الفصل 25 | من 31 فصل

رواية عشق المستبد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
17
كلمة
2,512
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

كانت حاضرة معه يوم خرج من منزله أول مرة بعد الحادثة ليمارس رياضة المشي. أصرت عليه أن يرتدي بذلة أنيقة. كانت لحيته طويلة وشعره الناعم يغطي أذنيه، نحيف لدرجة مفزعة، لكنه بدا أنيق جداً. كان محمود عبد الدايم يتمتع بالأناقة عندما يرغب، لكنه قليل العناية بنفسه وكثير التفكر في التفاصيل الصغيرة منذ الحادثة. بعد أن انتهى من ارتداء ملابسه، حملق محمود بالمرآة. كان لا يزال وسيماً وأنيقاً. "حدق بالممرضة،

قال: أنا متخلٍ عن مساعدتك. لن أخرج بتلك الملابس، سأبدو فيها وغد أنيق ولن تتمكني من الدفاع عني! ضحكت الممرضة. كان أنيقاً حقاً. رغم ذلك، بدل ملابسه بأخرى رياضية، كان فيها أكثر وسامة. اتكأ على الممرضة، والتي تخلت عن زيها الرسمي وارتدت تنورة ضيقة وقميصاً أحمر. كان مظهرهما ملفت وجميل. لم يكن يكبرها بكثير، ومن كان ينظر إليهما كان يندهش. كان محمود عبد الدايم يرمق الطريق أمامه بصرامة، كأنه عدو أو مجرم على وشك الانقضاض عليه.

تذمرت الممرضة، قالت: "لماذا لا تبتسم؟ لا أرغب أن يظن الناس أنني أرغمك على السير معي." حاول أن يبتسم ليرضيها، ابتسامة باهتة مخنوقة جعلتها ترضى. منتصف درب الركض، قال لها: "انتظري هنا، سأعود فوراً." وقالت: "لن أتركك." قال بصرامة: "ستنتظرين هنا ولا تراقبيني. أنا أحذرك." رضخت. طلبته أن تتابعه وهو يعرج حتى اختفى خلف شجرة. عاد بعد مدة يتصبب عرقاً، يخفي يده خلف ظهره.

قَلِقَت عليه. ركضت لتسنده. أخرج من خلف ظهره وردة حمراء مدها لها، قال: "أشكرك لكل ما فعلتيه من أجلي." صمتت، ثم تنهدت وهمست بنبرة متأثرة: "أنت شخص رائع." اعترض محمود، رفع كتفيه بتذمر، قال: "أنتِ لا تعرفين حقيقتي." ثم تركها واجمة ساكنة وسار يعرج تجاه السيارة. تبعته بعد أن أفاقت من صدمتها. كانت سعيدة جداً وممتنة لتلك اللفتة الرائعة. جلس محمود خلف عجلة القيادة ينتظر الممرضة التي على ما يبدو كانت تفكر في أمر ما.

قالت الممرضة: "تنحي جانباً." رمقها بنظرة عذبة، قال: "ألا أبدو مذهلاً؟ قالت الممرضة: "تنحي." كانت نبرتها صارمة وكان يعلم أن لا فائدة من مجادلتها. رفع قدمه بيده وزحزح نفسه للمقعد المجاور للسائق، قال: "تفضلي." ثم أردف: "احرصي أن لا تقتلينا من فضلك، فهذا ما يحدث عندما تجرب الاعتماد على امرأة، إما أن تقتلك أو أن تقتلك." ورفع محمود عبد الدايم حاجبه ونظر من النافذة. تحركت السيارة ببطء.

قالت الممرضة: "تبدين مذهلة، لكن في المرة القادمة لا تجبريني على إرغامك." كانت الطريق مزدحمة بالسيارات، العربة تتحرك ببطء السلحفاة. أخرج محمود لفافة تبغ وضعها بفمه ومد واحدة للممرضة. دفعتها الممرضة بعيداً عنها، قالت: "تعلم أنني لا أدخن." همس محمود بنبرة لا مبالية: "لن أخبر أحداً، أعدك." لكن الممرضة أطلقت ابتسامة، قالت: "شكراً، لن أدخن." قال محمود عبد الدايم: "أعلم، لكن المرء قد يغير رأيه أحياناً، الحياة مقرفة."

