صباحاً في الشركة. دلفت ملاك بحالتها الباهتة، عيناها متورمتان، حتى أنها لم تنتقي ملابسها بعناية كالعادة. "صباح الخير يا مها." "صباح القشطة، مال وشك عامل كده؟ وبعدين اتأخرتي ليه؟ "آه... اصلي منمتش كويس امبارح. وبعدين أنا جيت عشان أسلم عليكي، خلاص هرجع الجامعة. وجيت عشان أشكر مستر أمجد، هو في مكتبه." "أيوه في مكتبه." طَرقت ملاك باباً ودلفت بعد أن أذن لها أمجد بالدخول.
"صباح الخير يا مستر أمجد، أنا جيت النهاردة عشان أشكرك، أنا خلاص هرجع الجامعة." "ترجعي الجامعة؟ بس انتي مكملتيش شهرين." "آه عارفة، فاضل كام يوم بس خلاص. يدوب الحق أجهز نفسي للترم التاني. فشكراً على كل حاجة، أنا اتعلمت حاجات كتير معاك، أشوف وشك بخير. عن إذنك." "ملاك، خدي دي ورقة تثبت إنك اتدربتي عندنا وكنتي طالبة ممتازة، هتفيدك. بس خلي مستر أدهم يمضيها." "لأ...
أقصد يعني ملوش لزوم، أنا لسا قدامي كتير، لو احتاجتها هبقى أجي لحضرتك تكتبهالي. عن إذن حضرتك." خرجت ملاك ودعت مها بالدموع. "أنا هبقى أكلمك، خدي بالك من نفسك ومن عيالك. باي."
وقفت ملاك قبالة الأسانسير قبل أن تضغط عليه، وهي تلتفت إلى باب مكتبه، تود أن تراه، تود أن تشم رائحته وتحتضنه ولو لمرة واحدة في حياتها. تود قول الكثير له، لكن لا، لن تفعل، فهي من عالم وهو من عالم، فقريباً ستصبح ملكاً لغيره. تمنت لو أنه لا يوجد فروق بينهم، تمنت أشياء كثيرة، ولكن أمنياتها مستحيلة. تنهدت بألم ومسحت دموعها وخرجت من الشركة. وقبل أن تصعد للتاكسي، نظرت لنافذة مكتبه، لعلها تراه لآخر مرة. ركبت التاكسي مودعة حبها الذي مات قبل أن يولد.
وصلت ملاك لمنزلها، لا تدري كيف ومتى وصلت، فهي لم تحتضن جدتها كعادتها. دخلت لغرفتها وقفلت الباب على نفسها وارتمت على سريرها تحاول أن تتخيل حياتها القادمة. *** عودة إلى الشركة. كان أدهم يراقب أجهزة المراقبة، فهو لم يرها. دلفت إلى الشركة في موعدها. فاتصل بمساعده شريف. "ملاك فين دلوقتي؟ "طلعت على الشركة وخرجت منها بعد شوية وراحت البيت وما خرجتش، بس... "بس إيه؟ انطق."
"شكلها يا فندم مكنش طبيعي، كأنها معيطة أو في حاجة مزعلاها، لأنها كانت ماشية زي التايهة." أغلق أدهم الهاتف واتصل بأمجد وقال بعصبية وصوت عالٍ: "ثواني وألاقيك واقف قدامي." أخذ يرزع غرفة المكتب ذهاباً وإياباً، وابيضت مفاصل يده من كثرة الضغط عليها، وكادت أن تتهشم أسنانه من كثرة الضغط. وإذا بأمجد يقتحم المكتب بسرعة. "إيه يا أدهم؟ في إيه؟ خضتني." "هو سؤال، إيه اللي بيحصل مع ملاك؟
كانت هنا وقعدت شوية وبعد كده خرجت وشكلها كان معيطة، عاوز أعرف إيه اللي حصل." "محصلش حاجة، هي جت النهاردة عشان تشكرني وخرجت لأنه خلصوا الشهرين بتوعها. وأنا تحججت بورقة إنها تدربت عندنا وقلتلها تمضيها من عندك. بس هي اتوترت ورفضت وخرجت، بس ده اللي حصل. بس ملاك حساسة شوية، تلاقيها عيطت وهي بتسلم على مها." تنهد أدهم ولكنه لم يهدأ. "أنا في مكتبي، لو احتجتني كلمني." *** وفي الخارج، نجد سالي تضغط على أحد الأرقام وتقول بخفوت:
"أيوه يا داليا هانم." ثم أتاها الرد في الهاتف. "عاوزة أقولك حاجة، مستر أدهم متعصب على الآخر وصوته عالي، بس الموضوع مش موضوع شغل." "هعرف وأقولك." وبعد عدة أيام، يكاد أدهم يجن فيها، فهو لم يرها منذ أيام، فقط يستمع لصوتها عندما يتصل عليها دون أن تتكلم. فكان واضح على صوتها التعب. *** في منزل ملاك. قبل أن تذهب لجامعتها، كانت ترتدي. وقبل أن تخرج، انتبهت لجدها الذي ينادي عليها. عقدت حاجبيها وسألت بقلق:
"جدو، إنت ليه مش في شغلك؟ تعبان؟ أجيبلك دكتور؟ "لأ يا بنتي، أنا النهاردة إجازة. مش عاوز أعطلك. فاول يوم ليكي بس حابب أعرف رأيك في موضوع أستاذ عماد." تنهدت ملاك بحزن فور تذكرها لما هي مقبلة عليه. "لما آجي يا جدو هبقى أقولك قراري النهائي، أنا لازم أمشي دلوقتي." قبلت رأس جدها وخرجت.
