في عتمة الليل والسكون المحيط بهم بعد ساعات من منتصف الليل، ينفث من أنفه وفمه ذلك الدخان الكثيف من تلك الأرجيلة المليئة بالحشيش، في ذلك المكان السري الذي لا يتوافد عليه سوى القليل. هتف أحد الرجال وهو يشعل الفحم: -طولت غيابك علينا يا معلم عيد. زفر عيد الدخان ولم يجيبه، فمال عليه رجل آخر قائلاً بهمساً: -من ساعة القاعدة إياها وهو كده مش طايق نفسه ولا طايق حد. أجابه الآخر:
-حقه برضو يا جدع، وهي سهلة عليه ياكل قلم على وشه كده قدام كبرات البلد. انتهى من إشعال الفحم وقال: -ما عرفش يعلم عليه غير صقر. هتف عيد بهما بغضب: -بتقولوا إيه يا ض انت وهو. أجاب أحدهم: -ولا حاجة يا معلم، بسأل على مكان المعسل. اقتحم جلستهم وتمدد على الأريكة الخشبية وهتف بحماس: -لافيني ولعه يا ض خرمان. ضحك أحدهم قائلاً: -الله ومعلم مجد كمان وصل، دي الليالة صباحي يا رجالة. هتف مجد لذلك الشارد: -إيه يا عيد مش تمسي.
أجابه عيد بتأفف: -دماغي مش ريقالك يا مجد الساعة دي. قال له: -دماغك مش رايقة من ساعة القاعدة إياها وكده مش صح، لازم تظهر وتقفله تاني أه عشان محدش يستقل بيك. اسودت عيني عيد وقال: -أنا يوقفني زي العويل عشان راجل ما استعناش أشغله عندي يمسحلي جزمتي. أخذ أنفاساً متتالية من أرجيلته وقال مزوداً البنزين على نيران عيد: -أه يا أخي هاتقولي على صقر، ده قادر ودايم يحب يعمل نفسه كبير على حساب أي حاجة، واللي يطاطيله ها.
قاطعه عيد منفعلاً بغضب: -اللي يطاطيله يا مجد، ما عاش ولا كان اللي يقل مني. أشار له مجد مؤيداً بقوة وقال مؤكداً: -أمال يا جدع، عشان كده بقولك حقك ما تسيبهوش، بس على الهادي. انتبه إليه عيد وقال: -إزاي. نفث الدخان مجدداً وقال بابتسامة خبيثة: -ها قولك... السلام عليكم ورحمة الله.
تلك الكلمات التي ألقى بها صقر تحيته على التجمع العائلي الذي وجده في بهو البيت الكبير عند دخوله، رددوا جميعاً من خلفه التحية، تقابلت عينيه بتلك الجالسة بجانب جده والتي أخفضت عينيها عنه بارتباك من حضوره الذي أصبح يربكها مؤخراً. قال عتمان: -حمد الله على السلامة يا صقر، كنت هكلمك تيجي بدري بس أنت سبقتني وجيت. جلس صقر قبالته منتبهً: -خير يا جدي. أجابه عتمان:
-خير يا بني إن شاء الله، في عريس جاي لبنت من بناتنا وعايزك تسأل عليه. لا إرادياً توجهت عينيه إليها ثم قال بترقب: -لمين. كانت إجابة والدته هذه المرة: -أختك يا صقر. وأكملت ضاحكة: -كبرت وخطابها بقوا على الباب. ابتلع ريقه وقال بأنفاس هادئة: -خير إن شاء الله، من عيلة مين. أجاب رحيم: -من عيلة همام، أنا أعرف أبوها وأعمامه بس العريس لا، ودي مهمتك يا بني. أومأ برأسه وقال: -بسيطة، اللي فيه الخير ربنا يقدمه. قال عتمان من خلفه:
-ونعم بالله يا بني. قالت سعاد بابتسامة مبالغ فيها: -شوفتي البنات هايكبرونا يا أمل، دي إيناس منين ما أخدها في حته، أم ده تكلمني وأم ده تلمحلي، وأنا أقولهم بنتي ما تخرجش برة العيلة أبداً. ثم خاطبتها وهي تلوح لها بيدها ضاحكة: -عقبال ما نفرح بيهم عن قريب يا أختي. أخفضت إيناس وجهها قائلة بخجل مصطنع: -بس بقى يا ماما.
لم يعجب الجميع بتلميحات سعاد المبطنة بزواج إيناس لصقر، رغم أنهم لم يتحدثوا في ذلك الموضوع إلا في صغرهم وكانت إيناس وقتها في عمر الطفولة وكذلك صقر، وعندما كبر صقر أبدى رفضه معللاً أنه لا يراها سوى ابنت عمه ومثل شقيقته، لكن استمرت سعاد في زرع تلك الفكرة في عقل إيناس حتى تصبح زوجة كبير العائلة. قال الجد وهو يهم بالوقوف:
-إيناس حفيدتي مش هاديها غير للي رايدها ويصونها يا سعاد، ونصيبها لسه ما جاش، يوم ما يجي ويخبط على دارنا صقر هو اللي هيسأل عليه. ثم تحرك مستغفراً متجهاً إلى غرفته مستنداً على صقر. هبت إيناس واقفة بضيق من حديث جدها، بينما نظرت سعاد لشقيقتها نظرة معاتبة فأخفضت أمل عينيها عنها بقلة حيلة فما بيدها لتفعله وابنها لا يريد زوجة ابنتها. وانفض الجمع كل في اتجاه. مالت كارما برأسها لزهرة متسائلة: -هو الجو اتكهرب كده ليه.