كانت قد اعتادت طريقته في نطق الجمل غير المكتملة كأحجية يرغب منها حلها. همس محمود: "هل يمكنني أن أطلب منك شيئاً؟ قالت الممرضة وهي تحدق بالطريق أمامها: "أي شيء." قال: "أرغب برؤية مكان الحادثة حيث سقطت السيارة في النهر." قالت الممرضة: "ماذا تتوقع أن تكتشف هناك؟ إنها المرة الخامسة التي تطلب مني ذلك." قال: "أعلم، هذه المرة فقط. أشعر أن هناك شيء ناقص."

قادت الممرضة السيارة وتوقفت في مكان الحادث. نزل من السيارة، اتكأ على السور الذي كان لا يزال مهشماً. أخرج لفافة تبغ وأشعلها وهو يراقب مياه النهر الهادرة وفلوكة تفرد الشباك في الناحية الأخرى. راقبت الممرضة محمود عبد الدايم من مكانها دون أن تترك السيارة. تعلم أنه سيندفع الآن للمحلات المقابلة يسأل مرة أخرى عن هوية الشخص الذي دهسه بسيارته. عاد بعد دقائق، جلس في مقعده، لاز بالصمت. قادت الممرضة السيارة نحو المنزل.

"لماذا تفعلين ذلك معي؟ أعني أنك لست مضطرة لمساعدتي." قالت الممرضة: "هل تبدو لك فكرة بقائي في المنزل بينما تتسكع حضرتك بالخارج ممتعة؟ همس: "لا."

كانت تعلم أنه ممتن لها، كل أفعاله كانت تدل على ذلك. عندما حضرت للعمل كان صارماً جداً معها، دائم الصراخ والتبرم، تتحايل عليه من أجل أن يبتلع البرشام، أو أن تحقنه في العضل، كان يبرطم، يسب، يلعن في سره، يخبرها أنه لا يحتاج مساعدتها، يترك أي مكان يجمعهم بلا اهتمام. كان يرغب بالتخلص منها بأي شكل. لكنها من خبرتها كانت تتفهم ذلك. كل المرضى يصابون بنوبة عنيفة بعد الإصابات الطويلة الأمد والتي قد تتسبب في إعاقة. كانت تعرف أنه يفشل في التعبير بالكلمات عن ما يرغب به.

رغم ذلك، سرعان ما هدأت. تحول كل شيء بعد أسبوع من تبرمه. أرادت أكثر من مرة أن تسأله عن السبب، حتى أفصح لها مرة أنه كان يتوقع رحيلها بأي وقت. لكنها لم تفعل، لم تتخل عنه. لم تفهم تلك الكلمة، لم تطلب توضيحات، اكتفت بنظرة الامتنان بعد كل جلسة طبية تجمعهم معاً. ثم اكتشفت أنه شخص رائع. خلف ذلك القناع الذي يتملكه يوجد شخص طيب لا يرغب أن يخرج للحياة. بعد أن نزلا من السيارة، حاولت مساعدته. رفض،

قال: "سأحاول أنا تلك المرة." سارت خلفه وهو يعرج على قدمه، يستند على الجدار، يتصبب عرقاً. عندما انفتح باب المنزل، أخبرته والدته أن هناك ضيوفاً ينتظرونه بالصالة. كانت لورا تجلس بجوار ثروت تهمس له بعض الكلمات، سرعان ما لزمت الصمت فور رؤيته. رحب محمود بثروت، شكره لتكبد عناء زيارته.

اعتذر ثروت عن تأخر زيارته، أقسم أنه لم يعلم بالحادثة إلا منذ يومين عن طريق لورا، وأن سبب تأخره عن زيارته يعود لحنان. كان يحاول إقناعها زيارة محمود معه، لكنها رفضت. تنهد ثروت متولي بعمق وآسى، ثم همس: "أنا آسف، لكن حنان تكرهك." سعل محمود، قال: "إنه يتفهم كل ذلك ولا داعي للاعتذار." سأله ثروت: "كيف حالك؟ قال محمود: "لا أزال حياً، لن أموت قبل أن أنتقم من ذلك الوغد الندل الذي صدمني بسيارته." أبدى ثروت أسفه،

قال: "إنه يضع نفسه تحت خدمتك إن كنت ترغب بمساعدته." طلب منه أن لا يضعه في خانة واحدة مع حنان، وأنه فعلاً يرغب بمساعدته. "لي فقط ما ترغب مني بفعله لفك ألغاز تلك القضية، لابد أن ينال المجرم عقابه! قال محمود بعد أن شكره: "إنه ثائري وحدي، لن أورط أي شخص آخر في ذلك." "وحدك؟ " تساءل ثروت متولي بسخرية. "أنت بالكاد تستطيع أن تمشي يا محمود." وربت على كتفه. "أرجوك اسمح لي بمساعدتك."

