في دماغي غيرك، ليه برضه معرفش. يمكن... كنت عايز أكسر عزة وأشوف في عينيها نظرة غيرة واحدة. بس ليه أنتِ بالذات معرفش. يوم الفرح كنت موجوع، مدبوح، بدور عليها يمكن أشوف أي حاجة تثبتلي إن ليا قيمة عندها. مفيش. جننتيني وخلتيني عايز أخنقك بالعملة اللي عملتيها. قلبي وجعني وأنتِ بتتكلمي بحرقة على إنك جارية...
عمري ما فكرت فيكي كده. موجوع منها، بس اتخيلت للحظة إنها بتقرب مني حب. بس مش حقيقي، هي كانت عايزة تكسرني وبس، تقولي إني مقدرش أستغنى عنها. برضه فسرت الحب ضعف. عشان بتفضل بعيدة عني بالشهر وهي عند أمها. بس أنتِ ذنبك إيه في دا كله؟
أنا من جوايا عارف إن مشاعرك لسه منضجتش، أنتِ لسه صغيرة. مشاعرك بتتأثر بسرعة، كان لازم ملمسكيش وأسيبك تكبري عشان تختاري. بس مقدرتش، ضعفت وأنتِ في حضني. عشت معاكي جنون معشتوش في حياتي كلها حتى وأنا لسه مراهق. عقلي بيتلغي لما باخدك في حضني. مش ضعف يا حور. مش ضعف، بس عشان أنتِ حتة مني. شبه جاسر زمان قبل ما الدنيا تقسيه. أنتِ لسه صغيرة متعرفيش إن قمة الحب لأي راجل في الدنيا إن اللي بيحبه تبقي بنته وأخته وأمه وصاحبته وحلاله اللي بيشوف الجنة في حضنها. اللي تغسل همومه بضحكة ويخرج كل ضعفه قدامها وهو مش قلقان ولا خايف إن صورته تتهز في عينيها. عشان عارف إنها فهماه أوي وحاسة بيه أوي."
قفزت المجنونة من فوق الساقية لتتعلق برقبته وتحتضن خصره بساقيها، تمطره بوابل من القبلات الممتزجة بدموعها. "لأ أنا بعشقك، بتنفسك، أنت كل حياتي يا جاسر، مش عاوزة من الدنيا غيرك أنت وبس. أنا مشاعري كبيرة بيك وناضجة عشانك." أسند جبهته لجبهتها وقال بانفعال: "يامجنونة."
يمكنه التسليم ورفع الراية البيضاء أمام تلك الشفاه المدمرة التي لمست شفتيه، لتعلمه معنى العشق والغرام. ليختبر روعة المبادرة من شفاه تعودت على تلقي هجومه الضاري عليها. يتلقى لمستها بشغف مجنون، وكأنها تقص عليه أحد دروسها التي حفظتها عن ظهر قلب. ليئن بمتعة داخل دفئها المنتظر، ويفتح عينيه لتلاقي بندقها اللامع، متحفزاً مستعداً للانقضاض ليروي ضمأه من تلك الفاتنة. وضوء النهار ينير وجهها بروعة. قطرة مطر سقطت على وجهها، تبعها أخرى على وجهه. أنقذته من كارثة محققة. أنزلها وأمسك يدها ليسحبها للسيارة هروباً من المطر المنهمر.
قال: "دي تصرفات واحدة ناضجة." نظرت إليه وهمست: "حبيبي، وأول مرة يقولي بحبك، يبقى أعمل إيه؟ "إيه؟ قفزت لتخطف قبلة من شفتيه وتقول ضاحكة: "من بقوا الحلو ده." قال بحنق: "اتهدي، هتفضحينا." أوقف السيارة أمام البوابة الداخلية. لدغت خده وقالت ضاحكة: "برضه يا جسوري؟ دا لولا ربنا ستر والدنيا مطرت، كان زمانا مفضوحين في البلد والأقاليم المجاورة." اتسعت عيناه الصغيرة، يحفظها عن ظهر قلب. "والله ما أنا عاتقك ياحور." هربت
من السيارة ضاحكة وقالت: "اللي يحصلني يكسرني، ههههه." مستفزة، تبعها ركضاً للداخل ليصدم بعائشة. "إيه يا بيه بتجري كده ليه؟ زفر بقوة واعتدل ليقول: "يا عيشة، صباح الخير." "صباحك يا بيه." عيناه تبحث عن المشاغبة التي تركته مشتعلة واختفت. "بتدور على إيه؟ أنت سمعني." نظر إلى عائشة المتجهمة. "بتقولي إيه؟ "بقولك يعني متزعلش نفسك عشان اللي حصل." ربت على كتفها. "بالك، أنا كويس يا عيشة."
"يا بيه يعني لو ينفع تفتح الباب لعزة، هي مش هتخرج بره البيت يعني و... صمتت لأنه دس المفتاح بيدها وقال: "افتحيلها." "طيب أوي يا بيه." "طيوب ولذيذ وكيوت يا خلاشي على الطعامه، سكرة يا ناس." كتمت عائشة ضحكاتها بيدها والتف هو لتلك المشاغبة التي تفقده وقاره دفعة واحدة، يتحكم بضحكاته بالإكراه. "بتقولي لمين الكلام ده يا بت أنتِ؟ خفضت بصرها واقتربت حتى وقفت أمامه، رفعت يديها لتمسك خديه وتهزهما. "يا عسليتي...
يا أحلى جاسر في المجرة... يخربيت عينك السودا دي، هنهار." "عائشة، بيت هبلك يا حور، دا أنا اللي هنهار من الضحك." نظرت لعائشة وأمسكت يديها وكأنها ترقص. "أنا فرحانة، فرحانة أوي يا أحلى شوشو في الدنيا." ترنحت قليلاً، ليسندها جاسر ويقول بقلق: "في إيه؟ وشك اتخطف مرة واحدة." تعلقت بعنقه. "أنا ليه غيرك؟ "عائشة... احم... طيب أروح أنا بقي أقول للواحظ تعمل الفطار احتفالاً بالمناسبة اللي أنا معرفهاش دي." "جاسر بإيه؟
"حور حاجة بس عشان منمتش، دوخت، محتاجة بس حبيبي ياخدني في حضنه وأنام." همس بجوار أذنها: "هاه؟ "مين يا جسوري؟ هو أنا هسيبك؟ بس هنام شوية صغننة عشان أفوقلك." انفجر ضاحكاً وهمس بأذنها: "دا وعد." قالت بتحذير: "اياك تفتح عيني ومتلاقكش... عشان العروسة بتاعتك تتحول لشاكي وتاكل مصرينك." نظر إليها، فهزت رأسها موافقة، ليحتضن كتفها بذراعه، وبعد قليل يضمها إلى صدره ويغرق معها في النوم بعد يوم طويل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!