قال أمجد: "اه صحيح، أنا امبارح روحت النايت كلاب وسألت عليك، قالولي إنك بقالك فترة مش بتروح. هو أدهم السيوفي اكتفى باللي في إيده ولا إيه؟ " وأردف جملته بغمزة مشاكسة. أجاب أدهم: "اه فعلاً بقالي فترة ما رحتش... " ثم أكمل محاولاً تغيير الموضوع: "جهز نفسك للاجتماع، ومتنساش تجيب ملف كومباوند الصحراوي. عاوز أعرف ليه ما اتسلمش للمشتري لغاية دلوقتي." ***
في جامعة، كانت ملاك تجلس في كافيه الجامعة تنتظر ميعاد المحاضرة الثانية. كانت تقرأ في كتاب ما وتدوّن الملاحظات على ورقة. كانت ترتدي بلوزة بيضاء عليها جاكيت باللون الأسود وبنطال جينز أزرق. أثناء انشغالها بقراءتها، شعرت بأحد يسحب الكرسي الذي بجوارها ويجلس عليه. وما إن رفعت رأسها لترى من هذا المزعج الذي اقتحم خصوصيتها دون إذنها، حتى قبضت حاجبيها، فرأت داليا التي جلست.
خلعت داليا نظارتها الشمسية ذات الماركة العالمية، ووضعت قدماً على أخرى بتعالي. قالت داليا: "إزيك يا ملاك؟ أصلي جيت لوحدة صاحبتي هنا وشوفتك وأنا خارجة، فقولت أسلم عليكي." لم تتلقَّ من ملاك جواباً، ثم أكملت داليا وكأنها سمعت رداً: "إزيك مع أدهم؟
إن شاء الله يكون بيحبك زي ما إنتي بتحبيه. أصل أدهم عنده عقدة نفسية من الحب عشان أمه، يا حرام. أصلها ما حبتش جوزها اللي هو خالي أبو أدهم، مع إن خالي كان بيعشقها، بيموت فيها. بس أدهم حلف إنه مش هيحب في حياته، أصله شايف كل الستات خاينين زيها... هو إنتي ساكتة ليه؟ تنحنت ملاك، ولا تدري ما الذي ستقوله لها. ردت ملاك: "عاوزاني أقول إيه؟ أنا أصلاً ما يهمنيش كل اللي بتقوليه. أنا لغاية دلوقتي ما شفتش حاجة تزعلني من أدهم."
ابتسمت داليا بجمود، فلن تسمح بضياع مجهودها هباءً منثوراً. قالت داليا: "عاوزة أثبت لك صحة كلامي، بصي كده." مدت الهاتف لها لتريها شيئاً ما، ولكن ملاك هبت واقفة ولملمت أغراضها وذهبت قبل أن تشاهد شيئاً، فهي لن تصدق هذه الفتاة مهما قالت. ضربت داليا الطاولة بقوة من شدة غضبها، فهذه المحاولة فشلت بها، ولكنها لن تيأس.
صرخت داليا: "مش داليا زهران اللي تدخل معركة وتطلع منها خسرانة. يا أنا يا إنتي يا بنت السواق. أدهم ده بتاعي أنا، مش هسمح إنك تاخديه، لو حصل إني اقتلك." ارتدت نظارتها وغادرت الجامعة مسرعة، ولم تلاحظ الذي كان يستمع لكل شيء ويصوره بكاميرا جواله. *** عودة للشركة. في قاعة الاجتماعات، نجد أدهم يترأس الطاولة ويستمع للمهندس الذي يشرح شيئاً ما على الشاشة الكبيرة المضاءة التي تتوسط القاعة الكبيرة.
هب أدهم واقفاً وهتف بصوت عالٍ: "يعني إيه الكلام ده؟ إيه يعني مصنع الحديد مش ملاحق شغل؟ وليه أنا ما عنديش خبر بالقصة دي؟ أجابه المهندس وهو مخفضاً رأسه احتراماً وخوفاً: "والله يا مستر أدهم، إحنا قولنا لمستر أمجد وهو قال لنا إنه هيتصرف." التفت أدهم لأمجد، وطالعه بنظرات حارقة. حك ذقنه وقال بهدوء مغاير لما بداخله: "فهمني يا مستر أمجد."
