كانت زينب قاعدة في التراس لكنها كانت شاردة وحزينة وهي بتفتكر كل اللي حصلها واللي جنته بإيديها وحياتها اللي اتبدلت بعد ما أعجبت بخطيب اختها لغاية هروبها وهي حامل بطفل أكيد في نظر الناس غير شرعي رغم أنها متجوزة على سنة الله ورسوله لكنه كان في السر ودا كان بالنسبالها أول وأكبر غلطة في حياتها.
وبعدين دراستها وشغلها، اشتغلت حاجات كتير في حياتها عشان تدرس وتعاقب قلبها على الحركات الطفولية اللي هدمت حياتها في غمضة عين ولأنها كانت مستنية حد يدعمها ومع ذلك محدش دعمها لأنها كانت على غلط ومع ذلك احتاجت لدعم ملقتش لكن اتعلمت واشتغلت وكافحت زي ما بيقولوا لحد ما اتخرجت واشتغلت في أكبر بنك ويوم ورا يوم بتثبت للمدير أنها كفاءة لغاية لما اترقت وكأن قدرها كان مستني ترقيتها وبدأ عذابها الحقيقي على أفعالها وكانت اقتنعت أن دا عقابها على حاجات كتير سواء كانت فاكراها أو عوامل الزمن نستها لدرجة أن الذاكرة مليانة ليها.
إلياس كان واقف يراقبها من بعيد وهو شايفها حزينة وسرحانة دايماً وافتكر اهتمامه بيها لما كانت الحمى شديدة عليها وسهره جنبها كام ليلة لحد ما ربنا أمر بشفائها. مشاعره في الفترة دي كانت مشتتة ما بين القسوة واللين، الحب والكره، وبين الحين والآخر لازم واحد فيهم ينتصر، أحياناً القسوة وأحياناً اللين وكثيراً الكره، لكن الحب لم يبدأ بعد أو محتمل بدأ لكن لم يرى إلى الآن ماذا يكن قلبه.
لأول مرة يستكشف زينب من بعيد ويشوفها كإنسانة تانية، إنسانة ضعيفة هشة، كانت بتصدر قناع القوة لكن دوام الحال من المحال، ولأن ضعفها أكبر من قوتها انزاحت أقنعة القوة وقشرة التمرد اللي كان شايفها في عنيها أول مرة، وحل محلها ضعفها الأنثوي الحقيقي اللي بيثبت أن حواء أضعف من آدم وأقوى تأثراً بما حولها. إلياس: صباح الخير! استشعرت صوته بنبرة غريبة جواها، بصتله وابتسمت شبه ابتسامة: صباح النور.
إلياس: ممكن أقعد معاكي إذا مش هيضايقك. ابتسمت بحزن: دا بيتك، أنت بتستأذني؟ إلياس قعد قريب منها وابتسم: ودا بيتك برضه، متنسيش أنك مراتي وعلى اسمي، دا غير أننا قرايب برضه، أظن كدا ولا إيه؟ زينب: آه طبعاً ابن خالي أكيد، بس دا أبعد ما يكون عن القرابة اللي بينا. إلياس بصلها بإستفهام: يا ترى قصدك إيه؟
زينب: يعني أننا زي الأغراب بالظبط وعايشين في بيت واحد ومنعرفش بعض غير بالأسامي، وبحسك دايماً غريب زي اللي بتقاوم حاجة جواك، أحياناً بحس أنك قاسي وغامض وأحياناً بحسك مرح وطيب وبشوش وحنون زي الأيام اللي فاتت واهتمامك بيا وبكل حاجة لما كنت تعبانة وزي دلوقتي كدا برضه. إلياس اتنهد: حياة الإنسان متخليش من كل اللي قولتيه، وإلا هيكون إنسان مثالي ودا مش موجود، ولا إيه؟ زينب: معاك حق. إلياس: زي ما أنا شايفك بالظبط.