وصلت جامعتها، وإذا بها تجد اسمها على لوحة الشرف، فهي أصبحت الأولى على دفعتها، ولكنها لم تفرح ككل سنة، وكأنه انتزع الفرح من قلبها. دخلت ملاك إلى محاضرتها، وبعد انتهائها وهي في طريقها، اعترض طريقها جاسر. حاولت تفاديه، ولكنه عرقل طريقها. "إزيك يا عسل." قالها بابتسامة سمجة. "نعم، عاوز إيه؟ إنت ما بتزهقش؟ "لأ ما بزهقش منك، بس قبل ما تمشي عاوز أوريكي حاجة، يمكن تغير رأيك."
ثم أخرج هاتفه وضغط عليه، وإذا بصور مع ملاك بأوضاع مخلة. شهقت ملاك وامتلأت عيناها بالدموع. "يا سافل يا قليل الأدب." "بلاش تتهوري، لو نفذتي اللي أقول عليه محدش هيعرف بحاجة. أما بقى لو نشفتي دماغك الحلوة دي، هتلاقي الصور دي مغرقة الجامعة، ومش بس كده لأ... هبعتهم على الحتة المعفنة اللي ساكنة فيها عشان أهلك يتفضحوا في الحتة كلها ويشوفوا البنت المؤدبة الشريفة بتعمل إيه، وهبعتهم على الشركة اللي جدك بيشتغل فيها." "عاوز إيه؟
" قالتها بصوت مهزوز. مد لها ورقة مكتوب بها عنوان. "النهاردة في العنوان ده، دخلتك يا حلوة، بس أنا جدع وهجوزك عرفي. هستناكي على الساعة 6 بالدقيقة. سلام يا مدام جاسر مقدماً." ذهب وهو يقهقه بقوة، غير مبالٍ بالتي انهارت على الكرسي المجاور لها. ماذا ستفعل في هذه المصيبة التي حلت على رأسها؟
فلا يمكنها فعل ذلك، ولا يمكنها إخبار جدها بأي شيء، وأيضاً لا تستطيع تحمل هذه الفضيحة الشنيعة. وضعت يديها على فمها لتكتم شهقاتها التي تعالت. أخذت تفكر بمن ستستعين. وبعد وقت من التفكير، أخذت هاتفها وضغطت عليه بيدين مرتجفتين. "أيوه يا مها، أنا في مصيبة، الحقيني، مش عارفة أعمل إيه." "اهدي، في إيه؟ إنتي فين؟ "أنا في الجامعة، عاوزة أقابلك ضروري." "خلاص، كمان نص ساعة بريك الغدا، هقابلك في الكافيه اللي جنب الشركة."
"خلاص، أنا هستناكي هناك." وبعد ساعة. "هو ده اللي حصل بالضبط." هذا ما قالته ملاك بعد أن قصت ما حدث لمها. "بصي، إنتي بلغي الشرطة." "يا نهار أسود! هو إنتي عاوزاني أتفضح؟ يا مها، ده واحد ملوش كبير مسنود على أبوه، وأنا مش قده، ده ممكن ينفذ تهديده." ثم أخذت تنحب بشدة. حاولت مها أن تهدئها. "بصي... مفيش حل إلا إنك تقولي لجدك وهو يبلغ الشرطة. هو ده أنسب حل." قاطع حديثها اتصال أمجد. هبت مها واقفة.