"شكراً لك." قال محمود. "أنت فعلاً شخص رائع يا ثروت." "أكثر مما تتصور." نطقت لورا. "لقد أصر أن يحضر لزيارتك دون تأخير. كنت أنا من طلبت منه أن يتريث، كنت ملزمة ببعض الأعمال." قال محمود: "شكراً لك لورا. ستتناولون الطعام معاً؟ اعتذر ثروت، قال وهو يبتسم: "لا أستطيع، حنان لن تغفر لي ذلك، على المرء أن يخشى زوجته طبعاً."

رحل ثروت، بينما تناولت لورا معهم الطعام. كانت الممرضة تجلس بجوار محمود، كانت تفكر بصمت، شارده. لاحظ محمود ذلك. "ما بك؟ " سألها. قالت: "لا أعلم. إنه فقط، هذا، أقصد ثروت، لا يبدو لي شخصاً طيباً." ضحكت لورا وتبعها محمود. قالت لورا: "ليس طيب؟ إنه لا يستطيع التبول قبل أن يطلب إذن حنان، شخص هش، مذبذب، حنان تذيقه الويل. لكنه يحبها. عندما يحب المرء يتحمل من أجل من يحبه." قال محمود: "فعلاً شخص طيب، مسالم."

ثم همس للممرضة وغمز بعينه: "سناقش ذلك لاحقاً." قالت لورا: "تعلم أنني بجوارك دائماً يا محمود، لا تعتقد أن المسافات تشكل فارقاً بيننا. بأي وقت تحتاجني فقط هاتفني." نهضت الممرضة وتركت الطاولة نحو غرفتها. قال محمود: "أنا حقاً ممتن لك لورا، من النادر أن تجود علينا الحياة بأصدقاء حقيقيين." "أصدقاء؟ " نهضت لورا وضربت الطاولة بقبضتها. "لا تزال تقول أصدقاء؟

" طار الحساء ولطخ مفرش الطاولة. "محمود، عليك أن تنساها، حنان لن تعود لك مرة أخرى، ماذا تنتظر! قل لي؟ لماذا تصر كل مرة أن تبعدني عنك؟ ما الذي يميزها عني؟ رمقها محمود بعيون تائه، قال: "لا شيء." "ماذا إذاً؟ لقد مللت من انتظارك. قلت نزوة وتمر، لكنك غارق في الماضي، الماضي سيقتلك." قال محمود: "أنا لم أطلب منك أن تنتظريني." زعقت لورا: "لكني أحبك! هل يمكنك أن تفهم ذلك؟ أحبك!

أشاح محمود وجهه للناحية الأخرى معلناً نهاية المحادثة. خطت لورا بعصبية نحو باب الشقة، توقفت، التفتت نحوه وهمست في سرها: "تستحق ما يحدث لكما." ثم صكت الباب بعنف واختفت. "انتهت وصلة العشق؟ " سألته الممرضة وهي تعود لمقعدها مرة أخرى. "يا أخي، تخلص منها. أنا لا أعلم لماذا تصدع نفسك." قال محمود بثقة: "إنه لمن الرائع أن تجد شخصاً يحبك وترفض حبه. إن وجود أنثى محبة جوارك قادر على تغيير أي شيء."

