ترجل إلى البيت بخطوات بطيئة. ألقى بنفسه على الأريكة وأراح رأسه للخلف. لم يشعر بهذا الحزن من قبل. هل استعجل قراره؟ يشعر بارتياح عندما يراها. لعلها حركت جزءًا من مشاعره الميتة. ولكن... باقي مشاعره ما زالت ملك زوجته. نعم، سما ستظل زوجته رغم غيابها. ستظل المرأة التي أعطاها قلبه دون منازع. كاذب هو الآن، يبحث عن امرأة تنازعه هذا القلب. ما حقيقة مشاعره تجاه "البسمة الحزينة"؟ لماذا جذبتْه رغم أنها لا تشبه سماه بأي شيء؟
نعم، فتلك البسمة مختلفة، جملة وتفصيلاً. سماه كانت أروع امرأة مشت على الأرض في عينيه. جسدها الممشوق الرياضي، طولها المميز، بشرتها الخمريّة بروعتها، عيناها بلون العسل النقي، وشعرها الأسود القصير. نعم، لقد أنهى عهدًا بحب الشعر الطويل معها. سما لم تحب يومًا الشعر الطويل. فتاة متحررة، منفتحة، أيقونة نشاط الجامعة. يذكر جيدًا لقاءهما الأول. كان في عامه الثالث وهي مستجدة.
كان يجلس هو وجاسر كالعادة في كافتيريا الكلية بين المحاضرات. عندما تحدثت إليهما: "سمحت، فين المدرج؟ السؤال في حد ذاته مبهم بشدة. لذا رفع عينيه لها. توقفت ملامح وجهها. حتى وكزه جاسر وهمس: "بصرك يا جزمة." تنحنح بقوة وهب واقفًا. "عاوزة مدرج إيه بالظبط؟ "معماري تالتة." "تعالي وأنا هوديكي." تم التعارف، وشيئًا فشيئًا أصبح يذهب للجامعة ليرى سما وحسب. نهرَه جاسر بشدة وأنبهه، وظل يعاتبه.
ولكن قلبه تمرد لتملكه سماه الرائعة بضحكتها المبهجة. سما كانت ابنة ضابط بالجيش تم نقله إلى بلدهم حديثًا. سقط في هواها، وهي بادلته الحب بجنون. كل ما حدث بينهما كان جنونًا. منذ اقترب منها، منذ أعلنت الحب: "بـحبك، معرفش حبيتك إمتى وإزاي، بس بحبك." وتعاهدًا على الزواج. وجاء رفض أبيه كسِكّين ليشق صدره. ما زال أمامه عام كامل حتى ينتهي. زاد تعلقه بسماه أكثر فأكثر، حتى باتت هي محور كل شيء. حتى آخر يوم في امتحاناته.
يومها لم يتحدث إلى عمه. ذهب مباشرة إلى زينب. وقتَها كانت ما تزال في عنفوانها. ولكن يعرف جيدًا أن نقطة ضعفها جاسر، وهو. لذا أخذ جاسر معه. "زينب، إنتوا الاتنين أكيد في كارثة." "جاسر إيه بس يا ست الكل، في موضوع كده عاوزينك تفتحي باب فيه." "موضوع غيث باشا عايز يتجوز، صح كده؟ غيث فهمها وهي طارت. "زينب بحدّة: اتكلم بأدب! "جاسر: فكرة، وأنا كمان عاوز أتجوز... زفرت بضيق. "على عزة برضه؟ عزة متنفعكش يا جاسر." "قبل
يديها: ليه مش بتحبها يا أمي؟ "زينب: طبعها يا جاسر. طباع عزة متناسبكش." "أنا بحبها يا أمي." "مربوط بيها، مش بتحبها." "غيث بحنق: جبتك يا عبد المعين... هو في إيه يا جدعان! خلّيكوا بس معايا خمسة." "زينب: اتكلم بأسلوب كويس، ولا فاكر نفسك طولت لك حتتين هتكبر؟ جلس أمامها وأمسك يدها ليقبلها. "أنا عمري ما أكبر عليكي... بس أبوس إيدك هتجوز على روحي... هننحرف، يرضيكي ابنك ينحرف؟ أمسكت أذنه وقالت بتأنيب: "...
