تحميل رواية عشق المستبد بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خلي سلمى على عريسك يا حنان. مكسوفة ولا إيه؟ بوست إيد حماتي، اللي كانت صاحبة والدتي الله يرحمها، واللي بفضلها أنا خرجت من العذاب اللي كنت عايشة فيه مع زوجة أب قذر لا ترحم. همست حماتي، اللي كنت بقولها يا والدتي: "أنا كنت فاكرة إني هعيش معاكي في البيت؟" قالت حماتي بصوت واطي: "محمود أصر إنه ياخد شقة بعيدة عن البيت." قلت لها وأنا مرعوبة: "بس انتي عارفة إن محمود مش بيطقني، واتجوزني عشان يرضيكي؟" همست حماتي: "وريني شطارتك بقى، انتي عروسة زي القمر، البسي له حاجة حلوة، خليه يلتحلح كده." دخلت الشقة وقلبي...
رواية عشق المستبد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
سبت التليفون يقع من إيدي على السرير. حسيت نفسي مخدرة وغير راغبة في القيام بأي حركة. قبضت على صورته المستبدة والمستفزة، والتي لا تخلو من غرابة، وأغمضت عيوني. ربما في الحلم ألاقيه وأنتقم منه.
بس مكنش حلم ولا حاجة. أول ما فتحت عيني الصبح، لقيت مكالمة فائتة من محمود، كانت بعد منتصف الليل، بعد نومي بأقل من 15 دقيقة.
إرتعشت إيدي وقاومت شعور بالفرحة يكاد يتملكنى. إحساس سرعان ما تحول إلى قلق أن يظن محمود تعمدي عدم الرد عليه.
قضيت دقائق في اضطراب بين فضول ورغبة. فضول لسماع صوته ومعرفة السبب اللي خلاه يتصل بيا، ورغبة في معرفة ردت فعله لعدم ردي عليه حتى لو كان غصب عني. جزء داخلي كان يشعر باللذة لأنني رددت له واحدة من إهاناته، ولو حتى عن طريق الصدفة.
بصيت في الساعة، كانت 8 صباحًا. محمود لسه في طريقه للشغل. وقلت: هستنى نص ساعة كمان.
الساعة تسعة الصبح اتصلت بيه. رد في المحاولة التانية وتفاجأت إنه لسه نايم على السرير. صوته كان بيقول كده.
رد بصوت ضعيف، واهن، ونبرة مستفهمة:
"حنان؟"
قلت:
"أيوه، أنت اتصلت بيا امبارح بعد نص الليل وأنا كنت نايمة. كنت عايز حاجة؟"
تنهد وأطلق أنة ضعيفة وهمس:
"يمكن ضغطت على أزرار التليفون غصب عني وأنا نايم."
بعدها سعل، وكان واضح إنه مريض.
سألته:
"أنت كويس؟"
قال:
"أنا بخير الحمد لله، شكرًا لك."
تأكدت إنه مريض. وقبل ما أعرض مساعدتي، همس بنبرة صارمة:
"عايزة حاجة؟"
قلت:
"لا شكرًا."
قال:
"طيب سلام."
"سلام."
قلت في سري وأنا متغاظة من نفسي. وأنا مالي، إن شاء الله يموت.
معدتش خمس دقايق وأنا قاعدة في الصالة ولقيت نفسي ببتسم. استحالة محمود يكون اتصل بيا عن طريق الخطأ أو غصب عنه زي ما بيقول. محمود مش بيعمل حاجة غصب عنه. بس اللي زي محمود بيكون شخص اندفاعي، ولما الحاجة تعدي وقتها يبقى فايدتها خلصت بالنسبة ليه.
حطيت صباعي على دقني وهمست:
"يا ترى محمود كان عايزني في إيه؟"
الظهر وأنا قاعدة قدام التليفزيون، حماتي قالت:
"معلش يا حنان، هتروحي الشقة عند محمود تجيبي حاجة كان مشتريهالي وبيقول مش هيقدر يجيبها وأنا مش بقدر أقعد من غير بن."
قلت:
"ولا يهمك يا ست الكل. أنزل أشتري لك أحلى بن وأرجع."
حماتي بصتلي بضحكة:
"بقولك عند محمود في شقتكم. ما أنا أقدر أنزل أشتري، بس محمود عارف النوع اللي بحبه."
نفخت بقلق وغضب. دخلت غرفتي ومعرفتش ألبس إيه.
اخترت جيبة بلون الحلبة ماركة لوي فيتون، وقميص أحمر من ديور، وكوتش موف من Fendi. كان محمود أهداهم ليا بعد الجواز. ورشيت برفاني المفضل، لانك أود بويك. وقفت قدام المراية. حتى لو كنا أعداء، لا شيء يمنعني من الاعتناء بنفسي. وددت أن أكون في غاية الأناقة والجمال، وجددتني أفعل كل ذلك لأبهرَه، لأبدو جميلة رغم عنه.
وصلت الشقة. خبطت على الباب. صرخ محمود:
"مين؟"
قلت:
"أنا حنان."
قال:
"افتحي وادخلي."
قلتله:
"أنا مجبتش المفتاح معايا."
فتح الباب. كانت لحيته كلها رغوة ولافف فوطة حوالين رقبته. كان بيحلق دقنه.
رفع حاجبه ومسحني من فوق لتحت وابتسم. بعدها قال بنبرة مستفزة:
"نسيتي مفتاحك ليه سكرانة؟ ادخلي."
دخلت شقتي وحسيت إني غريبة لدرجة إني فضلت واقفة لحد ما قال لي:
"اقعدي."
أو إني كنت مستنية أمره.
قعدت وقلت له:
"أنا، أنا جاية آخد البن لحماتي."
أطلق ضحكة صفراء وهو ماشي ناحية الحمام، وهمس بصوت واطي:
"هو البن محتاج الجمال ده كله؟"
صرخت بقول إيه؟ مش سمعاك؟
رد:
"مش بقول حاجة. اعملي شاي على بال ما أحلق دقني."
قلت:
"بس أنا مستعجلة!!"
أها، ورزع باب الحمام ورجع ناحيتي.
"وراكي إيه إن شاء الله أهم مني؟"
ورفع إيده بتهديد.
قلتله:
"طيب احلق دقنك ونتكلم."
قال:
"لسه كنتي مستعجلة؟"
قلت:
"معلش الكلمة خانتني."
حلق دقنه وعملت الشاي. ولع سيجارة.
"أنتِ جاية تاخدي البن لماما، صح؟"
قلت:
"أيوه."
قال:
"البن تحت الكنبة في الكيس، وطّي وخديه."
نزلت على ركبي وبصيت على الكيس اللي كان تحت محمود وورا رجليه تحديدًا.
قلت:
"ممكن من فضلك تحرك رجليك شوية؟"
همس:
"إيه؟"
قلت بجزة على سناني:
"يا سيدي."
ابتسم ابتسامته الصفراء المغرية وقال:
"لأ، ثم هي رجليّ موحشتكيش؟"
قلت بسرعة ودون تردد:
"لا."
ثم مسك دماغي ورمى التحجيبة ومسك شعري.
"بوسي رجلي يا حنان."
قلت بثبات:
"لا، أنا راجعة عند حماتي."
همس:
"أها جميل، ما أنتي بتعرفي تعترضي أهو."
وضغط بإيده على دماغي لحد ما بقى لمس رجله.
"صرخ: بوسى يا..."
بلعت ريقي وحاولت أرفع راسي، لكنه ضغط أكتر لحد ما بوقي لزق في رجله.
"بقولك بوسى بدل ما..."
فتحت بوقي وبوست رجله. فضغط أكتر، بقى لزق في رجله.
رواية عشق المستبد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
في طريق رجوعي ناحية بيت حماتي، كان طعم الإهانة لا يزال في فمي. شعري المقصف يؤلمني، وآثار أصابعه حول عنقي تركت بقعاً وردية تشبه الكدمات. لم يضربني محمود تلك المرة، فقسوته كانت من نوع آخر. لقد تعمد إذلالي بطريقة غريبة ومستحقة، كأنني ملكة. ولأنني ملكة، لم أتمكن من الرفض. شلت الكيس وطلعت به شقة حماتي.
حماتي شكرتني وسألتني: "اتأخرتي ليه؟" وهي تغمز بعينها غمزة ذات معنى. قلت: "كنت بطبخ لمحمود، كان لازم أخلق كذبة." لأنني عاهدت نفسي أن أبقى فمي مغلقاً كما لمح ذات مرة، ليس خوفاً منه، ولكن لأن البوح ملوش فايدة.
"هو محمود مقلكيش خليكي معايا؟ الواد ده مشتاقش لمراته؟ انت زهقتي مني ولا إيه يا فوفا؟"
"لا أبداً والله يا بنتي، دا أنا كان نفسي محمود يعيش معانا، لكن دماغه ناشفة ومعرفش ليه أخذ القرار الزفت ده إنه يعيش بعيد عني."
وكأنه كان يسمعنا. رن هاتف والدته. "أيوه يا محمود، أيوه يا حبيبي، هتيجي تتغدى معانا النهاردة؟"
"آه، ماشي، حاضر."
"حنان؟"
"حاضر، هبعتها."
خلصت حماتي المكالمة وقالت: "محمود ده غريب جداً."
سألتها: "ليه؟"
قالت: "طلبك ترجعي البيت، ما أنتي كنتي لسه هناك، إيه اللي اتغير في الدقايق دي؟"
قلت: "معرفش يا ماما والله."
وسألت نفسي: إيه اللي اتغير فعلاً؟ معقول يكون عقل وعايزني معاه؟ لكن قلبي مكنش مطمئن. أنا لسه مبعتش نفسي، وحسيت بالإهانة قدام حماتي، اللي حست إن فيه حاجة غريبة بيني وبين محمود.
لميت هدومي في الشنطة وأنا شايلة الهم. كنت مرتاحة عند حماتي، وهأرجع للإهانة تاني.
وصلت الشقة، مكنش موجود. حمدت ربنا إني أخذت المفتاح معايا.
الشقة كانت معفنة. مسحت وكنست وغسلت الأطباق المرمية في كل مكان، وخليت الشقة تبرق.
بعدها دخلت نمت.
سمعت ضحكة أنثوية وأنا بفتح عيني في الصالة. مصدقتش نفسي وقمت فتحت باب أوضة النوم. لقيته قاعد في الصالة وحاضن واحدة بنت غير البنت اللي كانت أول يوم.
طلعت بسرعة ووقفت قدامه. عمل نفسه ولا كأنه شايفني. مقدرتش أملك غضبي، وقلت: "إيه ده؟"
رفع إيده اللي حاضن بيها البنت وبرق عينيه بغضب، بس أنا كنت وصلت لمرحلة عدم السكوت مهما حصلي.
