تحسنت حالة محمود، لم يعد يستخدم العصا المعدنية في المشي، قدمه بدأت تستعيد عافيتها، بمقدوره أن يمشي بمفرده دون أن يستند على الجدار. كان يسلي نفسه بالطبخ، أحينًا معه أنه فاشل، فقد كان محمود عبد الدايم مثل الضابط والطبيب ووكيل النيابة والمستشار، والذي يعتقد أنه عندما يتحدث في أي موضوع كان على الجميع أن ينصت ويستمع، لأن السماعة الطبية والنيشان لابد أنها تعرف أكثر.
من خلفه كانت والدته تلقي كل الطعام في سلة المهملات، لكن رغبته في ترك المنزل واستعادة حياته كانت ميتة. كان هناك شيء ينقصه، الدافع، الدافع أن يمضي قدمًا، أن يستيقظ، أن يتحرك. لا أمل يسطع في الأفق. رغم أنه بدأ ينسى حنان تجريديًا، إلا أنه على ما يبدو حياته توقفت في نقطة ما. يوم سقطت سيارته في النهر وبدا أن الملل يأكل حياته وينخرها. وإنسان بلا أمل لا يستطيع أن يصارع الحياة أبدًا. والحياة لن تتركه في حاله.
الأيام لا تعرف الرحمة ولا تمتلك قلب. ابتعدت عنه لورا بعدما لم يتجاوب معها، كما أنها فقدت الشغف في الحصول عليه. بعد أن فقد ساديته أصبح بالنسبة لها شخص عادي، لا يصرخ، لا يتذمر. رحلت جاذبيته التي كانت تتوق إليها، لطالما تمنت أن تصفعه أو يهينها بطريقته المحببة، لكنه لم يفعل. كان معه مجرد وغد آخر مؤدب. كان ثروت قد تأكد من قتل كل أمل في روح حنان. عندما رأته يجرب مسدسه مرة سألته: "ماذا ستفعل؟
قال: "سأقتل محمود إذا اقترب منك." كانت تعلم أنه قادر على ذلك. بطريقة ما توصلا لاتفاق، حتى لو عادت حياة حنان لطبيعتها، فإنها لن تسمح بأي شكل لمحمود أن يقترب منها. نجح في ربط حياته مقابل حياتها ورضت بذلك. قال بالحرف الواحد: "سأصفح عنك، لكن أقسم إذا بلغت الشرطة أو حاولت الفرار أن أقتل محمود. حتى لو قبضت علي الشرطة، سأخرج، سأقتله وأقتلك."
سمح لها في البداية أن تتجول في الشقة ثم الذهاب للعمل. كان يراقبها وأبدت التزامها بقواعده. كان عليها أن تتخلى عن حياتها بكل متعها، حريتها مقابل حياة محمود ورضيت بقدرها. دبر لقاء بين لورا وحنان دون علمها طبعًا، حتى يمنحها حرية الاختيار. قالت لورا: "محمود يحتاجك يا حنان، وحياته انتهت بعد أن فقدك." قالت: "إنها ستساعدها، وأنها تدرك أن ثروت يعتدي عليها." حاولت استدراجها في الكلام، لكن حنان لم تشتكي.
قالت: "إن حياتها تمضي جيدًا مع ثروت، وأنه يعاملها بطريقة جيدة. ثم إنها بأي حال لا تنوي الرجوع لمحمود، إنه شخص مقرف وهي لا تحبه ولا تكن له أي عاطفة! "كيف تتوقعي أن أعود إليه بعد أن كان يضربني ويزلني؟ محمود وغد كبير، وغد كبير جدًا يا لورا، وأنصحك بالابتعاد عنه." "لكنه يحتاجك يا حنان، يمكنك أن تقابليه مرة واحدة، ثروت لن يعلم بذلك، على الأقل يمكنك رؤيته والاطمئنان عليه بعد الحادثة." "وماذا يعنيني؟ إن مات أو حتى شل؟
أنا امرأة متزوجة وعلي أن أصون زوجي. فليتعفن بموسيقاه الجميلة الغريبة، رسوماته الرائعة غير المفهومة، فليحترق بكل جاذبيته وجماله، فليذهب للجحيم." استمع ثروت لتسجيل المحادثة على هاتف لورا. بدا راضيًا عن محتواها، قال إنها ستؤدي الغرض، وطلب منها أن تطلع محمود عليها. استمع محمود هو الآخر لتسجيل المحادثة بتركيز كبير، وطلب من لورا أن يحتفظ بتسجيل المحادثة حتى لا يؤنبه ضميره فيما سيفعله لاحقًا.