دا على أساس إنك مش كل يوم معاها وبتتقابلوا في ورا الإسطبل؟ أنا لما بعدي، بعدي بمزاجي، ها؟ بلع ريقه وهتف: "يا فتان." "جاسر بصدمة: ما قلت لها حاجة... إنتي عرفتي منين يا ماما؟ هبّت زينب واقفة وعقدت ذراعيها. "فكرني نايمة على وداني إنتوا الاتنين... دا انتوا هتشوفوا مني أيام طين. ... فين غيث يا جاسر؟ معرفش. بريء أوي. وانت باااااا... ولابلاش." وكز جاسر كتفه. "كده يا زفت." "غيث بحنق: دا بقي هو أنا جاي أتجوز ولا أضرب؟
ربّتت زينب على خده، ولكن بقوة، وقالت بتحذير: "مش عندك أخت وعارف حدود ربنا، إزاي تعمل كده يا غيث؟ "محصلش حاجة." "بتكذب يا غيث، أنا شيفاك بعيني امبارح." بلع ريقه بصعوبة. "محصلش حاجة أوي يعني... "زينب: تخرس خالص... سما مش ملتزمة يا غيث. بنت متحررة زيادة عن اللزوم." قال برجاء: "عشان خاطري، أنا بحبها أوي... دا أنا كنت بعد الأيام عشان الامتحانات تخلص... والنبي كلميلي هولاكو، ربنا يخليكي للشباب المعذب...
والله أنا والغلبان دا شوية وهننحرف." "جاسر: عن نفسك يا زفت... معلش يا ماما، كلمي بابا، بدل ما يعمل لنا مصيبة، اللي فضحني دا." "زينب بتحذير: هقوله بس بشرط إنك تشوف تاني أوااااانت فاهم طبعًا، قبل الكتاب، لأ." قبل يديها وقال بلهفة: "أنا هقطعها." "يا حلو انت وهي عشان تبدأوا حياتكوا على نضافة... أنا واعية إنها مش ملتزمة... وقاهرية والحكايات دي عادي عندهم، بس إحنا مسلمين يا غيث، دينا اللي بيحكمنا... فاهم؟ هز رأسه موافقًا.
"يا أمي." "اتصل بأبوها وخد منه الميعاد بكرة بليل." قفز في الهواء. "يااااه! يعيش! يعيش! "جاسر: يلا هتلم علينا البيت، طب وأنا يا ماما؟ ربّتت على كتفه. "متقلقش، أنت لابس لابس... أبوك كلمني، هياخدك ويسافر آخر الأسبوع، وابقي خد معاك الأهبل دا." "إنتي مش هتيجي معانا؟ "يوم الفرح، لكن دخول بيت سهير مش هيحصل... يلابقي امشوا من وشي، صدعتوني."
وفي بوعده، ووفّت زينب بوعدها. حرَم من رؤية سماه والتنعم بدفئها بين ذراعيه حتى يوم زواجهما، الذي ترتب أن يكون بعد زفافهم بأسبوع. فعزة أبت أن تقيم زفافها معهم. هي تريد زفافًا أسطوريًا بالإسكندرية. وسما تريد زفافها بالقاهرة حيث أهلها. ولكن تقرر سفرهم جميعًا بعد زفاف جاسر. هو ما كان يهمه أي شيء سوي أن يجتمع بسماه. شوقه إليها فاق حدود التعقل. ووالدته أصرت أن يكون الكتاب يوم الزفاف.
شهرَان لا يراها، لا ينفرد بها كما تعود، لا يمسك يدها، لا يضمها إلى صدره، لا يتلمس شفتيها الصغيرتين. كان يكتوي بنيران لا تطفئها سوى الغرق في فتنة سماه وروعتها في ثوبها المجنون الذي أطاح بعقله تمامًا. حتى حملها بين ذراعيه وصعد غرفته في الفندق الذي حجز لهم لأسبوع. الشوق لم يكن يكويه وحده. كانت مميزة في كل شيء. تبادله شوقًا بشوق. منذ تلك الهمسة التي أطاحت به تمامًا فور أن أنزلها في الغرفة. "أوي يا غيث، وحشتني أوي."
همسة بمبادرة رائعة. لمسة شفاه مجنونة، ليشتعل كل شيء. سما كانت تعرف مفاتيحه جيدًا، حفظته، وهو حفظها. لذا كانت ليلتهما ممتعة، لينسى كل شيء. ولا يصلي بها ركعتين البناء إلا في اليوم التالي. أسبوع مر كلمح البصر. أطفأ شوق سنين. ليأتي يوم زفاف جاسر، يسافرا معًا. للإسكندرية. حسنًا، كان هذا أول خلاف بينهم. سما مُصرّة أن ترتدي ثوبًا مكشوفًا مثل ثوب عزة.
