في بداية يوم جديد، استعد صقر للخروج، وقبل أن يذهب قال لوالدته: "صباح الخير يا أم صقر." التفتت إليه أمل وأجابته بابتسامة: "يسعد صباحك يا حبيبي." ابتسم لها وقال، مرّبتًا على كتفها: "عايزك تعملي حساب كريم في الغدا معانا النهارده." تحدثت بترحاب: "عنيا يا حبيبي، يا مرحب بيه." ثم تساءلت: "عملت إيه في موضوع أختك يا صقر؟ أجابها صقر: "العريس كويس ومحترم، وأهله ناس يعرفوا الأصول." ابتهجت ملامحها وقالت:
"ربنا يقدم اللي فيه الخير ويفرحني بيك يا حبيبي." ابتسم لها وقال: "كله بآوانه يا أم صقر." انتبه للخطوات القادمة من خلفهم، تطلع للحظات لمحياها وهي تهبط الدرج بهدوء كأميرة متوجهة، لكنه تنبه لنفسه وغض الطرف عنها، حتى اقترب منهم وقالت بابتسامة مشرقة: "صباح الخير." قالت أمل بابتسامة واسعة: "إيه الصباح اللي يشرح القلب ده، والنبي ده أم ودعاله اللي هايصبح بوشك يا كارما." تنحنح صقر وهتف وهو يهم بالرحيل:
"بالإذن أنا يا أمي… السلام عليكم." تحركت عينيها معه باستغراب من تجاهله لها، وحتى لم يرد على تحيتها، نظرت لأمل مبتسمة وقالت: "ممكن أساعدك النهارده؟ رحبت بها أمل وقالت: "تعالي يا حبيبتي، فين زهرة؟ أجابتها كارما: "بتقول تعبانة وعايزة تنام شوية." تحدثت أمل وقالت: "وماله، ساعة كده ونبقى نصحيها، تعالي بقى هاقولك على شوية أسرار في الطبيخ ماتقوليش لعدوك عليها." ضحكت كارما وجارتها في حديثها رغم عقلها المشغول بذلك المتقلب. ***
في النهار الساطع والشمس الحارقة فوق رؤوسهم، كان كريم وصقر يتابعان بعض الأعمال والحسابات الخاصة بالأراضي، عاد به صقر للمنزل واستقبلته أمل بحفاوة: "حمد الله على السلامة، عاش من شافك يا ابني." ابتسم له كريم وأجاب: "الله يسلمك يا ست الكل، أخبارك صحتك إيه؟ "في نعمة يا حبيبي، الحاجة عاملة إيه؟ "سلم لي عليها." "يوصل إن شاء الله." قالت له مؤكدة: "أوعى تمشي قبل ما نتغدا، ده أنا مجهزة لك الأكل اللي بتحبه." جابها بعفوية وقال:
"أمشي ده إيه، هو أكل الصعيد ده يتفوت؟ ضحكت وقالت: "ألف هنا على قلبك." اصطحب صقر صديقه لغرفة المكتب حتى يجهز الغداء، فانشغل بمكالمة هاتفية جعلت ذلك القابع على الكرسي مستمعاً لحديثه ومنتظراً انتهاءه بفارغ الصبر، وما إن انتهى صقر. تساءل كريم بترقب: "سمعتك بتقول عريس وبتسأل عليه، لمين العريس ده؟ أجابه صقر بهدوء: "لـ زهرة." بهتت ملامحه وردد من خلفه: "زهرة أختك؟ عقد صقر ما بين حاجبيه قال: "أيوه أختي."