زينب: اللي هو إزاي؟ عايزة أعرف شايفني إزاي؟ إلياس: مش شايف حاجة، أنا شايف شبح إنسانة، يعني تعبانة سرحانة غامضة برضه، وانهياراتك المتكررة دي بتدل أنك شبح أو أنك ضعيفة لدرجة أنك مش قادرة تتخطي موقف حصل معاكي، الحادثة مثلاً، يعني أول مرة شفتك فيها شدتيني أني أعرفك متمردة وعنيدة، وأنتي نازلة تشتمي اللي كسرلك فوانيس عربيتك وبعدين كسرلك اللاب بتاعك، فاكرة؟ بعدها كل دا اختفى من بعد الحادثة.
زينب: زي ما أنت قلت، إحنا مش مثالين، بس أكيد عارف أن كل إنسان فينا له ماضي عاشه، وزي ما عاش فيه الحلو والأحلام، شاف فيه اللي يوجع ويكسر. إلياس: معاك حق. وكأن الاتنين متفقين في نقط كتير مشتركة بينهم، ودا كان الإحساس المسيطر عليهم. محاولت تخرج من المود ده وهو كمان بصلها: إيه رأيك نغير المود ده، أو نبدل الماضي ونكتب صفحة جديدة تغطي على الوجع ده. زينب: ياريت. إلياس ابتسم: إيه رأيك أعزمك برا على العشا؟
زينب بصتله: بس أنا سامعاك بتتكلم في الفون وبتقول أنك عندك عشا عمل النهاردة. إلياس: وإيه المانع؟ يتأجل، الدنيا متهدتش. زينب: الأيام جاية كتير ممكن نخرج فيها، بلاش شغلك يتأثر، أنت لسه جديد في الساحة هنا. إلياس ابتسم لاهتمامه ودا زاده إصرار أنه يصحح اللي عمله واللي كان ناوي يعمله. إلياس: أنتِ شكلك بتتهربي، لو مش قابلة أننا نبقى صحاب أو حتى مش عايزاني خالص.
وكأن دي إشارة تهديد ليها أن دي آخر فرصة عشان تتخلص من أحبال الماضي، خافت الفرصة تختفي منها تاني فبصتله بترجي: لا لا أنا موافقة، أتمنى بس أكونش أنا معطلاك. إلياس: في إيدينا كل حاجة، وفي إيدينا نصلح اللي كسرناه، والعشا المهم يتعوض، لكن ساعة الصفا والقلب الخالي متتعوضش. وكأنها دعوة صريحة لحياة جديدة، وانتعش الأمل جواها حتى لو لحظات، لكنه انتشلها من آلام نهشت قلبها وعيشتها في دوامة لسنين. عند منة ومجد.
رجع من الشغل لقي منة جهزت العشا، دخل غير هدومه وأخد شاور ورجع من سكات، قعد ياكل وكانت الحياة كدا بينهم، الكلام قليل جداً وفي أضيق الحدود، كأن مجدي بيراجع نفسه وسنينه وظلمه لمنة ووقوعه بين فك أختين، بينزعه على مزاجهم. قلبه مع واحدة، لكنه في الواقع مع أختها اللي كان المفروض هي أول بخته، لكنه اتفاجأ بالصغيرة بتعترفله بمشاعر طفولية وأنها بتحبه، لكن في الواقع هي كانت لسه مراهقة مش فاهمة أي حاجة، وأن مشاعرها دي مش مستقرة.
لكنه مشي ورا غريزته وكذب أي منطق بيقول غير اللي هي قالته، وكان زي الكورة في إيدها ومشاعرها. اتجوزها وحبها، بس ملحقش يحدد هي زوجة مناسبة ولا مازالت عيلة بتلعب بيها المشاعر ما بين الإيجاب والسلب وما بين الإنجذاب والنفور. وانقطع الخيط اللي بينهم في لحظة، بس هيفضل الحال كدا لإمتى؟ وايه المصير اللي لسه منتظره؟
ومنة من جهتها ساكتة وسرحانة ما بين غيرتها عليه السنين اللي فاتت، وما بين كرهها لأختها اللي اتسببت في النتيجة دي، متجوزة شخص بيعاملها زي الأغراب. قعدت قصاده تتعشى هي كمان من سكات، لكن جواها إحساس أن مجدي مش طبيعي، وبتفكر يا ترى إيه اللي ممكن يكون حصل. مجدي خناقاته معاها قلت، بقى بيتعامل معاها بهدوء وكثير بيتجاهل الكلام وانه يقعد في البيت.