قلت له: "أنا مش هسمح إن ده يحصل تاني في شقتي."
"شقتك؟" وقف بسرعة مسكني من شعري. "شقتك إيه يا بنت الـ..."
أخذت قلم على وشي وجرني على الباب. فتح باب الشقة وصرخ: "يلا ارجعي بيت أبوكي، روحي لمرات أبوكي هترحب بيكي وتشيلك من على وش الأرض."
كان بيضغط علي، كان عارف إن رجوعي لبيت والدي مستحيل.
سندت إيدي في باب الشقة وهو بيزقني، وقلت وأنا ببكي: "انت بتعمل كده ليه؟"
همس بغل: "يلا الباب مفتوح، اتفضلي امشي." وساب شعري.
وقفت مبلومة، دموعي على وشي.
قلت في نفسي: "هروح فين بس؟"
صرخ: "واقفة ليه؟ يلا غورى." ورجع قعد على الكنبة.
البنت قالت: "يا محمود، لو كان الوقت مش مناسب، همشي وأبقى أكلمك."
صرخ: "البيت بيتك يا يارا، هي لو مش عاجبها تغور في داهية."
سمعت الكلام اللي يهرّي البدن، ورجعت بوش مكسور.
صرخ: "إيه؟"
قلت له: "أنا مش هسيب شقتي."
صرخ تاني: "يبقى تخلي بقك مقفول، يلا غورى على المطبخ اعملي حاجة ليارا تشربها."
ياه، للدرجة دي أنا مليش قيمة عنده؟ وبعد ما قلت حاله هينصلح وبقى كويس، يرجع يتغير كده مرة واحدة؟
وأنا في المطبخ صرخ: "يلا بسرعة." حطيت العصير قدامهم وأنا بموت من الذل.
البنت قضت الليلة في الشقة، كنت بموت طول الليل، منمتش.
الصبح جاني في المطبخ وصرخ: "فين الفطار؟"
قلت له: "هأجهزه حاضر."
أكل وهو نازل. وقف على باب الشقة: "يارا نايمة في أوضة النوم، إياكي تزعجيها أو تضايقيها. لو قولتي لوالدتي أي كلمة، هطلقك وهأرميكي في الشارع. ولو الدنيا كله جاتني، مش هرجعك. قلتلك من البداية، أنا مش معتبرك مراتي. عايزة تعيشي معايا، تقفلي بقك وتكتفي باللي أدهولك. لو يارا طلبت منك أي حاجة، تعمليها، فاهمة؟"
هزيت راسي بخضوع. كنت حاسة نفسي في دوامة. حياتي تغيرت 360 درجة في أربعة وعشرين ساعة. كنت مزهولة ومش عارفة أفكر، ولا عارفة إيه اللي حصل عشان يعمل كل ده.
صحت يارا الضهر، كنت قاعدة في الصالة بعض صوابعي وأنا بأقضم ضوافري. بصتلي من غير كلام ودخلت خدت دَش.
بعد ما طلعت، طلبت وجبة خفيفة عشان متأثرش على الحمية الغذائية بتاعتها. كتمت غضبي وضعفي وعملت الأكل خوف منه، وأنا بعد الدقايق لحد ما تغور من الشقة.
لكن الهانم ما مشيتش، قعدت قدام التليفزيون وكانت بتتحرك في الشقة كأنها بتاعته.
محمود كلمها وكان بيسألها عن سلوكي. وسمعتها بتقوله: "لأ، كويسة، مطيعة، معملتش حاجة تزعلني."
بعد ما محمود كلمها، تليفونها رن تاني. مرضتش ترد قدامي. دخلت أوضة النوم بتاعتي وقفتلت الباب. كانت بتهمس بكلام كتير. بعدها خرجت وقالت: "أنا مضطرة أمشي. لما يرجع، قولي له إني مشتاقة."
قلتلها: "مش هقوله حاجة."
"كلميه وقوليله أبويا عايزك."
طلعت ابتسامة صفرة وعاينتني من فوق لتحت ومشيت.
لما رجع محمود سألني عنها. قلت له: "معرفش عنها حاجة."
وقلت في نفسي: "إيه الفجر ده؟ ده فعلاً مش معتبرني مراته، ده مش معتبرني إنسانة أصلاً."
بعد ما أكل، كسر الأطباق كلها، رماها على الأرض.
نضفت كل حاجة بصمت، من سكات، من غير ما أفتح بقي.
ورحت على غرفتي.
صرخ: "رايحة فين؟"
قلت له: "داخلة أرتاح."
شتمني وصرخ: "أنا سمحتلك؟"
قلت له: "لأ، بس أنا قلت أسيبك على راحتك."
صرخ: "إنتي متفكريش، ومتقوليش حاجة. أنا اللي أقول، وإنتي تنفذي."
رواية عشق المستبد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
انت بتعملي كدة على طول وأنا ما أخدتش بالي؟
تعالى.
قربت منه، مسك دراعي وضغط عليه وعرفت إني معاقبة وهضرب لحد ما نوبة غضبه ما تنتهي.
قلت بسرعة: أنا آسفة، كان لازم أستأذن منك الأول.
ساب إيدي وفضل باصص في وشي بشماتة وهمس:
أنتِ إنسانة جبانة، بتكتمي الكلمات جواكي خوف مني.
عايشة أحقر حياة ولا تتذمري.
قرب وهمس في ودني: عارف إنك بتكرهيني ومش طايقاني وبتتمني موتي، لكن خوفك بيمنعك من إبداء استيائك.
فتح بقه بابتسامة مظلمة ورفع إيده بالانصراف.
قبل ما أقعد على سريري طلبني تاني وأمرني أعمل كوباية شاي، وكان مشغول بالاتصال بـ يارا اللي ما كنتش بترد عليه.
حطيت الصينية قدامه، تمتم بغضب: وحياة أمي لأربيكي.
ورفض الصينيه برجله جابها على الأرض.
وطيت قدامه وظلت دقايق أنضف الزجاج.
لما خلصت لاحظت إنه بيبص إلى جسمي بتركيز.
قام مفزوع وغير هدومه وخرج كأنه بيهرب من حاجة معرفهاش.
أول ما رزع الباب تمددت على الأريكة وبلعت ريقي.
ياترى كان بيبص على جسمي ليه؟ هل ممكن كان بيفكر فيا؟
في ذهول نهضت ووقفت قدام المراية.
أملك جسد جذاب وجمالي لا بأس به. هل ممكن أكون عجبتُه؟
بعدها بساعتين كلمني وطلب مني أحضر الغداء.
طلب أصناف معينة، ولما قولت بعضها مش موجود.
أمرني أنزل السوق أشتريها، وحلف إنه لو مكنش كل حاجة جاهزة هيعلقني من رجليه في سقف الشقة زي الدبيحة.
نزلت اشتريت كل حاجة بسرعة.
وأنا في الشارع فكرت أهرب، بس مكنش فيه مكان أروح فيه.
حذرني اتصل بوالدته أو أروح عندها.
وفكرت إني أروح بيت والدي كانت مستبعدة تماماً.
ثم إن النظرة الأخيرة اللي رمقني بها منحتني بعض الأمل إني أراه كأنثى، كزوجته وليس خادمة منكسرة.
مدفوعة بآخر أمل حضرت الأكل بسرعة، نظفت نفسي وتزينت ولبست هدوم كويسة.
مع أول خبطة على الباب فتحت.
اندفع داخل الشقة يجذب فتاة نحيفة وأنيقة ترتدي زي رياضي، وكانت نصف مترنحة وفي أذنها قرط كبير وشعرها جديلة طويلة.
وقفت مذهولة.
ولما طال شرودي سألني: عجباكي؟
اتنفضت بفزع ودخلت المطبخ.
رصيت الأطباق ومشيت على غرفتي.
صرخ: اقفي، اقعدي معانا!
قعدت بأحلام محطمة بعد ما افتكرت إن نظراته ليا اتغيرت.
كنت شاردة لما قال:
أنتِ حلوة وجذابة النهاردة بطريقة مغرية، ممكن أعرف السبب؟
اندفعت الكلمات على لساني لكن وقفتها في آخر لحظة.
قلت: لو مش عاجبك هدومي أغيرها؟
همس: أنتِ باردة جداً، لما لا تثورين، تصرخين، تحطمين الأثاث وتحررين غضبك؟
قلت وأنا ببص على الأرض: مفيش حاجة تستاهل كل ده.
صرخ بغضب: ليه؟ أنتِ مش بتغيري علي؟
قلت ببرود أكتر: أنت مش معتبرني مراتك ومش مهتم بحياتي.
كان شايف إن فيه سبب يخليني أغير عليك؟
صرخ: غوري من وشي. من حسن حظك إن مزاجي رايق ومش عايز أعكره.
دخلت أوضتي وأنا بأنب نفسي على أحلامي الغير مستحقة.
غيرت هدومي لبست قميص نوم وسديت وداني عشان ما أسمعش حاجة ونمت.
صُحيت على إيده اللي بتلمس رجلي.
قمت بخوف.
قلت: آسفة، نمت.
تجرأت وسألته: هو أنا نمت كتير؟
قال: نص ساعة.
قلت ببرود ولا مبالاة: خلصت بسرعة وأنا بغطي جسمي بالبطانية.
همس بنبرة غامضة وعلى وشه ابتسامة:
أيوه.
قعد في الصالة يتفرج على التليفزيون.
بسرعة دخلت الأوضة التانية لقيت السرير مرتب زي ما سبته.
ابتسمت.
محصلش حاجة بينهم، وخرجت قعدت أمشي في الشقة وأتحرك قدامه عشان أدفه للكلام.
لكنه مبصش ناحيتي، كأني غير موجودة.
لامبالاة عنيفة وصادمة.
في كل مرة أمنح نفسي أمل يتحطم فوق دماغي.
قعدت قريبة منه عشان لو طلب مني حاجة أعملها.
كان هادي على غير العادة ومطلبش مني أي حاجة.
قلت: أنا هدخل أنام في غرفتي.
همس: لا، الليلة هتنامي جنبي.
قلبي وقع في رجليه.
دخلت اترميت على السرير وجسمي كله بيرجف.
دخل غير هدومه قفل النور ودانى ضهره ونام.
سألت نفسي ليه بيتعمد يعاقبني بالطريقة دي.
أنا عندي أتعرض للضرب وإهاناته أفضل من النوم جنبه من غير ما أكون قادرة على الحركة.
مقدرتش استحمل النوم على جنبي.
بعد ساعة اتعدلت ونمت على ضهري.
