طرق باب غرفتها، وعندما فتحت شهقت لمرآته ويده المصابة معلقة على صدره. فقالت زهرة: "ما ندهتش عليا ليه وأجيلك؟ كده تتعب نفسك." أجابها وهو يدخل: "عايز أعرف رأيك في العريس." تبدلت ملامحها واخفضت وجهها، فتساءل صقر: "الحادثة اللي حصلت أجلت كلامي معاكي في حكاية العريس وما سألتكيش. إيه رأيك يا زهرة؟ أجابته بتردد: "مش عارفة." انحنى بنصفه العلوي للأمام وقال بهدوء: "أنا مش عايز أحيرك أكتر، بس فيه عريس تاني متقدملك."
تكتفت بضيق ونبرة لا تمتلك من الحماس ذرة: "كمان! … مش فارقة يا صقر، اعمل اللي انت شايفه." "أعمل اللي أنا شايفه إيه؟ هو أنا اللي هتجوز؟ يابنتي ما تكلمي، هو في حد هايغصبك على حاجة؟ ماذا تقول… ورغبة الزواج أمر كان مؤجلاً بالنسبة لها على أمل أن يتقدم ذلك البعيد وينالها قبل أن يمتلكها آخر. اختلجت أنفاسها وقالت باختناق: "مش عارفة، أنا ما أعرفش حد فيهم." "لا، في حد منهم تعرفيه؟ مين؟ أجابها صقر موضحاً: "كريم صاحبي."
رمشت بعينيها عدة مرات، وكأن أصابها الصمم، ثم رددت من خلفه وقالت بعقل مشوش: "مين؟ تفرس صقر ملامحها وقال: "كريم." لم تسيطر على تغير ملامحها التي ابتهجت لذلك الخبر، وقالت بصوت حاولت التحكم به: "وبعدين؟ أردف لها: "جيت أسألك وأعرف رأيك." لم تملك الكثير من التفكير وقالت له: "وانت قلت إيه؟ تنهد وقال بصبر: "يا زهرة، أنا جاي أسألك. لو حد فيهم وحش كنت هارفض من غير ما أرجعلك." اضطربت خوفاً من إدراكه لمشاعرها،
وقالت: "بس أكيد رأيك يهمني." "العريس الأولاني مش صاحبي بس عندي علم به، وهو ما يتعيبش. لكن كريم صاحبي وعارفه وعارف معدنه، وشاريِكِ، وهاطمن عليكي معاه." اكتسى الخجل جنتيها وتقول: "خلاص اللي تشوفه يا أخويا." ابتسم لها وتساءل رغم علمه بإجابتها: "أبلغ الموافقة لكريم؟ وضعت كفها على فمها بخجل مانعة تلك البسمة التي شقت ثغرها. ضحك صقر وجذبها بذراعه السليم وقال: "كبرتي وها تتخطفى مني يا زهرة.. ياويله مني لو بس فكر يزعلك."
ربتت على ظهره بحب وقالت: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي… وانت يا صقر مش هانفرح بيك؟ استمعت لتنهيدته وقال: "كله بأوانه." اندست في صدره بسعادة ظنت أنها لن تمتلكها يوماً. والآن أصبحت على مشارف الحصول عليها. توالت الأيام بين اتفاقات حتى جاء يوم قراءة الفاتحة. تزينت زهرة وملامحه المبتهجة تعبر عن مدى سعادتها. شاركتها كارما تفاصيل يومها وترتيبها إلى أن حضر أهل كريم الذي كاد أن يتوقف قلبه من قرب الوصال.
من فتحات السلم جلسن في الخفاء يتابعن الحديث الذي يدور في الأسفل. في جلسة رجالية بين العائلتين، كانت تراه جالساً يتحدث بهدوء ورزانة، يتجاوب مع الحديث الدائر، أو يخرج صوته المهيمن بهدوئه فينصت الجميع له. قالت زهرة هامسة فأخرجتها من شرودها: "حاسة قلبي هيقف يا كارما." ضحكت كارما ووضعت يدها على فمها حتى لا يصدر عنها صوت: "لا استني، ده لسه فيه قاعدة بينكم يا عروسة." انتبهت زهرة وتساءلت بلهفة: "بجد؟ عرفتي منين؟
ضحكت كارما وقالت: "سمعت طنط أمل بتقول لام محروس تحضر العشا عشان تتعشوا بعد الاتفاق." ثم تابعت غامزة: "عايزاكي ما تنسيش فتفوته تحكيهالي، فاهمة ولا لأ." قبل أن تجيبها هتفت زهرة قائلة بخوف: "يالهوي.. صقر طالع أجري بسرعة يا كارما." ارتبكت كارما وما إن وقفت وصعدت درجتين حتى تعثرت في طرف فستانها من الأمام، سقطت على يديها بثقلها، فتأوهت بألم. استمعت لصوت صقر من خلفها باستغراب: "في إيه؟ اعتدلت جالسة على
أول الدرج خلف الدرابزين: "اتعكبلت." رفع حاجبيه باستغراب وقال: "انتي كنتي بتعملي إيه؟ ارتبكت من إحراجها وقضبت جبينها من ألم يدها. نظر صقر لموضع يدها التي تدلكها بألم متسائلاً: "انتي كويسة؟ اخفضت رأسها وقالت بخجل: "وقعت على إيدي." مد يده السليمة، ومسك معصمها وحركها ببطء أمام عينيها المتسعة لفعله، وقال دون أن ينظر لها: "التواء بسيط." ثم رفع عينيه لها، أخذ نفساً عميقاً وقال بهدوء: "ما تقفيش هنا."