"معلش يا ملاك، مستر أمجد بيتصل ولازم أرجع على الشغل. اعملي اللي قلت عليه، هو ده أنسب حل." ذهبت مها وتركت ملاك تنحب بشدة. بعد عدة دقائق، كانت مها تقف أمام مكتب أدهم مترددة بإخباره بما حدث، إلى أن حسمت أمرها بإخباره، فهو الوحيد الذي يستطيع أن يحل هذه المشكلة. دخلت سالي تخبر أدهم بوجود مها. عقد أدهم حاجبيه مستغرباً من وجودها، فطلب من سالي إدخالها. "لو هتفضلي ساكتة، اتفضلي على مكتبك، أنا عندي شغل."
هذا الذي قاله أدهم ليخرج مها من صمتها الذي طال دون أن تتحدث. ثم قالت بدون مقدمات: "مستر أدهم، إنت بتحب ملاك؟ وقف أدهم وأولاها ظهره حتى لا ترى تعابير وجهه بعد هذا السؤال. "إنتي جاية تعطليني عشان تهزري؟ "أنا مش جاية أهزر، ملاك في مصيبة محدش هيحلها غير حضرتك، بس لو... لم يتركها أدهم لتكمل قبل أن يجهر بها. "انطقي، ملاك مالها؟ مصيبة إيه؟
"هقولك على كل حاجة." هذا ما قالته مها قبل أن تبدأ أن تقص عليه ما حدثته به ملاك بدون إنقاص. "بس في حاجة كمان حصلت معاها، إنت لازم تعرفها." أكملت مها بعد نظرات أدهم الغاضبة. "في عريس متقدم لملاك، وهي المفروض تقول رأيها، بس هي قالتلي إنها هتوافق." ثم أردفت وهي خائفة من شكل أدهم الغاضب، فكان حقاً مرعب. "وفي كمان حاجة لازم تكون عارفها." ضغط أدهم على أسنانه محاولاً تمالك نفسه من ألا يقوم بتكسير عظام هذه الواقفة أمامه.
"اخلصي، قولي كل اللي عندك مرة واحدة." تنحنحت بخفوت قبل أن تفجر هذه القنبلة. "ملاك بتحبك حضرتك." شبح ابتسامة لاحت لشفتيه من هذا الخبر، لكن سرعان ما اختفى فور تذكره لمصيبتها. "خلاص، روحي إنتي، وأنا هتصرف." خرجت مها متجهة لمكتبها بعد أن تنفست الصعداء، فأدهم سيحل الموضوع للأبد. أمسك أدهم هاتفه وضغط على اتصال أحدهم.
"جاسر الحداد، عاوز أعرف هو فين دلوقتي، معاك نص ساعة تكون عارف. وملاك متغيبش عن عينك، لو راحت مكان غير طريق بيتهم، تفضل وارها خطوة بخطوة من غير ما تحس بيك. لو هتغيب عن عينك، همحيك عن وش الدنيا، إنت واللي معاك، إنت فاهم."
أغلق الهاتف ثم ألقاه على الحائط، فأصبح قطعاً. أخذ صدره يعلو ويهبط من فرط غضبه. يزداد غضبه فور تخيله أن هذا الحقير سيؤذيها. شد خصلات شعره بقوة. وما هي إلا دقائق باتصال رجاله تفيد بدخول ملاك طريق غير طريق منزلها. "ابعتلي العنوان، وأنا جاي حالاً، متغبش عن عينك."
تناول سلاحه من الدرج وأخذ متعلقاته وهب مسرعاً. وفور خروجه من المصعد، أخذ يركض، مما زاد حيرة الموظفين من مظهره، فكان شعره مشعثاً وبدلته غير مهندمة. أهذا أدهم الذي يعد مقياساً لأناقة الرجال ويركض كالمجنون؟ فدائماً كان يمشي بهدوء مخيف. صعد مكان السائق في سيارته الفارهة، مما زاد حيرة الحرس. كان يطوي الأرض تحته من شدة السرعة. عدة حوادث تفاداها باعجوبة، يريد أن يلتحق بها قبل أن تقع تحت يدي هذا الحقير. *** عند ملاك.
