أهلاً وسهلاً يابني، منور البيت، اتفضل اتفضل. تنحنح غيث بحرج ليعبر للداخل وقال بارتباك: في داعي؟ أنا كنت هستناها عادي في العربية. محمود بعتاب: كده يابني؟ ده إحنا عيلة. البيت بيتك، اتفضل. ده أنا حتى ملحقتش أتكلم معاك يوم العزومة. ولا إنت مش عايز تعرفنا بقي ولا إيه؟ قاده محمود إلى غرفة الجلوس رغماً عنه. بحثت عيناه عن البسمة الحزينة، ولكن ليس لها أثر. انتبه على صوت خديجة المرحب: يابني، منور البيت. بِنورك ربنا يخليكي.
بقي أنا عامله أم علي بس إيه... محمود: يونس ياخد جايزة نوبل في أم علي. غيث ضاحكاً: طالما جايزة نوبل يبقي لازم أدوقها. انصرفت خديجة ليسأل هو بفضول مقيت: فين يونس ويحيي؟ تنهد محمود وقال بأسى: راح يجيب يحيي وأمه من بيتها، زمانهم على وصول. قطب بين عينيه، الفضول سيقتله يوماً. هما مش عايشين معاكوا؟ مش عايشين... يعني بيقضوا النهار هناك، بس بيبيتوا هنا عشان مينفعش تبات لوحدها ويحيي لسه صغير.
استشعر ألم ومرارة الرجل. حزنه على ابنته التي أصبحت أرملة وهي في ريعان شبابها. أبو يحيي ميت من امتى؟ السنتين كمان كام يوم... الحمد لله على نعمة ربنا. المهم بقي بتعرف تلعب طاولة؟ نظر للرجل باستغراب: ... آه، ليه؟ يعني ولا زي سليم. ابتسم. المية تكدب الغطاس، هاتي الطاولة يا أم يونس. دخلت خديجة بابتسامة بشوشة. على الأول. كان يأكل باستمتاع. هذه العائلة محاطة بهالة من الدفء الغريب. جلس أمام محمود وبدأ اللعب. غيث: أسألك سؤال.
يابني. كنت بره لما جاسر اتجوز حور. انت وافقت ليه مع إن الفرق بينهم كبير أوي في السن؟ ابتسم محمود: حور ويونس أمانة محمد الله يرحمه في رقبتي. قبل ما يموت وصاني عليهم وربنا يعلم إنهم عندي زي سليم وبسمة، ويمكن أعز. جاسر أنا عارفه كويس أوي. مش عشان كبير البلد بس...
لأ، أنا عارفه شخصياً. راجل عارف ربنا وبيتقي الله في كل حاجة. ودا دلوقتي مش موجود. الكل عارف إن جاسر عنده مشاكل مع مراته اللي بيحبها، خصوصاً إن موضوع إنها قالتله يتجوز دا كان اتعرف. بالعقل كدا، لما واحد زي جاسر يسيب كبرات البلد كلهم ويطلب ينسبني أنا عشان يخلف عيل، هيطلب مين؟ حور ولا بسمة؟ غيث: عشان هي اللي خلفت قبل كده. محمود: الكبيرة وهي بنتي أنا. طيب لما هو بقي يطلب حور ولما يعرف إنها رافضة...
يقولي هتجوزها بالعافية. يبقي إيه؟ نزوة. مش طبع جاسر. والبلد كلها تشهد إنه راجل نظيف مش بتاع السكة دي. يبقي إيه؟ غيث: محمود وهو ده اللي... خلاني جوزتهاله. مش هبقى فرحان لما تتجوز واحد من سنها وتجيلي بعيل وهي مطلقة. أنا جوزت بنتي لراجل أنا بثق فيه إنه هيحافظ عليها وهيصونها. مبصتش للحظة إنه من عيلة الراوي وكبيرها. والحمد لله كل يوم بثبت إن كان حكمي ورأيي صح. جاسر بيحبها جداً.
سعيدة، ودا المهم. أنا فاهم إنها صغيرة وصعب عليها تتقبل وجود واحدة تانية في حياته، بس حور قوية جداً فوق ما تتخيل. هتصبر، وآخره صبرها خير إن شاء الله. فهمت يابني؟ غيث: في محلها. جاسر مفيش زيه في الدنيا. محمود: إنكوا متعلقين ببعض عن علاء. غيث: علاء هو اللي كان على حجر بابا. كان مدلعه بزيادة شويتين، بس إيه. الحجة كانت بتعوضنا أنا وهو. يخليهالكوا يارب. آمين. إنت محبوس في إيه يا جميل؟ محمود: نصاب على فكرة، بتغفلني يا غيث.
