فتحت عيني بعد مدة قليلة. كنت مقيداً بالمقعد. تقى رحلت. بكل قوتي صدمت المقعد بالجدار. تهشم جزء منه. قبل أن أرتطمه مرة أخرى، حل قيدي. الربطة لم تكن محكمة. تقى تعمدت ذلك؟ دفعت باب غرفة القبو وخرجت. عبرت الشارع للجهة الأخرى في اللحظة التي دلف فيها ثروت وشخصين آخرين لداخل الغرفة. بحثت عن سلاحي، الطبنجه. لم أجدها. كانت تقى أخذتها قبل رحيلها. تواريت خلف شجرة وكنت لازلت أشعر بالصداع.
خرج ثروت بعد دقيقة وهو يسب ويلعن ويرفع يده بعصبية. ركب سيارة ربع نقل وهو يصرخ: "أمروا رجاله أحضروا لي تلك العاهـ _ـرة". كان يعني أخته. هاتفت مديحة في محاولة بائسة قد تبدد شكوكي. "من يتعلق بابتسامة فتاة خائنة قد تجعل صباحاتك أجمل؟ سمعت أنين، سعال، آهات، آهات. بلا كلام. تخيلتها غارقة في دمائها، منبطحة على الأرض تصارع الموت. ينفر الدم من عروقها.
ركضت نحو سيارتي التي تعمدت إخفاءها في مكان بعيد. ألقيت بجسدي المترنح خلف عجلة القيادة وانطلقت. كان باب الشقة مفتوحاً. وجارة مديحة الجميلة ميرفت منحنية عليها تبكي. دفعت نحوها. أحنيت رأسي حتى انطبقت على صدرها. أتاني نبض ضعيف يترجى الحياة. حملتها بين يدي وهبطت درجات السلم. كان عيونها مفتوحة، مستسلمة. تحملق بوجه مرتعب. هربت الدماء منه. كافحت حتى رفعت يدها وأزاحت شعرة بأصابعها من على جبهتي قبل أن تبتسم.
"أنت حمقاء لعينة، لكن أرجوكي لا تموتي؟ " صرخت وأنا أرقدها في المقعد الخلفي. انطلقت بسيارتي. أزعجت المارة ببوق السيارة. أسب وألعن كل من يعترض طريقي. "حمالة! " زعقت على آمن المشفى وأنا أخرج مديحة من السيارة. حملتها مرة أخرى بين يدي. وضعتها على الحمالة ودفعت بكل قوة نحو المصعد. لحظات ووصلنا ممر طويل. كنت أصرخ حتى هرع الأطباء نحوي. أدخلوها غرفة الجراحة وصكوا الباب في وجهي.
من خلال الزجاج رمقتها فاقدة للوعي تحقن بالمحاليل، وأنا أدعو: "لا تموتي، لا تموتي". تهالكت على مقعد ووضعت رأسي بين يدي. أضربها بقسوة. أفزعت طفلاً كان في حضن والدته. يمر الوقت، لا يمر الوقت، لكنها تمضي رغم قسوتها. زرعت الرواق مئة وخمسين مرة جيئة وذهاباً قبل أن تخرج ممرضة تركض نحو أحد الغرف وتعود مسرعة. أمسكت بتلابيبها من الخلف. كانت الدموع تنهمر على وجهي. قلت: "لا تسمحي لها بالموت، أرجوكِ".
نحت الممرضة يدي جانباً. أجلستني على المقعد بلطف. قالت: "لا تقلق، إنها بخير". قلت: "اللعنة، ماذا تعني إنها بخير؟ إننا بخير! إنها لا تعني أي شيء. لا، أننا لسنا بخير ولن نكون بخير أبداً. رغم ذلك نحن بخير رغم عنا". "حقيقي، هل يكفي أن تكون بخير؟ قالت: "أرجوك اهدأ، أنت تعطلني عن عملي. ما تفعله ليس له معنى". "ما يأتي متأخراً لا يعني أي شيء". استسلمت. تكورت على نفسي. أخرجت لفافة تبغ وأشعلتها تحت يافطة تقول "ممنوع التدخين".