كانت تقف أمام باب الشقة التي وصفها جاسر، لا تدري كيف وصلت لهنا، ففي هذه الشقة ستكتب نهايتها. ارتجفت يدها قبل أن تضرب الجرس. ثانية، ثلاثة، خمس ثوانٍ. كان جاسر يفتح الباب وينظر إليها بواقحة. ونظر لساعة يده. "معادك مظبوط يا قلبي، خش برجلك اليمين يا عروسة."
وقفت ملاك تنظر للشقة وإلى زجاجات الخمر. تقاوم رغبتها بالصراخ، فكانت تنحب بصمت. فاقت على أنفاس ساخنة تلفح رقبتها الرقيقة. انتفضت وتراجعت للخلف. لسوء حظها، لم يكن خلفها سوى الكنبة لتقع عليها. هجم عليها جاسر وحاول أن يقبلها. أخذت ملاك تهز رأسها لابعاد شفتيه المقززة عنها، وركلته بقدميها وحبالها الصوتية قاربت أن تنقطع من كثرة الصراخ.
وصل أدهم ورجاله للبناية التي توجد بها شقة جاسر. صعد للأعلى مستخدماً السلم وليس المصعد، حتى يسمع أي صوت يدل على وجودها، كالصراخ أو البكاء. وقبل أن يصل للطابق الرابع، وصل لسماعه صوت صراخ مكتوم. اقترب من باب الشقة، فعرف أن الصوت خارجاً منها. ركله مرة واحدة ففتح على مصرعيه، فوقع تحت أنظاره ملاك التي يعتليها هذا الحقير وقد مزق جزء من ملابسها العلوية. أشار لرجاله بالوقوف حتى لا يشاهدوا مظهرها المزري. هجم عليه أدهم وأخذ
يسدد له اللكمات حتى أرداه أرضاً وهو ينزف من جميع أنحاء وجهه. وجه إشارة لرجاله بأخذه. ثم انخفض للتي كانت منطوية في الزاوية تضم قدميها لصدرها الذي ظهر جزء منه بسبب تمزيق ملابسها. تنحب بشدة وجسدها النحيل يرتجف. كان صوت بكائها يقطع نياط القلب. ضمها لصدره مشدداً التفاف يديه حول جسدها الصغير وأخذ يربت على ظهرها ويمسد على شعرها الحريري محاولاً تهدئتها.
"شششش، خلاص، محصلش حاجة. أنا هنا، مش هيقدر يعملك حاجة، خلاص بقى بلاش عياط."
ظل يربت على ظهرها حتى هدأت. وضع إصبعه تحت ذقنها مجبراً إياها النظر إليه. وما إن وقعت عيناها في عينيه حتى اخفضت بصرها خجلاً منه، فهي في موقف محرج جداً. تململت بين يديه حتى يتركها. وقع بصر أدهم على صدرها الأبيض الشفاف الذي ظهر بسخاء من بلوزتها الممزقة. بلع ريقه بصعوبة محاولاً أن يتمالك نفسه. وقف ثم أوقفها. لاحظ أنها تضع يدها على صدرها محاولة لملمة ملابسها الممزقة مخفضة بصرها خجلاً. خلع أدهم جاكيت بدلته ولبسه لها. ضحك
أدهم بشدة على مظهرها، فبدت وكأنها غارقة بها. استمر بالضحك على مظهرها الظريف بالنسبة له. حدقت ملاك بضحكته، فهذه أول مرة تراه يضحك، فكل مرة كانت تراه كانت ملامح وجهه حادة. تباً، لقد زاد وسامة على وسامته. فيجب عليه ألا يضحك أمام أحد. أفاقت من تفكيرها عليه وهو يغلق أزرار بدلته عليها قائلاً بمشاكسة لتخفيف إحراجها مشيراً
إلى حجم بدلته عليها: "مكنتش عارف إنك صغيرة كده." جعدت وجهها بطريقة ظريفة محببة. "أنا مش صغيرة، إنت اللي ضخم زيادة." أمسك يدها وسار بها للباب. وقبل أن يخرج. "اللي حصل هنا هيفضل هنا، محدش هيعرف حاجة." نزل بها لأسفل تحت نظرات الحرس. اختبأت ملاك بظهره محاولة التواري عن أنظارهم. ابتسم أدهم على خجلها. أدخلها السيارة بالمقعد الأمامي وجلس خلف عجلة القيادة، فهو لا يريد أن يحرجها بوجود السائق. تحنحت ملاك بخفوت لجلب انتباهه.
