قالت بأسى: "أنا آسفة، دخلت غيبوبة." صرخ أدهم بالطبيبة: "يعني إيه دخلت غيبوبة؟ إنتي شغلتك إيه هنا؟ إنتي هتدخليها تاني ومش هتخرجي إلا عشان تقولي إنها فاقت." "اهدأ يا أدهم، مش كده. خلينا نفهم منها كل حاجة." ثم وجه أمجد كلامه للطبيبة: "طيب، هي حالتها إيه بالظبط؟ تنحنحت الطبيبة خوفاً من نظرات أدهم الحارقة المصوبة نحوها:
"احممم، إحنا عملنا لها غسيل معدة وقدرنا ننظف الدم اللي في جسمها من خلال سحب كل الدم اللي في جسمها ودخلنا دم جديد، وهي دلوقتي دخلت غيبوبة وما نعرفش هتفوق إمتى. خصوصاً إن التسمم اللي كان معاها مش تسمم عادي وأثر على وظائف القلب والمخ." انتبه أدهم لكلام الطبيبة: "هو التسمم اللي كان معاها جالها إزاي؟ أجابته الطبيبة بعملية:
"التسمم بفعل فاعل، لأنه لما حللنا المادة اللي في معدتها لقينا فايروسات وبكتيريا قاتلة بتيجي من المختبرات، مستحيل تكون من أكل منتهي الصلاحية." قالت جملتها وعادت مرة أخرى للملاك. أكدت الطبيبة ظنون أدهم وأخرج هاتفه: "أيوه يا شريف، عاوزك تجيب لي تسجيلات الكاميرات بتاعة الجامعة بتاعة النهاردة من ساعة ما دخلت ملاك باب الجامعة لغاية ما حصل اللي حصل. مفهوم؟
أدار جسده العريض باتجاه جدتها التي كانت تذرف الدموع على حفيدتها المدللة وما حصل بها. ركع أدهم على ركبتيه وأمسك يدي جدتها وقال بصوت هادئ: "عاوزك تفتكري ملاك أكلت إيه من امبارح لغاية الصبح." نظرت إليه الحاجة فوزية بتعجب، فهذه أول مرة يتحدث بهذا الأسلوب، فدائماً ما كان أسلوبه متعجرفاً مع الجميع.
"والله يا بني هي امبارح أكلت من الأكل اللي كلنا أكلنا منه وإنت كنت قاعد معانا، والنهاردة الصبح أكلت مربى الفراولة اللي بتاكل منها كل يوم وشربت النسكافيه بتاعها، وهي كل يوم بتاكل وبتشرب في الجامعة، أول مرة يحصل لها كده. دي حتى ماعندهاش حساسية من أي أكلة." قالت جملتها وانخرطت في نوبة بكاء مريرة.
هز أدهم رأسه متفهماً وعيناه ازدادت احمراراً من شدة الغضب. وقف واتجه إلى الزجاج المطل على ملاك. استند برأسه على الزجاج. كان ينظر إليها بألم وهي موصولة بالأجهزة، وجهها شاحب يحاكي شحوب الأموات. شعر وكأن نصل حاد اخترق قلبه على مظهرها، تمنى لو أنه مكانها ولا تشعر هي بالألم التي تشعر به الآن.
كان الحاج حسن يقرأ آيات من المصحف الكريم. رفع رأسه باتجاه أدهم الذي لم يفارقها ولو لثانية واحدة. اقتربت منه زوجته الحاجة فوزية بعد أن لاحظت نظرات زوجها لأدهم وفهمت مغزاها: "شفت يا حج، أدهم طلع بيحب ملاك إزاي؟ ده بقى عامل زي العيل الصغير اللي متشحتف على أمه." هز الحاج رأسه متفهماً، فهو أدرك مقدار حب أدهم لملاك. وبعد عدة ساعات، خرجت الطبيبة وهرع الجميع إليها. قال الحاج حسن بلهفة: "طمنيني يا بنتي."
