الفصل 10 | من 25 فصل

رواية عشق الصقر الفصل العاشر 10 - بقلم سارة حسن

المشاهدات
27
كلمة
2,029
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

تحركت بخطوات هادئة وحذرة، والفرس أمامها يتحرك في كل اتجاه، ويضرب بحوافره الأرض بقوة. كان يظهر عليه رقي سلالته من لونه الأسود وخصلات شعره المتفحمة وتفاصيله. انتظرت الوقت المناسب، عندما توقف يلهث يلتقط أنفاسه. بهدوء اقتربت منه ومسحت على رأسه برفق. ابتعد برأسه عنها للجهة الأخرى وعاد للخلف مع صوت صهيله المعترض، فكررت فعلتها حتى هدأ وهدأت أنفاسه.

من حسن حظها أنه مروّض من صاحبه، وإلا كانت النتائج وخيمة. لكنه يظهر أنه فقد غاضبًا، أو ربما يشتاق لصديقه. ضحكت بسعادة لاستجابته لها وهدوئه معها وسماحه لها بملامسته ومداعبة خصلات شعره السوداء الناعمة. تصنم صقر للمشهد الماثل أمامه، وكأنها لوحة فنية جميلة ومتناقضة. قربها منه وهمسها له ببعض الكلمات وهدوئه أمامها، سواده القاتم وفستانها الوردي وحجابها الأبيض الذي زاد من جمالها.

زفر أنفاسه بعد لهثه أثر ركضه لعلمه بغضب سلطان، وجن جنونه عند علمه من أبيه بذهاب كارما إليه. كاد يتوقف قلبه من بشاعة تخيلاته لما سيحدث لها، ولكن ما حدث أنه شعر أن قلبه خطفت دقاته لتلك القابعة بجانب فرسه. "أنتِ عارفة إن محدش يعرف يتعامل مع سلطان غيري." التفتت لصوته الذي حفظته وقالت بابتسامة هادئة: "اسمه حلو أوي، بس إحنا خلاص بقينا صحاب." تساءل بفضول: "إزاي عرفتي تتعاملي معاه؟

"ماما كانت بطلة سبق وكسبت مسابقات كتير وكانت بتحب الخيل أوي، تقريباً ورثت ده منها وحبيته، اتعلمت واشتركت في مسابقات كتير وكنت بكسب." ثم قالت ضاحكة بخفوت معترفة: "على فكرة لو ما كنتش عارفة إن سلطان مروّض ما كنتش جيت جنبه، اللي جمد قلبي إن عرفت إنه بس زعلان شوية." ابتسم بهدوء قائلاً: "فعلاً، سلطان لما بيكون زهقان أو عايز يشوفني بيعمل كده." تساءلت وهي تطعمه بعض السكاكر: "مين روّضه؟ "أنا." رفعت حاجبيها باستغراب: "أنت؟

إزاي؟ أنا عارفة إن الترويض صعب جداً وخطر." أجابها وهو يخلع عنه وشاحه: "عادي، اتعودت." ثم قال فجأة: "أنا ممكن أسمحلك تركبي أي حصان من اللي هنا." رفعت إحدى حاجبيها وقالت بحنق: "تسمحلي! يا سلام على كرمك." فقال مكملاً: "آه، بس بشرط." تركت السرج وقالت بضيق: "من غير شروط، أنا أصلاً مش عايزة." وقبل أن تتحرك قال مسرعاً: "قصدي يعني طلب، إنك ما تركبيش لوحدك عشان ما تتوهيش زي المرة اللي فاتت."

أومأت برأسها وقالت: "إذا كان كده ماشي." حرك رأسه وقال: "تركبي سلطان؟ كان عرضاً مغرياً للغاية، ولكنها في آخر لحظة أشارت اتجاه حصان آخر لا يقل جمالاً عن سلطان، وتسلقته برشاقة تحت أنظار صقر. اعتلى صقر فرسه بقفزة واحدة وجذب لجامه ثم تحرك به وأشار لها بيده قائلاً: "ورايا."