تنحنح أمجد: "أنا قلت إني هتصرف، بس بعدين. لما سألت، كانت اتحلت ومحدش بلغني إنها رجعت تاني." ضرب أدهم بيده على الطاولة حتى كادت تتكسر من قوة ضربته. قال أدهم: "العمال في المصنع زادت للضعف، واشتغلوا كمان ساعات إضافية بنفس المرتب، ما فيش زيادة. ولو التأخير أثر على معاد تسليم الكومباوند، هعتبر إني منسحب من المشروع. أنا سمعة شركتي في السوق هي الأهم. اتفضلوا، كل واحد على شغله. الاجتماع انتهى."
جلس أدهم بعد انصراف الجميع، يعمل على حاسوبه الشخصي. أتاه اتصال هاتفي، فأجاب على الفور. قال أدهم: "خير يا شريف؟ في حاجة حصلت مع ملاك؟ ... اممم، وملاك كويسة؟ ... طيب، هي فين دلوقتي؟ ... خليك جنبها، وأوعى تحس بيك. وابعت لي التسجيل." ثوانٍ واتاه فيديو، وما إن شاهده حتى ظهرت عروق رقبته وابيضت مفاصل يده من الضغط عليها. صرخ أدهم: "ورحمة أمي اللي بتشوهي سمعتها قبل سمعتي، ما هرحمك لا إنتي ولا أمك."
اتصل بملاك فلم ترد عليه، وعاد الاتصال بها ولكنها أغلقت المكالمة. بدأ الغضب يتزايد بداخله، فهو يريد الاطمئنان عليها وهي تتجاهله. أتته رسالة منها، فتحها بسرعة. قرأ أدهم: "حبيبي... أنا آسفة، أنا في المحاضرة مش هقدر أرد عليك دلوقتي. لما أخرج هكلمك." ذهب غضبه أدراج الرياح فور قراءته لرسالتها، وأكثر ما استمتع به كلمة "حبيبي"، فهذه الصغيرة تستطيع السيطرة عليه بسرعة.
خطرت في باله فكرة، قرر أن ينفذها. أخذ متعلقاته الشخصية وخرج، وأبلغ السكرتيرة أن تلغي كافة المواعيد. بعد قرابة النصف ساعة، اصطفت سيارته الفارهة متبوعة بسيارات الحرس الخاص به. أنزل زجاج سيارته الأسود قليلاً ليتمكن من رؤيتها. وما هي إلا دقائق، كانت تخرج من جامعتها متجهة للجهة الأخرى من الشارع لتوقف تاكسي ليوصلها لبيتها. تقدم أدهم من موضع وقوفها، وأخرج رأسه قليلاً من زجاج سيارته.
قال أدهم: "ينفع أنول الشرف وأتغدى مع جناب سيادتك؟ وضعت ملاك يدها على فمها الذي انفرج من هول المفاجأة. نظرت على يمينها ويسارها قبل أن تصعد، فهي تريد أن تبقى بقربه وتريد أن تحدثه بما حدث معها وما قالته داليا لها. فتح لها أدهم الباب، جلست بجانبه. قفز قلب أدهم، فهو أول مرة يريد قرب أحد. أغلق الشباك الفاصل بينه وبين السائق ليستطيع التحدث معها بأريحية. سألته ملاك بخفوت: "هو إحنا رايحين فين؟
اقترب منها وقال بصوت أجش: "إنتي عاوزة تروحي فين؟ أجابت ملاك: "أنا بسأل بجد، وخدني فين؟ قال أدهم: "الأسباب كتيرة، عاوز أتكلم معاكي وأتغدى معاكي وأقعد شوية معاكي." قالت ملاك: "طب مش عاوزة نتأخر عشان تيتة ما تقلقش عليا." هز أدهم رأسه متفهماً. أخرجت ملاك هاتفها واتصلت بجدتها، ووضعت إصبعها على فمها مشيرة لأدهم بأن لا يتحدث. قالت ملاك في الهاتف: "مساء الخير يا تيتة، إزيك يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟ ... أنا بس هتأخر شوية....
لأ، ما تقلقيش عليا، هيا شوية عشان... عشان... آه، عشان عندي بحث في المكتبة في الجامعة وعاوزة أعمله، والمكتبة زحمة وكده. وأنا أول ما هخلص هكلمك.... تسلم إيدك يا حبيبتي، أنا مش هتأخر. باي يا حبيبتي." لاحظ أدهم ملامحها التي اكتست بالحزن. اقترب منها. قال أدهم: "مالك؟ إيه اللي زعلك؟ نظرت ملاك في عينيه وقالت بصدق: "أصل أول مرة أكذب على تيتة. أنا بقيت بكذب كتير عليهم وبستغل إنهم بيصدقوني." ربت أدهم على كتفها بحنان.
