الفصل 9 | من 25 فصل

رواية عشق الصقر الفصل التاسع 9 - بقلم سارة حسن

المشاهدات
27
كلمة
2,072
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

تسطحت على الفراش وغطت نفسها بالشرشف. نظرت إليه وهو يدخن سيجارته، قائلة: "هانفضل كده لحد امتى يا كامل؟ نفث الدخان من فمه قائلاً: "وهانعرف نعمل إيه يعني يا سعاد؟ استقامت وقالت بخوف: "في كل مرة باجي هنا بموت في جلدي. لحد يشوفني ويبلغ عتمان ولا صقر ولا رحيم. دي فيها موتي يا كامل." ابتسم ساخراً:

"ما إحنا بقالنا أكتر من خمس سنين على الوضع ده وماحدش عرف حاجة. وبعدين لو بكلامك ده بتلمحي على جواز زي كل مرة، فـ أحب أقولك صقر ابن رحيم قفل كل حاجة. فاكر القاعدة الأخيرة بينا، ساعة ما خلى راجل ما يساوى مليم يمد إيده على ابني؟ ركعت على إحدى ركبتيها قائلة برجاء: "وأنا إيه ذنبي يا كامل؟ ما أنا ياما قولتلك اعقد عليا وانت بتتحجج." مال عليها وقال: "وهي ورقة العرفي دي مش عقد يا سعاد؟ حركت رأسها بالنفي قائلة:

"لا، عايزاه رسمي يا كامل. ابقي مرتك رسمي، ويوم ما ينكشف سترنا ما تفضحش قدام الخلق." امتعضت ملامحه وقال بضيق: "يوووه يا سعاد، مش هانخلص من الموال ده." ثم هب واقفاً يرتدي ملابسه هاتفاً بها: "ولو ضميرك ناقح عليكي أوي، خلاص ما عدتيش تيجي هنا." تمسكت بكتفيه قائلة برجاء: "لا يا كامل، ماقدرش. أنا ماقدرش أعيش من غيرك. دي الكام ساعة اللي بقضيهم وياك دول اللي بيحسسوني إني لسه عايشة."

ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه واستدار قائلاً: "أيوه كده، ما تبوظيش الليلة." ابتسمت بأهتزاز راغبة في إرضائه وخوفاً من القادم. *** رنت صوت ضحكاتهم العالية في المطبخ. تقوست شفتي كارما قائلة: "بس بقى كفاية ضحك عليا." قالت زهرة وهي تقلب العجين لصنع ما يسمي بـ (القراقيش، وهي من المقرمشات الصعيدية) "بوظتي العجين وبقى صايص خالص." قالت أم محروس: "لسه بتتعلم يا ست زهرة، دي أول مرة برضه." أكدت كارما على حديثها قائلة:

"أيوه، وإن شاء الله هاتعلمه وأعمله أحسن منك كمان." أجابتها زهرة لتثير غيظها: "آه، ابقي قابليني." وفجأة نثرت كارما الدقيق بوجهها، مما جعل زهرة تشهق بتفاجئ. لم تنتظر كارما وركضت ضاحكة للخارج. دخل لبهو الدار الفارغ. لم يجد أحد من عائلته، ولكنه انتبه لصوت الضحكات العالية الآتية من المطبخ. كاد يتحرك، ولكن توقف عندما رأى تلك القادمة راكضة من المطبخ ملطخة بالدقيق ولم تلاحظ وجوده.

تعثرت كارما في طرف السجادة، وأملت نفسها بسقطة مدوية على الأرض. ربما ستؤدي ببعض الرضوض أو الكدمات، ولكنها فجأة وجدت نفسها بين يدين قويتين حاصرتها من خصرها قبل أن تسقط. تطلعت لعمق عينيه التي لا تستطيع أن تحيد بعيداً عنهما. زادت ضربات قلبها في وجل، وكأن عينيه فضاء واسع مجهول. وملامحه الحادة وعمامته الذي يرتديها دائماً جعلته الرجل الأكثر اختلافاً بنظرها.