نظرت إليها زهرة وقالت: -هو أنتي ما فهمتيش. ذمت شفتيها وقالت: -كلامهم كله تلميحات، ما فهمتش. ضحكت زهرة بخفوت وقالت: -أحسن برضو. قضّبت حاجبيها متسائلة: -ليه. تنهدت زهرة وقالت بشرود: -في حاجات بتبقى أحسن لما تفضل مستخبية يا كارما. -هو أنا ليه حاسة إنك مش مبسوطة من العريس. نظرت لها وقالت بيأس: -مش فارقة خلاص. -زهرة. تنهدت بعمق وقالت بخفوت: -ها حكيلك يا كارما. دثر صقر بالغطاء وقال له: -ما تبصليش كده يا جدي.
أجابه عتمان قائلاً: -بما إنك فاهم نظرة عيني أكيد أنت عارف كمان أنا عايز أقولك إيه. مسح صقر على وجهه وقال: -غصب عني يا جدي، مش عارف أشوفها غير إنها زي زهرة. تنهد عتمان وأردف: -لامتي يا صقر، عايز أفرح بيك وأشوف عيالك قبل ما أموت. هتف على الفور: -بعد الشر عليك يا جدي. -أنت عارف رغم إن ما بيعجبنيش كتير من تصرفات سعاد وطولة لسان إيناس، بس كان عشمي تاخدها تحت جناحك وأطمن عليها جارك. تنهد صقر بتعب وقال: -قلبي مش رايدها.
أومأ له عتمان بتفهم: -والحب بالرضا مش بالغصب. ابتسم صقر وتساءل: -كنت هتعمل إيه يا جدي لو كانت جدتي ضحى مش رايداك. غامت عينيه بالحنين مجيباً: -لو كان قلبها خالي، كنت هاعمل كل اللي أقدر عليه عشان يتملى بيا، كنت هاحاوطها بقلبي وأصبر عليها لحد ما تحبني. صمت صقر قليلاً وقال بتردد: -حتى لو كانت شايفاك بصورة تانية، واخدها عنك صورة مش فيك، أو يمكن فيك بس دي طبيعتك ومش هتعرف تغيرها. نظر له عتمان بتمعن وأجابه:
-لو واخدة صورة غلط أصححها، ولو الطبع مخليها تنفر (تبعد) عني، يبقى أتحكم فيه، ما الشاري لازم يتعب شوية. أومأ له صقر واستقام واقفاً معللاً إرهاقه، اصطحبته نظرات الجد من خلفه وشعور بداخله إن حفيده على مشارف الهوى. بتحبي يا زهرة. وضعت كفها على فم كارما التي هتفت بتلك الكلمات بعد الاستماع لحديث زهرة. -اشش اسكتي هاتفضحيني. حركت رأسها وقالت كارما بخفوت:
-معلش أصل اتفاجئت، إزاي وإمتى، أنا من وقت ما جيت ما شوفتش تقريباً رجالة غير الغفر اللي برة. أخفضت زهرة عينها وقالت بتوتر: -صاحب صقر. رددت كارما من خلفها باستفهام: -صاحب صقر؟ وده فين. -أوقات كتير بيجي هنا في شغل، كلامنا ما يتعداش السلام، بس بحس من عينيه حاجة غريبة رغم إنها بتبقى ثواني وينزلها الأرض، غصب عني يا كارما قلبي اتعلق بيه. أجابتها كارما بتأثر: -عشان كده مش مبسوطة بالعريس المتقدملك. ردت زهرة عليها بحزن:
-كان عندي أمل، بس يظهر خلاص نصيبي كده. شعرت كارما بالحزن لأجلها قائلة: -أنتي ممكن ترفضي يا زهرة، ما أعتقدش عمي أو جدي وحتى صقر يغصبوكي على الجواز، ويمكن العريس ده يبقى كويس ولما تعرفيه تحبيه. ترقرقت العبارات بعيني زهرة فأدركت كارما إن الفعل أصعب من الحديث، احتضنتها مؤازرة شاعرة بالحزن لأجلها. جلست تقضم في أظافرها ووالدتها تفكر بحل لتلك المعضلة. هتفت إيناس بضيق: -خلاص كده يا ماما صقر طار من إيدي. جذبتها
والدتها من ذراعها هاتفة: -لا طبعاً، اصبري بس بفكر في حل. قالت إيناس: -حل؟ حل إيه ده جدي رماها في وشنا وجابهالنا على بلاطة. فكرت سعاد قليلاً وقالت: -زودي العيار معاه حبتين. نفخت وقالت: -بيصدني يا ماما هاعمل إيه، أرمي نفسي عليه. اتسعت عيني سعاد وقالت بغضب: -لالا إن شاء الله مش اللي في بالي. انتبهت لها إيناس مستفهمة: -هو إيه اللي في بالك يا ماما. جلست سعاد ببطء وعقلها يعيد بعض الأحداث سريعاً:
-يوم ما صقر جه من السفر كنا بنفطر ولما عمي سأل عليه كارما قالت إنه رجع إمبارح، عرفت منين وهو كان جاي بعد نص الليل. ضيقت إيناس عينيها بريبة وهتفت: -يعني إيه. -يعني تفتحي عينك يا قلب أمك، شكلنا نايمين على ودانا ومقصوفة الرقبة ما بتضعيش وقت. ابتلعت إيناس ريقها خوفاً من فقدانه، واشتعلت عينيها غضباً من وجودها الجبري في حياتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!