اخفض رأسه أرضًا عن أنظار ذلك الذي يتفحصه باستغراب من تبدل ملامحه وحاله الذي انقلب، لا يعرف بعشقه لها، لا يعرف بخوفه من تلك الفروقات بينهما المادية وبخوفه على علاقته به كصديق وأخ، لا يعرف بذلك الوعد الذي قطعه لنفسه أن ينحت في الصخر حتى يكون جدير بها، لكن يبدو القدر رأى آخر وأنها كبرت حتى صار من يريد الفوز بها. "كريم يا كريم." انتبه إليه من شروده فقال صقر: "إنت مش معايا خالص." تحدث كريم بصوت باهت: "وإنتوا وافقتوا؟
أجابه صقر متفحصًا: "بنسأل عليه لسه." ابتلع ريقه وقال بترقب: "وهي… وافقت؟ عاد صقر بظهره للخلف وقال بوضوح: "إيه يا كريم… وشك قلب فجأة ليه؟ قبض كريم على كفيه وهتف فجأة وبدون مقدمات: "أنا عايز أتجوز زهرة." والآخر لم يبد أي رد فعل مما جعله يترقب قلقًا. *** فتحت غرفتها وأزاحت عنها الغطاء هاتفة بها: "قومي بسرعة، شكلي عرفت مين حبيب القلب." اعتدلت زهرة بسرعة وقالت: "إنت بتقولي إيه يا كارما؟ مالت عليها كارما ضاحكة:
"أستاذ كريم تحت… مش ده اللي حكتيلي عنه؟ نهضت من فراشها وقالت بفرح: "يعني هو هنا؟ أومات كارما برأسها: "أيوه تحت في المكتب." أسرعت زهرة بارتداء ملابسها وحجابها، بالتأكيد لن تنزل لأسفل، لكن يكفيها أن ترى محياه أثناء مغادرته أو بسلام متحفظ بينهما. *** "إنت هتفضل باقي كده كتير؟ شبك صقر بيديه أمامه وقال: "وإنت فجأة كده حسيت إنك عايز تتجوز أختي؟ أجابه كريم بوضوح: "لأ يا صقر مش فجأة، من زمان." ردد من خلفه متعجبًا: "من زمان!
وإيه آخرك؟ ابتلع ريقه وحاول جاهدًا أن يصل إليه صدق حديثه ونيته: "عشان مش عايز آخدها وتعيش في مستوى أقل من اللي كانت فيه، عشان كان عندي مشوار طويل إني أجهز نفسي وأكون قادر أفتح بيت، وإنت يا صقر مش عايز أخسرك أخويا وصاحبي، ويعلم ربنا إني صنت دخلتي في بيتك." استغرق صقر عدة لحظات مستشعرًا صدق كلماته ثم قال بعدها: "هاشاور الحاج وجدي وهي طبعًا وأبلغك." فتساءل كريم متلهفًا: "يعني إنت موافق؟ ابتسم له صقر وقال بارتياح:
"موافق يا سيدي، وأنا يعني هالاقي أحسن منك، بس رأيها الأول." ضحك كريم متفائلاً شاعرًا أن حلمه على وشك أن يتحقق. *** طرقت باب مكتبه وأذن لها بالدخول، ابتسمت إيناس وقالت: "ممكن أدخل يا صقر؟ رفع عينيه عن الأوراق بين يديه وقال: "اتفضلي يا إيناس." خطوات هادئة وعينين ترسل لها آلاف الإشارات ويتجاهلها هو كعادته، قالت ما إن جلست: "سألت على عريس زهرة." نظر لها وقال صقر: "وإنت جاية لحد هنا عشان تسألي عن عريس زهرة؟
أجابته على الفور: "مش بنت خالتي وعايزة أطمن عليها، إنت ماتعرفش غلاوتها في قلبي قد إيه." ثم تنهدت وقالت بحزن مصطنع: "مع إني زعلانة منها واخده على خاطري منها." تساءل وقد ألقى بالقلم على سطح مكتبه محاولًا إظهار اهتمامه ومعرفة غرضها من القدوم: "ليه؟
"من وقت ما جت كارما وهي واخده جنب مني، طول النهار معاها، حتى لما نزلوا السوق محدش منهم كلف نفسه يقولي وأروح معاهم، حتى كارما اللي قولت أختي وهاتبقى جنبي بتتجاهلني ومش حاسة إنها بتحبني خالص وخايفة تكون بتكره زهرة فيا." مسح على وجهه بتعب وقال: "ماتكبريش المواضيع يا إيناس، زهرة بتحبك وأختك، بكرة تقربوا من بعض، ويا ستي على خروج السوق ابقي روحي معاهم المرة الجاية." تساقطت عبراتها بتمثيل مقنع وقالت:
"حاسة إني لوحدي يا صقر، كل واحد في دنيته، محدش بيفكر فيا." استقام واتجه إليها وقال بهدوء: "أبدًا يا إيناس، كلنا هنا بنحبك." وقفت قبالته بلهفة وقالت: "بجد يا صقر؟ عاد خطوة للخلف وقال موضحًا: "طبعًا، إنت عندي غلاوتك من غلاوة زهرة." تساقطت دموعها بصدق هذه المرة وقال بخفوت: "مش عايزة أخوك يحبني زي زهرة، أنا مش زهرة، إنت مش أخويا." ظهر الضيق على ملامحه من وضوح حديثها المحرج وقال: "إيناس اطلعي على أوضتك."