"افتكر إني سيبتك تعملي اللي انتي عاوزاه يوم فرحنا، بس تفكري تنزلي بالمسخرة دي مش هيحصل، كويس." "يا غيث، أنت عارف كويس أوي... طريقتي في لبسي ومش جديدة عليك." "دلوقتي مراتي وشايلة اسمي، مينفعش تمشي كل واحد يبص عليكي شوية." "يا غيث، أنا مش رايحة من أصله." "فرح أخويا، مش هتروحي إزاي يعني؟ أصر على نزولها، وأصرت هي على موقفها. وفي النهاية، ردخت لِرأيه، لتنزل معه بثوب أكثر احتشامًا، ولكنه أيضًا عارٍ.
كانت معظم خلافاتهم بسبب الثياب. ولكنه يعلم تحررها الزائد، هذا ما جذبه لها من البداية. فتاة عكس كل ما تربى عليه. ولكن كان يعشقها بجنون. وما كان واثقًا منه أنها أيضًا تعشقه. والآن سيترك ذكرياتها، سيلقي كل شيء خلف ظهره، ليبدأ حياة جديدة. لماذا هذا القرار أثار شجونه هكذا؟ لماذا أثار بداخله كل تلك المشاعر والذكريات؟ همس باختناق: "محتاجاك أوي يا سما." هذا كان قراره. في التاسعة، كان يترجل من البيت.
يذهب إلى الأرض ليجمع بعض الزهور ويذهب إليها. إلى حبيبته الراقِدة تحت هذا التراب. منذ خطفها هذا التراب بداخله. لم يراها. جلس أمام شاهد قبرها. مقابر عائلته. هناك يرقد أباه ووالدته. الذي لم يذكر أحدهما هنا. يرقد أبيه أو عمه الذي قام بتربيته. هنا عمه مراد وعمه منصور. وفي هذا القبر ترقد حبيبته وجنينها الصغير. مرر أصابع مرتعشة على اسمها المحفور وهمس: "أوي يا سما، عشر سنين وإنتي سايباني لوحدي... عارفة؟
مستحملتش أجي هنا زي ما مستحملتش أدخل أوضتك وأشوف. سريرك وفرشتك وهدومك... أنا مش عارف أنا بتصرف صح ولا غلط. بس كمان مش عارف إشمعنى هي اللي شفتها وقدرت أحس بوجعها. يمكن عشان شبهي، وجعنا زي بعضه. بس هي وجعها قريب. مش عارف ليه هي بالذات اللي حركت حاجة جوايا. ولا عارف إيه اللي اتحرك. بس أنا عارف إنك مستنياني، انتي وابننا. عارفة لو شفتي يحيى هتحبيه أوي. أنا تعبان أوي يا سما. مش عارف. أنا آسف...
آسف أوي. بس معنتش قادر أعيش لوحدي... الوحدة وحشة أوي. عارفة يمكن تكون أول واحدة تحرك حاجة جوايا، بس مش زيك. أنا عارف إنك زعلانة مني عشان من ساعة ما رجعت مش شفتكِ ولا مرة. استكترتي عليّ حتى الحلم؟
عمرك ما كنتِ بخيلة يا سما. عارفة بسمة عكسك في كل حاجة. بنوتة صغيرة، قلبها مكسور. يمكن دا اللي شدني ليها. حزنها، كسرتها، فكرتني بنفسي وأنا مقهور عليكي. عارفة أنا من امبارح مش عارف أنام. مش عارف حاسس بالذنب ولا خايف. خايف أفشل في التجربة اللي حطيت نفسي فيها. خايف أكون فسرت الصورة غلط. مش عاوز أظلمها. وفي نفس الوقت مش عاوز أتسلى عنها. أو يمكن خايف إنها متوفقش. بس اللي فهمته إنها مكنتش بتحب جوزها. اتجوزت جواز صالونات
وجوزها مات بعد شهر بس، ساب لها يحيى. بس هي ملحقتش تحبه، أو يمكن تكون حبيته. عشان كده كانت بتروح كل يوم تعيش وسط ذكرياتها معاه. عارفة ساعات بحسها أقوى مني، مهربتش زي ما أنا عملت. بالعكس. عارفة يوم ما عم محمود قال لها إنه هيأجر بيتها، انهارت. كانت صعبة عليا أوي، كان نفسي آخدها في حضني وأطبطب عليها. هو أنا كنت بروح كل يوم ليه؟
عشان أشوف عم محمود ويحيى، ولا عشان أشوفها صدفة وهي بتعدي؟ هو أنا حبيتها يا سما؟ تفتكري ممكن واحدة غيرك تاخد مكانك في قلبي؟ أسند ظهره إلى الشاهد، ليريح رأسه للأعلى ويترك العنان لدموعه، وكأن حبيبته رحلت الآن. ستخرج من حياته للابد. ألم الفراق لن يستطيع أن يحدث. صورتها. صورتها يقص عليها يومه كما اعتاد طوال عشر سنوات. هل قلبه خائن لم يفِ بالعهد؟