صعد محمود لسطح المنزل، فعل قرص الموسيقى، أشعل لفافة تبغ وهو يحتسي فنجان قهوة. استمع لتسجيل المحادثة على مكبر صوت. كانت الممرضة حاضرة معها حينها، استمعت مثله للمحادثة. سألها محمود: "ما رأيك؟ قالت الممرضة: "محمود، حنان امرأة متزوجة وعليك الابتعاد عنها، لا تنتظرها." سألها محمود مرة أخرى: "ما رأيك بعيدًا عن ذلك؟ قالت: "المحادثة واضحة، حنان تكرهك، لكن هناك شيء لم أفهمه." "ما هو؟ " سألها محمود.
"فليتعفن بموسيقاه الجميلة الغريبة، رسوماته الرائعة الغير مفهومة، فليحترق بكل جاذبيته وجماله." ابتسم محمود: "إنها رسالة مبطنة." قالت الممرضة: "ماذا تعني؟ قال محمود: "خلاف كل المحادثة، هذه طريقة حنان عندما كانت ترغب بشيء غير الذي تقوله." "لم أفهم." قالت الممرضة. قال محمود: "حنان كانت مضطرة على قول تلك الكلمات. نبرتها التي أعرفها، حنان مرتعبه وخائفة من شيء ما. هناك أمر يؤرقها وعلي أن أعلم ما هو."
"صدقني يا محمود، أنت تعقد الأمور. نعم، تلك الجملة غير مترابطة مع المحادثة، لكنها لا تؤكد أي شيء." قال محمود وهو يحلق بالطريق أمامه: "أنا أعرف حنان وأفهمها. التي كانت تتحدث هنا ليست هي." "ألم تسألي نفسك لماذا قامت لورا بتسجيل المحادثة؟ هل أقنعتك تلك المبررات التي ساقتها من خوفها علي وحرصها على مصلحتي؟ "أنا أفهم النساء. هذه اللعينة لورا لعبت أكثر من اللازم، وربما حان الوقت لفتح بعض الدفاتر."
"انتظر على الأقل حتى تستعيد عافيتك. نعم، أحتاج للانتظار بعض الوقت، لكني قلق على حنان. هل يمكنك أن تفعلي شيئًا من أجلي؟ "أي شيء؟ " أجابت الممرضة. "قابلي حنان، اطلبي منها أن تقابلني." "بأي صفة؟ " سألت الممرضة. "ثم يمكنك أن تتوجه إليها بلا لف ولا دوران وتسألها بنفسك." قال محمود: "إن كان ما أفكر به صحيح، فهناك خطورة على حياة حنان. إذا سعيت لمقابلتها." همست الممرضة: "بماذا تفكر؟
"أخبرك، لكن ربما حان الوقت أن أستعيد روح الماضي التي غادرتني." "هاتف لورا، اطلبي منها أن تقابلني." "ماذا سأقول لها؟ "أخبريها أنني انهرت بعد سماع التسجيل، أنتحت وطوال الليل وأنا نائم أهلوس باسمها." "عليك أن تفهميها أنك قمت بالاتصال من خلف ظهري لأنك أشفقِتِ علي، وأنني سأذهب للشقة غدًا مساء." حنان!
أستجمع قواي وأحضر المائدة، أطبخ أنواعًا مختلفة. منذ أكثر من شهرين، وقبل أن يقيدني ثروت ويضربني، وشهيته مفتوحة على غير العادة. لا أعلم متى ظهر له هذا الكرش الذي يربت عليه وهو يدخن فجأة. أنا غير مهتمة، لكنه غريب. نبرته أكثر خشونة. أنا لا أطيق النظر إليه ولا سماع كلماته، لكن نبرته متغيرة أيضًا، أكثر خشونة. قبضته التي كانت رقيقة مثل فتاة أضحت قاسية، طالت أصابعه ك نقانق اللحم، معاملته جافة. أراقبه وهو يلتهم الأطباق كوحش بشكل مقزز. كم تغير ذلك الوغد؟
واضح أنه وحش حقيقي لا أعرفه. -محمود عندما أتانق أبدو وغد أنيق. أتحدى أي امرأة أن تصمد أمام جاذبيتي، فلدي كاريزما قادرة على إيقاع أي امرأة على معدتها والصراخ من الجوع. همست الممرضة بنبرة ساخرة: "انتهيت يا كازانوفا؟ محمود: "انتبه لتلك اللكزة الرقيقة على كتفي، اترك المرآة واستدر لأواجه أطيب وجه أعرفه. إنها تحبني وأنا أشفق عليها. لا أحد يمتلك قلبها، لكن قلبها أوقعها مع شخص تائه وضائع."