دهست عقب لفافة التبغ بحذائي على البلاط الذي ينضح بالمعقمات. تحت مراقبة عيون عامل نظافة يحرك مساحته بآلية مملة. وأخرجت واحدة أخرى قبل أن أشعلها. خرج طبيب خمسيني، عملي الملامح. قال وهو يخطو نحوي: "أطفئ السيجارة من فضلك، أنت تخالف التعليمات". "كيف حالها؟ " سألته وأنا أمج من سيجارتي. نزع لفافة التبغ من فمي، سحقها بالجدار. حدق بي وقال: "ستكون بخير. قتلك نفسك بلفافات التبغ لن يساعدها".
أفرغت دفعة من دخان أزرق في وجه الطبيب. كانت في رئتي. حملقت به. "قل إنها ستعيش؟ قال: "ستعيش. حالتها مطمئنة. تعرضت لضرب مبرح، كسر بعض الضلوع. كان هناك نزيف داخلي وشبهة ارتجاج في المخ. لكننا تداركنا الأمر". "يمكنني رؤيتها؟ فكر الطبيب لحظة ثم نادى على ممرضة وقال: "من على الباب". "طوال عمري أرمق الأشياء من على الباب ولا مرة تجرأت ودخلت. قلت: لن تكون أول مرة". كانت مضجعة، صدرها يرتفع ويهبط بسكون. جسدها ثابت لا يتحرك.
قالت الممرضة: "إنها تحت تأثير التخدير. لا تقلق". "حبيبتك؟ " سألتني. قلت: "أن لا أحب. لم أحب. لن أحب. إنها تعني لي أكثر من الحب". قالت مستفسرة: "هل هناك أكبر من الحب؟ قلت: "أجل، هناك أجمل من الحب وأنقى. الحب مجرد لعنة تجعل بعض البشر الضعفاء يعتقدون أنهم بحال أفضل قبل أن يتخوز _قوا". قالت: "أنت غريب جداً! "لست أكثر غرابة منك. من يحب يرى الأمور بطريقته ويرغب من كل العالم أن يتبعه".
حدقت بوجهها: "أنتِ مثلاً تحبين ذلك الطبيب هناك". وأشرت لشاب يخرج في ردائه الأبيض من غرفة مديحة، متعرق الوجه كأنه كان في ماراثون ركض. "لكنه لا يبالي بك". امتعضت قسمات الممرضة. قالت بغضب: "أنت وقح! ثم كيف تفكر في تلك الأمور وحياة أحدهم على المحك؟ قلت: "لأنني إنسان غريب جداً". "وأنتِ مخدوعة". "اذهب". صكت باب غرفة العناية الفائقة وأمرتني بجلافة أن أرحل.
قالت: "إذا لمحتك تدخن مرة أخرى هنا سأطلب من الأمن أن يلقى بك خارج المشفى". قلت: "رويدك يا مخدوعة، أنا راحل، راحل إلى بعيد بلا مشاكل". تعصبت الممرضة. صرخت: "هذا ليس منصف! ليس من العدل أن تصب لعناتك وعقدك على شخص آخر لمجرد أنك منزوع الأمل أو تشعر بالقرف؟ أومأت برأسي. قلت: "معك حق. أعتذر، أنا آسف. علينا أن نحتفظ بأوجاعنا داخلنا ولا نزعج بها الآخرين مهما كانت درجة قربهم منا". "مع ذلك أنت مخدوع".
