لم ترغب في النزول للإفطار، كل ما تريده فقط هو بعض الروايات، لعلها تساعد في مرور ذلك الوقت البطيء. ارتدت حجابها كيفما اتفق، خرجت من غرفتها وتوقفت أمام غرفته وبابها الموارب، والذي ظهر منه صقر جالسًا على حرف الفراش ويبدو متألمًا. لا تنكر تلك الرغبة الملحة عليها في الاطمئنان عليه، ولكنها فضلت الابتعاد. حتى رأته الآن… فتحت الباب على مصراعيه ودخلت. لم يشعر هو إلا بعباءته التي كان يحاول ارتدائها ملقاة على كتفيه فوق جلبابه.
التفت صقر، وما إن أبصرها وقف أمامها قائلًا بلهفة: كنت جايلك… ثم تلعثم لتهوّره وقال: أقصد كنت عايز أطمن. صمت مرة أخرى وقال بصوت خافت: أنا مديون لكتير. طلعت كارما ملامحه وعينيه المنخفضة عنها كعادته، ومظهره المختلف دون عمامته التي سقطت عنه وقت الحادثة. تساءلت كارما بخفوت: ليه؟ زفر أنفاسه وأردف: من كلام إيناس، عارف إنه زعلك. اخفضت عينيها أرضًا وضمت شفتيها تمنع بكائها: عندها حق أنا… قاطعها ناظرًا إليها
وقال بصوت لا يقبل الجدل: لا، أنتِ مالكيش ذنب. أنتِ كان ممكن من خوفك تجري من المكان، لكنك وقفتي وساعدتيني لحد ما وصلنا لهنا. أنتِ كمان كان ممكن تتصابي. أنا المفروض أشكرك. رفعت عينيها مقابل عينيه وتلك الغلالة المحيطة بها: ماكنش لازم أخرج. أجابها بصوت هادئ لاول مرة تسمعه: ده قدر وكان هايحصل هايحصل. كله مقدر ومكتوب. أردفت بصوت ناعم: حمد الله على سلامتك. الحمد لله إنك بخير.
كانت رقيقة بطريقة جعلته ناسيًا أن يخفض عينيه عنها، منجذبًا لتلك العينين الذهبيتين والتي لأول مرة يراها بذلك القرب. انتبه على سؤالها: مين اللي عمل كده؟ غض الطرف عنها مجيبًا بعد أن أجلى صوته: الله أعلم. _بلغتوا الشرطة؟ _أيوه، وبيعملوا اللازم. أومأت برأسها وتحركت لخارج الغرفة. استوقفها صوته قائلًا: أنا مديون لكِ كمان مرة. التفتت إليه هذه المرة بابتسامة عذبة: معقولة صقر الجارحي مديون ليا مرتين في ساعة واحدة؟
ابتسم لها تلك الابتسامة التي أظهرت غمازته لها، ولأول مرة تسمع اسمه منها: المرة دي مديون لكِ عن كلامي آخر مرة. ضحكت كارما وهتفت: امممم، لا في دي عندك حق بصراحة. ثم تابعت وقالت: وأنت كمان ماتزعلش مني. حرك رأسه وقال: حصل خير يا بت عمي. تتبعها حتى اختفت عن أنظاره، مرتاحًا لتلك الهدنة غير المعلنة بينهما… انتظرها وهو يدخن بشراهة. كاد يصاب بالجنون من وقت معرفته من ابنه ما دبره مجد في محاولة قتل صقر.
يخشى أن تأتي سيرة ابنه ويدفع هو ثمنها. استمع للطرقات الخافتة وفتح بابه على الفور. دخلت سعاد بأنفاس لاهثة: إيه يا كامل ده وقت تطلبني فيه، ما انت عارف المصيبة اللي في الدار. جذبها من ذراعها وقال: أيوه عرفت، المهم صقر عامل إيه؟ أجابته باستغراب: انت جايبني تسألني عن صقر يا كامل؟ زجرها وقال: اخلصي يا سعاد. قالت له: كويس، الدكتور خرج له الرصاصة، والنهاردة بدأ يتحرك. سأل مرة أخرى مترقبًا: وعرفوا مين اللي عمل كده؟
_لا، ما حدش يعرف، بس مش هايسيبوه. ما انت عارف صقر مش هايسيب حقه. رمى على مقعده بقلق: عارف… عارف. اقتربت منه وقالت: مالك يا كامل في إيه؟ هب واقفًا وأجابها: مافيش يا سعاد، ارجعي عشان محدش يحس بحاجة. بس لما أكلمك في التليفون تردي عليا طول. نفذت أمره دون مناقشة كعادتها وقالت: حاضر يا كامل. دي أقولك يا صقر إيه؟ كلمات قالها المحقق لمركز الشرطة التابع للمركز، أثناء تحقيقه مع صقر لمعرفة من حاول قتله. أجابه صقر بثبات:
أيوه يا حضرة الظابط. وقف المحقق وقال: أتمنى ما يكونش في حاجة ما قولتهاش في التحقيق. قال صقر بهدوء: وهو في حاجة تخفى على الحكومة؟ برضو، تلاقيه عيار طايش. حرك المحقق رأسه بعدم اقتناع: ياريت لو حصل جديد تبلغونا. انصرف المحقق. تطلع عتمان لحفيده قائلًا: انت عارف مين اللي عمل كده؟ صمت صقر لبره وقال بوضوح: شاكك يا جدي، ما أقدرش أقول حد بعينه، يمكن أكون ظالمه. هتف عتمان متسائلًا بترقب: ولو اتأكدت؟ احتدت عينيه وقال:
اكيد هاسيب الحكومة تجيب حقه. قال عتمان وقد انتابه القلق: أوعى لوحدك يا صقر… مش عايز ضهري يتقسم بيك، كفاية اللي راح. أجابه صقر على الفور: بعد الشر عليك يا جدي…. أردف عتمان: خد بالك على نفسك يا ابني. ابتسم له صقر يطمئنه: ما تقلقش عليا. حرك الجد رأسه واستقام واقفًا. فاتساءل صقر: رايح فين يا جدي؟ أجابه على تسائله: رايح لكارما أطيب خاطرها بكلمتين. اتشغلت فيك وعارف إن كلام إيناس زعلها. _لا، ما أنا راضيته.