هيحصل إيه يعني هيضربني؟
على الأقل بعدها أقدر أروح أنام في غرفتي براحتي.
لكن محمود متحركش وكانت انفاسه هادية، نايم زي الملاك البريء.
بعد ساعة سألني: أنتِ لسه صاحية؟
قلتله: أيوه، مش قادرة أنام.
همس: طيب تقدري تروحي غرفتك تنامي براحتك.
بكرة والدتي هتزورنا، ياريت كل حاجة تبقى تمام.
قلت: حاضر.
همس: شكراً وتوقف عن الكلام.
قمت من النوم، نضفت الشقة وطبخت واستنيت حماتي على نار.
الظهر وصلت وعاملني محمود قدامها بطريقة مختلفة ومحترمة.
كان بيقول: مراتي العزيزة، مراتي الجميلة، مراتي المحبوبة.
بصتله بغضب.
ليه النفاق ده؟ ليه متكونش كده على طول ومستعدة أغفر لك كل إهانتك؟
بعد ما أكلنا سابني قاعدة مع والدته نضحك ونتكلم.
ولما قرب ميعاد رحيل حماتي حسيت بالحزن.
بعد ما مشت، محمود خرج، قال إنه هيتأخر بره.
حسيت بالفرحة.
لكن بعد رحيله فكرت: يا ترى هيعمل إيه في كل الوقت ده بره؟
رجع متأخر ومع أول خبطة فتحت الباب رغم إني كنت نايمة.
كان مبسوط جداً وواضح إنه سعيد.
ومكنش محتاج تفكير أعرف هو مبسوط ليه.
دخل على غرفته وقال: أنا هنام.
مقدرتش أمسك نفسي، انفجر غضبي، كسرت الأطباق ودعست الزجاج وعملت ضجة كبيرة وأنا بصرخ وألعن.
قلت: خليه يجي يضربني أو يعمل اللي هو عايزه.
لكنه مخرجش ولا عمل حاجة.
ولما فتحت باب الأوضة لقيته حاطط المخدة فوق ودانه عشان ما يسمعش حاجة.
حسيت بالسعادة.
لأول مرة أحس إني سيدة المنزل فعلاً.
قلت في الصبح: مش هعمل فطار ولا هبص عليه وأديله أي اهتمام.
رغم كده الصبح حضرت الفطار وقعدت مستنياه.
صحى الظهر، راح على الحمام من غير ما يكلمني، أخد دش وخرج.
مرر عينيه على الأكل، وسابني قاعدة وفتح باب الشقة وخرج.
شعرت بمقت وغضب كبير.
في كل مرة بيقتل محاولاتي قبل ما تبدأ.
رغم كده كنت سعيدة، على الأقل ما جريتش وراه ولا طلبت منه يأكل ولا بدأت بالكلام زي كل مرة.
ارتديت ملابس جذابة وانتظرت رجوعه.
أول ما الباب خبط فتحت الباب من غير ما أبص في العين السحرية.
لقيت شاب ثلاثيني لابس لبس سباك وقفاز في إيده.
قفلت الباب في وشه بسرعة.
الشاب قال من ورا الباب: آسف يا مدام، افتكرت صاحب الشقة موجود.
في تسريب ميه في العمارة وتوقعت إن صاحب العمارة اداكم خبر إننا هنعاين كل شقق العمارة.
قلتله: معرفش، كلم جوزي.
قال: يا مدام، كلمي انتي جوزك.
قلتله: مش معايا تليفون، خليه صاحب العمارة يكلمه.
قال: معقول مش معاكي تليفون؟
كنت مرعوبة وأول فكرة جت في بالي أغير قميص النوم وألبس عباية.
وأول ما لويت جسمي لقيت باب الشقة انفتح ومحمود داخل من ورا الشاب.
رواية عشق المستبد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
دخل محمود الشقة ووراه الشاب. جريت على غرفتي وقفلت الباب على نفسي. سمعتهم بيتكلموا عن تسريب الميه اللي غرق الشقة في الطابق الثاني. عاينوا الشقة بتاعتنا والسباك مشي.
"صرخ: تعالي."
طلعت من الأوضة ماشية ببطء زي اللي محكوم عليه بالإعدام.
"صرخ: يعني لابسة عباية دلوقتي؟ أومال فين القميص اللي كنتي بتقابلي بيه حبيب القلب؟"
الكلام وقف في بلعومي مقدرتش أنطق. لف شعري على إيده ورزعني على الأرض. وقبل ما أفتح بوقي تلقيت الصفعة الأولى.
"صرخت: أنا كنت واقفة ورا الباب زي ما شفت!"
"همس: أصدق إزاي أنا الكلام ده؟"
وأخد القلم الثاني.
"قلت برعب: والله أول مرة أشوفه في حياتي."
ابتسم ابتسامة صفرا، وضم إيده ولكمني في معدتي.
"يعني بتكدبي؟"
"منذ لحظة قولتي كنت واقفة ورا الباب، ودلوقتي بتقولي أول مرة أشوفه؟"
تذكرت عبارة قرأتها من قبل: "ضع شمعة تحت خصيتك، شخص ملحد وسيخبرك كيف عرف طريق التوبة إلى الله."
تكوّرت على نفسي. كتر الضرب علمني إن لما أضم جسمي على بعضه وأحضن نفسي بإيديا الضرب بيكون تأثيره أقل.
"اللعين وضعني بين ساقيه وفك قبضة ذراعي حتى ظهر وجهي."
"وجه جميل، همس وهو يصفعني أكثر من مرة."
"أنا عايز الحقيقة، إيه علاقتك بالشاب ده؟"
"أقسم بربي سأقتلك."
انهارت وحكيت القصة كلها.
"همس: وأنا أصدقك إزاي؟"
توقف كلامي وانهمرت دموعي وارتفع نحيبي.
"سابني."
فك قبضته علي. زحفت وقعدت جنب الحيطة أبكي وجسمي متكسر.
"أنا مقدرش أخون جوزي، عمري ما هكون البنت اللي في دماغك!"
انطفأت شهوة الضرب في عيونه وصمت لحظة.
"فين الأكل؟"
"قلتله: أنت رجعت بسرعة ملحقتش أعمل حاجة؟"
"صرخ: منتظرة إيه أيتها الحشرة اللعينة يا بعوضة المجاري؟ بتضيعي وقتي؟ قومي فزي حضري الأكل."
حضرت الأكل وقعد يأكل بشهية. وأنا أتعجب. جايب نفس منين ياكل بعد كل اللي عمله فيا؟
كنت واقفة جنب الطاولة منتظرة أوامره.
"همس وهو بيرفع إيده: غورى من وشي. رؤية وجهك اللعين تفقدني شهيتي. نظفي نفسك."
غسلت الدم اللي لطخ وشي وفمي وغيرت هدومي إلى كانت كلها دم. وعملتله شاي ودخلت غرفتي.
سمعته بيتكلم في التليفون بسعادة وبيحكي اللي حصل باستمتاع.
ثم صرخ فجأة.
"مراتى مش ممكن تعمل كده، إنها غبية ولعينة وباردة، لكنها أشرف من الشرف."
"همام: هستناكي الليلة يا يارا."
شعرت ببعض السعادة لأنه مش بيشك فيا. ولو مت غبائي إني فتحت باب الشقة بقميص النوم. أي راجل مكانه كان هيعمل كده وأكتر.
تحاملت على نفسي وخرجت من الأوضة. كان قاعد في الصالة بيقلب في قنوات التلفزيون. وتوقعته يطلب مني أو يأمرني أحضر الأكل طالما فيه واحدة جايه له. بس هو مطلبش مني أي حاجة.
سيطرت على نفسي وقلت بنبرة باردة.
"عايزاني أحضر الأكل؟"
"قال: مش عايز من وشك حاجة. لو كنتي عايزة تروحي تزوري والدتي لحد ما أخلص، معنديش مانع."
"قلت بسرعة: أيوه."
طلع رزمة فلوس رماها قدامي على الطاولة.
"في حال فكرتي تشتري حاجة؟"
دخلت غيرت هدومي ورجعت. كنت لابسة عباية سودا. وقفت قدامه وقلت.
"عندك ملاحظات؟"
رمقني بابتسامة وهمس.
"لا."
وصلت بيت حماتي. وشي كان متورم وحاولت أخفيه بالطرحة.
حماتي كانت سعيدة بوجودي وقالت.
"بنت حلال، أنا كنت لسه هحضر الأكل."
بعد ما أكلنا. شردت في محمود، ياترى بيعمل إيه دلوقتي؟
وتفاجأت إن حماتي حاطة إيدها على معدتي.
"إمتى هلعب مع حفيدي يا حنان؟"
باغتتني سؤالها وشلني. إيه المبرر اللي هقوله مش هيقنعها طالما أنا مش مقتنعة أصلاً.
"قلت: كل شيء قسمة ونصيب يا حماتي، لما ربنا يريد إن شاء الله."
"روّحتي دكتور؟"
رأسي يلف، لا أعرف كيف أرد.
"قلت: لا، محمود رافض الفكرة. بيقول إن الوقت لسه بدري على الحمل."
"بتاخدي حبوب منع حمل؟"
أردت أن أغلق الموضوع فقلت.
"أيوه."
"قالت: يا عبيطة، الراجل ممكن ميكونش عايز أطفال، لكن بالنسبة للست حياتها مش بتكمل من غير أطفال. اسمعي كلامي، متأخديش حبوب منع حمل تاني. متخفيش من محمود. وأنا أقسم لك لو فتح بقه هوبخه."
بعدها فضلت ساكتة. أتحسس معدتي وأبتسم. ألن يكون جميل أن تنتفخ بطني ويكون لي طفل؟
سبت بيت حماتي واخدت تاكسي على الشقة. وأنا في طريقي، وقفته قدام محل كبير للهدايا ثم واصلت الطريق إلى الشقة.
تبهرني يارا في كل مرة. ليس بسبب أناقتها المعتادة بل بحركاتها المتجددة التي تفعلها كل مرة.
أكثر من مرة يارا قالت لي إنها مش بتحبني، لكنها تتقبلني كشيء غامض وجميل لا تستطيع أن تعيش دونه.
لا أعرف كيف واتتني الفكرة، لكن بعد أن احتضنت يارا، هربت اللهفة من داخلي. شعرت أنها شيء مكرر ومقزز.
"بعدت عنها وأنا بهمس: كأس واحد قادر على تغيير مزاجتي."
صبت كأساً لي وكأساً ليارا. قربت كأسي من كأسها وهمست.
"في صحتك."
