في وقت الغروب، وقد أوشك الليل على إسدال ستائره لحجب الشمس بنورها، تقف ناظرة لسلطان الذي يركض في المحيط المتاح له. ومن حوله ذلك السور الخشبي والمستندة عليه تتأمله. تنهدت وعيناها تنظر لأبعد من ذلك السور الخشبي. تحاول أن تكسب شقيقتها، ولكن نظراتها العدائية دائمًا ما تظهر لها كرهًا لم تصنعه يومًا.
رغم محيطها الهادئ، إلا أنها تشتاق لمكان مولدها، عائلتها الصغيرة، والدها ووالدتها. ذلك الدفء الذي افتقدته، رغم محاولة جدها وعمها بتعويضها ذلك. إلا أنها تشعر بتلك الانقباضة في يسار صدرها دون سبب. ابتسمت لسلطان الذي أصدر صهيلًا عاليًا مستمتعًا بحركته الحرة. كم يشبه صاحبه!
قوي ومسيطِر، هادئ ومتورط. تراه مغرورًا، لكن مع من يطلب المساعدة يكون في منتهى اللين والرحمة. عينيه في غضبه كليل سماء ملبدة بالغيوم، أما هدوءه صافية في ليلة مقمرة. ضربت على جبينها بخفة، تخشى على نفسها من وصولها إن أصبحت تتغنى به في فكرها. زاد صهيل سلطان وازدادت حركته غير المعتاد. التفت خلفها ووجدته قادمًا. تحفزت مستعدة لاعتراض منه على خروجها ككل مرة.
وقف بجانبها بمسافة كافية ومد يده لسلطان بقطع السكر التي التهمها الآخر بسعادة. قال صقر بهدوء: واقفة بقالك كتير أوي، حتى ما اتحركتيش من مكانك. التفتت برأسها إليه ولهيئته. ذلك الجلباب وتلك العباءة حول كتفيه وعمامته. لم تكن تتخيل في أحلامها أن تنجذب لرجل مثله يومًا ما. خرجت من شرودها على صوته مجددًا: إيه اللي واخد تفكيرك أوي كده؟ قال صقر وأجابها: من وقت ما وصلت. تسائلت كارما: غريبة ما شوفتكش. أجابها
وهو يمسح على رأس فرسه: كنتي غرقانة في تفكيرك، ما حبتش أقطع قعدتك مع نفسك. ابتسمت بهدوء وقالت: وإيه اللي خلاك تقرر تظهر دلوقتي؟ نظر إليها وقال صقر: إيه اللي شاغل بالك ومخليكي واقفة لحالك كده؟ بادلته النظر بعينين حائرتين وقالت: مش عارفة. قبض جبينه وهتف: مش عارفة إيه؟ تنهدت واحتارت في إجابتها، ثم قالت باندفاع: وتفتكر انت الشخص المناسب اللي ممكن أحكيله؟ أجابها على الفور بنبرته الواثقة: أنا أكتر شخص هاتلاقيه فاهم.
ارتبكت قليلاً وقالت مستنكرة: مش صح على فكرة. ابتسم بجانب فمه وقال صقر: كل واحد أدرى بحاله. استدارت له بكامل جسدها باندفاعية غير مبررة: مش هتبطل غرورك ده؟ فعل المثل ووقف قبالتها مجيبًا: تبقي بتكذبي على نفسك لو مصدقة إنه غرور. قبضت بيدها على السور وهتفت: يعني إيه؟ نظر لها تلك النظرة التي زلزلتها، وكأنه يقر بشيء لم ينطقه لسانه بعد، شيء لم يظهر للنور، لم يخرج من بين ثنايا قلبه، ولكن ظهر في عينيه بلغة أبلغ من الحديث.
اخفضت عينيها ودارت برأسها عنه، ولم تسيطر على تلك الرعشة الباردة التي أصابتها. خلع صقر عنه عباءته الصوفية وألقاها على كتفيها ثم عاد لوقفته مرة أخرى. أغمضت عينيها لا تعرف تأثرًا بدفء عباءته أم رائحته التي تغلغلت لأنفها دون رحمة. مر وقت قصير، قالت كارما بصوت خافت: يلا نرجع.
أومأ برأسه وصارت بجانبه. في نفس الطريق الذي شاهد إصابته. نظرا لبعضها وعادت هي برأسها مرة أخرى ولم تري تلك الابتسامة النادرة والخاصة بها. وعند اقترابها من البيت خلعت عباءته قائلة في خفوت: شكرًا. ولم تنتظر إجابته وهي داخلة للبيت الكبير. *** أنا عاتب عليك يا بن رحيم. ضحك صقر مقبلًا رأس جده وقال: كله إلا عتابك يا جدي ما أقدرش عليه. لوي عثمان فمه وقال: غايب ليه عني. جلس صقر قبالته وقال: بشوف الشغل المتأجل من وقت الحادث.
نظر له عثمان وقال: وأنا مش واعيلك يا بن رحيم. اخفض صقر عينيه وقال: مافيش حاجة تتقال يا جدي. ثم التقط تلك الصورة بجانب جده وقال مبتسمًا: كل ما أدخل عليك لوحدك تكون بتقرا قرآن أو ماسك صورة ستي الله يرحمها. أخذها منه عثمان ووضعها بجانبه بحرص قائلًا بخفوت: دي اللي بتصبرني لحد ما يجي معاد اللقاء. تساءل صقر وقال: لو كانت عايشة، كنت هاتفضل تحبها كده؟ تنهد عثمان وقال بحنين: لو كانت عايشة عمر ما حبي ليها كان ها يقل، مهما عشت.
