الفصل 18 | من 22 فصل

رواية عشق القاسي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماء العمري

المشاهدات
20
كلمة
2,246
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

صحيت زينب الصبح وكانت منهارة جداً. كانت بتفتكر اللي حصل معاها وتبكي، مش عارفة إذا اللي حصل معاها حقيقة ولا مجرد هلاوس من الخوف اللي كان مسيطر عليها. قالها كتير في الخوف ده، بس لحد دلوقتي قلبها بيرجف من الخوف. هي ليه دايماً كده بتقع في مطبات كل شوية؟ بس المؤلم إن محدش بيساعدها ولا يخفف عنها. كانت واحدة بس اللي بتخفف عنها، وللأسف اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها.

إلياس رجع البيت بعد ما أخيراً هدي شوية. بقاله أيام بعيد عن البيت، مكانش طايق وجودها وإحساس إنه بيخون أخته مسيطر عليه جداً. لأنه عاطفته اتحكمت فيه واتجوز بنت قاتل أخته. طبعاً لهي نفسه بالشغل وافتتاح مقر عمله الجديد، ولهي نفسه عن التفكير في أي حاجة.

في الوقت نفسه، كان جواه نار ولهيب بيحرقوا قلبه. كل ما يفتكر إنه قتل أخته والسبب في كل ده هو فهمي السيوفي. أكيد جه وقت الحساب والمواجهة عشان يدفع تمن غلطاته. وأكيد لازم يتخلص كمان من اللي اتحسبت عليه زوجة وشالت اسمه.

في لحظة ضعف منه، دخل أوضته. افتكر إن كل حاجة اتنقلت الأوضة التانية، اللي المفروض أوضة الزوجية. راح وقف قدام باب الأوضة كتير، وحاسس بأحاسيس كتير متضاربة جواه. إحساس إن جواه حرب عالمية بين خير وشر، مش عارف النتيجة لصالح مين. هو كل اللي عارفه إنه هو المتضرر من الحرب دي. أيوة، هو سبب الحرب دي من الأول. فكر كتير وتردد يدخل، لكن في الآخر دخل.

كانت زينب رجعت نامت تاني، بس كان الخوف والتعب اتملكوا منها وجسمها بيرتعش مع كل ذكرى ولحظة خوف وضعف عدوا عليها. وإحساس إن هي بقت وحيدة أكتر من الأول. الساعة كانت ١٠ وهو دخل عشان ياخد شاور ويغير هدومه ويروح شغله تاني.

لمحها نايمة وشعللت النار جواه. كان عنده شك إنها ممكن تستناه، بما إنها عروسة ما تعرفش حاجة عن عريسها اللي اختفي. إلا إذا كانت عارفة كويس علاقة الجواز من الأول مبنية على إيه. وهو اللي كان مديها أهمية. مش عارف ليه دلوقتي حس بغبائه إنه أنقذها من انفجار العربية في اليوم ده. رغم إنه عمل كدا عشان بخدم انتقامه، بس كان هيبقي أكبر انتقام وأكبر خسارة إنها كان لازم تموت. "الثعلب هيجيب إيه؟

"تعالب زيه وشكلها بريئة، بس اللي يعيش ياما يشوف." أيوة، كان لازم تموت. مكانش لازم يورط نفسه، ولا حتى يزعل جوليا منه وتسيب وترجع أثينا. سابها ودخل الحمام وهو بيغلي من الغضب، ووشها بالنسبة له بقاش طايق يشوفه. لأنه بيشوف فيه أخته اللي كانت بتستنجد بيه من فهمي وحبسه ليها، وفي الآخر فهمي يضغط على طفل إنه يقتل أخته.

عروق جسمه برزت من كتر كبت الغضب جواه، ونفسه لو يصرخ للعالم كله. مع إن صرخة واحدة هتحرق العالم من كتر النار اللي جواه. خرج ولبس هدومه بسرعة، ورمي عليها نظرة أخيرة بلا مشاعر. وضحكة سخرية لاحت ليه: "إنها عروسة نحس دي، حتى كل ده نوم محستش بوجوده، وحتى مفيش أي اعتبار ليه؟ كان هيمشي، بس لاحظ إن جسمها بيتنفض. استغرب إنه مأخدش باله من هزة جسمها. جري بسرعة عليها واستغرب: "دي بتتنفض جامد." حاول يصحيها: "زينب! آنتي يا زينب؟

زينب اصحي آنتي جسمك بيتنفض زينب! بس مكنتش بترد عليه. حط إيده على جبينها وكانت سخنة جداً. وهنا بدأت الرؤية توضح وهو ياخد باله إنها بتهرطل بكلام مش طالع أصلاً. كل اللي شايفه هي حركة شفايفها، وأهه بين كل نفضة والتانية. الظاهر إنها تعبانة من بدري. وقف وخاف جداً عليها، وفضل رايح جاي في الأوضة يدور على علبة الإسعافات، بس مش عارف أي حاجة. ومن الخوف مبقاش قادر يركز في حاجة.