ملامحها الملطخة بالعجين جعلتها تشبه طفلة شقية عبثت بأدوات المطبخ من خلف والدتها، وعينيها الذهبية كخيوط من ذهب، تخطف وتربك. كانت لحظات خاطفة بعثرت دقاتهم فجأة. انقطع وصلهما أثر ضوضاء زهرة القادمة. ابتعدت هي خطوة للخلف، وبقي هو ثابتاً في مكانه وعيناه المرتكزة عليها. جعلتها تفر من أمامه هاربة من حصاره. *** "يا صقر بيه، يا صقر بيه." كان هذا هتاف تلك المرأة أمام بوابة البيت الكبير، مصممة على رؤية صقر.

خرج صقر وأشار للغفر أن يفتحوا لها البوابة. تقدمت بخطوات مرتبكة حتى وقفت قبالته. ملابسها المتشحة بالسواد، ملامحها توحي على تقدمها بالعمر. قالت له برجاء: "يا صقر بيه، أنا جايالك وقصدك في خدمة. ربنا يجبرك ما تكسر بخاطري." أومأ له صقر قائلاً: "خير يا حاجة، قولي." قالت السيدة:

"بنتي يا بيه، خلاص على فرحها أسبوع. وأنا ست غلبانة شغالة في أرضك وجوزي الله يرحمه ومالناش ضهر. البت فرحها اتأجل أكتر من مرة بسبب الشغل، وأنا عملت اللي أقدر عليه وما بيدي حيلة. روحت لريس العمال في الأرض قصدته في سلفة، مارضيش." قاطعه صقر متفهماً: "حاضر يا حاجة، انتي تأمري." أجابته: "الأمر لله يا بيه." وضع يده في جيب جلبابه الداخلي وأخرج حفنة من المال وأعطاها لها. وبصوت جهوري نادى أحد الغفر قائلاً:

"ابعتلي ريس العمال بسرعة." وأكمل منادياً لأم محروس التي هرولت إليه وقال بصوت خافت لا تسمعه سواها: "جهزي الخزين اللي يحتاجه الدار وبزيادة." أومأت له برأسها وعادت تلبي ما أمر به. هرول ريس العمال قائلاً: "أوامرك يا صقر بيه." وضع يديه في جيب جلبابه قائلاً: "من هنا ورايح الحاجة مالهاش في شغل أرضنا." شهقت السيدة ضاربة يدها على صدرها قائلة: "ليه يا صقر بيه؟ وإني قصرت في حاجة؟ أجابها صقر وقال:

"ها تقعدي في دارك وليكي شهرية هاتجيلك مع ريس العمال، ولو احتجتي حاجة اديكي عارفة داري." جاءت من خلفها أم محروس محملة بالخيرات، فحملها عنها أحد الغفر. وقال له صقر: "وصل الحاجة لحد باب داره." ترقرق الدموع بعينيها: "ده كتير أوي يا بيه، أنا كنت جاية عايزة سلفة تقوم جابر بخاطري كده." ثم أكملت رافعة رأسها للسماء داعية: "ربنا يجبرك بخاطرك ويفرح قلبك ويرزقك ببنت الحلال ويريح بالك وما يوقعك في ضيقة أبداً." ضحك صقر بود:

"كل ده، ربنا يتقبل منك." تحركت عائدة وهي مستمرة بدعائها له بجبر الخاطر كما جبر خاطرها. كانت تقف على عتبة الباب تشاهد ما يفعله مع السيدة العجوز. غزا قلبه موقفه وتصرفه اللين، وملامح وجهه تحمل كم من الود والرأفة، جعلتها تشعر أنها باتت مترنحة بين عنفوان صقر ورأفته. *** أخرجت رأسها من الباب الموارب لغرفة جدها، فتنحنحت بابتسامة قائلة: "صباح الخير." أجابها الجد ورحيم قائلين بترحيب: "يا أهلا بست البنات." اقتربت