قال أدهم: "خلاص، من هنا ورايح مش مضطرة إنك تكذبي عليهم. وفكي التكشيرة العسل دي، حتى وإنتي مكشرة عاوزة تتاكلي. يلا، وصلنا." أمسك أدهم يديها ودخل للمطعم الفاخر، ولكنه كان خالياً من الناس. سار بها باتجاه الطاولة، سحب لها الكرسي وأجلسها. جلس قبالتها. كانت ملاك تتطلع إلى المطعم بإعجاب. لاحظ أدهم ذلك. قال أدهم: "ها، عجبك المكان؟ أجابت ملاك: "اه، حلو جداً. بس ليه هو فاضي؟ قال أدهم: "عشان أنا اللي طلبت." نظرت له ملاك بتعجب.
قالت ملاك: "وصاحب المطعم رضيلك إنك تكون لوحدك؟ أصل إنت كده هتخسره." ضحك أدهم عليها، ومال عليها قائلاً بخفوت مصطنع: "أقول لك كلمة سر؟ أصل أنا صاحب المطعم." قالت ملاك: "بجد؟ أومأ لها أدهم بالإيجاب. وهمت أن تسأله سؤالاً آخر، ولكن قاطعها النادل الذي يحمل عدة صحون في يده ويتبعه آخر. وضعوا الأطباق على الطاولة. شهقت ملاك بدهشة، فهذا طعامها المفضل. قالت ملاك: "هو إنت عرفت إني بحب الجمبري إزاي؟
أجاب أدهم: "بنفس الطريقة اللي عرفت بيها لونك المفضل. يلا، عاوز الأطباق دي تتنسف فوراً." جحظت عيناها الرماديتان. قالت ملاك: "يا لهوي! كل ده أنا هاكله لوحدي؟ حد قال لك عني فيل؟ ده إنت جايب جمبري مشوي ومقلي وشوربة جمبري. لأ، كده كتير عليا. أنا هحاول آكل اللي هقدر عليه، وكمان تيتة عاملة لي أكل، يعني مش هقدر أتقل." قالت جملتها الأخيرة بعبوس كالطفال، جعلته يود أن يلتهمها. ضحك أدهم على طفولتها.
قال أدهم: "خلاص، كلي اللي هتقدري عليه، ولما تروحي البيت كلي اللي تقدري عليه." بدأت ملاك بالأكل بنهم، فهي كانت تشعر بالجوع حقاً. نظر لها أدهم بتعجب، فكل الفتيات اللاتي عرفهن كن يهتمن بكل لقمة يأكلنها، لكن هذه الصغيرة يبدو أنها لا تهتم بأمور الرشاقة وما شابه. كانت تأكل وتتلذذ وتمصمص أصابعها بعد كل لقمة، مما جعل أدهم يزدرد ريقه، فهذه الصغيرة تثيره بطريقة عجيبة. لاحظت ملاك شرود أدهم. قالت ملاك: "هو إنت مش هتاكل معايا؟
إنت ما أكلتش غير سلطة ونازل شارب ميه وبس." رد أدهم: "لأ، أنا ما بأكلش إلا سلطة والأكل اللي شبه نيء وبس." أمسكت ملاك قطعة صغيرة من الجمبري المشوي وقربتها من فمه. قالت ملاك: "هتاكل دي مني؟ وما تقول لي ما ينفعش، دي مشوية يعني مفيش دهون." نظر لها أدهم بحب، وفتح فمه ليدها والتهام القطعة منها، وعض إصبع يدها. شهقت ملاك فور شعورها لأسنانها القاسية على يديها، وسحبت يدها بسرعة. قالت ملاك: "دي جزاتي إني بأكلك؟ تعضني؟
الحق عليا." رد أدهم: "إنتي عاوزة تأكليني من الأكل ده، يبقى تستحملي اللي يحصل." بعد عدة دقائق، تنفست ملاك بصعوبة، فهي أكلت حتى كادت بطنها تنفجر. قالت ملاك: "هقوم أغسل إيدي. الحمام فين؟ أشار لها بالاتجاه المناسب. وبعد دقيقتان، كانت تجلس مقابله. قالت ملاك: "مرسي على العزومة دي، بجد أنا عمري ما أكلت بالشكل ده." سأل أدهم: "هو إنتي ما بتعمليش رجيم زي كل الستات ليه؟ دهشت ملاك ونظرت لنفسها، هل يراها سمينة؟
قالت ملاك بحزن: "هو أنا تخينة لدرجة إني أعمل رجيم؟ رد أدهم: "لأ... لأ، مش كده. أنا أصلي كل الستات اللي شفتهم لما بياكلوا بيقيسوا كم سعر في كل لقمة وبيعملوا رياضة وكده. إنتي لأ، عشان كده سألت." قالت ملاك: "لأ، أنا بعمل رجيم بس لما بحس إني تخنت زيادة. هو يعني لازم أخس؟ " سألته وترقبت إجابته. رد أدهم: "لأ، ما تخسيش. كده جسمك يجنن." قالها بخبث ونظرات لعوب.