ابتسمت الطبيبة لهذا الرجل العجوز وربتت على كتفه وقالت بابتسامة: "الحمد لله، المؤشرات الحيوية بدأت تتحسن، ولو فضلت كده هتفوق قريب." سألها أدهم مستفسراً: "يعني إيه مؤشرات حيوية؟ وضحي أكتر." أجابته الطبيبة بعملية:
"يعني نبضات القلب اتحسنت، والحرارة بدأت ترجع لوضعها الطبيعي، والتنفس بقى طبيعي. وكمان عاوزة أي شخص هي بتحبه يدخل يتكلم معاها بس بهدوء ويفكرها بحاجات حلوة حصلت لها، ده هيسعدها إنها تتمسك بالحياة أكتر. عن إذنكم."
كان أدهم يود الدخول ورؤيتها والتحدث معها، فالساعات القليلة التي قضتها في هذه الغرفة جعلته وكأنه لم يراها من سنين، ولكنه فضل دخول جدتها. أشار أدهم لجدتها بالدخول لها، فهو يعرف أن ملاك تحب جدتها وجدتها تعرف أيضاً ذكريات طفولتها التي يجهلها هو. دلفت جدتها للداخل بعد أن ارتدت الزي المناسب المعقم.
اصطحب أمجد أدهم لشرب القهوة في كافتيريا المستشفى وبصحبتهم الحاج حسن. جلسوا على الطاولة، كان أدهم مشغول التفكير بالذي حصل لملاك. بعد قليل جاء شريف، وعندما رآه أدهم هب واقفاً ذاهباً إليه: "ها، طمني. إيه اللي حصل معاك؟ تنحنح شريف قبل أن يجيب: "كاميرات المراقبة ممسوح منها الجزء اللي كانت باينة فيه داليا هانم والست ملاك قاعدين مع بعض، مش موجود غير لما وقعت الست ملاك على الأرض وبس." ابيضت مفاصل يديه من كثرة الضغط عليها:
"يعني إيه اتمسحت؟ يعني إيه؟ فهمني." قالها بصوت مرتفع جعل بعض الجالسين يلتفتون إليه. "بس يا فندم، كاميرات المداخل والمخارج جابت داليا هانم وهي داخلة وهي خارجة." هز أدهم رأسه متفهماً. عاد مرة أخرى لأمجد وأخذ هاتفه من على الطاولة وهتف باقتضاب: "أمجد، أنا واصل مشوار ومش هتأخر. أي حاجة تحصل بلغني بيها بسرعة." وترك المكان مسرعاً.
بعد قرابة النصف ساعة، كانت سيارة حرسه التي تشبه المدرعة العسكرية تحطم بوابة فيلا فريال هانم، عمة أدهم. ترجل أدهم من سيارته وملامح وجهه الحادة لا تبشر بخير. اتجه حيث تجلس داليا مع صديقتها فريدة في حديقة المنزل. أمسكها من خصلات شعرها الشقراء القصيرة حتى كاد أن يقتلعها من جذورها. جهر بها بصوته الغليظ: "عملتي كده ليه؟ إجابته داليا بصوت مهزوز: "مممعملتش... حاجة... معملتش... حاجة." "امال مين اللي عمل كده؟
مش إنتي اللي كنتي معاها وبعد ما عملتي اللي عملتيه مسحتي سجلات كاميرات المراقبة؟ بس كاميرات المداخل والمخارج جابتك." هتف بهذه الجملة ثم سحب مسدسه من خصره ووضعه على رقبتها. هتف من بين أسنانه: "ورحمة أمي لو عرفت إنك شفتيها صدفة، لكون مولع فيكي. أنا بس هسيبك عشان مفيش في إيدي دليل على اللي عملتيه." دفعها بقوة حتى تلقتها الأرض المغطاة بالحشائش الخضراء، دفعة جعلتها تتأوه بشدة. "إيه اللي بيحصل هنا؟
قالتها والدة داليا، فريال هانم. "هه، أهلاً بالست هانم." قالها مستهزئاً ثم أكمل: "عقلي بنتك عشان أنا زعلي وحش وإنتي عارفة كده كويس، مش عايز ألبسك أسود عليها." قال جملته وركب سيارته المتبوعة بسيارات حرسه المدججين بالسلاح متجهاً إلى المستشفى. وهو في طريقه إلى هناك، آتاه اتصال من أمجد. أجاب عليه بسرعة: "أيوه يا أمجد، في حاجة حصلت؟ "أيوه... ملاك فاقت وسألت عليك." "طيب، أنا جاي حالاً."