كلم دكتور بسرعة يجيله، واداله عنوان الفيلا. وحاول يعمل أي حاجة على بال ما الدكتور ييجي. نزل تحت وطلب من واحدة من الخدم تيجي معاه. وفعلاً بدأت تعرفه يعمل إيه عشان ينزل الحرارة. وهو طلب إن هو يعمل هو ده ومحدش يعمل حاجة لمراته غيرها. استأذنت الخادمة، وهو طلب منها لو الدكتور وصل تطلعه على هنا على طول.

وهو قعد بلهفة ومسك منديل صغير وبلله مية، وفضل يحاول يعملها كمادات مية ساقعة. بس وبعد وقت طويل مش شايف أي تجاوب، وده قلقه زيادة وبقى محتاس مش عارف يعمل إيه. فجأة جاتله فكرة. شالها مرة واحدة وحطها في البانيو وفتح عليها مية ساقعة عشان الحرارة تنزل. وهي كانت بتشهق من برودة المية. حس بالخوف عليها. بصلها: "استحملي شوية بس عشان السخونة تنزل عن جسمك." هي مكنتش حاسة بيه ولا بأي حاجة حواليها.

زينب كانت شايفة نفسها في مكان واسع ملوش آخر، وفيه أصوات حواليها بتنادي عليها. وصوت واحد منهم كان بينادي عليها بلهفة، خايف عليها، بس الصوت ده بعيد أوي مش قادرة تعرف صاحبه. ومن كتر الأصوات حواليها كانت فيه حرب فيها. كل ذكرياتها بتتعاد قدامها من لحظة ما كانت طفلة لابسة نضارة والكل بيتنمر عليها، لحد ما بدأت تكبر وبقت تستخدم جمالها كسلاح لحل مشاكلها. وبعدين خناقاتها المستمرة مع أي حد يعترض رغبتها. وبعدين تتعرف على مجدي

عريس جاي يتقدم لأختها، عريس وسيم ونسب يشرف. وبقلب مراهقة وقعت في حبه، وبعقل مراهقة اتفننت إزاي تلفت انتباهه وتاخده ليها. وتبعده عن أختها. دي كمان لعبت على أهله، لعبت البنوتة المثالية لحد جوازها من ورا أهلها. وبعدين دور الضحية اللي عيشت نفسها فيه، وبعدين هروبها، وبعدين شغلها. وبدأت تعقل وتتغير واحدة واحدة. هي غلطت كتير، وبهروبها عيشتها لوحدها كانت بتكفر وتعاقب نفسها على غلطات وذلات الماضي.

لكن المعاناة والعقاب لسه في بدايتهم. كان السنين اللي فاتت دي ما هي إلا أول فصل في رواية بعنوان "عقاب ما اكتنفت" أو "عقاب ما فعلت". كانت أصوات ذكرياتها عنيفة وواضحة جداً، بس فجأة بيظهر وسطهم صوت بدأ يبقي مألوف. صوت مليان خوف ولهفة. يا ترى صوت قلب ولا عقل؟ صوت الخير ولا الشر؟ صوت النهاية ولا البداية الجديدة؟ البداية، صوت بداية جديدة. هل دا معناه إن فترة العذاب انتهت؟ ولا؟

شهقت زينب مرة واحدة وفتحت عينيها بضعف، وشافت واحد قدامها. هو مين ده؟ آه، دكتور. أخدت بالها من كل اللي حواليه. مامتها والدكتور وإلياس. إيه ده؟ هو رجع؟ كشرت تاني، بس إمتى؟ ويا ترى ليه كان بعد أصلاً؟ هي كانت محتاجاله جداً. أكيد هو لبى ندائها لما استغاثت بيه امبارح. الدكتور كتبلها

على أدوية وبص لإلياس: "الطريقة اللي استخدمتها عشان تنزل الحرارة كانت مفيدة جداً، وشكراً إنك قدرت تعمل كدا. وكويس إنها نزلت شوية وإلا كانت هتضطرنا ننقلها مستشفى." أمها شهقت: "مستشفى؟ هي حالتها صعبة للدرجادي يا دكتور؟ الدكتور بص لها: "لا أبداً يا حجة، هي زي الفل. ولما تاخد الدوا هتبقى أفضل إن شاء الله. بس المهم تاخد الدوا في وقته." خده إلياس على برا، بس الدكتور وقفه في جنب: "أنا مرضتش أقول قدامهم."

إلياس بقلق: "تقول إيه؟ خير يا دكتور؟ الدكتور: "المريضة بتعاني من نوبات فزع." إلياس: "مش فاهم." الدكتور: "تقريباً هي خايفة من حاجة، بتعاني من حاجة، ودا رفع عندها الهرمونات." بدأ الدكتور يشرحله حالتها بالتفصيل، وإلياس مكنش مستوعب اللي حصل لزينب. مشي الدكتور وإلياس دخل عندهم وهو بيتأملها نايمة بعد الحقنة اللي أخدتها، ومامتها جمبها بتعيط. وكان جواه قرار. وأكيد كانت هي دي البداية.