اصطبغ وجهها بالحمرة القانية، ولكن بسبب تغزله بها وليس بما كان يقصده. تنحنت ملاك. قالت ملاك: "كنت عاوزة أقول لك حاجة حصلت معي النهاردة. بعد ما خلصت المحاضرة الأولى، كان فاضل نص ساعة على المحاضرة الثانية، نزلت وقعدت في كافتيريا الجامعة، ولما كنت قاعدة، لقيت داليا جاية وقعدت معايا." ادعى أدهم عدم العلم. قال أدهم: "داليا؟ وكانت بتعمل إيه في الجامعة عندك؟ وقالت إيه؟ قالت ملاك: "كانت جاية لوحدة صاحبتها، وقالت يعني إنك...
أدهم... مش بتحبني وعندك عقدة نفسية من مامتك عشان ما كانتش بتحب باباك، وإنك قلت إن كل الستات خاينين. وكانت عاوزة توريني حاجة على الموبايل، بس أنا سبتها وقمت وبس. هو ده اللي حصل." ابتسم أدهم لها، فهي لم تخبئ عنه شيئاً، قالت له كل ما حدث. أمسك يدها الموضوعة على الطاولة، فسرت قشعريرة في سائر جسدها. قال لها بنظرات تفيض حباً: "ملاك، أنا بحبك."
أغمضت ملاك عينيها، وكأنها أغمي عليها. هي تعرف أنه يحبها، ولكنها لم تتوقع أن يقولها. أخرجها من صدمتها. قال أدهم: "ساكتة ليه؟ قالت ملاك بصوت مرتجف: "هقول إيه؟ قال أدهم: "واحد بيقول لك بحبك، المفروض إنك تقولين له إيه؟ اخفضت رأسها، فجرأتها لم تسعفها بقول هذه الكلمة. أراد أدهم التسلية معها.
قال أدهم: "صحيح، إنتي النهاردة بعتي لي رسالة. معلش، النظارة ما كانتش معايا، أصل أنا من كتر ما بقعد على اللابتوب وبقرأ ملفات، نظري بقى ضعيف شوية. عاوزك تقريهالي." ردت ملاك: "لأ، أنا بس كنت بقول لك إني في المحاضرة ومش عارفة أرد وبس." قال أدهم: "لأ... لأ... لأ، أنا بحب أركز في كل التفاصيل. عاوزك تقريهالي كلمة كلمة." مد لها هاتفه لتقرأ الرسالة، وشرعت بقرأتها، ولم يصل لها نيته الخبيثة. قرأت ملاك: "حبيبي...
أنا آسفة، أنا في المحاضرة مش هقدر أرد عليك دلوقتي. لما أخرج هكلمك." "كمان مرة وبس؟ ضيقت ملاك حاجبيها، وكادت أن تقرأها، ولكنها لاحظت كلمتها العفوية التي قالتها دون قصد. احمرت خدودها فور تذكرها أنه استطاع الضحاك عليها وجعلها تقولها بملء إرادتها. عضت شفتيها بحرج، وجالت بعينيها في المكان حتى تتجنب نظراته المتفحصة. قالت ملاك: "احم... أنا عاوزة أمشي، اتأخرت على تيتة." أمسك أدهم يدها الصغيرة وضمها داخل يده الغليظة.