اخفضت عينيها أرضًا وأدار هو بظهره للنافذة وضيق حاجبيه لرؤية كارما المتجهة للاسطبل. تخشب مكانه عندما استمع لصوتها قائلة: "أنا بحبك يا صقر." التفت إليها وأشار لها بإصبعه بغضب: "إنتي اتجننتي ولا إيه، اتحشمي يا إيناس." حركت رأسها بالرفض وقالت بانفعال: "أيوه بحبك، هاتفضل لامتى مش واخد بالك أو عامل نفسك مش واخد بالك؟ هدر بها بانفعال غاضب: "على أوضتك حالاً… يالا."
انتفضت إثر صرخته بها وركضت لأعلى تاركة إياه يمسح على وجهه بغضب منها ومن جرأة حديثها، ثم تذكر تلك التي خرجت دون علمه وكأنه لا وجود له في الدار. تحرك بخطوات غاضبة متجهاً للاسطبل. وفي منتصف طريقه وجدها عائدة، تمثلت بجلسة مع الخيول لكن الظلام المحيط بها جعل الخوف يتسلل إليها وعادت مرة أخرى. كانت تسير واضعة يديها في جيبي الجاكت، ناظرة للأسفل غير منتبهة لوجوده. "إنتي استأذنتي قبل ما تخرجي؟
انتفضت إثر صوته المفاجئ والغاضب وظهوره فجأة أمامها. أجابته كارما وقد شعرت ببوادر نقاش محتد بينهما: "اللي عرفته إني أستأذن لو خرجت برة بوابة البيت، لكن أنا ماخرجتش، الاسطبل في محيط البيت." يهتف بها صقر أمرًا: "تستأذني برضه وماينفعش تخرجي بالليل كده لوحدك." هتفت به في ضيق وصوتًا مرتفع: "يوه، إنت كل ما تشوفني يا تتجاهلني خالص يا تكون متعصب وتديني في أوامر كده، يا سيدي لو مش طايق وجودي إنت كمان أرجع أنا ما طرح ما كنت."
قال من بين أسنانه بغضب: "إياكي صوتك يعلى عليا تاني، احمدي ربنا إنك ست، لو كنتي راجل كنت عرفته إزاي يتكلم معايا." أصرخت به لطريقته المتسلطة والمستفزة: "هاتعمل إيه يعني، هاتضربني مثلاً، أصدق إنك تعملها، ما اللي زيك ممكن يمد إيده على بنت عادي." قبض على يديه بقوة وبرزت عروق رقبته بغضبًا: "اللي زيك لو ماكنش يعرف الأصول كنت أدبتك من أول وجديد." اتسعت عينيها وهدرت به: "أنا مسمحلكش، أنا متربية كويس أوي." يهتف بها بغضب:
"والمتربية تخرج من غير ما تعرف حد من اللي موجودين، وفي الليل كمان ولوحدها، لو عمي ماعرفش يربيكي أنا هأربيكي." اتسعت عينيها وترقرق بهم العبرات غير قادرة على الرد عليه، ورغم غضبه وضيق إلا أنه ندم أنه تطرق لتلك النقطة بتهور منه. تساقطت دموعها وقالت له بصوت مختنق: "لو أبويا كان عايش ماكنش هايسمحلك تكلمني كده." انقبض قلبه من صورتها الباكية وظهر على وجهه إمارات الندم.
في مكان قريب منهم للغاية، هناك من يترصد بفوهة سلاحه بين الأشجار الكثيفة مصوبًا على اتجاه بعينه منتظرًا الوقت المناسب لإطلاق رصاصته. تحركت من أمامه عائدة للبيت غير قادرة على كتم نشيجها الذي استمع وأنظاره عليها من خلفها، وفي لحظة كان صوت العيار الناري يدوي بصوت عالٍ وصوت ارتطام قوي بالأرض، التفت بسرعة للخلف وجدته ملقى على الأرض وتلك البقعة الحمراء تزداد، ثم صرخت باسمه وهي تركض إليه: "صقر…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!