انفجر غيث ضاحكاً. كنت مندمج أوي. شاركه محمود الضحك. منتاش سهل، وأنا اللي بقول عليك طيب. قلي بقي انت متجوز؟ في إيدك دبله؟ نظر إلى طوق سما بيده وقال بألم: ... بس الموت اختارها هي واللي بطنها وسابني. محمود بتأثر: يابني حقك عليا، مكنتش أعرف. غيث بابتسامة باهتة: حاجة... خلاص أنا صدقت إنها سبتني، بس خدت وقت شوية عشان أستوعب. بس أهي ماشية. محمود:
يابني الدنيا مبتوقفش على حد. لما ماتت أم العيال كنت عامل زيك كده، شايف الدنيا اتقفلت ومعدلهاش لون ولا طعم. كنت عايش بس عشان بسمة وسليم. لحد ما محمد مات، زي يامكون ربنا بيقولي فوق. حملك تقيل، مش على قد سليم وبسمة وبس، لأ كمان حور ويونس وأمهم. اللي أبوها كان مصر يجوزها بعد العدة. إنت عارف إحنا بلد أرياف وكلام الناس كتير. واتجوزتها. عارف يمكن لو سألتني وقتها هقولك دي عرض أخويا ولازم أصونه. بس لو سألتني دلوقتي هقولك خديجة تبقي نصي التاني اللي ربنا قسمهولي.
أسند غيث رأسه إلى كفه وقال باستغراب: ... يعني إنت كنت بتحب أم سليم؟ قصة حب رومانسية. وأخرج من الكلية، أقفلها تحت المدرسة لحد ما محمد أخويا يقفشني. انضربت علقة سقع. محمد كان ملتزم ومتشدد أوي، بس كنت أنا الصغير وهو اللي مربيني. قالي عايزها يبقي بالحلال. رحت خطبتها. الترعة والساقية القديمة كنا بنتقابل هناك. غيث ضاحكاً: كنت خلبوص كبير.
يسامحنا بقي طيش شباب. واتجوزتها. إيمان كانت كل حاجة في حياتي. عشت معاها دنيا بحالها، زوجة، ولد، وبنوته. حياة مستقرة، عايش في جنة. وراحت إيمان في لحظة. كل أبواب الجنة اتقفلت، معدش فيها غير سليم وبسمة وبس. خديجة بقي حاجة تانية خالص. خديجة علمتني إن الحب هي وبس. أخدتني شبح إنسان، عملت مني بني آدم جديد، قادر يدي الحب للي حواليه، مش محروم منه. أو إوعى تقفل باب دنيتك وتقول إنها خلصت على كده. دور يابني على اللي تحيي قلبك. مش خيانة لحبيبتك إنه يدخل قلبك غيرها. عارف ليه؟
لو ربنا أراد واتجوزت تاني يبقي التانية كمان نصيبك، عشان ربنا هيجمعك بيهم. الاتنين في الجنة. ابتسم غيث: حسبتها كده إزاي؟ محمود: متتحسبش أكده، مهي الست بتبقى زوجة آخر راجل. ماتت وهي على ذمته. يعني أم يونس كان أول بختها محمد، بس هي مراتي أنا. ربنا كتبهالي في الجنة. فليه تقفل قلبك وهي كده كده مستنياك في الآخر. سواء روحت لها لوحدك أو روحت لها بعزوة زوجة وأولاد في الجنة. مفيش غيره. أغلق محمود اللعبة، فقال غيث:
حدوته ياعم محمود. ولا حاجة. يابني الحياه ماشية، ليه نعيشها أبيض وأسود؟ وربنا محلل لنا الألوان. ماهي... بسمة. يعني... بسمة أصلاً ملحقتش تفرح بأي حاجة. حسام كان معيد عندها في الجامعة. اتقدملها، وفي خلال شهر كانوا متجوزين. شهر كمان وسابها. قدر ربنا، محدش يقدر يعترض عليه. لما فاقت من الصدمة عرفنا إنها حامل. عاشت كل حاجة لوحدها.