"لا فائدة". قالت وهي تهرول مبتعدة. قبل أن تدلف غرفة الممرضات القريبة سمعتها تشهق وتبكي. "قمة اللا إنسانية إذا كنت تشعر أنك لست بخير وأنك لست على ما يرام أن تحول يوم ما شخص آخر لنفس حالتك". "لكني كنت أحتاج ذلك. أن أفرغ كتل لهب الإحباط التي تتلوي بداخلي وتلسعني قبل أن أنهار. أن أحمل شخصاً آخر خطيئتي الكبرى، حماقاتي، هزائمي". فتحت مديحة عينيها بعد أربع ساعات. بدت بحالة جيدة فعلاً بعد أن ضمدوا جراحها وجبروا كسور جسدها.
كانت في غفوة عندما لكزتني الممرضة التي أهنتها للتو. قالت بنبرة صارمة: "إنها تطلبك". "لماذا لم تخبرينا أنها زميلتنا؟ قبل أن تشرعي في وصلة فلسفتك الحياتية المملة؟ "تفضلي". فتحت الباب وتركتنا بمفردنا. سحبت مقعداً وجلست جوارها. قلت وأنا أعاينها: "أنتِ بخير؟ قالت مديحة: "الحمد لله. أخبروني أنك كنت منهاراً بالخارج". ابتسمت: "أنا لا أنهار أبداً يا توحا. إذا أخبروك بذلك وكان حقيقياً عليك أن تدركي أنني حينها سأكون ميتاً!
"تعلمين لماذا؟ "لأنني امرؤ وحيد، متمرغ في الوحدة، ليس لدي أي شخص أتعلق به أو يمد لي يده. أنا شخص لا يطاق يا مديحة، ولا نية لدي أن أمرغ شخصاً آخر في بركة وحل". قالت مديحة: "لن أجادلك الآن، فأنا متعبة جداً. أرجوك لا تغضب عفاف مرة أخرى؟ "عفاف؟ "الممرضة يا محمود، إنها غاضبة جداً منك! "أردت أن أفتح عينيها قبل أن يتكبد قلبها خسارة فادحة. فمذابح الحب لا يعاقب عليها".
"تبدين مثالية جداً يا محمود لدرجة مهينة. أنت تعلم أنك خلاف ذلك؟ "لست مثالياً ولا أحرص أن أكون مثالياً، لكني أقول الحقيقة التي يرفضها البعض، فلتتعفن المثالية في بطون الأوغاد". "سأعتذر لها، تستحق ذلك، لن أفتح عينيها رغم أنفها". "تفتح عيني على ماذا؟ استدرت. كانت الممرضة عفاف واقفة على باب غرفة العناية الفائقة تستمع لمحادثتنا. "تتجسسين علينا؟ "أقوم بعملي. شخص مثلك لا يمكن توقع أفعاله، ربما تقتلها؟ "لا أستطيع الضحك".
قالت مديحة، محمود، وغمزت بعينها: "يعني حان الوقت لتبدو كائناً بشرياً طبيعياً". قلت لعفاف: "اعتذر، أنا آسف. تعديت حدودي معك، كانت محادثة هلامية لا محل لها. أبدي ندمي وأعدك أن لا أتطفل على قلبك مرة أخرى أو أتسلق في طرقه". "هل فعلت ذلك بطريقة صحيحة؟ " سألت مديحة. قالت: "نوعاً ما، لكنك لازلت وقحاً. أنت بارع جداً في فعل الشيء وضده في نفس الوقت". سألت الممرضة: "هل هذا كاف؟
قالت: "ليس قبل أن تطلعني كيف استنتج عقلك الفذ أنني أحبه؟ وكيف سمح لنفسه التسكع في طرقات قلبي؟ رفعت يدي بتذمر: "علينا أن نتفق أن ما تطلبينه ليس أمراً هيناً، وأنك قبلتي اعتذاري السابق، وأن أي توضيحات أخرى ستكون نابعة من داخلي أنا ولست مجبراً على ذلك؟
"قبلت اعتذارك. بريق عينيك وأنت تحملقين به كأنه أينشتاين. رقتك وأنت تدفعين إليه مشارط الجراحة وغشوميتك مع الآخرين. انحراف بؤبؤ عينيك بدرجة تسعين درجة وأنت ترمقينه بطرف عينك. وقفتك المضطربة، تحميلك على القدم اليمنى واهتزازها، رغبتك في توقع كلامه قبل أن ينطقه. ملاحقة عينيك له في كل حركة يقوم بها. لمسك طرحتك كلما نظر إليك نابع من رغبتك في الإحساس أنك جميلة بقدر كافٍ في عينيه. شرودك، توهانك في تفاصيله".