"هو إنت عملت فيه إيه؟ فهم أدهم أنها تسأل عن جاسر بسبب الصور. أجابها مطمئناً: "متخافيش، أنا هاخد منه الصور وهحرقها و... قاطعته ملاك قائلة: "بس ما تبصش عليهم." عقد حاجبيه مدعياً عدم الفهم. "ما أبصش ليه؟ مش فاهم." أجابته ملاك بتعلثم. "عشان... عشان... عشان... قاطعها أدهم. "عشان إيه؟ قولي متتكسفيش." قالت ملاك بخفوت وهي تعض شفتاها. "عشان الصور قليلة الأدب." هز رأسه أدهم مدعياً التفهم وأكمل طريقه. "أدهم."
اندلعت نار بداخله فور تذكره لندائها له، فهذا الحلم الجميل. فقرر ألا يرد حتى يستمتع باسمه من بين هاتين الشفتين. "أدهم، إنت سامعني؟ همهم أدهم بخفوت. أكملت ملاك. "هو إحنا رايحين فين؟ "هنروح الفندق نغيري لبسك ده وتظبطي شكلك وتاكلي أي حاجة، ولا عاوزة ترجعي البيت كده؟ اخفضت ملاك بصرها خجلاً، فكانت على حافة الهاوية. لاحظ أدهم ذلك فقال مخففاً عنها.
"اللي حصل حصل خلاص، بس بعد كده لو أي حاجة حصلت تيجي تقوليلي، يعني لو مها ما جتش وقالتلي، كان الله أعلم إيه اللي حصل."
وصل أدهم للفندق، أوقف سيارته المتبوعة بسيارات الحرس ودخل بها من مدخل الطوارئ حتى لا يراها أحد بصحبته، فهي أصبحت من ممتلكاته الشخصية، لا يجب أن ينظر إليها أحد، فهي فاتنة جداً. كل من يراها يعجب بجمالها. متذكراً كم الرجال الذي عرف بإعجابهم بها. وصل إلى الجناح المخصص له. توقف عندما أحس أن ملاك سحبت يدها من يده. "إحنا جينا هنا ومدخلناش على الريسبشن، كده ممكن مدير الفندق يبلغ عننا."
ابتسم أدهم على سذاجة صغيرته. اقترب منها قائلاً بصوت غليظ هامس ثار القشعريرة داخل جسد هذه المسكينة. "اللي واقف قدامك هو صاحب الفندق، ما تخافيش." شهقت ملاك. "بجد ده بتاعك؟ أومأ لها أدهم بالإيجاب. ثم تقدم ليفتح الباب الخاص بجناحه. فغرّت ملاك فمها واتسعت حدقة عيناها من جمال المنظر الذي رأته. تنهدت ملاك على صوته الذي أخرجها من بلاهتها. "عجبك؟ "بجد تحفة، يجنن."
"ادخلي جوا، هتلاقي طقم على السرير، خدي شاور وأنا هستناكي برا، خلصي بسرعة." أومأت له ملاك إيجاباً، ثم دخلت. وجدت على السرير. وبعد قرابة النصف ساعة، كانت تخرج من باب الجناح. وجدت أدهم قد بدل ملابسه إلى أخرى كاجوال.
أمسك يدها وسار بها باتجاه المصعد. حاولت سحب يدها الصغيرة من يده الغليظة، لكنها فشلت. توقف المصعد قبالة مدخل المطعم الخاص بالفندق، ولكنه كان خالياً جداً من الناس. كانت تود أن تسأله، ولكنها فضلت السكوت. توقف عند طاولة تتوسط المطعم. سحب لها الكرسي كي تجلس، ثم جلس قبالتها. "تحبي تاكلي إيه؟ أجابته بخفوت. "أي حاجة، مش مهم، أنا أصلاً مش جعانة أوي." "خلاص، هطلبلك بيتزا. بتحبيها بإيه؟ "بالسجق." قالتها بخجل.