اللهم لا اعتراض. بسمة لسه مجال الكلام معاها ما جاش. لسه وقته. بسمة لسه مش عارفة تخرج من الصدمة. بس ربنا قادر يخفف عنها. شوف شكل العملية معقدة والموضوع هيطول معاهم. تعالي أما نتمشى شوية ونشوفهم. غيث: اااه، يونس كده مش اتأخر ولا البيت بعيد؟ محمود: البيت قريب، بس ممكن تكون أقنعته يبيت معاها عشان السنوية. بس متقوليش لسليم لحسن يقيم عليها الحد. ضحك غيث بقوة. ليه كده؟
بدعة. بس أنا اللي مش عاوز أقرص عليها. تعدي السنوية وربك يدبرها. ترجل للخارج بجواره. أسألك، هتعمل إيه؟ البيت بتاعها، لازم تعرف إن ده معتش بيتها عشان تفوق. طول ما هي دافنة نفسها في وسط الذكريات هتفضل ميتة بالشكل ده. دخل محمود من البوابة ليهب شاب من خلف مكتبه واقفاً. أبويا الحج. يا أشرف، أمال الدكتور سليم لسه قدامه كتير؟ قرب يخلص. الدكتورة اللي معاه بتقفل خلاص. غيث: إيه؟ دي العملية كبيرة أوي.
يا أشرف، إحنا هنستنى الدكتورة جوه. يابابا الحج. ترجل محمود وغيث للداخل ليقول غيث بإعجاب: متخيلتش إن عيادة بيطري تبقى بالشكل ده. يابني اتخيلتها بتنهق. ضحك غيث: مش الفكرة، بس أصل مفيش حد في البيت مقتنع إن عيشة دكتورة برغم إن مجموعها كان جايب بشري، بس هي كانت حبة بيطري. جلس محمود وقال: أما أفهمك. سليم كمان كان جايب بشري، بس هو حابب البيطري. تعرف إن البيطري أصعب من البشري؟ بقي؟
في البشري، إنت بتدرس تخصص واحد على نوع واحد اللي هو البني آدم. يعني بيتخصص باطنة، جراحة، قلب. صح؟ بقي... إنت عارف فيه كام نوع حيوانات وحشرات؟ دا غير إنه بيدرس نبات. يعني بيدرس الدنيا كلها تقريباً وبيعالج كل حاجة. باطنة وقلب وجراحة وعظام. غيث بإعجاب: فكرة ياعم محمود، إنت فيلسوف بجد. ولاحاجة، أنا بس بشوف الحاجة بطبيعتها. دا صوت سليم، الظاهر خلصوا. ترجل سليم إلى الغرفة ليلقي السلام على الموجودين، وترتمي عيشة على المقعد.
أنا اتهديت. سليم، دي بس أول عملية تقفي فيها. غيث: العملية كانت إيه؟ سليم: بنركب شريحة ومسامير لحصان عنده كسر مضاعف. غيث: هو الحصان لما بيتكسر مش بيموت؟ عائشة: بيت الجهل! هتفضحني! لأ مبيموتش يا آخر صبري. بيتعالج وبيقوم زي الحصان. غيث ضاحكاً: حصان أصلاً يا ذكية. عائشة: إن عمليات الخيل مكلفة أوي، عشان كده لما بيتكسر بيضربوه بالنار. محمود: زي الحصان اللي راقد جوه ده، كان صاحبه هيضربه بالنار. سليم صعب عليه واشتراه وعالجه.
سليم: بس عشان أنا لحقته. المشكلة إن رجله اتكسرت بسبب الأحمال الزيادة اللي بيشيلها. غيث: شكلك طيب أهو، غير الصورة اللي خدتها عنك خالص. قطب سليم: إخت صورة عني؟ شكلها إيه؟ غيث: متنشن بزيادة شويتين. ضحك سليم ومحمود. "أنا شكلي شرير أوي كده، أصل بسمة بتقول عليَّ كده برضه." "عائشة يا غيث، هتشوف الوش الطيب بتاعه." "طالما مانتاش مؤنث." سليم بغيظ: "إيه بقي يادكتورة؟ غيث: "عندها حق، ده إنت بتتحول بجد، إنت مش طالع لابوك خالص."
عائشة: "عم محمود دا راجل عسل على راي حور." نظرة سريعة على وجهه سليم. سليم: "إنتي اللي عسل يابنتي، حق حور تحبك كده." عائشة: "يحفظك يارب، غيث أنا هسلم على طنط خديجة ونمشي، ماشي؟ محمود: "يا خديجة، يتقلك طنط من العسل دي... غيث: "أختي قدامي يا عم محمود." محمود: "آه، بعكسها عندك مانع؟ غيث: "خالص على فكرة." محمود: "يلا يا بت، هتجيبلنا العار، عدي قدامي." محمود ضاحكًا: "نتعشى يابني... غيث: "هينفع دا، إحنا قربنا على نص الليل."
