في صباح اليوم التالي استيقظت ملاك مبكراً على غير عادتها، فهي بالكاد نامت في ساعات الفجر الأولى. كانت تنتظر شروق الشمس حتى تذهب للتدريب وترى شركة AS، فقد سمعت عنها من جدها كثيراً، وسمعت عنها أيضاً من التلفاز والمجلات الخاصة بالمشاهير. دخلت ملاك المطبخ لتحضر الفطور لها ولجدتها، فجدها عمله يحتم عليه الخروج مبكراً.
انتهت ملاك من تحضير الفطور وذهبت لغرفة جدتها. طرقت الباب عدة مرات فلم تسمع رداً. عقدت حاجبيها، هل يعقل أن جدتي نائمة إلى هذه الساعة؟ هذا ما دار في عقلها قبل أن تفتح الباب لتجد جدتها تغط في نومٍ عميق. ابتسمت بحب وأغلقت الباب وعادت للمطبخ. تناولت بعض اللقيمات وذهبت للاستحمام.
خرجت وارتدت فستاناً من اللون الأسود من القماش الثقيل بعض الشيء نظراً لبرودة الطقس، يصل إلى تحت ركبتيها بقليل. ارتدت عليه جاكيت من الجينز ذو اللون الفاتح تصل لخصرها، وارتدت معه حذاء مريح من اللون الأبيض وحقيبة جانبية بنية اللون متوسطة الحجم. قصت شعرها كذيل حصان ووضعت القليل من مساحيق التجميل، فهي لا تحبذها كثيراً.
خرجت من المنزل متوجهة لمكان تدريبها. وبعد قرابة الساعة توقف التاكسي الذي يقل ملاك أمام شركة AS. ترجلت ملاك من التاكسي بعد أن نولت السائق الأجرة. وقفت كالبلهاء بأعين متسعة تنظر إلى هذه الشركة. كانت تعلم أنها شركة كبيرة، لكن ليس بهذا القدر. ظلت على هذا الحال عدة دقائق حتى انتبهت إلى نفسها وسارت باتجاه الشركة.
وما أن دخلت حتى ازداد انبهارها بالمكان. فهي ترى الطابق الأول فقط والذي يحتوي على مئات الموظفين، بعضهم يجلس على أجهزة الحاسوب، والبعض الآخر يقف إلى جانب ماكينات الطباعة، والبعض الآخر يجيب على الاتصالات. فيبدو أن هذا الطابق مخصص للاستعلامات فقط. جالت بنظرها بالمكان فرأت ثلاث فتيات واقفات خلف مكتب ويلبسن نفس اللبس، فخمنت أنهن موظفات الاستقبال. سارت باتجاههن. وما أن وصلت حتى نتحت بخفوت: "صباح الخير." ردت عليها
الموظفة بلباقة شديدة: "صباح النور يا فندم. اتفضلي، إزاي أقدر أخدمك؟ ابتسمت لها ملاك: "أنا ليا معاد مع مستر أمجد." "هو حضرتك ملاك محمد؟ أماءت ملاك بالإيجاب: "آه يا فندم. هو في انتظارك. بلغنا أول ما توصلي تطلعي له فوراً." "طيب، هو في الدور الكام وفين الأسانسير؟ "هو في الدور 45 يا فندم. والأسانسير في آخر الممر على الشمال. استخدمي الأسانسير الخاص بالإدارة." "إزاي يعني خاص بالإدارة؟ مش فاهمة."
"بصي حضرتك، الموظفين في الطوابق اللي فوق ليهم أسانسير معين بيستخدموه، بس مستر أدهم وأمجد ليهم أسانسير خاص." "طب وأنا هعرفه إزاي؟ "هتلاقي مكتوب عليه. وبعدين في كذا أسانسير لونهم واحد، بس هو هتلاقي لونه مختلف." "طيب، شكراً تعبتك معايا." قالتها ملاك بابتسامة بشوشة. "عفواً يا فندم، مع السلامة."