كان الجو مشحون توتر، ومجدي حاسس أن هدوئها هي كمان مش طبيعي، يعني غير طريقته وبطل يتخانق وبيراجع نفسه وقراراته زي اللي واخد فترة راحة، بس رد فعلها هو الهدوء، فحاسس أنها يمكن تكون بتخطط لحاجة، ولا يمكن تكون تعبت من طلب حقوقها وطلب الاهتمام، ومعاها حق في كلا الحالتين. قطع الصمت ده: أنا نازل القاهرة بكرة. بصتله بإستغراب ومازالت ساكتة: ساكتة يعني؟ بصتله بهدوء: هقول إيه؟ مستنيني أمنعك؟
مجدي: بس طريقتك جديدة عليا، يعني مش متعود عليكي ساكتة. سألته: تحب أقولك إيه؟ مجدي: مالك يا منة؟ منة: سلامتك، أنا كويسة. مجدي: معندكيش اعتراض المرة دي لما بقولك رايح القاهرة. منة: براحتكم. مجدي: مش شاكة فيا؟ ولا خلاص وثقتي أخيراً.
منة بتهكم: معدتش بعرف أدي أمان لحد، أمي الوحيدة اللي كانت أماني في لحظة اختارتها ونسيت اللي حصل وراحتلها، يبقى تبقى مين عشان أثق فيه. أبويا اللي كان يكرهنا أنا وزينب يقف في وشي ويدافع عنها وتلاقيه عايش معاها دلوقتي. مجدي: إيش عرفك أن أبوكي حن مرة واحدة وكمان عايش معاها؟ تفتكري هتسامحه بسهولة؟ منة بهدوء: كل حاجة بتتغير في غمضة عين، ولا عندك رأي تاني؟ كان ليا وفي لحظة بقى لاختي.
بصلها: بس أخذتيه في الآخر، حتى لو راح أختك، في الآخر سابتهولك. منة بضحكة سخرية: مستعمل؟ سابتهولي مستعمل ومستهلك، استخدامه ضعف ده (بتشاور على قلبه) مشغول ومبقاش فاضي، وأعتقد معادش مكان فيه. بصتله: هتفضل قد إيه في القاهرة؟ مجدي: معرفش، هيفرق؟ منة: لا ولا هيفرق ولا حاجة. وقفت: الحمد لله شبعت. بصتله وهي كملت: هروح أحضرلك شنطة عشان تسافر بيها. مجدي: ماشي، وأنا هبات مع فرحة النهاردة. ابتسمت بجمود: اللي يريحك.
دخلت تحضرله شنطة للسفر وهي دماغها بتفكر، هي رجعت لشكها القديم وحاسة أن سفره القاهرة آخر فترة مش طبيعي وأنهم ممكن يكونوا رجعوا يتواصلوا تاني، ولأنها ما تعرفش عنها أي حاجة من يوم اللي سابت البلد وراحت القاهرة، بقت متيقنة أن نزول جوزها القاهرة وغيابه من غير مبرر بيخليها تشك فيهم الاتنين، في الآخر هي مبقتش تثق في حد. وقررت أن الهدوء والصبر مفتاحها لرد حقها. في الفيلا.
كانت زينب بتجهز نفسها عشان معادها مع إلياس، دخلت عليها مامتها وشافتها بتجهز وكانت حيوية ومتغيرة كتير، والتعب كأنه بدأ يختفي منها. ابتسمت براحة وهي حاسة أن حمل من على أكتافها اتشال.