لكن حتى تلك الكلمة فقدت رونقها. وللحظة شعرت أن من الخيانة أن يلمس فمي موضع فمها كما كنا نفعل كل مرة.
مددت يارا جسمها على الكنبة وحسيت أن عقلي بيغلي. غير قادر على التفكير فيما أرغب.
"همست يارا: اقترب، تعال."
رأيت ذلك عدوانياً جداً، لكن كنت مرغماً على مداهنتها.
"قلت: أنا تعبان جداً يا يارا."
قعدت أكلمها عن شغلي وعن الحياة. لا أعرف ما الممتع أن تتحدث مع شخص لا يحبك؟
زهقت يارا ومشيت.
قعدت في عالم صامت. مش سامع حاجة غير صوت عقلي الباهت. أغير قنوات التلفاز. حاسس بملل قاتل والوقت لا يمر. كل دقيقة أبص في الساعة.
"لكن لما؟" سألت نفسي. "ليه القلق ده كله؟ ليه بتبص على الساعة؟ مستني إيه؟"
همس صوت ضعيف مرتعش جوايا.
"هي اتأخرت ليه؟ معاد وصولها فات من بدري!"
"إزاي تطلب من شخص بيكرهك ولا يطقيك، أنت سعت لنفسك من حياته، طالبتُه بالرحيل وعاملته باحتقار، إن لا يتأخر؟ إنه يفضل جنبك ولو تأخر تلومه؟ شخص مشافش منك غير الجفاء إن يحبك رغم كل مساوئك؟"
"بس هي اتأخرت فعلاً."
سعيدة ببعدها عني. أنا الخائن الذي يضاجع غيرها فوق فراشها.
وصلت حنان أخيراً بعد ما فقدت الأمل في حضورها وبعد أن فقدت اللهفة والتوق لرؤيتها. كانت محملة بزيارة والدتي وشايلة مغلف أحمر مربوط بشريط.
"همست حنان: والدتك أصرت تحملني كل الحاجات دي عشانكم."
مردتش عليها. سبتها تفرغ محتويات الأكياس في الثلاجات.
"أخرتي ليه؟" همست حنان بنبرة صادقة. "معداش غير ساعتين وأنا خفت أرجع في وقت مش مناسب."
لما لمحت حنان امتعاض وجهي وغضبي همست.
"آسفة، لكن أنت محددتليش وقت للرجوع."
قربت منها. بدت في عيني جميلة جداً.
"صرخت: اللعنة على الوقت وعلى المواعيد والساعات، أنتِ لازم تكوني هنا جنبي لما أحب كده!"
"همست حنان: وأنا أعرف ده إزاي."
"صرخت بغضب: أنتِ غبية جداً يا حنان."
راحت حنان تبكي ونزلت دموعها. محبتش كده. ضربتها على وشها. مرفعتش إيدها تحمي نفسها. ضربتها تاني وكانت إيديها ورا ضهرها بتحمي المغلف الأحمر اللي جابته معاها.
ضربتها تاني وتاني. مرفعتش إيدها. كانت بتحمي المغلف الأحمر كأنه أعز ممتلكاتها.
ضربتها برجلي. فقدت توازنها ووقعت على الأرض. وحتى وهي بتقع مسندتش على إيدها. كانت بتحمي العلبه. ارتطمت رأسها بالأرض وسمعت طقطقة عظامها.
وقفت حنان، مشيت ناحية غرفتها وقفلت الباب.
ولعت سيجارة. استنيتها تخرج. مخرجتش. مضت نصف ساعة وأنا ببص على اللفة الحمرا والفضول يتلهمني. خايف جداً من فكرة إني أمسك العلبه وأفتحها.
بدت لغم سينفجر في وجهي في لحظة.
كانت أكبر مخاوفي قابعة داخل تلك العلبة اللعينة القريبة جداً مني. أدرك أن قلبي وضميري سيتقطع عندما أفتحها وأنظر داخلها.
طفيت السيجارة ومسكت العلبة وفتحتها. كان جواها ساعة ماركة سواتش مهشمة ومكسورة مربوطة بشريط مرسوم عليه وردة.
"أكل الفلوس اللي ادتها لحنان اشترت بيها ساعة ولم تدخر شيء لنفسها."
مقدرتش أسمع صوت بكائها اللي كان بيرعبني. بدلت ملابسي وسبت الشقة وخرجت.
رواية عشق المستبد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
وكنت أفكر في نفسي، أن الأمور تمضي عكس رغبتي.
بهذا الغباء والطيبة تحتل حنان مكانها كضحية معتبرة، ولا يمكنني أن أقبل ذلك.
لن أسمح أن تتكرر خيباتي.
سأقاتل من أجل كل ما تبقى مني.
سأذبحها بلا شفقة ولا رحمة.
سألطخ يدي بالدماء وأعيش دور الجلاد في كل ليلة.
لا أعرف لما تصر حنان أن تحملني كل هذا الألم؟
هي مش عارفة إني بتألم أصلاً؟
مش هغفر ليها أبداً إنها بتحاول تحيي الأوجاع اللي رجعت تنضح في ضميري.
فلتذهب إلى الجحيم هي وزوجتي إن كانت مصرة أن تفعل كل ذلك!
***
وأنا في غرفتي كنت بفكر.
خرج كده من غير ما يعتذر؟
دون أن يقول كلمة واحدة؟
مجرد كلمة واحدة كانت كفيلة إني أسامحه.
لن أسمح للشفقة أن تنتابني عليه مرة أخرى.
مش هخلق مبررات.
أنا الملامة في كل اللي بيحصلي واللي حصلي.
كنت غبية واعتقدت إنه ممكن يتغير.
إن قلبه ممكن يتحرك ناحيتي.
مش هكون ودودة معاه مرة تانية، مستحيل.
لميت الساعة اللي اتكسرت، كانت جميلة ملفوفة في شريط أحمر.
كسرها وحطمها زي ما بيعمل مع أي حاجة كل مرة.
الساعة اللي كانت سبب في كل الصفعات اللي نلتها الليلة.
حطيت الساعة في صندوق قديم أحتفظ به مع ذكريات والدتي.
قعدت على السرير حزينة بائسة أفكر ماذا لو عاد معتذراً.
أو لم أنجح أبداً في إيجاد أي فكرة.
طرق الباب، نهضت بسرعة وفتحت.
مش همنحه أي ذريعة يمد إيده عليا مرة تانية.
بعد ما دخل رزعت الباب بكل قوة وقعدت على الكنبة.
عاد وحيد، همست؟
مجبش معاه أي بنت، يمكن عشان يحافظ على مشاعري.
وقف محمود يبص عليا، يعاينى كلي.
***
قعدت على الكنبة، على لساني كلام كتير.
أبص ناحية حنان الصامتة، أرغب منها أن تتحرك في الشقة، أن تحطم فنجان فوق رأسي، تفعل أي حاجة تمنحني الذريعة أتكلم معاها وأحفظ ما تبقى من كرامتي.
أقلب قنوات التلفاز بسرعة.
أعرف أن حنان بتحب الأغنيات القديمة.
أسيبها لحظة وأغيرها.
أتعمد أغيظها.
تصمت حنان.
أهمس في سري، يا حمقاء امنحيني ذريعة أقتل تلك المشاعر المنجرفة نحوك بسرعة إعصار.
***
أرمقها بطرف عيني.
أقعد يا مغروري الجميل، تصنع لا مبالاة.
لن أركض نحوك ككلبة أليفة.
سأخدمك وأتحمل إهاناتك، لكن أبداً مش هخليك تشوف نظرة الهزيمة جوه عيني.
هو بيبص ناحيتي ليه كده بتركيز؟
مش كفاية كل اللي عمله فيا من ساعة فاتت.
إيه اللي بيفكر فيه هذا الشرير؟
المس خدي.
لسه آثار صوابعه مطبوعة على جلدي.
أحس بالغضب.
أسيب مكاني وأدخل المطبخ.
حضرت الأكل ورصيته على الطاولة.
سبته ومشيت أدخل غرفتي.
حنان؟
سمعت صوته بينادي علي.
مردتش عليه.
مشيت ووقفت قربه.
همس بصوت واطي، اقعدي كلي معايا!
أول مرة يطلب مني أكل معاه.
حسيت بالضعف.
لكن بكل تحدي قلت لأ.
دخلت غرفتي وقفلت الباب.
متوقعة إني أسمع صراخه، "تعالى اترزعي كلي معايا".
لكنه لم يفعل.
بعد ما خلص أكل خرجت نضفت الطاولة وشلت الأطباق.
حكيت له اللي حصل بيني وبين والدته عن الطفل وقلت له لازم تلاقي حل.
همس، "خدعة حبوب الحمل ماكرة جداً. أنا هكرر الكلام ده قدام والدتي إن مش وقت إنجاب أطفال دلوقتي، والدتي طيبة وهتصدقني".
ثم همس، "أنتي مكارة جداً على فكرة".
قلت له، "هو ده الملفت بالنسبة ليك، شايفني مكارة؟"
همس، "ماكرة بطريقة تعجبني".
قلت، "على الأقل فيا حاجة عجباك".
قرب مني لحد ما سمعت صوت أنفاسه وقال، "آه".
كان بيحاول يفتح بقه.
كنت قريبة جداً أسمع أول اعترافاته.
لكنه بص الناحية التانية وبصق.
***
تحولت كل المبادرات الصمت وفقدت رونقها.
مبقتش حابب أشوف حنان بتتمشى في الشقة ولا بتحطم فنجان ولا تخلق ذريعة علشان أكلمها.
انمحت الرغبة اللي كانت جارفاني منذ لحظة لأخذها في حضني لأعصرها حتى تتألم.
حضرني شعور بالنفور والتقزز من كل تلك المشاعر الضعيفة اللي كانت جوايا.
بدلت هدومي وسبت الشقة وخرجت.
***
بصيت عليه وهو بيخرج من الشقة.
دلوقتي هيرجع وفي إيده واحدة جديدة علشان يعاقبني.
علشان يقولي، "شوفي بعينك يا غبية كيف ضيعتي الفرصة".
بس أنا مش هضعف.
يعمل اللي هو عايزه.
هو حدد مكاني في حياته من زمان وأنا قبلت بوضعي خلاص.
رجع بعد نص ساعة.
ظني خاب لأنه رجع بمفرده.
كان جايب هدية وبوكيه ورد.
شميت ريحته من مكاني.
بصيت الناحية التانية منعت عنينا تتقابل.
كان واقف متردد مش عارف يعمل إيه ولا يتصرف إزاي.
عمال يبص علي وأنا أبص بعيد عنه.
قعد على الكنبة وساب بوكيه الورد جنبه وهمس، "أنتي قاعدة ليه بعيد كده؟"
قلت له، "أنا مرتاحة كده".