أغلق الهاتف وأمر السائق بزيادة السرعة. وبعد عدة دقائق، كان يقتحم غرفتها. ذهب نحوها وركع على ركبتيه وأمسك يدها المغروزة بها إبرة التغذية وقبلها بلطف: "حبيبتي، حمد الله على سلامتك. كده تخضيني عليكي." نظر الحاج حسن لزوجته الحاجة فوزية ليخرجا ويتركاهم على راحتهم قليلاً. نظرت إليه ملاك والتعب واضح على ملامح وجهها الفاتن: "هو إنت كنت فين؟ "كان عندي حاجة خلصتها وجيتلك جري. قوليلي، حاسة بحاجة؟ في حاجة بتوجعك؟
أجابته ملاك بوهن: "لأ، بس حاسة إن بطني بتوجعني وفي شوية صداع. وإيه حصل؟ سألت تيتة وجدو ومحدش جاوبني. أنا كل اللي فاكراه إني حسيت بوجع وبعدين وقعت على الأرض." "أبداً يا حبيبتي، إنتي بس شكلك أكلتي حاجة مش نظيفة عملتلك تسمم." تساألت ملاك بفضول: "طيب مين اللي جابني هنا؟ "ممكن تبطلي أسئلة شوية؟ إنتي لسه تعبانة. قوليلي، عاوزة حاجة أو نفسك في حاجة أعملهالك؟ نظرت إليه ملاك وابتسمت بضعف: "عاوزة جمبري." ضحك أدهم عليها:
"دلوقتي يبقى عندك مطعم جمبري... قطع حديثهم دخول الطبيبة. قالت بابتسامة: "إزيك عاملة إيه؟ حاسة بوجع؟ "في شوية مغص وصداع خفيف." "دي حاجات طبيعية، متقلقيش." سألها أدهم: "هو ينفع تاكل جمبري؟ "لأ طبعاً، جمبري إيه اللي تاكله؟ مش عاوزين نعمل ارتباك للمعدة، بس ممكن شوربة جمبري هتبقى كويسة."
خرجت الطبيبة ودلف جدي ملاك للداخل. أخرج أدهم هاتفه وحدث أحدهم بصوت خافت. ثم دس هاتفه مرة أخرى في جيبه. نظر إليها وهي تبتسم لجديها، فهي لا تستحق الأذى. ماذا لو أصابها مكروه وفقدها؟ ماذا لو أنه لم يكلف أحد بمرافقتها دون علمها؟ ماذا لو استطاعت داليا الوصول لهدفها وقتلت ملاك؟ زادت سرعة أنفاسه فور تخيله لما ستؤدي هذه الاحتمالات. ******************** عودة لفيلا داليا. "هو إنتي اتجننتي؟ برضه نفذتي اللي في دماغك؟
ده كان شوية وهيقتلك. ده باين إنه بيعشقها مش بيحبها. اسمعي مني يا داليا، انسيه. ده نابه أزرق. خليهم يشبعوا في بعض. ده شكله وهو متعصب مرعب." هتفت داليا بغضب: "هو إيه اللي انسيه؟ أنا دخلت حرب يا أطلع منها كسبانة يا أخسر كل حاجة. وبعدين مالك محموقة أوي عليها ليه؟ دي متسواش قرش. هو شوية وهيرميها في الحارة المعفنة اللي جات منها. أدهم أنا أعرفه كويس، بيزهق بسرعة." تأففت فريدة:
"بصي، اسمعي مني. إنتي سيبيهم شوية لحد ما هو يرميها بنفسه ويعرف إنه مفيش وحدة تليق بيه غيرك إنتي." أعجبت داليا بالفكرة: "تصدقي إنتي صح. أول مرة تقولي حاجة صح. أنا هسيبه يتجوزها وأشوف هيحصل إيه، ولو الموضوع احتاج إني أتدخل، هتدخل." ************** عودة للمشفى. دلف أدهم غرفة ملاك وهو يحمل عدة علب طعام. فتح علبة وجذب الملعقة وجلس قبالة ملاك التي كانت تنظر إليه بتعجب، فهي حتى الآن لم تعرف ماذا سيطعمها. ابتسمت
للرائحة التي وصلت لأنفها: "ممممم، شوربة جمبري. جت فوقتها. شكراً." "شكراً بتاعتي، عاوزها إن العلبة دي تخلص." قالها ودس الملعقة في الشوربة وقربها من فمها. "هاتي، إن هعرف آكل لوحدي. مش عاوزة أتعبك." هز أدهم رأسه بالنفي: "لأ، أنا عاوز أتعب." فتحت فمها وأخذ يطعمها. ظل يطعمها حتى أصبحت غير قادرة على المزيد. "أدهم، أنا شبعت. مش قادرة أتنفس خلاص. لما أجوع هبقى آكل." أغلق أدهم علبة الشوربة على مضض. جال بنظره في الغرفة:
"هي جدتك فين؟ "دلوقتي افتكرت تسأل؟ ده إنت ليك ساعة بتاكل فيا. تيتة راحت البيت عشان تجيب لي حاجة ألبسها." هز رأسه متفهماً. جلس عند قدميها متأملاً بشرتها التي بدأت تعود لطبيعتها. ارتبكت ملاك من نظراته المصوبة نحوها. أرجعت خصلات شعرها خلف أذنها. حاولت أن تبعد نظراتها عنه. اقترب منها وأمسك يدها وقبلها. قال بصوت هادئ: "تصدقي لو قولت لك إني أول مرة أخاف على حد كده." ابتسمت بخجل على جملته وقالت بخفوت:
"ما كنتش أعرف إني غالية أوي كده." أعاد تقبيل يدها مرة أخرى: "إنتي أغلى حاجة عندي... قاطع جملته دخول الطبيبة ومعها الممرضة. ابتسمت الطبيبة لملاك ووجهت كلامها لأدهم: "لو سمحت، ممكن تخرج برا." رفع أدهم حاجبه مستنكراً: "لأ، مش هخرج برا." جحظت عينا الطبيبة من جرأته: "لو سمحت، إحنا هنغير لها هدومها. مينفعش تفضل بلبس العمليات. وكمان مينفعش حضرتك تفضل موجود." نظر أدهم لملاك التي تراقب الموقف بصمت وقال بخبث: "هو أنا ماسكك؟
غيريها. مش ضروري أخرج." اصطبغ وجه ملاك بالحمرة. قالت الطبيبة بحدة: "لو سمحت، أنا اللي أعرف إنكم مخطوبين مش متجوزين. عشان كده متحرجهاش أكتر من كده واخرج برا عشر دقايق وبس." وافق أدهم على مضض وخرج. استند على الشباك الزجاجي المطل على غرفتها. وجد الطبيبة تنظر إليه ثم توجهت وأغلقت الستارة فاصبح لا يرى شيئاً. "إيه الراجل ده؟ الحاجة اللي مش على هواه مش عاوزها تحصل."
قالتها الطبيبة عندما أغلقت الستارة في وجه أدهم. ثم وجهت كلامها لملاك التي شرعت الممرضة في مساعدتها في تبديل ملابسها: "هو إنتي بتحبي فيه إيه؟ أجابتها ملاك بخفوت قد بدأ عليها النعاس: "والله أدهم طيب. هو بس عصبي شوية." ضحكت الطبيبة بخفة: "سيدي يا سيدي، الحب ولع في الذرة. بس باين إنه بيموت فيك. ده فضل قاعد جنب الباب. ولا لما قلت له إنك دخلتي غيبوبة شوية وكان هيقتلني."
أنهت ملاك تبديل ملابسها المؤقتة لحين وصول جدتها. خرجت الطبيبة وجدت أدهم يقف بجانب الباب. سألها باقتضاب: "ها، خلصتي؟ هزت رأسها بالإيجاب وذهبت. دلف للداخل وجد ملاك قد بدأت تغفو. تذكر حديث الطبيبة عندما قالت إن الأدوية التي تأخذها تجعلها تنام كثيراً حتى لا تشعر بالألم المصاحب لانسحاب السم من الجسم. أخفت الإنارة ودثرها جيداً بالغطاء وخرج. وجد جديها قد وصلا. سألته جدتها: "ملاك كويسة؟
"آه الحمد لله. هي بس نايمة من تأثير الدواء ومش هتصحى غير بكرة الصبح." دَلفت الحاجة فوزية إلى ملاك وبقي أدهم والحاج حسن في الخارج. تنحنح أدهم بارتباك: "احممم... إنت النهاردة تعبت. متروحش الشغل بكرة. أنا هبلغهم إنك إجازة." "شكراً... يا أدهم بيه." "لأ، مش أدهم بيه. أنا دلوقتي زي ابنك. خلينا ننزل نشرب قهوة تحت وبعدين أوصلك البيت عشان الحاجة فوزية هتنام مع ملاك النهاردة. مينفعش تفضل لوحدها."