وأن مراقبتها لإلياس واهتمامه ببنتها أكدلها أن القرار اللي أخذته مكانش من فراغ، وأن ابن أخوها متغيرش وواخد طباع أخوها، ودا اللي عشمها في البداية تسلمه بنتها، ورجعت ندمت على قرارها لما تهيأتلها كل أم الماضي واللي كان بيعمله فهمي في إلياس وأخته، وتهيألها أن إلياس وافق عشان ينتقم منها، ودا كانت الأيام أثبتته بعد اللي حصل وبعد إلياس عن البيت كأنه بيخطط لحاجة، ولكن كل دا اتبخر وهي شايفاه بيهتم بيها وبدواها ويسهر جنبها ويهتم لأجلها وفي كل حاجة.
حمدت ربنا أن الخوف زال وأن إلياس راجل يعتمد عليه، وسلمتله أمانة هي واثقة أنه هيحافظ عليها ويحميها من كل المخاوف اللي جواها، وأولهم فهمي اللي لحد دلوقتي محدش عارف هو راح فين. راقبت زينب شرود والدتها في المراية، التفتتلها: ماما! صباح…. زينب هزتها فأتخضت: فيه إيه؟ زينب هدتها: اهدي يا ماما، أنتِ مالك، فيه إيه؟ صباح ابتسمت: أنا كويسة طول ما بنتي حبيبتي حياتها بتتحسن وبتخرج من المود اللي حطت نفسها فيه.
زينب: حاجات كتير يا ماما السبب في اللي حصلي الفترة الأخيرة، بس الحمد لله بقيت أحسن وبحاول أتخطى أي أزمة مريت بيها. صباح: أهم حاجة تتأكدي منها أني عايزة ألكِ خير، واللي أنا عملته كان في مصلحتك، والأيام هتثبتلك كلامي. زينب: إن شاء الله، بس أنا لحد دلوقتي مش فاهمة. صباح: مش فاهمة إيه؟ زينب: إلياس ليه بيعمل معايا كدا، وهو أصلاً بحسه غامض كدا. صباح: هو لا غامض ولا حاجة، أنتِ بس لسه مش فاهماه.
زينب أكدت: بالظبط، أنا مش فاهماه، أحياناً بيكون ساكت وغامض، وأحياناً أحسه حنين وطيب ودا ظهر معايا كتير، وكتير بحسه عايز ينتقم مني، أنا مش فاهمة هو إزاي كدا؟ صباح: اللي حصل زمان يمكن هو السبب. زينب: أنا برضه مش فاهمة تفاصيل اللي حصل زمان.
صباح: ودي مهمتك، وأنا مش هقولك عايزكِ تقربي منه، افهميه، خففي عنه، قربي مني يا زينب، ولو فهمتيه تتعرفي تتعاملي معاه وتكملي حياتك بطريقة تريحك وتريحه بالأكتر ويقربه منك، وأنا واثقة أنه هيكون لكِ ونعم الزوج، بس قربي منه ومتيأسيش لو صدك مرة، الراجل مش زي الست، لازم تفهميه وحسسيه أنك جنبه، إلياس انحرم من صالحة أمه وهو صغير وكانت أخته مكانها، لكن اتجوزت صغيرة، فده خلق جواه مشاعر كتير يمكن عكس بعضها ومفتقد لمشاعر كتير، حاولي تديه جزء منها، حاولي تشيلي الغمامة اللي على عينيه.
زينب بحزن: فكرك هقدر على دا كله؟ صعب يا ماما عليا، أنا خسرت كتير في حياتي. صباح قربت منها وحضنتها: هتقدري، وفي كل مرة اسألي قلبك هيكون دليلك. زينب: فكرك قلبي لسه هيصلح لحاجة؟ ولا أنا أصلح لحاجة؟ صباح: ليه يا بنتي، كلنا بشر. زينب: أنا لازم أمشي، إلياس مستنيني. مشيت وأمها فضلت تدعيلها هي وإلياس. ومشيت زينب لعند إلياس وراحوا للمطعم، وكان في عيون بتراقبهم والحقد ماليها وعقلها بيخطط في اللحظة دي لخطة النهاية. وثم….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!