سارت ملاك بالاتجاه الذي وصفته لها الموظفة، وإذا بها تجد الأسانسير الخاص بالإدارة. ضغطت عليه ودخلت وضغطت على الرقم 45. فتحرك المصعد بها، وما هي إلا ثوانٍ وتوقف المصعد. خرجت ملاك ووجدت نفسها أمام طابق لا يوجد به أحد. في بداية الأمر ظنت أنها ليست في الطابق الصحيح. إذا بها تلمح فتاة تقوم بطباعة بعض الأوراق. فذهبت إليها. "صباح الخير، هو فين مكتب مستر أمجد؟ التفتت إليها السكرتيرة عاقدة حاجبيها: "إنتي ملاك صح؟
"آه أنا. انتي تعرفيني؟ "آه ياستي أعرفك. مستر أمجد قلي عنك." مدت يديها لتصافح ملاك: "أنا مها، سكرتيرة مستر أمجد. ومبسوطة إنك حتكوني معانا الفترة اللي جاية." صافحتها ملاك بابتسامة بشوشة كعادتها: "وأنا والله مبسوطة أوي إني هتدرب هنا وأشغل وقتي بحاجة مفيدة." "تعالي ياستي أعرفك على مستر أمجد. قلي أول ما تيجي خليها تدخلي على طول." طرقت مها عدة طرقات حتى سمعت أمجد يأذن لها بالدخول: "ملاك بنت عم حسن وصلت." "دخليها بسرعة."
طرقت ملاك الباب ودلفت للداخل، وإذا بأمجد يقف يمد لها يده ليصافحها: "أهلاً وسهلاً بالمهندسة ملاك، نورتي الشركة." وأشار لها لتجلس على الكرسي المقابل لمكتبه. "ها يا ملاك، تشربي إيه؟ بالكاد خرج صوتها من شدة التوتر: "لا يا فندم، شكراً لحضرتك. مش عاوزة حاجة." قهقه أمجد عليها: "إيه يا بنتي، يا فندم وحضرتك دي؟ أنا ما بحبش الرسميات. وبعدين عم حسن بيعتبرني ابنه." ثم أكمل بجدية:
"بصي، انتي هتدربي معايا ومع مها. حاجة كده على قدك يعني. هتشوفي تصاميم مباني وهتشوفي بنصممها إزاي، جودة البناء والمواد والحاجات دي. هتستفيدي جداً معانا." "إن شاء الله يا فندم. أكون عند حسن ظنك. عن إذنك." "ملاك، هو انتي عندك كام سنة؟ "19 سنة." "ده انتي صغيرة على الهندسة خالص. وإيه اللي خلاكي عاوزة تدربي؟ ما لسا بدري على الحكاية دي." أجابته ملاك بخفوت:
"أصل أنا عندي شهرين إجازة وحابة إني أستفيد من الوقت ده أحسن من قعدة البيت. وحتى لما كنت صغيرة، فالإجازة بتعلم أي حاجة. وأنا في ثانوي اتعلمت لغات. أنا بشوف إنه كدة أحسن من إني أقعد ما أعملش حاجة." "والله برافو عليكِ. ياريت الكل يعمل زيك." اكتفت ملاك بالابتسامة له واستأذنت وخرجت. وجدت مها تقوم بالعمل على جهاز اللابتوب الخاص بها، فجلست بجوارها تشاهدها. وبعد قليل انتهت مها والتفتت إلى ملاك:
"ها يا ملاك، احكيلي عنك. عاوزة أتعرف عليكي. ده لو عندك مانع." ضحكت عليها ملاك بخفة: "لأ طبعاً معنديش. بصي يا ستي، أنا ملاك محمد حسن…" قاطعتها مها: "استني، هو انتي مش بنت عم حسن؟ "لأ، أنا بنت ابنه. ماما ماتت وهي بتولدني بسبب خطأ طبي. وبابا مات في حادثة عربية وأنا عندي خمس سنين. وعايشة في حي شعبي مع جدي حسن وجدتي فوزية. وعندي 19 سنة وبدرس هندسة في جامعة القاهرة. أي أسئلة تانية؟ ضحكت مها على خفة دم ملاك:
"أنا يا ستي اسمي مها حربي، عندي 29 سنة. متجوزة وعندي ولدين. الكبير سيف عنده 6 سنين والصغير أمير وعنده 3 سنين. وجوزي بيشتغل في بنك. وساكنة في المعادي." "هو انتي بقالك قد إيه بتشتغلي هنا؟ أجابتها مها وهي تنظر للأوراق التي أمامها: "بقالي تقريباً 6 سنين." "طب ليه ما فيش حد في الدور ده غير مكتبك ومكتب مستر أمجد؟ وليه ما فيش موظفين زي الدور الأرضي اللي تحت؟
"لأ، فيه مكتب مستر أدهم هناك أهو، بس انتي ما شفتيهوش. وبعدين دي تعليمات مستر أدهم. بيحب الهدوء في شغله، عشان كده ممنوع أي حد يطلع هنا إلا لو فيه حاجة مهمة جداً." ثم أكملت حديثهما في سياق الهندسة والسكرتارية وأمور أخرى. فملاك أخذت بعض الملفات الخاصة بالأعمار وترجمتها لعدة لغات لمساعدة مها. ***
في مكتب أدهم، نجده يجلس على مكتبه بأريحية، يدخن من سيجارته الفاخرة التي شكلت سحابة فوقه. يدقق في الملف الذي بين يديه حتى استمع إلى طرقات على باب مكتبه، فقال بصوته الرخيم: "ادخل." دخلت سكرتيرته سالي بفستانها الأسود القصير الذي يصل إلى نصف فخذيها وذو الصدر المفتوح وعاري الأكتاف. تتهادى في مشيتها بمياعة تقصدها لإغراء مديرها. وقفت أمام مكتبه وانحنت للأمام قليلاً حتى يظهر صدرها أكثر. ثم قالت بدلال:
"مستر أدهم، الملف ده محتاج توقيعك." تأفف أدهم بصوت مسموع وأخذ منها الملف ووضعه جانباً وقال: "هشوفه بعدين. اطلعي برة." اقتربت منه سالي بوقاحة واستندت بيديها على مكتبه فظهر صدرها بسخاء: "مش عاوز مني حاجة تانية؟ "لما أعوز هبقى أقول لك. برا." قال أدهم الأخيرة بقوة أرعبتها. وقبل أن تصل باب المكتب: "اتصلي لي بأمجد خليه يجي لي." "حاضر يا فندم." وبعد عدة دقائق دلف أمجد مكتب أدهم وكعادته لم يطرق الباب:
"هو إنت ما بتعرفش حاجة اسمها ذوق؟ ليه ما خبطتش على الباب." تجاهله أمجد وجلس على الكرسي المقابل لمكتبه: "ها، طلبتني يا أسطا؟ عاوز إيه؟ قال أدهم بتقزز واضح على معالم وجهه الحادة: "يخربيت ألفاظك يا شيخ! إيه أسطا دي؟ شايفني سواق اللي خلفوك." تنهد أدهم قبل أن يكمل: "ها، عملت إيه في فكرة الفندق الجديد؟ جبت فكرة جديدة؟ خبط أمجد مقدمة رأسه كعلامة النسيان: "تصدق نسيت خالص. اديني كام يوم وأكون جبت فكرة جديدة." جهر به أدهم:
"كام يوم إيه؟ الاجتماع بعد بكرة الظهر. لازم تكون جبت فكرة وتكون اتعرضت عليا قبل ده وأكون وافقت عليها. معاك لغاية بكرة بالليل. اتصرف." "حاضر. هحاول. وانت كمان لو جت فكرة في دماغك قولي." "أنا لو فيا دماغ للتفكير ما كنتش طلبت من واحد خايب زيك. وبعدين مش فكرة إننا نبني فندق على جزيرة وسط البحر مش فكرتك. يلا شوف بقى هتعمل إيه. ومعاك لغاية بكرة بالليل. يا تعتبر المشروع ملغي." "حاضر. هحاول. أي أوامر تانية؟ "اطلع برا."