همس، "من فضلك قربي مني".
منخدعتش بنظراته البريئة.
اللي عمله في الشهور اللي فاتت علمني إني ما أثقش بيه أبداً.
همست، "قلت لك مرتاحة كده".
رفع الهدية ولفها في إيده بطريقة ساحرة وهمس، "قربي من فضلك!"
قلت، "بص لو ملكش طلبات أنا هدخل غرفتي أنام".
همس، "ضيف أوك، أنا لسه متعشيتش. من فضلك اعملي لي شاي".
كنت عايزة أهرب من قدامه بأي طريقة.
دخلت المطبخ وابتسمت، بيقولي من فضلك؟
أنا بعشق طريقته الودودة.
بعدها قلت، "لأ، اصمدي شوية يا حنان خليكي عنيدة. انتي شفتي منه كتير أوي لازم يعرف إنك مش سهلة".
رواية عشق المستبد الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
عملت الشاي ورجعت.
كان محمود قاعد على الكنبة، باقة الورد بين إيديه وعلبة الهدايا جنبه وعلى وشه ابتسامة رقيقة.
حطيت الشاي على الطقطوقة وقلت من غير ما أبص عليه: "عايز حاجة تانية؟"
همس: "لا، شكرًا لك."
قلت بنبرة متحدية: "العفو..."
دخلت غرفتي وأنا حاسة بالسعادة، فرحانة إنه هيشرب من نفس الكأس اللي ياما دوّقني منه. لازم يجرب كلمة الرفض، كلمة "لا" بتعمل إيه. دلوقتي هيصرخ، هيدافع عن كبريائه. هيضرني، لكن طال الوقت وما سمعتش صوته ولا طلبتي عنده.
وكان عندي فضول أعرف هو بيعمل إيه. مشيت على طرف صوابعي وبصيت من الباب اللي كان موارب.
كان نايم على الكنبة، حاضن بوكيه الورد وعلبة الهدايا فوق صدره، مغمض عينيه كأنه نايم.
همست: "مش محتاجة وردك ولا هداياك، ومش هنخدع برقة كلامك اللي بعدها بترجع وحش من غير إحساس يعذبني."
يدوبك قعدت على السرير وسمعت باب الشقة بيتقفل.
طلعت من غرفتي لقيت باقة الورد مرمية على الكنبة وعلبة الهدايا جنبها.
باقة الورد محتاجة ميه عشان ما تذبلش، وعلبة الهدايا دي كان لسه محطمها قبل ساعة، كيف التئم؟
رغم حزني على الورد، رفضت أرويه أو أحطه في فازة، وفضلت قاعدة أنتظر وقت حضوره اللي اتأخر أوي.
دخلت نمت، وتعمدت أنام في غرفة النوم بتاعتنا. وسمعت رجوعه بعد نص الليل، لكنه نام في الصالة.
والصبح راح الصبح من غير ما يصحيني.
همست: "هو بيعاقبني على اللي حصل امبارح، لكن أنا مش زعلانة. أنا مجهزة نفسي لأيام طويلة من الجفاء."
فاجأتني حماتي بزيارة غير متوقعة، كأنها كانت قاصدة إن محمود ما يكونش موجود.
كلمتني عن الحمل مرة تانية.
سألتني إن كنت وقفت آخد حبوب حمل.
وقبل ما أرد، محمود وصل ودخل الشقة.
كنت مبسوطة جدًا لرجوعه. هو اللي مفروض يرد على والدته، مش أنا.
دافع محمود عن موقفه، خلق الكثير من الأعذار والكذبات.
لكن حماتي كانت مصرة، حتى إنها شرعت في البكاء.
همس محمود بمكر: "أعمل إيه إذا كانت مراتي رافضة تحمل؟ وخايفة على جسمها من تشوهات الحمل؟"
حماتي بصت ناحيتي بنظرة اتهام، وأنا مقدرتش أمسك نفسي.
خرجت كل الغضب اللي كان جوايا ناحيته.
صرخت: "أحمل إزاي وأنا لسه بكر عذراء وابنك ما قربش مني؟ كل يوم يجيب واحدة شاكلة ينام معاها على سريري! هحمل من فين؟ هفقس طفل يعني؟"
حماتي مقدرتش تتحمل كلامي. وقعت في الأرض واغمي عليها.
شلناها وطلعنا على المستشفى.
وكانت المرة الأولى اللي أشوف فيها دموع جوزي محمود، حتى إني أشْفَقْت عليه. ولميت نفسي إني طلعته بالصورة البشعة دي.
فضلنا تلات أيام مش بنتكلم. محمود عمل كل حاجة من أجل والدته. لم يتوقف عن البكاء حتى أخبره الأطباء إن والدته بخير.
فتحت عيونه.
لما حاول يشوفها، والدته رفضت. طردته من الغرفة، صرخت: "انت مش ابني وأنا ميشرفنيش إنك تقعد معايا. صرخت: أنا مش قادرة أبص في وشك، انت وحش مش إنسان. اطلع بره، امشِ من هنا."
خرج محمود، رحل واختفى لشهور من غير ما نعرف عنه أي حاجة.
عشت مع حماتي، واللي رغم غضبها منه بدأت تشتاق ليه وقلبها كان هيتقطع عليها.
ما كناش عارفين هو فين، كويس ولا لأ.
أنا نفسي شعرت إني مفتقداه جدًا.
محمود ما راحش الشقة بتاعتنا. تأكدت من الحارس إنه بقاله شهور مشافش الأستاذ محمود.
حماتي صحتها اتدهورت واضطرت إني أروح الشغل أسأل عليه.
روحت الشغل وطلبت من أحد العاملين يقوله إن زوجته منتظرة بره.
كان زوجي فقد نص وزنه، بدا نحيف ومنهك، وجهه أصفر كأن الدماء رحلت من جسده.
ترجيته يرجع لأن صحة والدته تدهورت وكل يوم في النازل.
استمع لي بصمت.
بعدها رفع وشه والتقت عيوني.
سألني: "هل ترغبين أنتِ في عودتي؟"
قلت له: "عشان والدتك؟ أيوه ارجع."
قال: "أنا بسألك أنتِ، عايزاني أرجع؟"
قلت بتصميم: "لا، عايز ترجع عشان والدتك ارجع. لكن بالنسبة ليا أنا، رجوعك من عدمه لا يشكل عندي أي فرق. هي والدتك والقرار قرارك."
زرع عيونه في الأرض وهمس: "حسنًا، يبدو أن الأمور ستمضي إلى حيث كان من المقدر لها أن تمضي. سأعتقك من رفقتي إلى الأبد."
لما حس خوفي وجذعي، قال: "متخافيش، أنا مش هطردك من الشقة، تقدري تعيشي فيها. أنا مش هرجع هناك تاني."
همست: "شكرًا، لكن أنا هعيش مع والدتك."
قال: "دلوقتي وأنتِ عارفة إنك مش مضطرة ترجعي بيت والدك زي ما هددتك أكتر من مرة، انتِ عايزة تنفصلي عني؟ أطلقك؟"
صدمني كلامه، فجأة لقيت كل اللي تمنيته قدامي، لكنى محسّتش بالسعادة.
كان منتظر ردي، وكان لازم آخد القرار اللي كتير حلمت بيه.
قلت: "لو كان كلامك حقيقي ومش هتطردني من الشقة أو تضغط عليا عشان أمشي، فأنا عايزة أنفصل عنك. أنا مشفتش ولا يوم سعيد معاك."
تنهد محمود بآسى وقال: "أنتي طالقة."
"يوصلك كل أول شهر مرتب يكفي احتياجاتك، مش هتوقف عن إرساله لحد ما تقرري تتجوزي من شخص تاني وتقدرى تعيلي نفسك."
قلتله: "ووالدتك؟"
قال: "هبقى أجي أزورها بس ما حددش يوم معين."
رجعت لشقة حماتي بمشاعر متضاربة، خليط بين الانعتاق والآسي.
قلت لحماتي: "محمود هييجي يزورك في أقرب فرصة."
تهلل وجه حماتي من الفرحة، قالت: "أخيرًا الميه هترجع لمجاريها، انتي ومحمود."
قلت: "لا، محمود طلقني."
رواية عشق المستبد الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
بمرور الوقت حسيت إن حياتي لا معنى لها، حتى نزواتي شعرت بالتقزز منها. مبقتش الحاجات اللي كانت تستهويني في الماضي في نفس المكانة، مكنتش قادر أصدق نفسي إني كنت غرقان فيها.
كان عليّ إني أزور والدتي بعد شهور من الغياب، والدتي اللي بصورة ما تخلت عن كونها والدتي.
لما طرقت باب شقة والدتي، فتحت لي حنان الباب. ورغم مرور شهور، إلا إنها بصت لي نفس النظرة. أنا عدوها الأكبر.
لكن النظرة كانت بتقول حاجة تانية، إن مكانتي في حياتها متغيرتش. متجوزتش ولا حتى حاولت تبحث عن صداقات. قانعة بحياتها كتابع آليف. حتى إنني رغبت أن أسألها: إيه الفرق اللي عمله طلاقنا؟ لم تتحركي خطوة واحدة إلى الأمام؟ ألم توقني بعد إنك أعلنتِ الاستسلام قبل بدء السباق، وإنه كان يمكنك أن تحاولي أكثر؟
والدتي متكلمتش في الماضي. كان واضح إنها سعيدة من قسمات وشها وحركتها لتحضير الطعام وإلقاء نكتها السخيفة. تلميحاتها الماكرة من ضرورة رجوعي لحنان كانت تقول إن على الزوج أن يملك الشجاعة للاعتراف بخطئه، وأن الاعتذار يحل المشكلات.
كنت مستمتع جدًا بمحاولات والدتي إن تظهر في موقف محايد بين ابنها وطليقته. كنت بسمعها وأنا ببص على حنان الصامته مثلي. من يستطيع أن يقنع والدتي إنها ليست القاضية هنا، وأن أصحاب المشكلة أحق بنقاشها؟
همست والدتي: "إيه رأيكم ننسى الماضي ونفتح صفحة جديدة؟"
يعتقد البعض إن الماضي يمكن الهروب منه، وإن المياه من الممكن إن تعود لمجاريها، وينسى إن بعض الجراح لا تشفى ولا تلتئم أبدًا. هكذا بكل بساطة تطلب من حنان أن تنسى كل الإهانات اللي ارتكبتها في حقها، وأن أنسى أنا إن تلك الزوجة لا تحبني ولا تكن لي أي عاطفة.