وقبل أن تجيبه أكمل موضحاً لها: "مش أمر قبل ما دماغك تروح في حتة تانية، بس مش عايز حد من الرجالة اللي تحت يلمحك." أومأت برأسها بالإيجاب. ترك يدها ببطء وعيناها تدور في كل اتجاه عداه. ركضت لغرفة زهرة. وقف هو قليلاً وعقله يعيد كلمة قالها جده (الشاري لازم يتعب شوية)
وهو شاري ويسعى لتغيير تلك الصورة التي اتخذتها عنه. انتبه لنفسه متذكراً لما أتى لهنا، بعد ما أنسته سبب صعوده. ضحك بخفة ودخل غرفته وحفيف جلبابه من خلفه. تناول هاتفه ونزل لأسفل مرة أخرى. أغلقت الباب واستندت من خلفه. رأته يصعد، فا ظنت أنها ربما الفرصة سنحت لها للحديث معه بعد ما تهرب لأيام من أن يحدثها، وعيناه كل ما تقابل عيناها المتلهفة يجيبها بلا شيء.
جلست إيناس وعيناها متسعة غاضبة، مكبوتة. رأته كما لم تراه من قبل، يتناول يدها برقة وينظر إليها بتلك الطريقة التي تمنتها لنفسها. ما الذي تمتلكه ليس عندها؟ هل من العدل أن تستولي عليه وهي من أتت من أشهر قليلة دخيلة عليهم؟ أم هي التي تربت أمامه ونشأت أمام عينيه ولم تر غيره رجلها. توحشت عيناها هاتفة لنفسها بعزم، أن لا سبيل لصقر سواها وستفعل على ذلك بكل قوتها.
استمرت في فرك يديها ببعضهما من خجلها وارتباكها، وهو لا يراعي أبداً ذلك بنظراته الوالهة الثابتة عليها، وكأنه غير مصدق جلوسها أمامه بعلم عائلتها وبملء إرادتها. ابتسم كريم وقال بقليل من المرح: "بطلي فرك في إيدك.. هو أنا بخوف أوي كده؟ حركت زهرة رأسها بالنفي ولم تجب بشيء، فقال بعد تنهيدة مرتاحة استمعت إليها: "أخيراً يا زهرة." يا الله، اضطربت أنفاسها من نطقه الأول لاسمها وتوهجت وجنتيها بحمرة جذابة. "ممكن تبصيلي؟
حركت رأسها بالنفي بارتباك، وكأنها فقدت القدرة على الحركة. فقال كريم: "شكلك مش موافقة، أنا هاطلع أقول لصقر." رفعت وجهها إليه فجأة، فا أمسك بعينيها وقال مبتسمًا بعذوبة: "مدارية وشك عني ليه، بصيلي وخليني أصدق إنك قدام عيني يا زهرة." عضت على شفتيها حتى كادت تدميها، بينما لم يتهاون هو وهتف: "عايز أسمع صوتك." خرج صوتها متحشرجاً: "أقول إيه؟ "عايز أسمع موافقتك يا زهرة، ليا لوحدي." أجابته زهرة قائلة بخفوت: "ما أنا قولت لصقر."
"زهرة." رفعت عينيها لندائه الخافت باسمها، فا لم تستطع أن لا تمنحه تلك الأمنية، التي لا يعلم كم تمنتها وأثرتها في نفسها. فقالت: "رايدك." اتسعت ابتسامته وقال مهللاً: "الله.. الله دي أحلى من كلمة موافقة اللي كنت عايز أسمعها منك." ثم أكمل بسعادة: "وأنا كمان رايدك يا زهرة… رايدك من زمان." أدخلت سعاد غرفة ابنتها بعدما انتهت من مكالمتها الهاتفية، تساءلت سعاد: "بتكلمي مين؟ جلست إيناس واضعة يدها على رأسها
غير محتملة ذلك الصداع: "اخت مجد." ضربت سعاد على صدرها بخوف وقالت: "نهار أسود، اخت مجد اللي نعرفها يا إيناس؟ أجابتها إيناس بإيجاز: "أيوه يا ماما." "مجد؟ ليه؟ وجبتي رقمها منين؟ إيه بينك وبينهم عشان تكلميها؟ انتصبت واقفة وهتفت قائلة: "عشان الزفتة اللي تحت دي، عشان صقر اللي بيروح من إيدي، عشان مش هافضل واقفة أتفرج عليهم كده." اقتربت منها سعاد وقالت بمهادنة: "طب بتعملي إيه؟ نوريني."
"واحدة صحبتي تعرف اخت مجد، قالتلها على اللي حصل بين كارما ومجد يوم ما تاهت. داخل دماغه وعاجباه، وطبعاً خايف يقرب من صقر. وصلتلها أنه كمان عاجبها وقدامه فرصة يقرب ويصلح اللي هببه معاها أول مرة." استنكرت سعاد فعلتها وقالت: "وده هايدخل على صقر؟ ابتسمت إيناس بخبث وقالت: "الشوف غير السمع، وهو وشطارته." "تقصدي مين؟ رفعت إحدى حاجبيها وقالت: "مجد." هتفت سعاد بقلق قائلة: "يا خوفي يا إيناس تعك على دماغنا."
أجابتها إيناس وقالت: "يحصل اللي يحصل، أنا مش هاسيب حقي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!