"هو إنت ليه كل ما أشوفك تقولي اطلع برة؟ ده أنا زي ابن عمك برضه." ثم وقف ذاهباً لمكتبه. وقبل أن يصل للباب: "آه صحيح، نسيت أقول لك. ماما عزماك على العشا النهارده. ما تتأخرش زي عوايدك." ثم خرج عائداً لمكتبه يفكر في فكرة للفندق. وما أن رأى ملاك حتى خطرت في باله فكرة: "ملاك، ممكن أطلب منك خدمة؟ لو عملتيها هتكوني عملتي فيا جميل مش هنساه." أجابته ملاك بابتسامة: "لو هقدر أكيد مش هتأخر." "تعالي على المكتب أشرح لك."
دلفت ملاك إلى الداخل خلف أمجد وهي تتساءل، يا ترى ما هي الخدمة التي يريدها منها؟ جلست على الكرسي المقابل لمكتبه. ثم قال لها أمجد: "أنا هستغل إنك موجودة عشان تساعديني. بصي، في عندنا فكرة مشروع عاوزين نعمله مختلف شوية. عشان كده قلنا هنعمله على جزيرة وسط البحر. بس لغاية دلوقتي مش لاقي فكرة لشكل المبنى. عاوز حاجة تكون مختلفة عن الموجود وفي نفس الوقت تكون حلوة. ها، في فدماغك حاجة؟
"والله انت فاجئتني. هفكر وأرد عليك. إمتى عاوز الفكرة تكون جاهزة؟ "معايا لغاية بكرة بالليل." "خلاص. بكرة الصبح هيكون على مكتبك مجموعة أفكار إن شاء الله تعجبك." خرجت ملاك لتجد مها تنتظرها. تريد أن تعرف ما هي الخدمة التي طلبها مستر أمجد من ملاك، فقصت عليها ملاك ما حدث. *** في مكان آخر، في أحد المطاعم الفاخرة المخصصة للناس من ذوي الطبقة المخملية، نجد فتاة شقراء تجلس مع مجموعة فتيات. فهذه داليا زهران، ابنة عمة أدهم وأمجد.
قالت صديقتها سها: "إمتى هتتخطبي لأدهم يا داليا؟ أجابتها داليا بتعالي: "أدهم مش فاضي اليومين دول خالص. عنده شوية مشاريع هيخلصها، وإن شاء الله هنتخطب ونتجوز على طول." قالت صديقتها الأخرى أروى: "بس إحنا ولا مرة شفنا ليكي صورة معاه على غلاف مجلة، أو موجودة معاه في عشاء عمل مثلاً. المفروض إنك خطيبته، فلازم تكوني موجودة معاه." تاففت داليا من حديث صديقتها المحرج بالنسبة لها:
"إحنا دايماً بنتقابل، يعني مثلاً النهاردة معزومين على العشاء أنا وهو عند طنط سلوى، أم أمجد." قالت صديقتها الأخرى شاهي بنبرة واضح عليها الشماتة: "بيقولوا إنه كل يوم بيسهر مع واحدة شكل. وما بياخدهمش على القصر بتاعه، بياخدهم على شقة في الزمالك." خبطت داليا بقوة على الطاولة بتوتر: "الكلام ده كدب مش صحيح. كله إشاعات من المنافسين بتوعه." ثم أكملت داليا بضيق واضح: "هو ما فيش سيرة غيري أنا وأدهم ولا إيه."
وبالكاد استطاعت أن تغير الموضوع الذي سبب لها إحراجاً، فهي رأت نظرات السخرية المصوبة نحوها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!