لكن حنان فاجأتني. امتلكت الشجاعة تلك المرة إن تقول: "أنا مش ممكن أرجع لعصمته أبدًا. نابني منه كتير أوي وكان بيعاملني كحيوانة، ولا يتردد عن ضربي وتعنيفي بلا سبب. عملت كل حاجة عشان أرضيه، لكن دلوقتي معنديش حاجة أقدر أقدمها له."
همست في سري: "ليه متقوليش الحقيقة يا لعينة، إني حاولت أكون لطيف لكن طريقتي معجبتكيش، إنني لم أعتذر لكن فعلت كل شيء يقول أنا آسف؟"
كنت بسمع حنان اللي كانت بتختار كلماتها بعناية عشان متجرحنيش أو تدفعني أفقد أعصابي.
قلت: "الأمور واضحة، مفيش حاجة اتغيرت. أنا ماشي."
تغيرت ملامح حنان. حست إني ملومتهاش ولا اعترضت على كلامها، تحاول أن تجد مخرج لتلك الورطة.
قالت: "لا، أنت ما تمشيش. البيت بيتك والشقة شقتك، أنا اللي همشي."
قلت بتصميم: "أنتي مش هتمشي، البيت بيتك والشقة شقتك."
"إن كان لازم حد يرحل فهو أنا."
رفعت أمي يدها: "أنت مش هتمشي وحنان مش هتمشي. إن هتعيش معانا هنا لحد ما نلاقي حل للورطة دي."
همست حنان: "أنا همشي."
قلت بصرامة: "مش هتمشي، فاهمة كلامي ولا أكرره؟"
هدت حنان، استكانت. كان عايزاني أبدي تمسكي بيها حتى لو ملقتش ده صراحة.
واصلت حنان كلامها: "وأنت مش هتمشي، البيت بيتك. ولو كان حدا لازم يمشي هيكون أنا، أنت مش مضطر لاحتوائي."
قلت: "طيب خلاص، أنا هعيش في الشقة. الحل ده يرضيكي؟"
همست حنان: "طيب افرض أنا حبيت أروح الشقة؟ أنت اديتني الحق في كده."
بفراغ صبر قلت: "لو كنتي عايزة تعيشي في الشقة وحدك، وصّليني طلبك من خلال أمي وأنا هسيب الشقة."
قالت حنان: "طيب ليه متعش هنا مع والدتك؟"
قلت: "لأنك عايشة هنا، وأنتي مش طايقاني ولا طايقة وشي؟ وأنا مش هرغمك على كده."
كنت بسمع ليه والغيظ بياكلني. دلوقتي بيحاول يراضيني بكل الطرق. حتى بعد ما طلقني لسه بيمارس سلطته عليّ. أنا طلقتك لكن اديتك الشقة والبيت، وأنتي اللي تقرري أنا أعيش فين.
قلت: "البيت كبير وأنت هتعيش هنا مع والدتك، لو أنا شعرت بالضيق هروح الشقة."
قلت بعناد: "وأنا كمان من حقي أروح الشقة طالما أنتي مش فيها."
قالت بغيظ: "ماشي، مفيش مشكلة. المهم تكون جنب والدتك عشان ضميري يكون مستريح."
جاب محمود حقيبته. أنا وحماتي جهزناله الغرفة اللي جنب اللي. والدته أصرت على كده.
حول محمود سطح البيت لباحة. حط كنبة بتبص على الشارع، مقعد جلدي ومكتب رص فوقه كتبه وجهاز موسيقى بيشغله في الليل. كان بيقضي كل وقته على سطح البيت ومش بينزل غير لما يروح الشغل أو يأكل معانا أو ينام.
وكنت لسه معتبره جوزي رغم إني مش بطيقه ولا قادر أفهم الدافع اللعين اللي خلاني أطلع فوق سطح البيت أعرف هو بيقضي وقته إزاي.
محمود مش بيلاحظني أو بيتعمد لا مبالاتي. وإن كنت موقنة إني بتأنق من أجل نفسي، لكن تطنيشه بدا لي عدائي جدًا.
غير هدومي في العادة قبل خروجه، واتعمد إني أخرج وهو بيتناول فطاره. مش قادر يسألني ليه. فأنا مش مراته، لكن لو سألني هقوله ببساطة: "أنا بدور على شغل يمكنني من إعالة نفسي والبحث عن سكن خاص."
أنا أصفعه بتلك الحقيقة، إني مش سعيدة باعتنائه بي. لكن حتى المتعة دي حرمني منها. لسه شايفني بنت خاضعة ذليلة، نفس البنت اللي جابها من بيت أبوه.
بحثت عن شغل بكل طاقتي. مطاعم، محلات ملابس، شركات. وكنت بتسكع في الشارع وبرجع غير بعد ميعاد رجوعه. حتى لو تغيرت طرقي، الشوارع اللي بسير بها، الأشخاص اللي بتكلم معاهم، كان غايتي كل مرة إني أرجع متأخرة جدًا عشان أخليه يحس بالاستياء. بس محمود غير مبالي. باتت محاولاتي الانتقام منه مرهقة جدًا لكن ضرورية.
نجحت في الحصول على شغل في وكالة لبيع المنازل. مديري كانت بنت شابة نفس عمري، جميلة وخفيفة الظل، وشربتني الشغل بسرعة. علمتني إزاي أتكلم مع العملاء وكيف أبرم صفقة.
فاكرة أول يوم عملت فيه صفقة. كنت فرحانة جدًا. اشتريت لحماتي هدوم وهدايا كتير جدًا. محمود كان موجود لحظتها، وهو نفسه اللي قام ساعدني في شيل الأكياس وشافني وأنا بفرغ محتوياتها على الطاولة.
حضرت لمحمود هدية، نفس الهدية اللي مزقها وحطمها أيام زمان.
أخد محمود هديته بفرحة وشكرني عليها وتمنى لي شغل ناجح.
قلت له: "إيه مش هتفتحها؟"
مقدرتش أنسى المأساة دي أبدًا وهو بيضربني على وشي وأنا بحاول أحمي الهدية بكل قوتي. كان لازم أفكره بحجم الظلم اللي ارتكبه في حقي.
فتح العلبة وخرج الساعة ولبسها في إيده ورمقني بنظرة جعلتني أذوب خجلًا وهمس: "شكرًا."
ورغم إدراكي إن محمود يقدر يشتري ساعة أفخم منها، إلا إنه وقف قدام المراية والساعة في إيده وهو مبتسم. كان ممتن فعلًا، حسيت بكده.
رواية عشق المستبد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
الشغل كان واخد كل وقتي، كنت عايزة أحقق مكانتي، كنت بعمل كل ده بسعادة ومكنش مضايقني غير إني بعمل كل ده عشانه حتى لو كان من أجل الانتقام.
للأسف محمود كان محور حياتي في أوقات نجاحي وانكساراتي.
محمود بينام في الغرفة اللي جنبي بعد ما توقف عن نزواته، وإن كنت أجهل السبب.
كنت بتمنى يكون عمل كل ده عشاني حتى لو هو مش جوزي.
بينفصل بيني وبين محمود جدار، لكن لما الليل يجي وأنام على سريري، كنت بحس نفسي عارية أمامه.
كان الجدار بيتمحي، وأراه يتقلب على السرير مثلي.
حتى إني كنت أرفع الغطاء فوق جسدي، أسمع سعاله، أحفظ حركاته.
دلوقتي هينام، بعد شوية هيحس بالأرق.
هيُقعد على طرف السرير، هيدخن سيجارة، حتى إني كنت بتخيل نفسي وأنا بقوم بإغرائه.
استقرت أحوالي في الشغل، إلا إن صداقاتي كانت منعدمة.
مكناش ليّ صديقة غير يارا، أكلمها في التليفون، أخرج معاها، أتفسح، أعزمها على العشاء برا البيت.
لورا كمان كانت وحيدة، كانت ليها تجربة زواج فاشلة مع زوج بخيل انتهت بخلعه بعد ما تخلت له عن كل حقوقها المادية.
لما قولت للورا إن طليقي اداني حرية التصرف في الشقة والبيت، وإن والدته مديانا نفس الحقوق، لورا مصدقتش كلامي.
قالت: "كيف يكون وغد حقير زيه بالرجولة دي؟"
رجولة؟ رنت الكلمة في دماغي، عمري ما اعتبرت محمود راجل، أو أنا اللي عمله خلاني أشوفه راجل، لكن لورا كان ليها رأي تاني.
بعد ما علاقتنا أنا ولورا توطدت، سألتني لورا: "إمتى هشوف الوغد الحقير بشع المظهر جوزك؟"
لطالما اعتقدت لورا إن محمود بشع المظهر، كرشه بيندلق فوق معدته، أصلع، تخين، عيونه غائرة.
كانت بتسقط مظهر زوجها على كل رجل خائن، ومقدرتش أنجح إني أغير رأيها.
كانت لورا مصرة على المقابلة دي، وأنا كنت بأجلها باستمرار.
كنت خايفة أفقد تلك الحليفة، مكنتش قادرة أفهم ليه كل الحرص ده على قتل أي فرصة هيشوفوا فيها بعض.
فعلاً أنا مش عايزاه، لكن مش مستعدة أفقد وجوده في حياتي.
أصبحت حججي ومبرراتي غير مقبولة بالنسبة للورا، ولا حتى بالنسبة لي أنا.
في النهاية تم تحديد اللقاء.
قلت لحماتي إني عزمت صديقتي على العشاء، وموجهتش الدعوة لمحمود، رغم إني عارفة إنه هيكون موجود.
فتحت حماتي دفترها، سجلت أنواع الأكل اللي أنا بحبه واللي لورا بتحبه.
كانت حماتي حريصة إني أطلع بصورة مبهرة قدام صديقتي، كل يوم حبها بيزيد في قلبي أكتر.
طلبت حماتي من محمود، اللي كان لسه واصل، إنه يشتري باقة ورد، ومسألش عن السبب.
خلال رجعنا من الشغل، في طريقنا للبيت، كنت بسأل نفسي: يا ترى محمود هيكون في انتظارنا ويتخلى عن سلبيته لما يشوف لورا صديقتي؟
كانت الشقة جاهزة ومعدة من أجل الزيارة.
أعطت حماتي يارا باقة الورد وحضنتها.
"كنتِ أمكان لون الورد أحمر أرجواني؟ ليه محمود اختار اللون ده بالذات؟"
على طول حسيت بالشك.
قعدت أنا ولورا مع حماتي، محمود مظهرش، كان قاعد في صومعته فوق سطح البيت.
قالت حماتي: "هنادي محمود من فوق سطح البيت ياكل معانا."
قلت بسرعة: "متزعليش نفسك، أنا هنادي عليه."