تعجب الحاج حسن من هدوء أدهم ولين حديثه معه، ولكنه كان سعيداً بهذا الشيء. ****************** بعد يومان. كان أدهم يطعم ملاك التي أمسكت الملعقة وأعادتها في الطبق. قالت بامتعاض: "خلاص يا أدهم، مش قادرة آكل أكتر من كده." وضع الطبق على الطاولة المجاورة له. "هو إنتي أكلتي حاجة؟ ده يدوب كام معلقة." شهقت ملاك بصدمة: "كام معلقة؟ طبق كبير قد كده وتقول كام معلقة؟
وكمان أنا مش عاوزة أفضل في المستشفى دي أكتر من كده. أنا بقيت كويسة وعاوزة أرجع البيت." "لو الدكتورة قالت ينفع تخرجي هخرجك دلوقتي، ولو قالت لأ مفيش خروج." قالها بنبرة لا تحمل النقاش. ربعت يداها أمام صدرها بغضب وهتفت بحدة ليست معتادة عليها: "لو أدهم السيوفي عاوز حاجة هيعملها ومش هيهمه كلام حد. بس إنت اللي عاوزني أفضل هنا." قالت جملتها الأخيرة بصوت أشبه بالبكاء. اقترب منها أدهم وقبل يدها وقال بصوت هادئ:
"يا حبيبتي، أنا عاوز أتطمن عليكي. خلينا نسمع كلام الدكتورة وخلاص. لو دلوقتي قالت إنك تقدري تخرجي، والله لأخرجك من هنا. اضحكي بقى." قال الأخيرة وقرصها من خدها. سمع أدهم طرقات على الباب واتجه لفتحه. وجد مها وشقيقتها هبة تقفان قبالة الباب. أزاح جسده العريض ليسمح لهن بالدخول. ابتسمت ملاك لمها وقالت بعبوس: "دلوقتي افتكرتي تسألي عليا. أنا زعلانة منك. أنا هسلم على هبة وإنتي لأ." احتضنتها مها:
"والله غصب عني، ابني الصغير كان تعبان شوية وكمان هبة حلفت إلا تيجي معايا وإنتي عارفة هبة يومها بسنة." تدخلت هبة وقد نسيت وجود أدهم الذي كان يتابع الموقف من الزاوية: "حمد الله على السلامة يا عسل إنتي. هو في كده؟ حتى وإنتي تعبانة زي القمر. مع إنك خسارة في اللي اسمه أدهم ده." جحظت عينا ملاك ومها سوياً ووجها نظرهما إلى أدهم الذي رفع حاجبه مستنكراً من الذي وصل لمسامعه. تنحنحت مها بإحراج:
"لأ خالص يا هبة، دول لاقيين على بعض جداً." قالتها بصوت مرتجف. ولكن هبة أكملت ما كانت تتحدث به: "هو إيه اللي لاقيين على بعض؟ ظي بلاش كدب. هي السكر محلى على كريمة دي زي أبو لهب اللي فتح لنا الباب ده، حتى مهانش عليه يقول لنا اتفضلوا. جاته داهية فشكله. هو لو يبقى زي ابن عمه العسل ده، ححححح. هو كان اسمه إيه؟ آه، أمجد. يا لهوي، ده حتى اسمه يجنن زيه. مش أدهم، يععع. متزعليش مني يا ملاك بس إنتي تستاهلي واحد غير أدهم ده."
كانت مها شبه مغيبة من الخوف ونظراتها مصوبة على أدهم الذي بدأت عيناه تحمر وعروق رقبته تظهر. دعت بالرحمة سراً على شقيقتها، فأدهم لن يرحمها. امتدت يد أدهم لم يستطع أن يتمالك نفسه عند هذا الحد. فهي تحاول إقناعها برجل غيره. ذهب إليها. التفتت هبة لصوت خطوات أخرى في الغرفة. جحظت عيناها بذعر عندما شاهدته ينظر إليها بغضب. تيقنت إنها على حافة الهاوية. لعنت لسانها الذي دائماً يجلب لها المشاكل.