في داخل السيارة، استدارت إليه وأخرجت هاتفها وفتحته. قالت ملاك: "هي الصورة دي إنت جبتها منين؟ لم يجيبها أدهم، بل أخرج هاتفه وأراها نفس الصورة. شهقت ملاك بدهشة، وأخذت تقارن بين الصورتين. قالت ملاك: "هو إنت جبته إزاي؟
أجاب أدهم: "فمرة كنت جاي على مكتب أمجد وكنتي قاعدة بترسمي وبتغني، وأنا صورتك من غير ما تاخدي بالك. تصدقي لو قلت لك أنا من يوم ما فتحت الشركة دي ما دخلتش مكتب أمجد، بس لما كنتي في مكتبه كنت بتحجج بأي حاجة عشان أروح عنده." لاحظ أدهم شرودها. اقترب منها مكملاً بصوت أجش: "إنتي عملتي فيا إيه؟
بقيت مش على بعضي. ببقى عاوز أفضل جنبك، مش عاوزك تغيبي عن عيني. لما بتكوني قدامي ببقى ماسك نفسي بالعافية. لقوم وأكلك. إنتي سحرتيلي، بقيت مش شايف غيرك ولا عاوز في الدنيا دي غيرك. إنتي بجد ملاك ونزلت من السما ليا لوحدي." كانت ملاك مغيبة، مغمضة عينيها، كأنها فوق سحابة تحلق في السماء. فهذه أول مرة تسمع هذا الكلام من أحد. ارتجفت شفتيها من فرط التوتر. عضت شفتيها لتتمالك نفسها.
اندلعت النار بداخل الجالس بجوارها. اقترب منها، قبلها جانب شفتيها، قال بصوت خافت أجش مليء بالرغبة: "افتحي بقك يا ملاكي." أفرجت ملاك بين شفتيها تلقائياً. ابتسم عليها، فيبدو أنه يستطيع أن يسيطر عليها في هذه النقطة.
قبل شفتيها بهدوء، ثم تحولت قبلته لشغف. تناول شفتيها تارة يمتصها وتارة يعضها بلطف. أدخل لسانه داخل فمها الكرزي الصغير، مكتشفاً إياه. كانا وكأنهما في عالم لوحدهم، لا يوجد به أحد غيرهم. كان يمتص شفتيها بنهم، فطعمها أشهى بكثير من الحلم. ابتعد عنها بصعوبة فور شعوره بأنها بحاجة للهواء.
شهقت ملاك بقوة، وكأنها كانت ستغرق. وضع جبينه على جبينها. وقبل أن يعاود قبلته، وضعت ملاك يدها على فمها لتمنعه. ابتسم أدهم على فعلتها، قبل يدها ثم جبينها قائلاً بجانب أذنها: "أنا آسف إني خلفت بوعدي وأقربت قبل ما نتجوز، بس والله مش قادر أمسك نفسي عنك." نظر لشفتيها التي انتفخت أثر عبثه. عضت شفتيها فور أن لاحظت نظراته مسلطة على شفتيها.
قالت ملاك: "لو شفتك بتعضي شفايفك دي تاني، هعتبر إن دي دعوة صريحة إني أعيد اللي كنت بعمله من شوية." اتبع جملتها بغمزة مشاكسة. قالت ملاك: "نزلني على أول الشارع، مش هينفع توصلني للبيت." هز رأسه متفهماً. وقبل أن يجيبها، أتاه اتصال من أمجد. قال أدهم: "أيوه يا زفت... اممم... هما مش معادهم كان الأسبوع الجاي؟ ...
طيب، جهز لهم دليل سياحي وابعتو على الغردقة، وقعدهم في الفندق الجديد، وخليه يفسحهم لحد ما يزهقوا. مش هما اللي جايين بدري؟ عاوزين يعملوا سياحة؟ بس الشغل هيبقى هنا في مصر مش في الغردقة. هو كده، إن كان عاجبهم. اسمع اللي بقول لك عليه، هما اللي عاوزيننا مش إحنا اللي عاوزينهم. تمام، هات الورق معاك واسبقني على القصر، أنا شوية وهكون هناك." نظر اتجاه ملاك، وجدها تنظر إليه بشرود. اقترب منها. قال أدهم: "حلو مش كده؟
أنا عارف نفسي." ردت ملاك: "بس أنا ما ببصش عليك عشانك حلو." قال أدهم: "امال بتبصي عليا عشان إيه؟ أجابت ملاك: "اصل إنت لما بتشتغل بتبقى بني آدم تاني خالص." عقد حاجبيه بحيرة. قال أدهم: "إزاي يعني؟ مش فاهم." قالت ملاك: "تبقى كده عصبي، وكلمتك ما بتقبلش نقاش." رد أدهم: "الشغل عاوز كده. لو كنت ضعيف ما كنتش وصلت للي أنا فيه دلوقتي."
