سكّت، وسكّتت. لبس وخرج بسرعة. تساؤلات كتير زادت في دماغها، وعاوزة تفسيرات لكل حاجة هي فيها، وخصوصًا لوضعها الجديد. الوضع مربك. لحد دلوقتي هي مش فاهمة أي حاجة حواليها. فجأة كدا ومن غير مقدمات، بقت زوجة لراجل غامض. دول حتى مكلفوش نفسهم يسألوها وياخدوا رأيها. الماضي بتاعها ده أصبح لعنة. وفعلاً بدأت تفكر: يا ترى هو عرف أي حاجة عن ماضيها؟
بس دي من سابع المستحيلات إن راجل يعرف حاجة زي دي ويسكت عليها ويكمل عادي وكأنه ما حصلش. ممكن فعلاً يحصل، بس مش بسهولة كدا. ودا نادر إنه يحصل من غير ما الواحد يسأل عن الإنسانة اللي هيرتبط بيها ويعرف فعلاً ماضيها ويسأل، يا يقبل يا يرفض. فضلت رايحة جاية في الأوضة بتفكر: يا ترى إلياس ده حكايته إيه؟ وإيه اللي رماها في سكة؟ معقولة يكون هو قدرها بعد السنين دي كلها؟
يمكن هي كانت فرحانة بالرسائل والورد بتاع كل يوم اللي كان بيبعته، وكأنها كانت بتعيش مراهقتها. ضحكت بسخرية على نفسها. حاسة بالملل. الأفكار مش راحماها، وهي نفسها بس تفضل يوم كامل من غير تفكير ومن غير وجع. الماضي ده اللي عامل زي نقطة سودا في حياتها. لفت في الأوضة وفضلت تتفرج عليها وعلى كل ركن فيها. وقررت تتجول في الفيلا وتشغل بالها عن أي أفكار تانية.
كانت الفيلا خيالية بالنسبالها. ما حلمتش يوم إنها تعيش في مكان زي ده. يا ترى هو حلم جميل ولا كابوس مفزع؟ كانت بتتفرج وهي مبهورة بكل ركن فيها، وجواها سعادة غريبة إن هي بقت ست البيت دا. هي إنسانة أكيد وجواها مشاعر، حتى لو أنانية، بس هي جواها فرحة إن مستواها هيتغير من النهاردة. خليها تتفرج وتملي عينيها شوية، وتتأمل مستقبلها شويتين. وبلاش سلبية، حتى لو حلم ليوم. إزاي هنعيش من غير أحلام؟ خليها تستمتع شوية. ***
في مديرية الأمن. كان إلياس بكل برود بيسمع للظابط عن اللي حصل، وكأنه مش فارق معاه. شوية يبص في ساعته وبيأفف: "حضرتك، أنا إيه علاقتي بكل اللي بيحصل ده؟ الظابط مستغرب بروده وبصله بضيق من طريقته: "المدعو زياد حسن صالح بيتهمك إنك اديت أمر بخطف المجني عليها مروة محمد إبراهيم." إلياس: "وايه الدليل على كلامه؟ ويعرفني منين أصلاً؟ الظابط:
"بيقول إنه كان واحد من الخاطفين، وإنه بناءً على الأمر ده عملوا خطة وخطفوها من قدام المول اللي كانت فيه من 3 أيام." بصله إلياس بثقة: "يا سلام؟ وأنا هعمل كدا ليه؟ الظابط بصله بغضب لأسلوبه واتكلم: "ما أنا بسألك أهو؟ إلياس بنفس البرود ونبرة السخرية: "وايه اللي حصل؟ الظابط هنا جاب آخره، وقف وبصله بغضب: "انت يا بني آدم، بطل البرود ده واتكلم بأدب قدامي، وإلا والله هتصرف تصرف مش هيعجبك وهلبسك قضية حالا."
وقف إلياس بغضب هو التاني: "الظاهر إنك متعرفش بتتكلم مع مين؟ انت متعرفش أنا بتليفون واحد للسفارة هـ... بصله الظابط باستغراب. رد عليه إلياس بتهكم: "متستغربش كدا. أنا مش أي شاب يحمل جنسية يوناني. بالعكس، أنا إشارة مني صدقني مش هتعرف راسك من رجلك. اقف حلو كدا واتكلم عدل، أنا مش بينفع معايا النبرة دي." بصله بسخرية، والظابط بصله بتحدي وضحك: "حاسس إني خايف وركبي بتخبط من الخوف. لا والنبي اوعي، دا أنا غلبان وفي حالي."