ووقفت قبالته قائلة لرحيم: "آسفة يا عمي، شكلكم بتتكلموا في شغل. هاستأذن وأجي وقت تاني." أجابها رحيم: "لا خليكي، جدك بس كان بيطمن على الحصان اللي عندنا، أصله بعافية شوية." فقال عتمان متسائلاً: "انتي ماشوفتيش الإسطبل اللي عندنا، مش كده؟ حركت رأسها بالنفي وقالت بابتسامة لعمها: "بصراحة لا، بس هبقى مبسوطة لو عمي فرجني عليه." ضحك رحيم قائلاً: "بس كده، يلا بينا. أنا كده كده كنت رايح دلوقتي." استقامت بحماس وهتفت:

"وأنا جاهزة أصلاً." *** سارت بجانبه وصمت لا يخلو من بضع كلمات بسيطة. رحيم هادئ الطبع يشبه والدها في الشكل. أما الطبع فقد غلب على طبع والدها التمرد، وإلا ما كان تمرد على حياته هنا وسافر للخارج. لم تستطع غض عقلها عن تلك الألفة التي تشعرها وهي بجانبه. طريقته وهو يلقي الأوامر، ولباسه الصعيدي الكامل، حتى العصاة التي تلازمه في كل وقت. التفت لها رحيم وأشار لمكان الإسطبل:

"هو ده بقى الإسطبل. جدك في شبابه ماحدش كان يقدر يسابقه في ركوبه، واللي طالع ليه صقر." التفتت له وتوقفت متسائلة في شجن: "وبابا؟ تأثرت ملامحه وقال بصوت شجي: "عارفة، أبوكي كان زي الحصان عفي وما يحبش حد يمشيه زي ما هو عايز. له دماغه وتفكيره. كان نفسه في حاجات ياما: يتعلم، يدرس، ويسافر، ويحب. كان آخر حاجة يفكر فيها هي الأرض." ثم أكمل وهو ينظر أمامه:

"مش عشان بيكرهها لأ، بس كان دايماً يقولي إنه مطمن عليها طول ما إحنا موجودين. كان كل ما يسافر للكلية لحد ما بقى معيد، ألاقيه جاي جري مشتاق للأرض والزرع وريحته." ترقرق العبرات بعينيها فابتسم محاولاً تلطيف الأجواء: "أما أنا بقى، فضلت هنا. أنا ماقدرش أعيش غير هنا، عامل زي السمك لو طلعت من المية أموت." تساءلت كارما: "درست؟ أجابها أثناء سيرهم:

"أيوه.. بس ما كملتش. ماكنتش هاوي علام أوي، كان شغلي مع أبويا جرد وحسابات، بس مع الوقت بقيت بفهم في كل حاجة: زراعة وسماد ومحاصيل. صقر بقى خدها دراسة، دخل كلية الزراعة والعلم نور زي ما بيقولوا، كان فاهم وطور من الشغل لحد ما بقى عارف كل حاجة." وعلى ذكر اسمه، اضطربت خلاياها وازدادت دقات ذلك الخافق يصدرها دون إرادة منها. فجأة علت الأصوات من حولهم وتوترت الأجواء. سأل رحيم أحد العمال: "في إيه؟ إيه الدوشة دي؟ أجابه العامل:

"سلطان يا رحيم، هايج ومش عارفين ماله." سكتت كارما ذراع رحيم وهتفت: "عمي، أنا ممكن أدخله." قال برفض على الفور: "لأ طبعاً، ماحدش بيعرف يتعامل مع سلطان غير صقر." أجابته محاولة إقناعه: "أنا بعرف أتعامل معاهم، أنا دخلت مسابقات كتير برة." أجابها رحيم: "يا بنتي أنا خايف عليكي." هتفت له قائلة: "صدقني لو لقيت الوضع صعب هابعد." لم تنتظر منه رداً وتحركت اتجاه الفرس المتمرد، وأصبحت قبالته.

ركض صقر للإسطبل بعد علمه بتمرد حصانه، ثم توقف فجأة عندما شاهد كارما تقترب منه، ثم تصنم مكانه من غرابة ما رأى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...