يارا قاعدة مع رعد، كلمات تطن في عقل يارا: "جوزك بريء يا هانم". فكرت يارا أنه مجرد كلام، الخادمات يقولون أي كلام ليسعدوا به مخدوميهم. فهكذا تجري الأمور. من غفير العمارة، لعسكري الشرطة، للموظفين قليلي الشأن، الكل يخفي الحقيقة ويقول ما يرضي رؤسائه ويجلب منفعته الخاصة. صمتت يارا وهي تفكر: "أي مصلحة... مني أنا؟
لقد عرفتها للتو وليس من المتوقع أن أقابلها مرة أخرى. الأشخاص الذين لا يرغبون في منفعتنا وليس لديهم مصلحة عندنا يصدقوننا القول دائما". كان رعد يهذي بأي كلام فارغ، يقول ويلمح أن الزوجة لابد أن تريح زوجها وتعرف كيف تسعده، ولا عيب أن ترتدي زي خادمة أو غيره طالما يعجب زوجها. تذكرت أدهم عندما كان يهمس في أذنها أن كل ما ترتديه ينطق بالجمال مهما كان لونه أو شكله. فرق كبير بين رعد وأدهم. سابت رعد قاعد وقامت من مكانها.
"إن مروحة القصر يا رعد سلام". كان عقلها يغلي بالأفكار. "ليه سبتها تمشي من غير ما أستوضح منها كانت تقصد إيه؟ وجدت غرفة عم فتحي فاضية. عندما سألت صاحب دكان البقالة، قال: "رعد بيه طرده يا هانم". "طرده ليه؟ أنا حذرته يعمل كده". ركبت عربيتها وكلمت رعد، الذي قعد يهبد بأي كلام غير مقنع أن الرجل مش شايف شغله كويس، وأنه يعرف في الأعمال أكتر منها، وأنه المسؤول الفعلي عن كل حاجة. تركته يارا يرغي وسابت التليفون جنبها لحد ما قفل.
"لازم أقابل البنت دي مرة تانية ولازم أرجع عم فتحي الشغل". كانت تهمس في سرها: "يعتقدون أنني غير مفيدة وبلا شخصية؟ رجعت على القصر وطلبت محامي والدها. إلى قبل ما يتحرك من مكانه، كلم رغد الشربيني أمها وعرفها أن بنتها طلبت تقابله. عندما وصل المحامي، طلبت منه تعرف أملاكها إيه وصلاحيتها إيه. أخرج المحامي أوراقها. "يحب المحامين المراوغة". أدخلها في متاهات لا تعرف عنها شيء. همست يارا: "من فضلك قلي أنا أملك إيه؟
ضرب المحامي يده على كرشه وهو يتأمل يارا. "كل حاجة باسم والدتك يا هانم. محسن الهراس الله يرحمه مسبش وصية عندي. الوصية كانت مع والدتك وهو كتب لها كل حاجة. لو عندك استفسار اسألي والدتك". شكرت يارا المحامي وغادر القصر. عندما قعدت مع نفسها تساءلت يارا: "بابا كتب كل حاجة باسم ماما؟ مش معقول. دايما بابا كان يقول إن بيعمل كل حاجة عشانها. إزاي ينسى كده؟ فتحت شبكة الإنترنت تبحث عن...
كان عندها حساب مليكة. الشابة التي خانها أدهم معها. من خلال الأصدقاء قدرت توصل لـ... صفحتها مكنش منشور فيها حاجة، لا عنوان، لا تليفون، لا إيميل. بعتتلها رسالة على الخاص وقفلت التليفون. وصلت رغد الشربيني وجدت يارا قاعدة في الصالة. حضنت بنتها واتكت على المقعد تتفحص وجهها. "من الأفضل أن تبدأ هي". لكن يارا فضلت ساكتة من غير كلام. "إذا لم تشتكي يارا فدا معناه أن فيه حاجة كبيرة مزعلاها".
"تحفظ كل امرأة ابنتها وتنجح جيدًا في تدميرها". "ومحاولة جعلها نسخة منها". "يارا أنا هطلع أوضتي أنام. عايزة حاجة؟ "لا شكراً يا ماما. اتفضلي". "لا تتمتع يارا بقلب قاسٍ وتكون كلمة واحدة كفيلة أن تفتح أبواب قلبها". صعدت رغد غرفتها. "رعد عمل مصيبة حاسة بكده". كلمت رعد وعرفت منه اللي حصل. في الطابق الأرضي، كانت يارا تدور فكرة في عقلها. "ليه والدتها مقلتلهاش أن والدها كتب كل حاجة باسمها؟
للدرجة دي مش معتبراها جديرة بالمشاركة؟ وكان الحزن يأكلها. عندما دق هاتفها برسالة على الماسنجر. فتحت سارا رسالة... إلى: "ابعدي عني من فضلك". تنهدت يارا وكتمت بصقة. "بات واضح أن الموضوع أكبر مما تتخيل". "فين فهد؟ كان دايما يتناقش معاها. لكن فهد من شهور سايب القصر ومشفتش وشه". كتبت يارا رسالة تانية لـ... : "ارجوكي احنا ستات زي بعض. ساعديني". وصلت رسالة...