ابتسمت له ملاك، فهو يعجبها بكل حالاته. لم ترَ أجمل منه، فهو وسيم جداً، وخاصة عندما يبتسم يصبح أكثر وسامة. أفاقت من تأملها به عندما أوقف السائق السيارة على جانب الطريق، قبل موقع بيتها بمسافة معقولة. همت أن تفتح الباب لتنزل. أمسك أدهم يدها. قال أدهم: "هتوحشيني." لم تجبه، ونزلت من السيارة. اتجهت للطريق المعاكس وأكملت طريقها تحت نظراته العاشقة.
بعد قليل، في قصر أدهم، نجد أمجد يجلس على مقعد في حديقة القصر الواسعة، يمسك بعض الملفات. وبجانبه يجلس أدهم يراجع الملفات ويوقعها. وبعد الانتهاء، يقف أمجد للذهاب. قال أمجد: "أنا هخلي الورق معايا، وبكرة هبعته للمحاسب. أه صحيح، هو إنت هتاخدني فين النهاردة عشان ألبس حاجة مناسبة للمكان اللي رايحنو؟ رد أدهم: "أمجد، إنت معفن في أي حاجة تلبسها، بس على العموم البس بدلة شيك وخلاص."
هم أمجد بالذهاب، ولكنه اقترب من أدهم قليلاً، مدققاً في وجهه. قال أدهم: "إيه؟ بتبص لي كده ليه؟ رد أمجد: "هو إنت كنت فين؟ قال أدهم: "ملكش فيه." اقترب منه أمجد هامساً: "اصل المزة اللي كنت معاها، الروج بتاعها لسه على وشك."
هب أدهم واقفاً، يمسح وجهه بيده بعشوائية، مما جعل أمجد ينخرط في نوبة ضحك أغضبت أدهم. فتركه ودخل للداخل. وفور دخوله لمكتبه، توجه للمرآة الموجودة على الحائط، فوجد بقايا أحمر شفاه موجودة بجانب شفتيه. لعقها بلسانه وأغمض عينيه متذكراً طعم شفتيها وارتجاف جسدها الأبيض بين يديه. ابتسم بانتشاء، وتنهد فور تذكره للحرب التي ستدور بعد قليل، فلن يكون الموضوع سهلاً. ***
بعد عدة ساعات، نجد ملاك تجلس بجانب جدتها بعد أن تناولت كمية ليست بقليلة من الحواوشي الإسكندراني التي أعدته جدتها لها. قالت وهي تضع يدها على بطنها التي أصبحت منتفخة: "آه ياني يا تيتة، مش قادرة أتنفس. في حد يعمل حواوشي بالطعامة دي؟ قهقهت جدتها. قالت جدتها: "هو إنتي يا بنتي أكلتي حاجة؟ ده الأكل زي ما تحط زي ما يتشال. ده إنتي يدوب أكلتي كام حتة." ردت ملاك: "هو إنتي عاوزاني آكل الطبق كله عشان أكون أكلت؟
أنا مش قادرة أتنفس، أنا حاسة إني هفضل أسبوع من غير أكل." قرع جرس الباب أثناء حديثهن. همت الجدة أن تقوم لتفتح الباب، فوجدت ملاك تقوم قبلها. قالت ملاك: "خليكي يا تيتة، أنا هفتح. خليني أحرك البالونة دي." مشيرة إلى بطنها.
فتحت الباب، ولكنها صعقت مما رأت أمامها. رأت أدهم واقفاً بشموخ كعادته، مرتدياً بدلته الكلاسيكية الفاخرة، وبجانبه أمجد الذي يحمل باقة الورد وعلبة من الشوكولاتة الفاخرة. فغرت فمها وجحظت عيناها بطريقة مضحكة. بقيت على هذا الحال عدة ثوانٍ قبل أن تهتف بسرعة: "أدهم! ما تهزرش، إنت جاي هنا تعمل إيه؟ قالت جدتها: "مين على الباب يا ملوكة؟ قالت ملاك بصوت شبه مسموع: "ده... ده... ده... ده ولا حد يا تيتة....
قال الحاج حسن: "أهلاً وسهلاً يا أدهم بيه، أهلاً يا أمجد بيه، اتفضلوا. معلش، هيا ملاك كده متعرفش تتصرف." وقبل أن يسير أدهم خلف جدها، دنا من أذنها. قال أدهم: "حلوة قوي وإنتي منكوشة يا حبيبتي. قهوتي سادة." أكمل طريقه خلف أمجد. نظرت ملاك لنفسها، فكانت ترتدي بنطال منزلي مريح وكنزة رمادية اللون وشعرها أشعث قليلاً. قال الحاج حسن: "اعملي قهوة يا حاجة."