صعدت درج السلم بهدوء.
محمود كان قاعد على الكنبة مادد رجليه على الطاولة، في فمه لفافة تبغ، يستمع للسيمفونية 106 لبيتهوفن، الكونشيرتو الرابع، شارد في صمت عميق، غير منتبه لخطواتي.
قلت: "مرحباً، كيف حالك؟"
لف محمود ناحيتي وقال: "بخير الحمد لله، شكراً لك."
قلت: "عندي صديقة حضرت لتناول الطعام معانا، ممكن تنضم إلينا؟"
قال: "لا مشكلة."
كان لابس هدوم البيت، لكنه كان أنيق كعادته.
همست: "هتغير هدومه؟"
قلت: "ماشي، دقايق وهكون جاهز."
نزل محمود ورايا ودخل غرفته، ولم تلاحظه لورا.
خرج بعد دقائق لابس قميص لبني ضيق، بنطال أخضر إيطالي ماركة أورماني، حذاء أسود لامع، وتسريحة شعر غير متكلفة، وفي إيده هديتي، الساعة السواتش.
ألقى التحية، سلم على لورا وقعد بعيد عنها.
رحب محمود بلورا، شكرها على قبول دعوتي للانضمام إلينا.
ثم همس بمكر: "حنان بارعة في اختيار صديقاتها."
قالت لورا: "آسفة، مش سامعة، ممكن تقرب شوية؟"
وأخلت مقعد جنبها.
قعد محمود جنب لورا، إلى كانت بتبص لي بعتب.
همست لورا بصوت خافت: "طليقك أنيق وجذاب جدا."
ابتسمت وهمست: "عاجبك؟"
قالت: "الموضوع مش كده بس، ولا أقولك، انسى. أنا بس مش قادرة أتخيل إزاي واحد زيه يعمل العمايل الزفت اللي كنتي بتحكيلي عنها."
ساعدت حماتي في تنضيف السفره وغسل الأطباق.
ولم يخفى علي إن لورا كانت بتتكلم مع محمود بصوت واطي.
كان محمود بيرد عليها.
"طبعاً، ده أمر لا يطاق."
"مفيش حد ينفع يحكم على نفسه يا آنسة لورا."
ضحكت لورا وقالت: "أنا مش آنسة."
وحكت حكايتها مع طليقها.
همس محمود: "معاكي حق، أنا مقدرش أتخيل كيف يضرب زوج زوجته اللي بيحبها."
"كان بيخرج من الأفخاخ بطريق مبهرة ومحببة."
حماتي كانت بتسأل لورا: "فين عيلتك؟ عايشة إزاي؟ ساكنة فين؟ إزاي قادرة تعيش حياتها لوحدها؟"
همست لورا: "الصراحة إنك تعيش لوحدك أمر شاق جدا. أنا بحسد حنان إن ليها عيلة عايشة وسطيها."
سألت حماتي لورا: "استفدتي إيه من تجربتك؟"
قالت لورا: "ليس كل الرجال سيئين، ولا كل النساء ملائكة. أنا لسه بحلم بعلاقة سوية تنسيني أوجاع الماضي."
استرسلت لورا في كلامها، محمود بيسمع في صمت وأنا عمالة أفرك في صوابعي.
كنت غاضبة جدا بلا سبب، غاضبة لدرجة إني ممكن أخنق لورا وأضربها.
وكنت سعيدة جدا لما محمود استأذن وطلع لكتبه وموسيقاه.
قلت: "حسناً يا وغدي الجميل، أنا ممتنة لك."
همست لورا: "أنا هطلع معاك. حنان بتقول إنك بتسمع سيمفونيات من اللي أنا بحبها. ياناتشيك، شونبرغ، سترافنسكي، فاغنر، برامز، 1926 لبارتوك، في الهواء الطلق، يا إلهي كما أعشقها!"
وكانت وصلت محمود لما قالت: "أنت عندك سبعون ألف 1909."
بصلها محمود باستغراب وقال بابتسامة: "نعم بالتأكيد."
لأول مرة أكره حماقتي، غبائي، وأسألني لماذا لم أحاول الاستماع لتلك المقطوعات من باب المعرفة حتى أرضي نفسي ولا أبدو جاهلة بتلك الطريقة.
هبط محمود بسرعة وطلب من والدته أن تصنع فنجاني قهوة.
كنت أعلم أن وجودي معهم تطفل، هزيمة أخرى تلحق بانكساراتي.
لكن ما كان لي أن أتركهم بمفردهم حتى لو انتحرت.
قلت: "والدتك متعبة، يكفي ما قامت به اليوم، سأصنع أنا القهوة."
همهم: "شكراً."
رواية عشق المستبد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
جلست لورا على كرسي محمود الجلدي، وجلس محمود على مقعد خشبي واطئ.
كانت الكتب مرصوصة فوق بعضها، وجهاز الموسيقى يجلس بأناقة فوق طاولة صغيرة.
بينما لوحة يعلوها مصباح في آخر السطح، إلى جوارها فرشاة زيتية، وبورتريه غير منتهٍ غطاه محمود بقماشه.
ورغم علمي أن محمود مش رسام، إلا أن فضولي زاد لحد مريع.
كان محمود يبص على لورا بصات لا تعني أبداً أنها شيء هامشي.
"تفضلوا القهوة."
مسك محمود فنجان قهوة وقدمه للورا، التي أمسكت يده مع الفنجان وهي فاتحة بقها زي البقرة.
"تسلم إيدك يا حنان."
"لكن فين فنجان القهوة بتاعك؟"
"أنا مش ناوية أقعد كتير، همشي."
"لا، القعدة متحلاش غير في وجودك، وأكيد لورا معندهاش مانع تقعدي معانا. أنتم صحاب، ولو كان فيه غريب بينكم، هيكون أنا."
همست لورا أنها هتناقش بعض الأعمال الموسيقية مع الأستاذ محمود، وأن وجودي مهم جداً.
عملت فنجان قهوة وطلعت.
محمود كان بيتكلم مع لورا عن تاريخ الموسيقى في عصور أوروبا الوسطى، ولورا اللعينة منصته باستمتاع.
سبت كل ده وروحت على اللوحة وسألت محمود: "انت بترسم إيه هنا؟"
"مجرد خربشات لما ربة الرسم تنزل عليا."
وقبل ما أمنحه فرصة، قررت أوري لورا فشله. نزعت القماشة تحت عيون لورا، التي همست: "الله الله."
رفع محمود كتفه بلا حيلة.
كانت اللوحة تصور بحيرة فيها أوزات تلتهم سمك نافق.
تحلق بعض الطيور في سماء رصاصية، مع الخلفية غروب يجر كفناً من الأشعة الحمراء.
على طرف البحيرة فتاة هزيلة عارية الكتفين، ماسكة غصن وشعرها جديلة طويلة حتى خصرها.
ورا البنت أشجار منتصبة تحتضن بيت ريفي، بيت البنت على ما يبدو.
كانت لوحة بديعة، حتى وأنا مش بفهم في الرسم، مقدرتش أشيل عيني عنها.
"انت رسام كمان."
"رسام على قدي."
اللوحة كانت حلوة، سواء محمود رسمها أو اشتراها لسبب معرفتوش.
للأسف، محمود لا يتوقف عن إبهاري كل مرة.
"أنا وحيد."
همس محمود بتلك النبرة التي يستخدمها لينسب للآخرين مشاعر كان يرفض الاعتراف برؤيتها في نفسه.
"مع ذلك أنا حزين، الألم الأصدق هو الذي نعيشه بمفردنا."
خارج محمود وغل يده في جيب السترة.
"لست وحيد."
"لا تأمل مني أن أتألم من أجلك."
وإدراكاً لقسوة كلماتي، أردفت: "أنت حقاً رائع ولن تكون وحيد أبداً."
"أجل."
"شخص بمواهبك عليه أن يبتعد عن الحزن ولا يسمح له أن يتخلله، البشرية تحتاجك!"
"كيف أفعل ذلك؟"
"نحن حولك، معك، أنا معك."
وأدركت أن لورا ستبكي، أعرف تلك الفتاة وطيبة قلبها.
"نعم، نحن حولك. والدتك هنا وأنا أيضاً، حتى لو كنت تعتبرني غريبة، فإننا نقيم في نفس المكان."
"تقولين ذلك رغم أنك تنتوين الرحيل؟"
رفع محمود عينيه وبص ناحيتي بحزن: "أنتِ فعلاً هتمشي؟"
"أيوة حنان قالت إنها هتتأجر شقة بعيدة هتعيش فيها لوحدها. حنان شايفة إنها مش هتقدر تقعد في بيتكم أكتر من كده، وإنها لازم تشق طريقها ومش هتسمح لحياتها إنها تتوقف."
"فعلاً من حقها تمشي."
وبص ناحيتي: "خليكي عارفة إني مش هتأخر في أي مساعدة تطلبيها مني."
"انتوا بتتكلموا عني كأني مشيت خلاص؟ دي كانت مجرد فكرة. أنا سعيدة هنا مع ماما ومع..."
ومكملتش الكلمة، وقفت في.
بصتلي لورا بغيظ، لكن إحنا شوفنا شقق كتير بالفعل وتكلمنا في الإيجار مع أصحابها.
حسيت دموعي هتنفجر. عمري ما حبيت أفضل في نفس المكان اللي فيه محمود أكتر من اللحظة دي.
حتى لو مكنش جوزي، كفاية إني أشوفه كل يوم بيروح الشغل.
أسمع سعاله في الليل.
وأحس بخطواته على سطح البيت.
"الوقت اتأخر، أنا لازم أمشي، مع إني مش عايزة أمشي."
"بصي على صاحب الوش الكئيب ده، قلبي مش مطاوعني أسيبه لوحده."
"تريث محمود قليلاً، كان الظلام مطبقاً على الشارع."
"لا تقلقي، أنا معتاد على العزلة، يمضي العالم بعيد وتافه خارج حجرتي."
"انت مش وحيد، لازم تعرف إنك الليلة كسبت صديقة جديدة."
"أنا وحيد مثل تلك الفتاة."
بدي لي صوته هشاً وفزعاً، وشعرت بقلبي يتقطع.
"مخطئ أنت إذا شعرت أنك وحيد ولا أحد مهتم بك؟"
"كنت أخرقاً، هداماً، منفرًا، غير مفهوم، أنت من جررت ذلك على نفسك."
"أو حقاً؟"
"عذراً."
ولوحت بيدي في الهواء: "هل تعاني من فقد ذاكرة لعين؟"
انحنى ملوحاً بيده أمامه: "أتمنى ملاقاةك في ظروف أفضل، أعني بعيد عن تلك المشكلات."