همست مديحة: "أنت بقيت لم تكن قلقاً علي فعلاً؟ كنت تراقب عفاف وأنا ملطخة بالماء على وشك الموت وعظام جسدي مكسرة؟ "تعلمين يا مديحة أن لي عاداتي التي لا تتبدل مهما كانت الظروف". "انتظري يا مديحة". "ماذا أيضاً؟ "كيف أدركت أنه لا يحبني؟ "ليس الآن أنسة عفاف". قلت وأنا أغادر الغرفة: "أحتاج لفافة تبغ". "أعتني بمديحة من أجلي ولا تسمحي لأي شخص غيري حتى لو كان والدها أن يدخل غرفتها".
هذه قصة لعينة، مهلكة. عليها أن تنتهي بأي شكل قبل أن ينفجر عقلي. الشارع خالي من المارة. الساعة تشير لمنتصف الليل. قدت سيارتي تجاه المقابر التي دفنت فيها عائلة ثروت. كانت قريبة، مسافة نصف ساعة. كنت هناك. قلت لحارس المقبرة: "هل ترغب بألفي جنيه نظير خدمة بسيطة؟ قال الحارس الذي استيقظ من النوم للتول: "لا أبيع أي جثة". وضعت النقود في كفة يده لإسعاده على الاستيقاظ. "لن آخذ أي جثة إلى منزلي. قدني لمقبرة آل عبد الحميد".
"العائلة التي احترقت". سحب الحارس قنديل ومشى أمامي في درب يخترق المقابر حتى وصلنا لمقبرة تنحت جانباً عن الصف. قال الحارس: "لم أفتحها منذ وقتها". قلت: "حان الوقت أن يشتموا الهواء". أحضر الحارس معوله وفتح المقبرة. قال: "لن أنزل معك، سأنتظر هنا". "تتذكر كم جثة؟ " سألته. قال: "أربعة". حملت القنديل لأحت. كانت الأكفان مرصوصة إلى جانب بعضها. بقايا حياة لأناس لا أعرفهم.
قلت وأنا أفتح الأكفان: "التعدي على حرمة الأموات جريمة. من حسن حظي لا يمكنهم الاعتراض". أول كفن كان الوالد على ما يبدو. الثاني الوالدة. الثالث والرابع لشابين. "الآن تأكدت أنه لم يقفز من القبر على الأقل. هذا الملعون لم تلتهمه النيران ولم يدفن أصلاً". كان من الصعب تحديد ملامحهم بعد طول تلك المدة. الحل الوحيد للتثبت من هويتهم إعادة تشريح الجثة وهذا أمر مستحيل. صرخ الحارس: "اخرج بسرعة من عندك".
حملت القنديل وخرجت من المقبرة. قال الحارس: "أنت مراقب. كان يقف هناك". وأشار بيده لنقطة خارج المقابر. "منذ متى؟ " قلت. "منذ حضورك. ظننته في البداية تخيل حتى تحرك ببطء فأدركت أنه شخص". "كم عمره؟ "من الصعب تحديد ذلك، لكنه فتى ربما في العشرين من عمره". "ارحل من فضلك قبل أن يبلغ الشرطة". غادرت المقابر وأنا أفكر في كلام الحارس. "فتى في العشرين من عمره، ماذا يعني ذلك؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!