كان غارقًا بأحزانه، ولكنه لم يعلم أن هناك عيونًا خضراء باكية تشاركه دموعه الحزينة. للمرة الثانية تشعر بقلبها يؤلمها من أجله. تشعر بمدى ألمه وافتقاده لحبيبته التي حُرم منها، كما حُرمت هي من زوجها. لعل ألمها أخف وطأة من ألمه. هو كان عاشقًا، وهي كانت زوجة وحسب، حتى أنها لم تعتد على تلك الصفة. ترى، هل جاء يودعها كما فعلت هي؟
لقد قررت خوض التجربة من أجل يحيي، أو من أجل نفسها. لعلها أحبت شخصيته المرحة، لم تعتقد أبدًا أن خلفه كل هذا القدر من الحزن. لن تنكر، لقد أحبت حزنه، وفاءه، عشقه لزوجته الراحلة. انتبهت إلى يحيي الذي يجذب يدها. تنهدت بقوة. ما ذنب طفل كهذا ليُمكث بالمقابر؟ تنهدت بقوة. "يا يحيي، قول لبابا باي." "... أوبح بمه." رفعت الصغير بين ذراعيها وكادت تتحرك، ولكن الصغير للأسف رآه. وفي لحظة، كان ينفلت منها ليجري نحوه. "بيبي!
تحركت بسرعة حتى تمسك بهذا المشاغب. ما كان يجب أن يراه، ولكن توقفت قدماها لتراه. وكأنه كان يحتاج للصغير لينتشله من بئر حزنه. احتضنه، والغريب أن الصغير وكأنه يشعر به، ضم رأسه وربت على كتفه وبكى. رفع رأسه وقال: "بتعيط ليه دلوقت؟ مط الصغير شفته ومسح بيده وجه غيث. "عيط يحيي، عيط." تنهد بقوة ومسح وجهه. "مش بعيط أهوه... انت جيت هنا إزاي؟ "... عيط بابا." هب واقفًا وقال:
"تعالى، زمانها قلبه عليك. الدنيا يحيي، حلو، مش يسيب إيد ماما تاني، ماشي؟ تعلق الصغير بعنقه وقال: "حب غيث دنيا كولها." "كمان بحبك أوي يا يحيي." تقدمت بسمة خطوات حتى ظهرت، ليقف هو. خفضت بصرها. "آسفة، بس هو شافك طلع يجري، معرفتش أوقفه... قبل خد يحيي. "يحيي ديما بيجي في وقته... انتي هنا لوحدك؟ "يحيي." رفع وجهه لينظر لعيناها التي ماتزال عليها آثار الدموع. قال: "تيجي هنا لوحدك تاني؟
المقابر على طرف البلد ومش أمان إنك تمشي لوحدك جواها." هزت كتفها. "أول مرة أجي هنا لوحدي، بس سليم ملبوخ ويونس في الكلية، وعلى كل أنا كنت ماشية. يلا يا يحيي." "أنا هوصلكوا." "معلش، مينفعش طبعًا." تقدم خطوتين فصار في مواجهتها. "بقى... دا أنا حتى في مقام خطيبك." "لو كنت مينفعش برضه. أمشي معاك عن إذنك، عشان مينفعش كمان الوقفة دي. يلا يا يحيي، قلت." "بمن ديده." فرك شعره وقال: "بسمة بتحب يحيي."
"طب اتفضلي، وأنا همشي وراكي لحد ما تطلعي بره وأطمن إنك ركبتي." تنهدت بقوة. "اتفضل حضرتك الأول، وأنا همشي وراك." "ليه كده؟ حتى السيدات أولاً." "عند المسلمين الكلام ده." ورغمًا عنه، ابتسم بإعجاب لتلك الجميلة. تحرك خطوتين ليقول: "تقرري، ولا محتاجة وقت تفكري؟ "دخلت البيت واتكلمت مع رجالة، وأكيد هما هيبلغوك القرار." تلك البسمة تصر على إثارة إعجابه بها، بعقلها، اتزانها. "ممكن أسألك سؤال؟ "بتعملي إيه هنا؟
طال صمتها ليتوقف ويلتف. "ولا مش عاوزة تردي؟ "إذنك." قالت جملتها لترفع يحيي وتوقف أول سيارة مارّة لتركبها وتنطلق. "غريبة أوي... بس الغريب إني معجب أوي بغرابتك دي... حببها، يمكن عشان متدينة بزيادة، بس جيتيلي في وقتك فعلاً." تنهد بقوة ليركب سيارته وينطلق للبيت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!