قالت الممرضة: "أنت شخص نرجسي مخادع. ما الرائع في ذلك؟ لماذا تتلذذ بألمها؟ قال محمود بنبرة غاضبة: "عليك أن تفهمي أنني لم أطلب ذلك. قلت لها بوضوح أنني لا أرغب بها." "متى كان ذلك؟ " سألته الممرضة. قال وهو ينهض من مكانه نحو المطبخ: "صباح يوم الحادثة." "تشربين قهوة؟ قالت الممرضة: "متشكراً." زعق محمود مرة أخرى: "تشربين قهوة؟

قالت الممرضة: "أنت كل مرة تفسد القهوة ثم تطلب مني أنا أن أصنعها من أجلك. أنا محتارة، أنت لا ترغب بالتعلم، أم أن قهوتي تعجبك وأنت تتعمد ذلك؟ قال محمود: "أحاول أن أتعلم وقهوتك تعجبني." قالت الممرضة وهي تنهض نحو المطبخ: "هذه لا يمكن أن تكون إجابة. أنت ممل جداً." قال محمود وهو يصعد درجات السلم نحو السطح دون أن يدير ظهره: "لا تتأخري، أنا أنتظرك."

قالت الممرضة: "ليس لديك حل آخر. من الشهر القادم ستحدد لي راتبين، أنا لن أصنع القهوة بالمجان." "تقولين ذلك؟ " قال محمود بصوت بالكاد سُمع وهو يرفض بأي شكل أي علاوة فوق راتبك؟ قبل أن يردف: "غبية فعلاً." في العلية، فعل محمود عبد الدايم قرص الموسيقى ورفع ساقيه على المنضدة. كانت شمس العصاري تنشر ضوءاً ضعيفاً دافئاً ومنعشاً. قربت حاملة لوحة الرسم، طلب من الممرضة التي حضرت للتو تحمل صينية القهوة.

همست الممرضة: "قلت لك مائة مرة أنا لست رسامة." "قربي اللوحة." أمرها محمود بنبرة صارمة. "لا تحمل إختياراً." استجابت، كانت تعجبها طريقته بشكل لافت. تناول فرشاته وراح يرسم. وهي ترتشف قهوتها، تابعته بصمت قبل أن تسأله: "ألن تخبرني ماذا ترسم؟ قال محمود: "لوحة." قالت الممرضة: "لوحة؟ تصدق غريبة؟

لم يضحك على مزحتها. كانت تعلم تلك النظرة في عينيه عندما يشرد، نظرة من يفتقد شخصاً ولا يطيق الحياة دونه، من يخاف أن يبتسم فيشعر بالخيانة. كان ثروت قد وصل للتو عندما دلف لغرفة حنان. شد مقعداً وجلس جوارها. "قل لم يمت." انتظر أن تنطق حنان، لكنها لم تفعل. كان تدرك أنه سيضربها على أي حال، لكنها لا ترغب أن تمنحه الدافع. "يعرج على قدمه مثل أبو قردان. يقول إنه يعيش على أمل أن ينتقم من الشخص الذي دهسه بسيارته. هل تصدقين ذلك؟

"لم يمت من سوء حظه. ما سأفعله به أصعب من الموت مرات كثيرة." "لا تؤذيه أرجوك." "نطقتي؟ كنت أظن أنك ابتلعت لسانك. تحبينه؟ قولي لن أضربك." "لا أحبه." "كاذبة." وركلها بقدمه. تكوّرت على نفسها وجسدها يرتعش. "سأفعل ما ترغبين به لكن أرجوك لا تقتله! "من قال إنني سأقتله؟ لا توجد متعة في القتل. الخائن عليه أن يتعذب مثلك." "افعل بي ما تشاء لكن أرجوك اتركه بحاله." "سأفعل بك ما أشأ وبه أيضاً يا بنت......

حتى قبل أن يضربها صرخت حنان. حاولت أن تستجديه، قالت: "اليوم حضرت صديقتي من العمل، طرقت باب الشقة لم أرد. يمكنك أن تسألها، أقسم لك لم أ... صرخت. نحنح في مكانه، ابتسم، ربت على كرشه، أشعل لفافة تبغ، قال: "أنا أنتظر. أنتظر لورا أن تخبرني أنه يحبها حينها يمكنني أن أنسى تلك القصة، لكن اللعين يفكر بك. ما الذي يعجبه بك؟ انطقي يا عاهرة! استسلمت، أغمضت عينيها والركلات تنهمر على معدتها. منذ أسبوع عينها متورمة، عظم صدرها مشتعل.

أرادت أن تموت، أن تنعم بالسلام. فقط. "قطع وشارك القصة من فضلك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...