تحولت نبرته للجد: "لا فوق. إن كنت انت مهم وتقدر تعمل المستحيلات زي ما بتتفاخر، فأنا مبهددش ومش بخاف، ماشي؟ فا اهدا كدا. واظن لو انت بريء من كل الادعاءات هيبان معانا." إلياس سكت بغيظ: "ايه المطلوب مني دلوقتي؟ الظابط ابتسم بسخرية: "نستجوب ساعتك ونقارن ده بأقوال المتهم اللي هو أصلاً معترف بده، وناخد أقوال المجني عليها." إلياس: "طيب، ممكن تأجل أي حاجة دلوقتي؟ واظن مش ههرب منك يعني؟ الظابط: "عندك حاجة مهمة؟
أهم من إثبات براءة اسمك اللي أشك في ده؟ إلياس بغضب: "ميهمنيش لأني صدقني، أنا مش حد ضعيف. أنا حد جابها من الصفر آوي، وأمثالك وقعوني كتير بس معرفتش معنى الاستسلام أبداً. فمتجيش تهددني، تمام؟ قرب منه الظابط وبنبرته البوليسية: "وهو دا محل التحقيق." إلياس: "يعني إيه؟ الظابط: "يعني أنا متابعك بقالي فترة، وعارف عنك حاجات مش بس هتأكد عليك تهمة الخطف وهتك العرض، لا دي هتلف حوالين رقبتك حبل المشنقة أو أقلها تأبيدة." إلياس:
"انت بتخرف، تقول إيه؟ الظابط قعد وحط رجل على رجل بثقة: "يعني انت تحت إيدي، ولازم أستغل الفرصة." إلياس: "برضه مش فاهم." الظابط بسخرية: "ولو إني أشك بس هفهمك." وقف وقرب منه وهمس: "مصدر الفلوس والثروة السريعة مش من هندسة السيارات. هي العربيات تكسب صحيح، وخصوصاً لو انت في المجال ده، بس متعملش ربع ثروتك بالسرعة دي. أو على الأقل تعملها بس بتاخد وقت ومجهود، وانت يدوب اللي أعرفه إنك عندك 36 سنة، مش كدا ولا إيه؟
إلياس بصله بصدمة ومش مصدق إنه مراقب، وهو اللي فكر إنه نمس ومحدش عاد يقدر عليه وإنه متحكم في الكل. بس لا، دا طلع فيه عيون ورا ورا رجاله. الظابط: "تحب أقول كمان، ولا الصدمة لجمت لسانك؟ مش عارف تدافع عن نفسك؟ إلياس بصله وبيحاول يلاقي تفسير مناسب يخرج من هنا، وبعدها هيعرف هو هيعمل إيه. الظابط: "أنا أقدر إن تجارة السلاح مربحة آوي، بس هتبقى مربحة فعلاً وانت واقف قدام ربنا." إلياس بغضب:
"انت مش فاهم أي حاجة، والعيون اللي الداخلية مسلطاها عليا مش فاهمة أي حاجة، ولا عندها غير قصر نظر حضرتك." الظابط: "خلينا نتفرج على قصر النظر الحقيقي." إلياس: "المطلوب مني إيه؟ الظابط: "السبب، الاعتراف، الهدف. كل دي حاجات عاوز أعرفها. انت مين؟ وليه سافرت؟ اتقال إنك مت وبعد كام سنة راجع شخصية وثروة ومعارف محدش يقدر يوصلهم لو قعد سنين عمره يعمل ده. وايه هدفك من اللي عملته مع المجني عليها؟ إلياس: "لو قلتلك هتطلق سراحي؟
وتجيبلي محامي؟ الظابط: "اسمع الأول. يا ترى إلياس فعلاً هيحكي الحقيقة؟ وهيعترف على نفسه إنه قتل أخته زمان؟ الظاهر إن لسه الغموض بيغلف إلياس." ***
السكوت مغلف البيت. محسّتش بالوقت وهو بيمر من حواليها. دخلت الأوضة وهي محتارة، إيه سبب تأخيره. فكرت تروح تقعد مع أمها لحد ما النوم يلهيها، بس أمها تلاقيها بترتاح. فكرت بحماس تروح تقعد مع لوجي وتتعرف عليها، يمكن تقدر تتكلم معاها وتتعرف على إلياس أكتر منه. بس يا ترى هي فكرة حلوة؟ حست بملل تاني وقعدت مع نفسها تاني. بس شوية وبصت في الساعة، كانت 8. فكرت إن لسه بدري، وفجأة ضربت في دماغها فكرة لحد ما إلياس يبقى يرجع.
لبست هدومها بسرعة ونزلت. كانت الفيلا ساكتة خالص. خرجت وكانوا الحرس واقفين. وقفوها: "على فين يا هانم؟ بصتله باستغراب: "هو انتوا بجد بتسألوني على فين؟ أنا هستنى أقولكم على تحركاتي؟ بصولها بأسف: "العفو يا هانم، بس دي أوامر إلياس باشا لينا إن محدش يخرج ويدخل إلا ما نستجوبه ونعرف رايح فين وجاي منين. دي أوامر ولازم ننفذها. فبعد إذنك عرفينا على الأقل رايحة فين، للأمان ليكي وعشان الباشا لما يرجع."