تكلم صقر متحيرًا: إمتى عرفت إنك عشقت؟ قال عثمان: لما القلب يتنفض وقت ما تشوفها، لما تحس بحزنها من غير ما تحكيه، وعينيك تدور عليها في كل مكان، لما تعرف إنها الشق التاني لروحك. تأثر صقر بحديث جده، وشعر أنه أُلقي في ذلك السحر.
هو الذي دائمًا ما كان قلبه ملكه ولا سبيل ليهبه لأي من كانت من بنات حواء، حتى أنه كان يتعجب من أقوال البعض عن العشق والهوى. ولكن الغريب أنه لأول مرة يستمع لحكاوي جده ويشعر أنه يتفهمها ومدرك معانيها، يشعر أنها توصف تلك الأحاسيس بداخله، التي تحدث معه لأول مرة. *** خرجت للحديقة تقطف بعض من وريقات النعناع، فجاءة سقطت تلك الكرة بجانبها وتعالى صريخ الأطفال على الجهة الأخرى من السور لفقدانهم الكرة.
ضحكت كارما وجذبتها وتوجهت لهما من البوابة والتي كانت مفتوحة. هلل الصغار بفرح لعودة كرتهم مرة أخرى. ألقاها كارما إليهم فاندفعوا مرة أخرى باللهو بها كـ مباراة بينهم. التفتت للداخل ولكن توقفت لذلك الذي وجدته قبالتها قائلًا: حظي حلو إني شوفتك. عادت بخطوتها للخلف وقالت بضيق: عايز إيه؟ قال مجد متعمدًا أسلوبًا مهذبًا: كان نفسي أشوفك تاني عشان أعتذرلك، أنا فعلاً كان أسلوبي وحش جدًا. قالت كارما باختصار: حصل خير.
هتف مجد مجددًا: مش حابب يكون في بينا أي عداوة أو سوء تفاهم. ردت كارما بإيجاز: خلاص مافيش حاجة. مجد… انتفضت كارما مكانها من ذلك الصوت القوي الغاضب من خلفها. التفتت لصقر الذي أتى بخطوات واسعة هاتفًا: إيه اللي بيحصل هنا؟ ابتسم مجد وقال ببرود: كنت بعتذر للآنسة كارما على اللي حصل المرة اللي فاتت. تعالى صوت صقر جهوريًا مناديًا على إحدى الغفر معنفًا: أنا قلت أكتر من مرة البوابة ما تتسبش مفتوحة وماحدش يسيب مكانه على البوابة.
تلجلج الغفير أمام غضب سيده. التفت صقر لكارما آمرًا: ادخلي جوه. لم تستخدم كارما عنادها الآن، دخلت دون جدال من غضبه. قال مجد ببرود متعمد: إيه اللي بتعمله ده يا صقر، دي مش أصول. احتدمت عينيه وهتف به غاضبًا: والأصول إنك تقف على باب الدار تكلم الحريم، لو انت يا مجد ما تعرفش الأصول أنا أعلمهالك. أجابه مجد قائلًا: أنا عشان عارف الأصول جيت أستأذن أصحاب الدار وأبلغهم إني جاي أبويا وعمامي الليلة. قبض صقر جبينه وقال: خير.
ابتسم مجد باستفزاز: إيه ما بتستقبلوش ضيوف؟ هتف صقر بعينين كادت تحرقه: دار الجارحي مفتوحة لأي حد. وما له مجد وأشار بأصبعيه تحية وتحرك من أمامه. نظر صقر من خلفه بغضب واندفع للداخل. قابلته كارما التي مازالت واقفة على درج باب البيت. وقف قبالتها هاتفًا بها بحدة: إيه اللي طلعك من الدار؟ رفعت سبابتها وقالت بحذر: ممكن تهدي شوية. احتدم صوته أكثر قائلًا: إيه اللي طلعك برة، وإيه وقفك معاه؟ رمشت بعينيها عدة مرات
من اندفاع كلماته وقالت: إيه بينك وبينه بتكره كده؟ كاد يجن منها ومن أسألتها في ذلك التوقيت الغير مناسب كليًا. انفعل صقر أكثر قائلًا: أكره ولا أحبه يخصك في إيه، كنتي واقفة معاه ليها؟ أجابته كارما وقالت: ما كنتش واقفة، كنت بطلع الكورة بتاعت الولاد اللي بيلعبوا برة ولاقيته في وشي. كان بيعتذر عن طريقته آخر مرة. قال صقر من بين أسنانه: ولما شوفتيه ما دخلتيش ليه، وتطلعي ليه من الأساس؟ هتفت قبالته قائلة:
صقر أنا مش محبوسة على فكرة، إيه يعني لما أخرج برة البوابة. أنا ما اتحركتش من قدامها. صمت قليلاً، فا ظنت أن نوبة عصبيته لم تنتهي، وسي طولها بعض من غضبه أو كلماته اللاذعة. لكن اندهشت عند همسه الخافت لها: أنا خايف عليكِ. رفعت عينيها إليه وتساءلت بقلب مضطرب: من إيه؟ كانت إجابته الصادقة: من كل حاجة، من أي حد ممكن يفكر إنه يمسك، من أي أذى ممكن يطولك، من نظرة خبيثة تشوف طرفك.
اضطربت وتبعثرت الكلمات هنا وهناك، لم تنتظر أكثر وركضت أمام عينيه للداخل الدار، وعينيه تبصرها يتمنى لو اتخذت بين جفونه مسكنًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!