اتجهت الحاجة فوزية لصنع القهوة، وبقيت ملاك واقفة بجانب الباب تحاول الاستماع لما يدور في الداخل، ولكن جدها أغلق الباب بإحكام. قال الحاج حسن بوجه بشوش: "أهلاً وسهلاً، نورتوا البيت." قال أمجد بابتسامة، ولكز أدهم في الخفاء: "النور نورك يا عم حسن، البيت منور بأصحابه." وهمس في أذنه بصوت كاد مسموعاً: "هو إنت اللي جاي تخطب ولا أنا؟ قول أي حاجة وبعدين نزل رجلك دي، إنت مش في شركتك، عيب."
دخلت الحاجة فوزية تحمل صينية القهوة ومعها بعض الحلوى، وضعتها على الطاولة الصغيرة، وانسحبت من الغرفة لتركهم على راحتهم. تنحنح أدهم وقال بصوت واثقاً: "أنا عارف إنك مستغرب من الزيارة دي، بس أنا هدخل في الموضوع على طول. أنا جاي أطلب إيد حفيدتك ملاك." دهش الحاج حسن من طلبه، فهو بالكاد يلقي التحية على موظفيه، كيف يأتي إلى هذه الحارة الشعبية البسيطة ويطلب يد حفيدته؟ بقي على هذا الحال من التفكير حتى أتاه صوت أمجد.
قال أمجد: "ها يا عم حسن، قولت إيه؟ أنا مش عاوز أخرج من هنا إلا وأنا قرأت فاتحة. أنا بقول لك أهو." رد الحاج حسن: "والله يا بني مش عارف أقولك إيه." قال أمجد: "قول اللي إنت عاوزه، إحنا في بيتك وجاهزين نسمعك." قال الحاج حسن: "والله الرأي الأول والأخير لملاك، هي اللي هتعيش معاه مش أنا. بس من واجبي أنصحها، وهي حرة." تهللت أسارير أدهم، فظن أنه ظفر بها، حتى أتاه صوت جدها.
قال الحاج حسن: "بس أنا اللي أعرفه إن البشمهندس أدهم نزواته ما بتخلصش وكل يوم مع واحدة، وأنا ما أرضاش إن حفيدتي اللي طلعت بيها من الدنيا تبقى مجرد رقم. وكمان إنت مش شايف إنها صغيرة عليك شوية؟ ضغط أدهم على فكيه محاولاً تمالك نفسه، فلا يريد أن تندلع مشكلة مع جدها من أول مقابلة.
قال أدهم: "لو سمحت انتبه لكلامك. وبعدين لو حفيدتك مجرد رقم، فهي رقم واحد لأنها أول وحدة أنا أدخل بيتها وأتقدم لها، وأظن إنتا عارف الكلام ده كويس. والنسبة لفرق السن، لأ، مش كبير ولا حاجة. أهم حاجة الاتفاق والتفاهم. وبعدين اسألها، يمكن ما يكونش عندها اعتراض على الموضوع ده." قال الحاج حسن: "خلاص، كام يوم هأقولك قراري وقرارها." قال أدهم: "تمام، أنا هنتظر الكام يوم دول."
انتصب أدهم متجهاً للباب دون إلقاء التحية، واتبعه أمجد مغلقاً الباب خلفه. اتجهت الحاجة فوزية وملاك لجدها لمعرفة سبب الزيارة. سألت الحاجة فوزية: "ها يا حج، مين البهوات دول وجايين ليه؟ قال الحاج حسن: "دول أدهم بيه وأمجد بيه، صحاب الشركة اللي بشتغل فيها، وجايين يطلبوا إيد ملاك." قال جملته وهو ينظر لها، وظهرت معالم التفاجؤ على وجهها. سألت الحاجة فوزية: "هو مين جاي يخطبها؟ البشمهندس أمجد ولا ابن عمه التاني ده؟
قال الحاج حسن: "لأ يا حاجة، ابن عمه التاني. مش عارف أعمل إيه. إنتي إيه رأيك يا ملاك؟ احمرت خدودها توتراً من نظرات جدها المتفحصة. قالت ملاك: "اللي تشوفه يا جدو، مش عارفة." سأل الحاج حسن: "هو إيه اللي يخلي واحد زي أدهم يجي يخطب واحدة زيك يا ملاك؟ قاطعته الحاجة فوزية تنهره بعنف: "هو إنت مش شايف جمالها وأدبها ورقتها؟ دي تعجب الملك." هز الحاج حسن رأسه.