بصتلهم وبغيظ جواها من إلياس، وبيعملها زي السجينة، وهيتحكم فيها من أولها، وهي مش بتحب كدا. *** هاجر أخدت مروة اللي كانت تعبانة جداً للمستشفى عشان تغير على الجرح. وبعدين خرجوا من المستشفى. مروة بصتلها: "عاوزة أرجع بيتي." هاجر بصتلها: "حاضر، بس نروح القسم الأول." مروة بصتلها بخوف: "قسم ليه تاني؟ هو أنا مش رحت مرة وقولت أقوالي؟ هاجر: "الظابط طلب إنك تتواجهي مع واحد من اللي خطفوكي." وقاطعتها مروة بخوف واتشبثت فيها:
"لا لا لا أبداً، ارجوكي. أنا ممكن أموت فيها. أنتي متعرفيش أنا ممكن أموت نفسي ولا أشوف واحد فيهم تاني. أنتي متعرفيش اللي عشته ولا اللي شفته في اللحظة اللي مرت عليا وكأنها عجّزتني فجأة. ارجوكي يا هاجر بلاش. أنا كل اللي عايزاه أطمن على أهلي، زمانهم قالبين الدنيا عليا، الأفكار بتقتلهم والعار لاحقهم. حرام أكتر من كدا. وأمي، أمي زمانها... لا لا ارجوكي. وزينب معرفش مصيرها بقى إيه؟
هاجر بصتلها بتعاطف وخوف عليها فعلاً إنها تنهار. دا سبحان من قواها وخلاها صامدة للحظة دي. خافت فعلاً تنهار منها. هاجر بصتلها: "طيب، هعملك اللي انتي عايزاه. خليكي واقفة هنا، هروح أوقف تاكسي ونروح لأهلك حاضر." سابتها هاجر وراحت توقف تاكسي. ومروة فجأة حسّت بخوف وبقت تبص حواليها برعب. والناس ماشية حواليها خايفة منهم، عاوزة تصرخ. روحها بتطلع. كل لحظة بتشوف فيها حد بيمشي من جنبها، حست بالعار من روحها والخوف مالي قلبها.
بكت بصوت مكتوم ودموعها بتزيد والخوف جواها بيكبر. وحاجة واحدة لاحت ليها فجأة إنها بقت عار وجابت العار، فمتستحقش عيلتها ولا الحب اللي كانوا بيحبوهولها. ولا زينب تستاهل تبقى صاحبة واحدة مومس زيها. ما هو هيتقال عليها إيه؟ هل هيتصدق إنها بريئة فعلاً وإن اللي حصلها ده في نظر المجتمع ظلم ولا جريمة؟ وإن هي في نظرهم الجاني مش المجني عليها؟ هل الناس هتصدقها؟ وهل المجتمع؟
وأهلها حتى لو صدقوها هيثقوا فيها وتاخد فرصة تعيش حياتها زي ما كانت قبل كدا؟ بصت حواليها. قد إيه محكمة الدنيا واسعة، وهي بقت فيها الجاني، وبسبب بس لحظة غادرة خانها فيها عقلها، بقت في المكان ده وفي الحياة دي.
أهلها ميستاهلوش نظرة العار المرة اللي الناس هتبصلهم بيها بعد كدا. وزينب عانت كتير في حياتها، متستاهلش إنها تصاحب واحدة زيها. هي أنضف من إنها تعاني من صحبة زيها. هي عانت بما فيه الكفاية في ماضيها اللي كان متعب آوي، وبصعوبة تخطت ده. يبقى لازم تسيبها تعيش بسلام، ويمكن لما تبعد الكل يرتاح ويتخطى مشاكله بسهولة. سابت نفسها للريح تمشيها توديها لمصيرها، وأي مصير هيكون. ***
سلمى روحت بيتها ودخلت أوضتها على طول من غير حتى ما تتكلم مع أي حد من عيلتها. قفلت الباب كويس وخلعت حجابها بسرعة ورمت نفسها على السرير وهي زي السكرانة اللي بتحلم. بتتخيل أحلام اليقظة، بتضحك وتبتسم وتكشر وتعياط وتبني أحلام وردية، كل ده في دماغها بمجرد بس ما فكرت في مستقبلها لو بنته بإيديها. يا ترى إيه اللي هيحصل؟ قامت بسرعة فتحت شنطتها وطلعت صورته اللي عرفت تتسلّها (تسرقها)
من الفيلا وقعدت تتأمل فيه. بتتخيل نفسها مكان زينب، وأول مرة تبص لزينب بحسد. وكانت بتتخيل القصر اللي هتعيش فيه زينب، وتتخيل نفسها مكانها وإنها تبقى سيدة القصر. ضحكت وهي تتأمل الصورة: "شكلي وقعت ومحدش سمى عليا، بس أنا همد إيدي وهاخد من الدنيا اللي مش عايزة تديهولي." يا ترى إيه اللي هيحصل؟ يظهر إن الحياة بدأت تتعقد. يا ترى إيه مصير مروة وزينب من كل اللي بيحصل حواليهم ده؟
إلياس بدأ يقع، ولا دي بداية جديدة هو اللي هيكتبها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!