وقفت مها بين أدهم وبين شقيقتها التي التصقت بها من الخوف. قالت مها بارتباك: "حقك عليا، أنا آسفة. عيلة صغيرة متفهمش. حقك عليا، أنا آسفة، أنا آسفة." كانت نظراته مصوبة على أختها هبة التي تطالعه بذعر. وقبل أن يسحبها من خلف مها، صرخت ملاك متصنعة الألم لتنقذ هبة من الموقف الذي وضعت نفسها به. اقترب منها أدهم: "حبيبتي، مالك؟ حاسة بإيه؟ أنده الدكتورة." أجابته ملاك متصنعة الوجع:
"لأ يا حبيبي، أنا بس حسيت بحاجة وجعتني وخلاص راحت. إنت بس خليك قاعد جنبي." اقترب وجلس في جانبها وقد نسي موضوع هبة. لكزت مها شقيقتها وقالت لها بخفوت: "اخرجي برا الأوضة قبل ما يفضالك وساعتها محدش هيلحقك وتبقي موتي بدري يا عيني." تسحبت هبة بهدوء وخرجت دون أن ينتبه لها أدهم الذي كان مشغولاً مع ملاك. تنفست الصعداء عندما أغلقت الباب خلفها. وما إن استدارت حتى اصطدمت بأحد. رفعت رأسها وابتسمت ببلاهة. قال أمجد بهدوء
وعيناه مسلطة على عيناها: "أنا آسف. إنتي كويسة؟ هزت رأسها بالإيجاب وظلت تنظر إليه وكأنها مغيبة. اقترب منها أمجد: "إنتي متأكدة إنك كويسة؟ أجابته بغباء: "لما شوفتك بقيت كويسة." عقد أمجد حاجبيه بتعجب من إجابته. تركها ودلف للداخل. جلست هبة على الكرسي تنهر نفسها على غبائها. حدقت نفسها بخفوت: "يقول عني إيه دلوقتي؟ بس يخربيت حلاوة أمه. هو في كده." أخرجت هاتفها وأخذت تعبث به حتى وجدت من يجلس بجانبها. فلم يكن سوى أمجد:
"هو إنتي سنة كام؟ شعرت هبة وكأن الأرض تدور من تحتها من قربها. أجابته بخفوت وأنفاسها أصبحت لاهثة وهي تحاول تمالك نفسها: "سنة تالتة إدارة أعمال." هز أمجد رأسه وعيناه تجوب وجهها الأبيض الجميل، شعرها البني المنسدل على ظهرها، عيناها الزرقاء المظللة برموش كثيفة، أنفها المنحوت الصغير، شفتيها المرسومتان. بدا وكأنه يحفظ تفاصيل وجهها. أفاق على رنة هاتفه. أخرجه من جيب بدلته فكانت والدته تتصل: "أيوه يا حبيبتي...
قالها وأحست تلك التي تجلس بجانبه كأنها وقعت من على جرف عالي. ولكنها انتبهت لباقي جملته... "لأ يا ماما، أنا دلوقتي هرجع الشركة. إنتي خلي السواق يوصلك عند ملاك في المستشفى وأنا لو خلصت شغل بدري هعدي عليكي نروح مع بعض. ماشي يا حبيبتي... سيدنا محمد رسول الله." أغلق هاتفه ودسه في جيبه. التفت للجالسة جانبه. كانت تنظر لساعتها: "هو إنتي مش عند ملاك ومها ليه؟ ارتبكت هبة من السؤال: "ها... ااااصل...
آه، أنا كنت عندهم بس في موضوع خاص بين مها وملاك بيتكلموا فيه عشان كده أنا خرجت وسيبتهم على راحتهم." عقد أمجد حاجبيه بتعجب. فهو رأى أدهم في الداخل. هل يعقل أن أدهم يعلم ما هو الموضوع الخاص؟ لم يهتم بالأمر كثيراً. "هو إنتي اسمك إيه؟ "أنا اسمي هبة." قالتها بابتسامة بلهاء. خرجت مها وسلمت على أمجد وسحبت شقيقتها من يدها. وما إن ابتعدت عن أمجد، جهرت بها: "هو إنتي مش هتبطلي أسلوبك ده؟
ده كان شوية وهيقتلك لولا إن ملاك عملت نفسها تعبانة ولا كان الله أعلم إيه اللي كان حصلك امبارح. امسكي لسانك ده شوية."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!