محمود: "ده إنتوا لو مشيتوا، خديجة تطردنا من البيت، يلا يا سليم خلي الواد أشرف يروح لعياله بقي." سليم بعصبية: "هينفع أسيب الحصان لوحده؟ محمود: "يابني كل وابقي ارجعله، عدي متضيقش خلقي." تحرك الجميع للخارج لتستقبلهم خديجة. خديجة: "لسه جايه أندهلكوا، العشا جاهز، يلا يابنتي، دا إنت شكلك مهدودة، خف عليها ياسليم، حرام عليك." ترجل الجميع للبيت ليقول سليم بجمود: "عايز يتعلم يتحمل التعب." التفتت
له عائشة لتقول بغيظ: "مش مشتكش على فكرة." سليم: "مش وجهتلك كلام." عائشة: "قليل الذوق... عمال تشخط وتنطر، هو في إيه بالظبط؟ عقد ذراعيه. سليم: "أشخط وأنطر أحسن ما أتمايص." قالت بحده: "اللي بيتمايص أنا مسمحلكش، إنت فاهم ولأ لأ؟ سليم: "تسمي المسخرة اللي كانت جوه من شوية دي إيه؟ إنت عسل؟ لأ، إنتي اللي عسل." حدقت بوجهه وقالت بحنق: "مجنون... وبعدين ميخصكش، خليك في حالك، ماشي؟ سليم: "إنتي فين؟ عائشة: "يا غيث جايه أهوه...
أقسم بالله لو اتكلمت معايا تاني بالأسلوب ده... مهيحصل، طيب، والعلم اللي يجي من وشك يغور، مش عاوزاه." قالت جملتها لتتحرك بعصبية للداخل. زفر بضيق. هي محقة، ماذا فعل ليحتد عليها هكذا وليتهمها بهذا الاتهام؟ لن ينكر أنها تلميذة نجيبة بشدة وشعر بمتعة حقيقية وهو يشرح لها وهي تساعده. حسناً، ما كان يجب أن تتساهل بالحديث مع أبيه. لقد فقد عقله بالكلية. زفر بضيق ودخل إلى غرفة الطعام. وقعت عيناه على فحمها الدامع ثم أشاحت وجهها.
سليم: "فين بسمة ويونس؟ خديجة: "اتصلت بيه وقلتلي هتبيت النهارده في بيتها ومعاها يونس، متقلقش." سليم بعصبية: "يابا، تسيبها تبات تاني هناك؟ مش قلنا؟ قاطعه محمود: "إنتوا، انتهينا." سليم: "تشوفه حضرتك." خديجة: "ياسليم، فترة وهتعدي." محمود بحزم: "مش قلت انتهينا." حاولت عائشة تخفيف الأجواء. عائشة: "برضه يا عم محمود، وأنا اللي بقول عليك طيب، اتبيك بتتحول إنت كمان." محمود: "مبحولش ولا حاجة."
غيث ضاحكًا: "يا أم يونس، عيشة هتاكل منك الجو." خديجة ضاحكة: "قلبي زي العسل، ده أنا بحب عيشة كأنها واحدة من ولادي." غيث: "ضاحكة، لبستك في الحيطة، قلتلك واحدة من ولادها." ضربت عائشة جبهتها وقالت بطريقة مسرحية: "العريس يا خوي." تشارك الجميع بالضحك. في حين ترك سليم أدوات المائدة وقال بغضب: "إذنكم." قال جملته وانصرف للداخل. غيث: "ماله؟ عائشة: "في بالك عنده حساسية هيسترية من الضحك."
محمود ضاحكًا: "يابنتي والله دا على طول بيضحك." عائشة: "هو تلقيه بيضحك معاك بس عشان إنت معاك الكتالوج." خديجة ضاحكة: "أبدا... خديجة: "هو بس تلقيه في حاجة ضاغطة على أعصابه." عائشة بحنق: "أنا واقفه في زوره بالعرض." غيث: "اللي بتقوليه دا يازفتة إنت." عائشة: "يلا بقي... شكراً جداً يا جماعة على الاستضافة الهايلة دي، وإن شاء الله هبقى آجي مع حور عشان أشوف بسمة. عن إذنكوا بقي." نظر غيث إلى محمود.
غيث: "مش فاهم حاجة، على العموم كان يوم حلو بصراحة." وضع يديه بجيبه وأخرج بعض الحلوى ليناولها لخديجة. غيث: "ليحيي، معلش ابقي اديهومله إنت بقي... كان نفسي أشوفه." محمود: "مفتوح يابني، تعالي شوفه في أي وقت، وهو أخلص طاري منك في الطاولة." محمود: "تصبحوا على خير يا جماعة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!