مجدي دخل بيته بعد يأس تام سيطر عليه، وحس كأنه لازم يمحي جزء الماضي ده من حياته تماماً. وكأنه بيتمنى إنه يفقد الذاكرة أو حاجة من القبيل ده، يمكن ينسى فيه أي شيء. مجدي اتأكد إنه اتخدع من الأختين. واحدة كانت عايزة تعيش البطولة، وواحدة كان بالنسبة لها مجرد مكسب حصلت عليه في النهاية، أو إنه كان مهرب ليها من خطر إنها متلحقش تتجوز وتكون أسرة. بس هو السبب في كل اللي حصل ده، وكان لازم يكون عقابه الحيرة والوجع.

واتوجع أكتر لما افتكر إنه كلم زينب بالطريقة دي واسمعها كلام قاسي من تحليله ليها. لكن مكنش له داعي. هي ما اعترضتش الطريق تاني، ولكن هو من حرقة قلبه قال كدا. لكنها بعدت وكان لازم يحترم ده. هي غلطت؟ ما كلنا بنغلط. لكن نصلح غلط بغلط تاني أكبر؟ يا ترى فعلاً لو كان كلامها جد ومتجوزة، المفروض يفرح لها إنها قدرت تنجح وتتخطى فترة اختيار راجل مناسب هيقبل حياتها اللي فاتت كجزء من حياتها اللي جاية؟

يعني يسيبها تعيش حياتها وهو يعيش حياته. أيوة، هو خلاص اتجوز أختها وبقالها سنين معاه وبتعاني لإنه مش معاها بقلبه، وده بيوجع أي ست. هو لازم بقي يدي فرصة للمستقبل، يقلل وجع الماضي ويدي فرصة لنفسه يعيش حياته، لأن الإنسان بيعيش حياة واحدة. خليه يستمتع بيها وينسى أي حاجة حصلت، كإنه فقد الذاكرة زي ما بيتمنى، ويبدأ من جديد. يقطع ورقة الماضي ويفتح ورقة المستقبل.

كانت منة في المطبخ كعادتها، بتدفن نفسها وسط أفكارها ووسط مملكتها الصغيرة اللي تقدر تتحكم فيها. بس دايماً سرحانة. أحياناً حزينة وبتغيظ، وأحياناً متغاظة ومتكادة وبتخطط، وأحياناً منهارة. بين كل ده وده، وأحياناً تانية ساكتة ومش عارفة لا تفكر ولا حتى تتكلم. كانت زعلانة إن أمها فضلت أختها عليها وسابتهالها ورمت كل حاجة ورا ضهرها في لحظة وسافرت لها. مش عارفة هي ليه بتكره أختها كدا؟

هي صحيح كسرتها وخانتها، بس مشت وسابت لها الجمل بما حمل. بس للأسف سابته جسد بلا روح. وهل دا يرضيها؟ إنه يكون جوزها أبو بنتها جسد خالي؟ جيد عايش بيتحرك وبيقوم بروتين عادي وكلام قليل جداً معاها، وكأنه بيعاقبها على حبها ليه؟ بس يا ترى هي فعلاً حبته؟ ولا زي ما أختها وصفتها زمان إنها خايفة على نفسها من الوحدة والعنوسة؟

أيوة، هي كانت زي أي بنت تتجوز وتعيش حياتها وتكون أسرة. بس كانت بتشوف البنات من حواليها قدها وأصغر منها بيتجوزوا ويخلفوا، وهي محدش حتى بيعبرها أو يعملها حتى قيمة. وما صدقت إن واحد زي مجدي قرر يطلبها ليه ويكون أسرة، وبسرعة بنت أحلام كبيرة وتخيلته جنبها في الكوشة وماسك إيديها وبيقولها: "شبيكي لبيكي، حبيبك بين إيديكي."

وبتتخيل حياة الزوجية الجميلة وولد وبنت يكحلوا حياتها دي. بس فجأة فاقت بعديها على كابوس أختها بتحب خطيبها. وبعدين تتفاجئ إن أختها اتجوزته وحامل منه. يعني اللي كانت شايفاها في أحلامها جنبه في الكوشة وبتخلف له الولد والبنت هي زينب أخته. بس يا ترى بعد ما أختها فارقت بسنين، هل العيب عليها هي ولا على أختها اللي سابتهولها مجرد سلعة مستخدمة؟

ما أخدتش بالها من غيظها السكين مرت على إيديها جرحتها، أو كانت بمثابة إنها رجعت من سفرها السريع بأحلامها وتحليلاتها. الدم اللي بينزل من إيديها أثر الجرح، وكأنه بمثابة روحها اللي بتنزف دم من أثر جراح الماضي. تتفاجئت بمجدي واقف قدامها، لكنها مش قادرة تحدد دا مين. دا اللي اتجوزته جسد بلا روح؟ ولا الإنسان اللي اتقدملها من سبع سنين؟ ولا إنسان تاني خالص لسه ما اتعرفتش عليه، والايام لازم هتعرفها عليه؟ هو مين فيهم يا ترى؟

كان السكوت هو مفتاح وبداية لكلام كان لابد منه بعد البعد والجفا دا كله. بس هل يا ترى دي بداية جديدة للكل؟ لكن ما خفي كان أعظم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...