ابتسم لطفولتها. ثم قال للنادل. "هات بيتزا بالسجق وعصير برتقال فريش، وأنا الأكل بتاعي." نظرت له ملاك بعدم فهم، ثم سألت. "هو إنت مش هتاكل بيتزا؟ وبعدين يعني إيه الأكل بتاعي؟ "أنا ما باكلش الأكل ده، أنا أكلي أغلبُه ني وسلطة." هزت رأسها بتفهم. ثم أخذت حقيبتها تبحث عن هاتفها. قاطعها أدهم. "بتدوري على إيه؟ "على تليفوني، عاوزة أكلم جدو دلوقتي، قلقان عليا، عاوزة أطمنه." "متخافيش، أمجد كلمه."
جحظت عيناها خوفاً من أن يكون أدهم أخبر أمجد بشيء، الذي بدوره سيخبر جدها. انتبه أدهم لحالها ثم أكمل مفهماً. "متخافيش، محدش عرف بحاجة، أنا قلت لأمجد يتصل بجدك ويقوله إنه عنده شغل كتير النهاردة وعاوزك تساعدي مها وهتتأخري شوية، وهو هيوصلك."
خطرت فبال أدهم فكرة من أفكاره الشيطانية. أخرج هاتفه وكأنه يتصفح به، وضغط على زر الاتصال بها. ثوانٍ وصدحت نغمة هاتف قديم في المكان. سحبت ملاك هاتفها من الحقيبة ونظرت للرقم، ولكنها كتمته ووضعته جانباً. "ليه مش عاوزة تردي؟ "ده رقم بيتصل بيا، وبفتح خط، محدش بيرد. معرفش مين." أخذ منها الهاتف. "هاتي، أشوف، أنا هتصل بيه وأعرف لمين."
اتصل من هاتفها الصغير مثلها على هاتفه. نظرت ملاك ببلاهة لهاتفه الذي يرن، وفهمت عندما شاهدت ابتسامة مرسومة على شفتيه. سألته بهدوء. "هو إنت جبت رقمي منين؟ قبل أن يجيبها كان النادل يضع الطعام على الطاولة. "خلينا ناكل وبعدين نتكلم." وبعد تناولهم الطعام سألها أدهم. "أخبار العريس إيه؟ اتسعت حدقتا عيناها بشدة. "هو إنت عرفت منين؟ أجابها وهو ضاغطاً على فكيه بقوة.
"النهاردة بالليل تقولي لجدك إنك مش عاوزاه، يا أما ورحمة أمي لأقتله وأريح جدك." هزت رأسها بالإيجاب، فمظهره وهو غاضب لا يحمل مجالاً للنقاش. "هو إنتي ليه ملكيش صحاب يا ملاك؟ "لأ، كان ليا صاحبة من وأنا في الابتدائي، بس لما وصلنا ثانوية عامة سافرت هي وعيلتها أوروبا، ومن بعدها معرفش أخبارها إيه." "طيب وإنتي في الجامعة ليه ملكيش صحاب؟ "أصل كل البنات اللي تعرفت عليهم في الجامعة أسلوبهم معجبنيش." "إزاي مش فاهم؟
أرجعت بيدها خصلات شعرها الحريري خلف أذنها. "اللي أقصدُه إنه في بنات تلاقيها بتكلم واحد، ولما تتخانق معاه تروح لواحد غيره، ولما تزعل من التاني تروح للتالت، وأنا بحبش ده. أقصد إن البنت تحب شاب والشاب ده يكون بيحبها وفي ثقة بينهم، ده أنا مش ضده. فعشان كده كل اللي قابلتهم من النوع الأولاني، بس أنا دلوقتي صاحبتي مها." فجأة وبدون مقدمات قال. "تتجوزيني؟ شهقت ملاك بصدمة. هل الذي تسمعه صحيح؟ هل أدهم يطلب يدها للزواج؟
ظلت هكذا عدة دقائق حتى هز أدهم يدها بخفة ليفيقها. "مالك متنحة كده ليه؟ معرفتش ردك؟ اصطبغ وجه ملاك بالحمرة خجلاً واخفضت رأسها. ابتسم قائلاً. "اعتبر إن السكوت علامة الرضا." ثم أردف قائلاً. "خلاص، أنا بكرة هكلم جدك." أجابته بسرعة. "لأ، أوعى تعمل كده... أقصد يعني، سبني أنا أفتح الموضوع معاه بعدين، مش دلوقتي." حاول أدهم جاهداً التحكم في أعصابه. "ليه مش دلوقتي؟ "عشان...