ذمت شفتيها بغيظ من طريقته في إلقاء أوامره، فأسرت بالحصان حتى استبقته. ارتسمت على وجهه ابتسامة وحفز سلطان بقدميه حتى ركض بقوة وابتعدوا عن البيت الكبير بسباق لم يكن أي منهما يتخيله، ولكن يا ترى من سيفوز في النهاية. توقف صقر وأشار إليها، فهدأت من ركضها. قالت له وهي مازلت قابعة على فرسها: "وقفت ليه؟

أشار لها للناحية الأخرى، فاتسعت عيناها من جمال ما رأت. لم تلاحظ وجودهم على تلك التلة العالية سوى الآن. عندما شاهدت البلدة بأكملها من عليها مع منظر لنهر النيل، رسمت لوحة سبحان الخالق فأبدع. نزل من على فرسه برشاقة وربط السرج بجذع الشجرة، ثم فعلت كارما مثله ووقفت على حرف التلة بجانبه. تطلعت إليه ولعينيه الناظرة للأمام.

تآكلت لأول مرة بذلك الفضول الغريب الذي أصبح يتملكها تجاه ذلك الرجل المتناقض، في غروره وتواضعه وكرمه مع السيدة. إلقاءه طوال الوقت للأوامر بينما يستمع لجده ووالده بكل اهتمام. حتى في ملابسه متناقض، تارة تراه بملابس شبابية تظهره أصغر سناً وعفوياً كأول مرة رأته بها، وأخرى كـهذه جلباب وعمامته ووشاحه الذي تركه قبل جولتهم وكأنها خلقت له خصيصاً تعطيه تلك الهيبة كأنه قادم من عصر آخر. تنهدت، واستمع

لتنهيدتها وقال بصوت هادئ: "إيه رأيك في المكان؟ أجابته بإعجاب قائلة: "جميل جداً." "بحب أجي هنا، هدوء بعيد عن الدوشة وأشوف البلد كلها قصاد عيني." التفتت إليه وقالت: "كلكم هنا بتتكلموا عن الأرض وحبكم ليها، تفتكر بابا ما كانش بيحبها زيكم؟ لما سألت عمي قالي إنه كان بيجي جري مشتاق ليها."

استغرق الأمر للحظة قبل أن يوليها كامل اهتمامه قائلاً: "كل واحد بيلاقي نفسه في الحاجة اللي تشبه. أبويا وجدي اختاروا الأرض، جدي لأنه أول من زرعها وطرحت على إيديه وأبويا عشان إنه الولد الكبير وكان ملازم جدي. عمي يمكن عشان دماغه كان في التعليم أكتر اختار العلم." سكتت قليلاً وقالت بشجن: "مافيش مرة كلمني عنها وعينيه ما اتملتش دموع." "ما كل حاجة وليها تمن." قبضت حاجبيها متسائلة: "يعني إيه؟

أجابها صقر بتريث: "يعني عمي كان ما بين اختيارين، لو اختار عقله يبقى هايرجع لهنا ولو اختار قلبه يبقى يفضل هناك، وهو اختار قلبه." رمشت بعينيها عدة مرات باستغراب، فأبتسم وقال: "كلنا عارفين سبب استقراره هناك." ثم ضحك بخفوت وقال: "أقولك على سر؟ أومأت برأسها وعيناها الواسعة مرتكزة عليه بتركيز شديد.

"مرة بعت لجدي جواب وقال له أنا وقعت في حب واحدة صهباء شعرها أحمر زي النار وعيونها فيها دفء الدنيا… حبيتها يابا ومافيش بيدي حيلة." كانت تستمع إليه بانبهار، كانت تعتقد أنه ذلك العقلية المتشددة والغير متفهمة لمشاعر الحب. اتخذت بحديثه عن والدها وذلك الحديث الذي تستمع إليه لأول مرة والذي بسببه لا تعرف لماذا غزت تلك الحمرة وجنتيها وهي تستمع لتلك الكلمات عن لسان والدها منه هو.