: "انت مش بتسمعي غير كلام نفسك والناس اللي حواليكي. غيري حياتك وافتحي عنيكي. أنا هتصل بيكي في الوقت المناسب. دلوقتي فتحي عينيكي وراقبي كل حاجة". بعد أيام من الصمت والبقاء دون حركة، أدرك رعد أن يارا رضيت بالأمر الواقع. وحتى لو كانت شاكة أن ليه علاقات نسائية مش هتقدر تعمل حاجة. "يارا طيبة وضعيفة. شخطه واحدة بتخليها تبكي. كما أن والدتها كبرت دماغها. هتعمل إيه يعني؟
عرفت يارا أن والدتها مسؤولة عن كل الشركات وأن رعد مدير أعمالها. كانت داخل القصر أنثى بلا مسؤوليات أو أملاك. لكن يارا قررت أن وقت قعادها في القصر من غير ما تعمل حاجة مضى من زمان. وكان أول فكرة عندها أن توصل لمليكة. لازم تعرف الحقيقة. أدهم مظلوم أو لأ. عن طريق بحث استمر أيام، قدرت توصل لعنوان مليكة من خلال علاقات أصدقائها. غيرت هدومها وخرجت ناحية شقة مليكة.
ركنت يارا عربيتها. عمارة من تلت طوابق بست شقق. وقفت تحت العمارة تبص على اللوكيشن مضبوط ولا لأ. صادفها رجل يهبط درجات السلم بسرعة. كان جسمه نحيل متعرق وعيونه غائرة. أصلع إلا من شعرات تركهم على مقدمة رأسه. كاد أن يصطدم بها ولم يعتذر. ركب عربية كانت منتظراه جنب العمارة وانطلق بسرعة. تابعته يارا بعيونها من تحت نضارتها الشمسية. كانت مخفية شعرها بوشاح حتى لا يتعرف عليها أحد. ثم تسلقت درجات السلم بتردد.
"الحقيقة دايما مرعبة ومفيش إنسان بيحب يكون غلطان". الشقة في الطابق الثالث. باب الشقة مفتوح. وقفت يارا وتنهدت. نادت باسم مليكة أكثر من مرة ولم تلق رد. قررت تمشي. مش هتدخل شقة مفتوحة. استدارت وهبطت أول درجة سلم. ثم وصلت لأذنها آنه مكتومة. صرخة إنسان يتوجع على وشك الموت. وقفت يارا وسمعت بتركيز قبل أن تقتحم الشقة. داخل الصالة كانت فتاة ثلاثينية بشعر أحمر ولباس منزلي. نايمة على الأرض بقها بينزف دم وفيه جرح كبير في صدرها.
وقفت يارا مصدومة لحظات قبل ما تنزل على الأرض وتسند رقبة البنت. كانت عيون الفتاة تبرق كأنها ترى الموت. ضغطت يارا على جرح مليكة وسدت النزيف بوشاحها. "انتي هتبقي كويسة. تحملي شوية. هطلب المساعدة". أمسكت مليكة يد يارا وضغطت عليها بعيون متوسلة: "انقذيني". اتصلت يارا بالإسعاف وعملت الإسعافات الأولية على قد ما تعرف. بعد نصف ساعة وصلت سيارة الإسعاف. رافقت يارا مليكة لحد المستشفى ودخلت عمليات.
لم تغادر يارا المشفى. فضلت قاعدة لحد ما العملية خلصت ونجح الأطباء في إنقاذ مليكة. الوقت كان تأخر جداً وقررت يارا تمشي. قبل ما تنزل السلم سمعت صوت ممرضة بتجري وراها. ممرضة تعدت الثلاثين وتشعر أنها غير متزنة. تحمل رسالة دون أن تشعر بألم. "المريضة طلبت تتكلم معاكي". مشيت يارا مع الممرضة لحد ما وصلت غرفة العناية المشددة. كانت الشرطة وصلت وعلى وشك أن تبدأ عملها.
"انتي كويسة الحمد لله". وربتت يارا على كتف مليكة. "أنا هدفع تكاليف المستشفى. متقلقيش من حاجة". حاولت مليكة أن تقول كلمة لكن يارا منعتها: "متتكلميش دلوقتي. الكلام خطر على صحتك. هشوفك مرة تانية". همست مليكة بصوت غير مفهوم: "رعد". لم تسمع يارا الكلمة. "قلتلك بلاش كلام. هكون عندك بكرة إن شاء الله. ارتاحي دلوقتي". في طريقها، غسلت يارا يديها في حمام قذر تفوح منه رائحة العفونة وعدلت ملابسها.
في قسم الحسابات، أخرجت يارا بطاقتها الائتمانية تدفع التكاليف. لكن الفلوس اللي معاها مكفتش وكان لازم تتصرف. اتصلت لوالدتها وطلبت منها تحولها فلوس لأنها في مستشفى وصديقة ليها تعبانة جداً. لم تتأخر رغد ولم تسأل عن سبب. أكملت يارا تكاليف المشفى. غادرت نحو القصر. كانت بتفكر هي مليكة همست بإيه؟ رعد مين؟ ثم فجأة ضغطت الفرامل وصرخت.
"الراجل اللي شفته نازل يجري على السلم دا أكيد اللي كان هيقتل مليكة. بكرة الصبح لازم أبلغ كل حاجة للشرطة". نامت يارا وقطرات الحقيقة تترقرق داخل قلبها. "بكرة هعرف الحقيقة إن شاء الله". الصبح بعد ما فتحت يارا عيونها وتناولت طعامها، أخدت بعضها على المشفى. وصلت المشفى الساعة العاشرة صباحاً. وعندما صعدت درجات السلم وفي الرواق، وجدت الممرضات بتجري وفيه زحمة في العناية المركزة. سألت الممرضة النحيلة ذات العيون العسلية التي
تفوح من فمها رائحة التبغ: "فيه إيه؟ أجابت الممرضة: "المريضة اللي في غرفة سبعة ماتت".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!