رفع عتمان حاجبيه وقال: راضيتها! اخفض صقر عينيه عنه وأجاب: أيوه، كنت بشكرها على اللي عملته معايا، وطيبت خاطرها بكلمتين كدا. أخفى الجد ابتسامته وهتف: كويس إنك عملت كده، ما هي زي زهرة برضو. ارتفعت عينيه على الفور لجده، الذي رأى بهما الرفض والذي لم يستطع صقر أن يعلنه بعد. ضحك الجد وتسرب ذلك الأمل بداخله، متمنيًا أن يخطو حفيده أولى خطواته نحو العشق. جافاها النوم في ذلك الوقت المتأخر.
فتحت شرفتها واستندت بساعديها على السور، تتطلع لمكان الاصطبل الذي يحيطه الأنوار من كل اتجاه، بعد ما كان في ظلام معتم أول أمس فقد. استمعت لذلك الصوت الذي أصبحت تعرفه جيدًا حتى بتقلباته، مثل الآن. يتحدث في هاتفه ملقيًا أوامره كعادته، نبرته لا تحمل النقاش حتى. انتهى ثم وضع هاتفه على سور شرفته. التفت برأسه وجدها تنظر إليه كاتمة ضحكتها. فقال متسائلًا: في إيه؟ ربعت يدها على صدرها وقالت:
صعبان عليا اللي بتكلمه، أدته شوية أوامر ورا بعض. الله يكون معاه ويفتكرهم. ابتسم بجانب فمه وقال: ده شغل ومش بحب الغلط في الشغل. لفت اهتمامها قائلة بمغزى وصل إليه: مش في الشغل بس موضوع أوامرك ده. ضحك بخفوت وقال لها: شكلك لسه شايلة مني. رفعت كتفيها وقالت بإقرار: ده طبعي. نظر للمدى المظلم أمامه وقال بصوت هادئ: يمكن عشان من صغري نزلت الأرض واتعاملت مع عمال وتجار ومعلمين. الكلمة واحدة والغلط يخسرنا سمعة.
تساءلت كارما بفضول: وطفولتك؟ ابتسم صقر وقال: ماكنش في وقت للعب، في عيلة مافيهاش ولد غيري وهو اللي هايمسك كل ده. ضيقت حاجبيها بتأثر وتساءلت: المسؤولية صعبة. أجابها: يمكن وأنا صغير، دلوقتي لا. ضمت شفتيها وقالت: غريبة إني شايفاك متسلط ومع ذلك محبوب… ما عدا اللي ضربك طبعًا. رفع إحدى حاجبيه قائلًا: متسلط! أنتِ صريحة جدًا. أكملت قائلة: ومغرور… كمان. هتفت كارما بترقب: زودتها أنا صح؟ حرك رأسه وقال ضاحكًا بخفوت: لا خالص.
التفت برأسها الجهة الأخرى كاتمة ضحكة كادت تنفلت منها. عم الصمت بينهما وكلا منهما ينظر للأمام. لا تنكر أنها ألفت حديثه واسترساله اليوم في حديثه معها رغم شعورها بالاضطراب الذي دائمًا ما تشعر به في حضرته. نظر لذلك الكتاب الملقي على الكرسي المجاور لها متسائلًا: بتقري إيه؟ جذبت الكتاب وقالت له: كتاب من مكتبتك على فكرة. بصراحة حاسة إني لقيت كنز لأني بكون زهقانة. _أنتِ الوحيدة اللي سمحت لها تدخل المكتبة. اخفضت عينيها
بخجل وابتسمت له وقالت: متشكرة. شعرت بتلك النسمات الباردة. قالت له: الجو برد، ادخل أنت لسه تعبان. رغم شعوره بالتعب من فترة، إلا أنه لم يريد أن يقطع ذلك الحوار الهادئ لأول مرة بينهما. إلا أن بدأت النغزات في الازدياد بألم. فقال صقر: وأنتِ كمان… تصبحي على خير. _صقر. توقف وأغمض عينيه لصوتها المنادي وتلك الخفقة التي أحدثها قلبه، التي بدأت تقلقه بحضور تلك التي تنطق اسمه بطريقة خاصة بها. _أنت زعلت لما قولت إنك متسلط ومغرور؟
نظر لها هذه المرة مطولًا مما أربكها وقال بخفوت: عمري ما كنت بهتم برأي حد فيا…. نظرت إليه بعينين ذهبيتين تسحرانه. _بس أنتِ الوحيدة اللي مش عايزها تشوفني كده. ارتبكت كارما وزاغت عينيها. أشار لها بالدخول، ولم تنتظر المزيد ودخلت. ألقت بنفسها على فراشها وابتسامة رقيقة زينت ثغرها، واضعة يدها على ذلك الذي يخفق بتسارع دقاته ويبدو أن هناك حدث جلل على وشك الحدوث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!