غض بصره عنها بعجوبة، ملامحها المعبرة واتساع عينيها وتركيزها الكامل لحديثه والذي اتخذ منحنى آخر أربكه. لام نفسه عن تطور الحديث لهذا الحد بينهما، مما جعل الأجواء تتوتر من حولهما. تنحنح ثم أجلى صوته وقال: "يالا بينا قبل الليل." حركت رأسها موافقة وتحركت من خلفه وصعد كل منهما حصانه للعودة للبيت الكبير.

تقلبت كارما في فراشها وقد استأذنت مبكراً اليوم وصعدت لغرفتها، ولكن بمجرد ما وضعت رأسها على وسادتها جفا عينيها النوم. أصدرت تنهيدة ثم استقامت وفتحت شرفتها مستنشقة عبير زهورها، تفكر في آخر لقاء بينهما والذي غاب بعدها لسفر مفاجئ لعدة أيام. شارف غيابه على الأسبوع، وفي الحقيقة رغم حنقها منه في بعض الأحيان، إلا أنها تشعر بجزء ناقص في البيت. ربما صوته القوي أو حفيف جلبابه ورائحته التي تنذر بقدومه قبل أن تراه. خائفة لا تنكر، تلك المشاعر المتضاربة تجعلها في حيرة من أمرها.

ارتدت مأزرها ووضعت حجابها كيفما اتفق ونزلت لأسفل. اليوم علمت من جدها عن تلك المكتبة الملحقة بمكتب صقر والتي بها مجموعة مختلفة من الكتب والروايات. قررت استعارة ما تجده مناسباً لتقرأه حتى يأتي ميعاد النوم. فتحت الباب ودخلت حتى وصلت لمنتصفها ووقفت. رائحة الكتب حمستها. تطلعت لمجموعة روايات مختلفة واختارت ما انجذبت إليه. نظرت لذلك الكرسي الهزاز ولا مانع في جلسة قراءة مريحة عليه.

انسجمت مع الأحداث وانعزلت عن الواقع مع تفاصيل الرواية. رفعت قدميها ومالت برأسها بجلسة أكثر راحة.

دخل للبيت الكبير بخطوات هادئة متعبة وقد تعدت الساعة منتصف الليل. انتبه للنور المنبعث من غرفة مكتبه، فا اتجه إليها بترقب لمن سيأتي إليها دون وجوده وفي ذلك الوقت. وقف صقر مبهوتاً لتلك القابعة بكرسي مكتبه وذلك الكتاب الملقي على قدمها والذي يظهر أنها غفت أثناء قراءتها. حجابها الملقي أرضاً ورأسها المائلة مع شعرها الذي يشبه خيوط الشمس وقت الغروب. اضطربت أنفاسه وبإرادة من حديد أبعد عينيه عن وجهها المستكين.

تنحنح ليوقظها فلم تستيقظ. أجلى حنجرته أكثر، فانتبهت واعتدلت. نظرت من حولها ثم استعادت وعيها تدريجياً حتى انتبهت لوجوده. هبت واقفة وقالت بارتباك وهي تضع حجابها على رأسها: "أنا آسفة، يظهر إني نمت مكاني." حرك رأسه وقال وهو غاضض بصره عنها: "مايجراش حاجة، ممكن تبقي تاخدي الكتب اللي عايزاها وتقريها في أوضتك أحسن." أجابته باندفاع: "أنت لو مضايق إني دخلت هنا، خلاص مش هدخل تاني."

أجابها موضحاً: "مش قصدي كده، أقصد لو بتحبي تقري في وقت متأخر ممكن تقريها في أوضتك أحسن من البرد اللي هنا." أومأت برأسها وقالت بخفوت: "ممكن أبقى آخد روايات تانية." قال على الفور: "المكتبة كلها تحت أمرك." ابتسمت له بوداعة وقالت بتقدير: "شكراً… تصبح على خير." أجاب من خلفها: "وإنتِ من أهله." ثم التفت بظهره عنها مستنداً بيديه على مكتبه زافراً نفساً عميقاً وتلك الدقات المضطربة باتت تقلقه مؤخراً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...