قال الحاج حسن: "عموماً، أنا كمان يومين هأقوله قراري الأخير، بما إن ملاك معندهاش رأي." ركضت ملاك لغرفتها لتحاول استيعاب ما حدث منذ قليل. هل أدهم تقدم لها بالفعل؟ هل جدها سيرفض أم سيقبل؟ لا تعلم ماذا ستفعل إن رفض جدها، فهي ليس لها القدرة أن تعترض، فجدها في حياتها قبل أن تعرف أدهم حتى، لو كانت تحبه. بقيت تفكر حتى دلفت لها جدتها تحمل كوبين من الشاي.
قالت الحاجة فوزية: "جدك نام، وأنا قلت أجاي أشرب الشاي مع حبيبتي اللي كبرت وبقى يجيلها عرسان." أمسكت ملاك بكوبين الشاي ووضعتهما على الطاولة الصغيرة الموجودة بجانب سريرها. سألت الحاجة فوزية: "ها يا حبيبتي، قولي لي إيه رأيك في اللي حصل من شوية؟ وما تقوليش مش عارفة عشان بقالي كام يوم شايفة عنيكي الحلوة دي بتلمع." عضت ملاك شفتيها خجلاً واخفضت رأسها قبل أن تتحدث.
قالت ملاك: "بصي يا تيتة، أنا هقول لك على كل حاجة." وأخذت تحدث جدتها ما حدث معها منذ أول مرة قابلت أدهم فيها، دون أن تتطرق إلى حركاته قليلة الأدب وبعض الأمور الأخرى. قالت ملاك: "وهو ده اللي حصل كله. أنا عارفة إني غلطت لما خبيت عليكي وعلى جدو، بس ما كنتش عارفة أقول حاجة لأن جدو حذرني منه. بس والله يا تيتة، هو طيب وبيحبني وما زعلنيش ولا مرة."
ردت الحاجة فوزية: "كبرتي يا ضنايا وبقيتي تعرفي الحب. لو كان كويس، ادعي إنه يكون من نصيبك. ولو كان وحش، ادعي ربنا يشيل حبه من قلبك. يلا، أنا هسيبك تنامي ونكمل كلامنا بكرة." سألت ملاك: "تيتة، هو جدو هيقول رده لأدهم إمتى؟ قالت الحاجة فوزية: "بكرة الجمعة، وبعده السبت إجازة. أكيد يوم الأحد. يلا تصبحي على خير." خرجت الحاجة فوزية ودلفت لغرفتها. سأل الحاج حسن: "ها يا حاجة، طمنيني. قالت لك إيه؟
قالت الحاجة فوزية: "اصبر يا حج، هأقولك على كل حاجة. البنت بتحبه، والواد بيحبها. وكانوا يعني متكلمين مع بعض، بس متعرفش إنه جاي يخطبها. ياه يا حج، لو شفت عينيها وهي بتلمع إزاي لما كانت بتتكلم عنه، فكرتني بعنيين مامتها الله يرحمها. بس ما عرفتش، إنت رأيك إيه؟ تنهد الحاج حسن.
قال الحاج حسن: "والله مش عارف يا حاجة. الراجل مقتدر وعنده فلوس تكفي مصر كلها، واللي عارفه ومتأكد منه إنه هيعيش البنت عيشة تانية غير دي، هيجيب لها نجوم السما لو طلبت. بس... قالت الحاجة فوزية: "بس إيه يا حج؟ بتاع ستات؟ مهو خلاص هيتجوز. وبعدين مش إنت بتقول عمره ما ارتبط بوحدة رسمي وكل اللي يعرفهم يوم ولا يومين وخلاص؟ يبقى إنت تكلمه وتحط شروط عليه عشان نضمنه."
قال الحاج حسن: "ما هو ده اللي كنت عايز أقوله. الراجل إيده طايلة، ولو معنا مية ضمان، ما نقدرش نقف قصاده. مش عارف أفكر. خايف أوافق أظلمه معاه، وخايف أرفض برضو أظلمه لأنه بيحبها." قالت الحاجة فوزية: "بص، هو لو بيحبها بجد، أكيد مش هيزعلها وهيحطها جوه عينه." قال الحاج حسن: "هو إحنا إزاي هنتأكد يا حاجة؟ قالت الحاجة فوزية: "أنا عندي الحل. اسمع، هأقولك إيه...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!