أخرج هاتفه وهو يتطلع إلى تلك الصور التي تجمعه مع والدته وهو يضم كلتيهما بين أحضانه. "آه... " خرجت منه، فقد أضناه الشوق ويكاد يموت وهي بعيدة عنه، لكن هذا أفضل لمصلحتها هي، فهو لا يستطيع ترويض تلك الوحوش التي تريد التهامه بداخله. هي أصبحت جزءًا لا يتجزأ منه.
منذ سنة وهو يتذكر ذاك اليوم الذي قبلها فيه. هنا اعترف لنفسه أنه غارق في حبها من رأسه حتى أخمص قدمه. الابتعاد عنها ليس من اختياره، لكن هذا أفضل لها. فهي كانت طفلة، والآن بتسأل كيف أصبحت طفلته. الآن هو يمنع نفسه من السؤال عنها حتى لا يضعف ويذهب لها ويضمها بين ذراعيه ويشبع تلك الوحوش بداخله. لكنه في طريقه إلى المنزل، سيرى كيف أصبحت طفلته. فقد اكتفى بهذا القدر من الفراق. قبل يد والدته بحب.
"خلاص ي حبيبتي، مفيش بعد بعد اليوم." "أنا مش هبعد عنك تاني أبدًا." "إلا بالموت." "تبًا لكي، بعد الشر عنك ي حبيبي، ده أنا أفديك بعمري كله ي حبيبي." "حبيبتي أنا... "طب فلك فين؟ وحشتني أوي." "ولا هي متعرفش إني رجعت؟ "هي فعلاً متعرفش إنك جيت ي حبيبي. ثواني بس وهتلاقيها جاية." "إنتي إزاي تسمحي لها تخرج لوحدها ي ماما؟ "هي مش لوحدها ي جلال."
"آه، تلاقي الزفت سيف معاها. أنا قولتلُه قبل ما أسافر ياخد باله منها وينتبه على دراستها، بس هو شكله مقضيها خروج وفسح مع ست هانم، بس والله لأعلقهولك هما الاتنين. استنى عليا بس." "أنا عايزة أقولك حاجة ي جلال بس متتعصبش عشان خاطري، أرجوك." "قولي ي حبيبتي." "فلك وفارس... اتخطبوا."
نظر لوالدته طويلًا يحاول أن يستوعب تلك القنبلة التي ألقتها على مسامعه للتو. في هذه الأثناء، دخل كل من فلك وفارس بأيدٍ متشابكة والبسمة على وجههما. "فارس النجار، شاب في منتصف الثلاثينات معجب بفلك من زمان وكل ما ييجي يتقدم، جلال بيرفضه وده لسبب هنعرفه بعدين." "فريال هانم لسا بتحكيلي على خطوبتكم." "ما هو إنت مكنتش بترد على اتصالاتنا ي جلال، فاضطرنا نعمل الخطوبة من غير ما نستأذن حضرتك." "وتستأذني ليه؟
هو أنا مين أصلًا في حياة السنيورا؟ ماهي خدت قرارها وعارفة رأيي من ناحيتك أي. ومع ذلك، أهو إنت دلوقتي بقيت خطيبها." "فلك بتعتبرك باباها ي جلال، اللي ماشفتهوش، وأكيد حضرتك كمان بتعتبرها زي بنتك اللي مخلفتهالهاش، وإنت أكيد بتتمنى لها السعادة ومش هتوقف في طريقنا. إحنا بنحب بعض ي جلال وعايزين نتجوز."
لم تقدر على النطق بحرف واحد. فقط تنظر له باشتقياق. ازداد وسامة فوق وسامته، لكن لما يتألم قلبها بهذه الطريقة وهي ترى نظرات الخذلان من عينيه. تجاوزها، بل تجاهلها، وخرج خارج المنزل بأكمله. والدته تناديه لكنه لم يكن بحالة يسمح له بالاستماع إلى أي أحد. شمر أكمام قميصه وهو يدخل لذاك الكافيه الذي صاحبه هو سيف. أخرج سلاحه وهو يطلق طلقة في الهواء. "كله برا." "أنا أقسم لك يا سيف إنه كان غصب عني، مش هتصدقني صح؟
"عيبك إنك فاهمني ي أبو السيف." تدور في غرفتها ذهابًا وإيابًا. دموعها تنزل بألم عندما رأت الحزن في عينه. طب أنا دلوقتي ليه متضايقة؟ ماهو اللي سابني سنة من غير ما يسأل عني. هو اتخلى عني وخلف بوعده ليا. قلبي لسا بيدق بطريقة غبية أوي لما أشوفك بس ي جلال. أغمضت عينها بعنف، ثوانٍ وفتحت عينها على وسعهما وهي ترى اقتحامه لغرفتها. ابتلعت ريقها بخوف من منظره. "إيه اللي أي ي جلال؟ بتبصلي كده إزاي؟ "ببص لك إزاي ي بت عمي؟
ما كادت تهرب من الغرفة ومنه حتى أمسكها. ثوانٍ وشهقت عندما أحست بالحائط خلفها وذراعها مثبت أعلى رأسها. "أسيبك سنة ألاقيكم مخطوبين؟ لا، ده إحنا اتطورنا أوي." "أومال لو مكنتش رجعت إلا بعد خمس سنين، إيه كنت هلاقيك بعيالك مش كده؟ "وفيها إيه دي؟ حياتي ي جلال وأنا حرة فيها." "لا مش حرة ي هانم. طول ما أنا عايش إنتي مش حرة. ورحمة أبويا لأتربى من تاني ي فلك." "سيبني، إنت كده بتوجعني ي جلال."
دفن وجهه في عنقها يستنشق رائحتها بشغف. "وإنتي اللي بتعملي فيا ده إيه ي عمر جلال إنت؟ إنتي كده بتقتلني بالحياة بجوازك من الـ... "ابعد عني ي جلال. فارس خطيبي اللي هيبقى جوزي كمان أيام، وأهو أحسن إنك رجعت، حتى إنت تبقى وكيلي في جوازي منه." ضحك جلال بهدوء، ثوانٍ وكان ينزع الخاتم من إصبعها وهو يرميه من النافذة. "إيه اللي إنت عملته ده ي جلال؟ إنت مستوعب عملت إيه؟ ده خاتم الخطوبة." "فارس هيتعصب أوي لما يلاقيني مش لابساه."
وما كادت ترحل لتجلب الخاتم حتى أمسكها بقوة. أجلسها في الأريكة التي بغرفتها عنوة عنها. أعطاها دفترًا ومعه قلمًا وهو يأمرها. "وقعي." "إيه ده ي جلال؟ "بقولك وقعي لحسن أنا ابتديت أتعصب." "مش همضي على حاجة معرفهاش." "بقولك أمضي ي بت قبل ما جناني يطلع عليك."
أخذت القلم ووقعت بسرعة من ذعرها. ثوانٍ وانتهت، فأخذ منها الدفتر. ثوانٍ وقد تبدل حاله. خرج من الغرفة وهي تكاد لا تفقه شيئًا مما حدث. نزلت خلفه علها تفهم ماذا يحدث، لكنها انصدمت عندما سمعت أصوات المباركات. "ألف مبروك ي جلال بيه، حضرتك والآنسة فلك بقيتوا زوج وزوجة. بالرفاه والبنين إن شاء الله." "أمين ي شيخنا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!