"لا وجود للمشكلات، اختلاف وجهات نظر، لورا تتفهم ذلك."
"نعم أتفهم ذلك. على كل حال..."
وصمتت لورا.
"أتوقع أن تجمعنا جلسة في وقت قريب."
"أتطلع لذلك."
وطبع قبلة على يد لورا.
"هل سأكون حاضرة؟"
"يسعدني ذلك."
بيننا هبطت لورا درجات السلم دون أن ترد، وأن أودعها على الباب، كانت عيناها مغورقة بالدموع.
بعد ما لورا مشيت، وقبل ما محمود يدخل غرفته، سألته: "انت ليه بتعمل كده؟"
"أعمل إيه؟"
"بتحاول توهم الناس إنك مظلوم ووحيد والحياة قست عليك؟"
بص محمود في عينيه: "اسمعي، أنا متفهم خيباتك، هزائمك وخسائرك."
"الظلم اللي وقع عليكي."
"هعمل إيه؟ اعتذاراتي مش هتشفع لي. لو كنتي متوقعة إني هزحف كحشرة كافكا عشان أنال غفرانك، تبقي غلطانة."
"أنا مطلبتش منك تكون حشرة، يكفي تكون إنسان فاهم؟"
"لكن انتي مش متخيلة إني إنسان أحمل مشاعر وأتألم مثلك؟"
"لكن لورا هتفهمك صح؟"
"ليه بتدخلى المتطفلة دي في كلامنا؟ مش أنا اللي عزمت لورا في بيتنا على فكرة."
"يعني مش هتقابلها تاني؟"
"هو ده كل اللي هامك يا حنان؟ أنا كنت افتكرتك اتغيرتي."
"أنا مبقاش لي وجود في حياتك خلاص."
"أنا مغيرتش رأيي، قصتنا انتهت خلاص، أنا بس بحاول أفهمك."
"لكن أنا أعتقد قصتنا لسه مبدأتش أصلاً."
رواية عشق المستبد الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
في الشغل صدعتني لورا بالكلام عن محمود، طليقي. قالت إنه رسام وموسيقي وجذاب وأنيق وكمان لبق في الحديث.
قلت: "يا لورا، انتي متعرفيش محمود زي، محمود ممكن يضربك ويستمتع بضربك ويتعمد إذلالك، وفوق كل ده مش مؤدب. وكان بيجيب بنات الشقة في وجودي. كل ده وتقولي جميل؟"
همست لورا: "لكنه بيعمل كده بأسلوب محبب يخليكي تستمتعي بالألم. إنك تكوني تحت سلطة إنسان أنيق وجذاب فكرة مغرية جدا."
قلت: "اسكتي يا لورا، مش انتي خلعتي جوزك لأنه كان بيضربك؟ دلوقتي بتمدحي قسوة محمود وجبروته وظلمه. يعني انتي ممكن تقبلي الضرب والإهانة من شخص جذاب وأنيق ورسام لأنه عجبك؟"
شردت لورا وهمست: "يا تسنيم، الحياة مملة جدا. نفتح عينينا نروح الشغل، نرجع من الشغل ناكل، ننام. مش شايفة متعة في حياة ماشية بالطريقة دي."
قلت بتردد: "وشك يعني انتي بتلاقي المتعة في شخص بيعذبك؟"
همست: "لا، محمود مختلف. محمود كوكتيل غريب، خليط محبب ونادر."
قلت: "يا لورا، أنا فاهمة كل ده. محمود فيه حاجة بتجذبك نحو مصيدته ثم يتمتع بإهانتك وزلك. صدقيني، مش هتقدري تفهمي الوغد ده ولا ترضي نزواته. هقولك حاجة؟ محمود هيتصل بيكي عشان يقابلك بعيد عني وهيبذل كل جهده عشان يبهرك ويجذبك نحو حماقاته."
قالت لورا: "أنا اديته رقمي بالفعل وتوقعت إنه يكلمني، لكنه متصلش."
"لورا؟" قلت بضيق. "يدوبك مرت ساعات على مقابلتك محمود. أنا بتكلم عن المستقبل."
همست لورا بكسوف: "تسنيم، هو محمود لسه ليه مكان في قلبك؟ يعني ممكن ترجعوا لبعض تاني؟"
قلت: "لا، اطمني. أنا مش ممكن أرجع لمحمود أبدا."
ابتسمت لورا بارتياح: "يعني مش هتضايقي لو قربت منه؟"
قلت بسرعة: "لا، لكن مش هسمح بكده. مش هسمح لمحمود يعذبك زي ما عذبني. انتي صديقتي الوحيدة وهدافع عن مصالحك مهما حصل."
فكرت دقيقة وهمست: "مستحيل أرجعله غير لو حاول هو يقرب مني."
رفعت لورا حاجبها باستنكار: "يعني انتي يا تسنيم مستعدة لإعادة التجربة إذا حاول محمود يقرب منك؟"
"يوه!" صرخت. "لورا، انتي غريبة يا تسنيم. بتقولي إنك بتكرهي محمود، لكنك مستعدة تديله فرصة تانية عشان يعذبك؟"
صرخت مدافعًة: "بصي، مش هرجع لمحمود أبدا. أنا بس بحذرك إن محمود هيسعى للتقرب منك."
قطع محادثتنا وصول واحد من العملاء. سبت لورا تبرم معاه الصفقة ووقفت قدام الشرفة متغاظة من نفسي. أنا ليه مخليه محور تفكيري؟ ليه حياتي واقفة عنده وعليه؟
افتكرت يوم ما جاب بوكيه الورد والهدية الاعتذار الصامت اللي كان محمود بيقدمه ليا، وسألت: "يمكن كان لازم أديله فرصة؟"
فزعني صراخ لورا: "تسنيم، معلش خدي الأستاذ وكملي الصفقة علشان أنا عندي مشوار مهم طارئ."
مشيت مع الراجل وأنا بسأل نفسي: "إيه المشوار الطارئ اللي ظهر فجأة؟"
قعدت في المكتبة أستنى رجوع لورا اللي اتأخر. كعادتي، مكنتش بروح غير بعد رجوع محمود. وقعدت أفكر: "لورا فين؟ ويا ترى هي مع محمود دلوقتي؟"
مسكت التليفون أتصل بيها، وفي آخر لحظة تراجعت. قلت: "هيفكروا إيه لو كانوا مع بعض؟"
الساعة عدت خمسة. قلت: "هرجع البيت. لو كان محمود وصل يبقى شكوكى ملهاش لازمة، لكن لو كان برة يبقى قاعد مع لورا."
رجعت على البيت. غرفة محمود كانت فاضية. طلعت على السطح، مكنش موجود. رميت نفسي على الكنبة. كنت شايفة الشارع، لو محمود ظهر هلمحه.
مرت ساعة ومحمود مظهرش. طلعت التليفون واتصلت على لورا، مرة، مرتين مردتش. ضربت إيدي في الكنبة: "ليه يا لورا مش بتردي عليه؟ حتى لو كنتي مع محمود، المفروض تحترمني وتردي على الاتصال."
في تلك اللحظة لمحت محمود طالع العمارة ولورا بتتصل بيا. اعتذرت لورا قالت إنها كانت في المطبخ وترجتني مزعلش. طلب لورا للغفران صدر لي الشك بطريقة مريبة. نزلت حاسة بالسعادة. محمود كان منتظر والدته اللي بتحضر الأكل وباصص في تليفونه.
مرفعش راسه ولا عبرني. قلت: "انت وصلت؟"
محمود مردش عليا وحماتي بدأت رص الأطباق. قلت بغيظ: "شايفك ابنك مش راضي يرد عليا."
رفع محمود دماغه وهمس: "مخدتش بالي، كنت مشغول في التليفون."
قلت بغضب: "طبعاً لازم متخدش بالك إذا كنت مشغول بالتليفون."
ابتسم محمود وهمس: "انتي جميلة جدا يا تسنيم النهاردة وأنيقة ومش شايف أي سبب يخليكي تغضبي."
عاينت نفسي. أنا بكون أنيقة كل يوم ومش مشكلتي إنه بيعبر عن رأيه وقت ما يحب. وإني مش شايفة نفسي أنيقة النهاردة ومستعدة أضرب أي شخص يقولي انتي أنيقة النهاردة بالذات. همست: "شكرا."
بينما عاد محمود لهاتفه. وقفت قدام المراية وسألت حماتي: "همس، هو أنا أنيقة فعلا النهاردة؟"
همست حماتي وهي ملاحظة إيديا اللي حوالين وسطي: "إنك مذهلة النهاردة."
حسيت بالسعادة ولقيت نفسي مستعدة لمحادثة طويلة مع محمود. رجعت قعدت. وفي نفس اللحظة تليفون محمود رن. اسمي ارتعش كأن المكالمة ليا أنا مش ليه. ورد محمود: "الوو، لورا؟"
وقفت بسرعة وقربت منه: "انت مقلتش إنك انت ولورا اديتو الأرقام لبعض؟"
همس محمود بلا مبالاة: "اتقابلنا صدفة النهاردة في الشارع."
قلت بسخرية: "في الشارع؟ مقدرتش على الأقل تعزمها على فنجان قهوة؟ لورا صديقتي المحببة ولازم تعاملها باحترام."
همس محمود وهو بيرفع إيده: "إذا كان الأمر مهم بالنسبة لك، فأنا مش ممكن تفوتني أمور الاتيكيت دي."
قلت: "يعني عزمتها على قهوة؟"
همس محمود: "حصل."
صرخت بصوت مدوي: "أنا مش هتغدى، أنا رايحة غرفتي."
حماتي جريت ورايا وهمست: "يا بت، مستمحيش لأي حد يعكر مزاجك حتى لو كان ابني ده."
رفع محمود وشه وصرخ: "أنا مش فاهم إني زعلانة ليه. لو كنتي مهتمة فعلا، يا ريت تطلبي من صحبتك تبطل تلاحقني."
قالت حماتي: "مقدرش أنكر إن محمود ارتكب حماقات كتير في الماضي. لو في الوقت الحاضر حاله اتعدل..." وبصت ناحيتي. "وانتي شايفه إيه؟"
قلت: "فعلا بدأ يتغير."
صرخ محمود: "لكن أنا متغيرتش ومش ممكن اسمح لأي إنسان إن يطلب مني إني أتغير. إذا كان على شخص إن يتغير، فهو انتي مش أنا."
قلت بتحدي: "وأنا مش ممكن أتغير عشانك."
"لكن لورا ممكن، صح؟"
بصلي محمود بغضب وحقد وعادت نظرته المرعبة وهمس بتحدي وسخرية: "أيوه."