"اسمعي أيتها الممرضة اللعينة الجميلة، لو تخليتِ عن تلك المرطبات التي تلطخين بها وجهك لأصبحتِ أجمل؟ رفعت الممرضة يدها: "ليس من شأنك على فكرة، ولا من حقك أن تعلق على مظهري. أنا جميلة، أعجب نفسي، ثم أرجو ك لا تحرجني؟ "فكل فتاة ترغب أن تبدو جميلة. ليست مشكلتي عدائك مع أدوات التجميل! رفع محمود حاجبه، وهمس: "إنها فقط تشعرني أنك مزيفة يا توحا." انتفضت وجنتا الممرضة واصطبغت بالحمرة مثل قشرة بصل مستور: "متى سترحل؟ سعل محمود،
وهمس: "بعد قليل." الممرضة: "إذًا، أرجوك كن حذر. عاهدني أن لا تقترف حماقة." "سأحاول. عندما يتحرك الوحش بداخلي لا أتمكن من إيقافه يا توحا." ضحكت الممرضة ودعت: "الله يبعد وحشك عني يا محمود." "لا تقلقي، أنا لا أفكر فيك بتلك الطريقة يا توحا، أنتِ آخر إنسانة أفكر في ترويضها. لدي قواعد صارمة لا أتخلى عنها. وأنت؟ " وأشار بيده نحو وجهها ثم أردف بسخرية: "أدنى من توقعات." أغاظت الممرضة،
صرخت: "أنت سمج جدًا ولا تمتلك أي لياقة يا محمود؟ مقرف! "شكرًا توحا. أين لفافة تبغك؟ "تفضل." "وأنا أدلف تجاه الباب." لحقت بي الممرضة: "نسيت ساعتك؟ "اتركيها في مكانها، لم يحن وقتها بعد." "ستقود السيارة بمفردك، كن حذر، لا أرغب بحادثة أخرى تدفعني للمكوث قربك شهرين آخرين أيضًا." "حاضر." قدت سيارتي نحو الشقة، وصعدت درجات السلم، جلست بالصالة أنتظر. على حسب اعتقادي لن تتأخر لورا، يتوجب عليها ذلك.
سمعت جرس الباب، نزعت حذائي ومشيت أفتح الباب. "لورا؟ " قلت بأندهاش عندما رأيتها. "كيف عرفتِ أنني هنا؟ "مررت على منزلك، أخبرتني مديحة أنك بالشقة." "كان يمكنك أن تنتظري حتى أعود." قلت بنبرة خالية من المشاعر. "لكنك أنتِ لن تنتظري." ألقت نفسها في حضني، ضمتني، حاوطتني بذراعها. حملتها نحو غرفة النوم، ألقيت بها على السرير وغمرتها القبلات وأنا أشعر بالتقزز. همست لورا بدلال: "منذ متى وأنت ترغب بي وتخبي؟ "منذ شهرين تحديدًا."
"غريبة! " قالت لورا وهي تقبلني، ثم أردفت: "لم أشعر بتغيرك نحوي." "أنا شخص أنجح بإخفاء مشاعري عندما أرغب. لا تراهنين أبدًا على مقاومتي، ستخسرين! "متى كانت آخر مرة قابلتي ثروت؟ انتفضت لورا وارتعشت، ابتعدت عني وقالت: "منذ كنا بزيارتك لم أره." أشعلت لفافة تبغ ومجت منها باختناق: "لم أكن أدرك أن علاقتك به قوية يا لورا." "في طريق الحياة تتغير الخطط يا محمود." ابتسم: "متى كانت آخر مرة التقيت ثروت؟
"مممم، دعني أفكر، ربما منذ أسبوعين." رفعت يدي وصفعت لورا على وجهها، همست: "كاذبة." "ماذا، ماذا تفعلين؟ " صرخت لورا من المفاجأة. "أنا لم أفعل شيئًا بعد." قلت وأنا أصفعها مرة أخرى بكل قوتي على وجهها الرقيق. "عندما تكذبين على سيدك لابد أن تعرفي أنك ستنالين عقابك السريع الحازم." انتفضت لورا، ارتجف جسدها، لم تصدق ما يحدث. صرخت لورا بغضب: "محمود أنت اتجننت؟ "صفعة أخرى على وجهها وأنا أصرخ: "إجابة خاطئة."