عشان يعني العريس اللي كان متقدملي، مش عاوزة جدو يشك إني رفضته عشانك، بلاش يزعل مني، لإن لغاية دلوقتي مش لاقية سبب الرفض اللي أقدر أقنعه بيه." "وهتكلميه إمتى عشان أبقى عارف؟ "مش عارفة، بس أكيد عاوزلي أسبوعين على الأقل عشان يكون نسي الموضوع." "نعم... أسبوعين؟ ... هو أسبوع واحد، مش هستنى غيره."
"طيب." أجابته بامتعاض، فهي لا تريد جدها أن يعلم بما حدث بينها وبين أدهم. قد أوصاها كثيراً أن تبتعد عنه، ستصبح بنظره لا تسمع كلامه، وهذا أكثر شيء يغضب جدها. بعد قليل في سيارة أمجد. كان يتولى القيادة. وفي الخلف يجلس أدهم، وفي جانبه ملاك. وإذا بأدهم يقول لها شيئاً بالهمس لتبتسم. كان هذا تحت أنظار أمجد المراقب لهم من أول الطريق. تحنح قائلاً. "جرى إيه يا أدهم باشا، راعي وجودي طيب، ده أنا سنجل وغلبان ومعنديش حد أوشوشه."
لكزه أدهم في كتفه. "خليك في حالك، وبعدين إنت رامي ودانك وعنيك معانا ليه؟ أنا غلطان إني استعنت بواحد رزل زيك. سوق وإنت ساكت." وبعد مدة وصلت لمنزلها. وقبل أن تهم بالنزول، أمسك يدها أدهم وقال بخفوت. "هكلمك بالليل، خدي بالك من نفسك." صعدت ملاك لمنزلها. فكانت الساعة قرابة التاسعة والنصف. وجدت جدها وجدتها جالسين على يشاهدون نشرة الأخبار. فقالت بمرح. "مساء الخير على أحلى جدين في العالم." ثم قبلت جدها وجدتها. سألها جدها.
"أتأخرتي يا حبيبتي؟ قلقت عليكي." أجابته ملاك. "أصل حصل شغل مفاجئ، ومستر أمجد طلب مني إني أساعد مها، وهو هيوصلني بالليل." انتبهت جدتها لشيء قائلة. "مش ده الطقم اللي نزلتي بيه الصبح يا ملاك؟ أجابت ملاك بتعلثم. "أصل... أصل مها وهي بتصب عصير دلقت عليا وبهدلت هدومي، وكان عندها طقم بالمكتب احتياطي للطوارئ، فلبسته، والوسخ خدته عشان تغسله." ثم تظاهرت بالنعاس حتى تهرب من أسئلة جدها وجدتها، حتى انتصبت واقفة.
"يلا يا جماعة، تصبحوا على خير، وأه يا تيتة متصحنيش بكرة بدري، معنديش جامعة." كادت أن تذهب قبل أن يستوقفها جدها متسائلاً. "معرفتيش ردك على الأستاذ عماد يا ملاك؟ توترت ملاك من الموضوع، ثم أجابت بهدوء. "أنا فكرت ومش موافقة، أنا لسا قدامي سنين جامعة، وبعدين أنا مش شايفة إني قد المسؤولية في كل شيء، قسمة ونصيب."
ثم دخلت غرفتها واقفلت الباب. ارتمت على سريرها وابتسامة السعادة مزينة ثغرها الكرزي الصغير. فتحول أسوأ يوم في حياتها لأجمل يوم في حياتها. أبْـدلت ملابسها لبجامة نوم مريحة ودثرت نفسها بالغطاء جيداً، وأمسكت هاتفها تنتظر اتصاله. مرت قرابة الساعة ولم يتصل. وضعت الهاتف جانباً، فيبدو أنه نسيها وخلد للنوم. ولكن تبخرت ظنونها فور أن ارتج الهاتف باتصاله. أجابت بخفوت حتى لا يسمع جديها. "مساء الخير." "مساء العسل، ها حصل إيه؟
"مفيش، بس شوية أسئلة من جدو على شوية من تيتة، وعدى الموضوع." وبعد مدة من الحديث، غفت ملاك والهاتف بيدها، فوصل له صوت أنفاسها. تمنى لو أنها نائمة على صدره يشتم رائحتها التي أسكرته بدون خمر. أقفل الهاتف ووضعه بجانبه، وغط هو الآخر بنوم عميق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!