"شعرك يعجبني يا لورا." قبضت على شعرها وجررتها خلفي نحو الأريكة. جلست على الأريكة وأجبرتها أن تجلس تحت قدمي. "انطقي يا قذرة، قولي الحقيقة إذا كنتِ تحبين سيدك وترغبين في بقائه." "قلت لك منذ أسبوعين يا محمود، توقف عن تلك الطريقة، أنا مش حنان." "لا تعجبك طريقتي؟ " همست في أذنها وأنا أضغط على وجهها بكل قوتي: "انطقي." حاولت لورا أن ترفع رأسها لكنني تعمدت تركها تحتي. "التقيتِ حنان؟ همست لورا: "لماذا تذكرها الآن؟
قلت إنها قصة وانتهت." انهمرت عليها قبلاتي: "أنتِ التي تغيرتِ يا لورا." "ماذا تقصد؟ " سألت لورا بقلق. "أعني منذ الحادثة وأنا أشعر بتغيرك. هل حدث شيء لا أعرفه؟ "لا تقول ذلك يا محمود، أرجوك، أنا لم أتغير، لا تقل ذلك مرة أخرى." كانت لورا قلقة بطريقة غريبة، حتى أنها فقدت رغبتها بقبلاتي، تجمد جسدها وأصبح بلا روح، أنفاس تتصارع في جوف ناي أسطوري مدفون تحت التراب. أشعلت لفافة تبغ وجلست على مقعد قرب لورا، وضعت رأسها بحضني.
قلت: "لورا، يمكنك أن تخبريني أن كان هناك شيء يزعجك؟ شردت في وجهي دقيقة، تأملت ملامحي، استشعرت قدر التغير الذي طالها. انحشرت تنورتها دون أن تشعر على وركها، كان هناك حرق حديث، لفافة تبغ سحقت في ساقها. لما لمحتني أحلق بساقها، رفعت تنورتها بسرعة، نهضت، قالت: "علي أن أرحل الآن." "لقد حضرتِ للتو؟ "سأنتقي مرة أخرى، لا تحاولي أن تهاتفني." صكت الباب خلفها وهبطت درجات السلم.
تنهدت بضيق، كنت أكره ما أفعله، الماضي الذي عدت إليه أمقته. نزلت خلفها بسرعة وتواريت خلف الجدار، ألقت بنفسها داخل سيارة كانت تنتظرها واختفت في الزحام. قدت سيارتي بسرعة جنونية خلفها حتى لمحت السيارة التي كانت تنتظرها ( سيارة ثروت) تبعت السيارة التي اخترقت الشوارع نحو منطقة هادئة تنهض خلالها منازل قديمة. ركنت السيارة على بعد شارعين، هبطا من السيارة وصعدا سلم بناية قديمة من أربعة طوابق.
لحقت بهم، قبل أن أصعد درجات السلم سألت الحارس وأنا أناوله ورقة نقدية من فئة 200 جنيه: "تعرفهم؟ نهض الحارس، بامتنان وهو يدس الورقة في جيب جلبابه قال: "الشقة بالطابق الرابع! سألته: "منذ متى؟ قال الحارس وهو يبتسم أكثر: "أكثر من شهرين تقريبًا." كل الخيوط تقودني لفترة معينة، قبل الحادثة بأيام وبعدها. صعدت درجات السلم بهدوء نحو الشقة القاطنة بالطابق الرابع. وضعت أذني على باب الشقة. سمعت صيحات ثروت وصرخات لورا.
ظللت دقيقة أفكر باقتحام الشقة، في آخر لحظة توقفت، استدرت وهبطت درجات السلم وأنا أسمع صرخات لورا. قبل رحيلي، قلت للحارس: "أنت لم تراني؟ " ومنحته ورقة نقدية أخرى. دس الورقة في جيبه وانتفض قائلاً: "من أنت أصلًا؟ أنا لم أرك." ابتسمت، ودعته. قدت سيارتي مرة أخرى بأقصى سرعة نحو بناية حنان، كنت أتذكر العنوان، لورا كانت قد ذكرته مرة أمامي. استوقفني الحارس، سألني: "أين تذهب؟ قلت: "شقة الأستاذ ثروت."
قال: "الأستاذ ثروت غادر منذ مدة طويلة." "وزوجته؟ " سألته. قال: "لا أدري، أعني أنها ليست مشكلتي." "وليست مشكلتك أن أصعد للشقة أيضًا؟ وأنا أصعد درجات السلم، أخرج الحارس هاتفه، سمعته يحادث ثروت. كانت هناك لوحة على شقة ثروت، طرقت الباب مرات عديدة لم أتلق رد. "زعقت أنا محمود يا حنان." سمعت حركة داخل الشقة لكن لم أتلق رد. واصلت الزعيق: "أنا محمود افتحي الباب من فضلك." أخيرًا اقتربت الخطوات من الباب وتوقفت خلفه.
قلت: "افتحي أنا محمود."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!