تخشّب جسدها بأكمله بصدمة، وتوقف عقلها للحظة، ثم استعادت تركيزها وركضت عليه. جثّت على ركبتيها، واضعة يدها على كتفه النازف، صارخة باسمه: "صقر… صقر أنت سامعني؟ حرّك رأسه، وخرجت منه تأوهات بألم شديد. التفتت برأسها من حولها لعلها تجد ما تستنجد به، لكن لم يقابلها سوى الفراغ. بكت بخوف وقالت بصوت مرتعش: "صقر.. صقر رد عليا." أجابها بصوت مكبوت بألم: "اهدّي.. متخافيش." هتفت به وهي تجذب الشال الذي يحيط
برقبتها وتضعه على جرحه: "اهدّي إيه، أنت بتنزف." أجابها مطمئنًا: "بسيطة." حرّكت رأسها بالنفي وصرخت به: "بسيطة إزاي، النزيف مش بيقف." ثم تابعت باقتراح: "حاول تقوم معايا لحد البيت، أرجوك، اتسند عليا لحد ما نوصل." حاول الاستقامة رغم الألم الشديد المرسوم على وجهه، وساعدته على الوقوف. تمسكت بذراعه المصاب تحاول مساعدته، وتحامل هو على نفسه حتى لا يرمي بثقله كله عليها.
خطواتهم بطيئة، وأنفاسها عالية مرتبكة ومرتعشة من صعوبة الموقف برمته. انتاب كل من في البيت الكبير القلق من ذلك الصوت المدوي لطلقة نارية قريبة منهم للغاية. خرج رحيم مناديًا على الغفر يتفقدوا ما حول الدار. اقتربوا من البيت، وقد بدأ يشعر بذلك الدوار اللعين. استمع لصوتها برجائه الذي لمس قلبه: "ارجوك كمل شوية، خلاص قربنا." ثم صرخت مستنجدة بأحد الغفر، الذي هرول عليها.
ركض رحيم برعب اتجاههم فور ما أبصر ابنه مستندًا على كارما، وإحدى كتفيه نازفًا الدماء. صرخت أمل بهلع على بكيّها ضاربة على صدرها بقلب كاد أن يتوقف. بينما استند الجد على عكازه خشية من أن يخذله ويسقط أرضًا. ابتعدت كارما فور ما حملوه لأعلى البيت الكبير. التفتت حولها وشعرت بارتعاشة لكامل جسدها. انتبهت لأحد الغفر قائلًا: "ادخلي جوه يا ست هانم، الدنيا مش أمان."
تحركت للداخل، وجميع من في البيت على أعصابهم، والقلق والخوف مسيطر على الجميع. استدعوا الطبيب الذي أتى على الفور، وتحولت الدار رأسًا على عقب. "ما اتفقناش على الدم يا مجد." نفخ الدخان من أنفه وفمه من أرجيلته قائلًا: "متنشف شوية يا عيد الله." صرخ به عيد خوفًا: "الدم لا يا مجد، أنت قلت قرصة ودن مش تقتله." ألقى بمبسم أرجيلته وقال: "ومين قالك إنه مات، مع إني كنت أتمنى، بس عمره بقى، هانعمل إيه."
جلس عيد قبالته وقال بقلق: "يعني هو ما ماتش، أنت متأكد؟ "عيب عليك يا جدع." تنفس عيد الصعداء ومسح حبات العرق التي ترقرت على جبينه، ثم هدر بمجد: "وافرض اللي بعته فتن علينا وعرف إننا... قاطعه مجد بنفاد صبر: "زمانه طلع الجبل وراح مطرح ما جه." وقف عيد وقال: "الحمد لله إنها جات على قد كده، أنا بشيل إيدي يا مجد، آه بكرة صقر بس ما يقتلوش."
أخذ مجد أنفاسًا عميقة، وبدأت المخدرات تدخله في تلك الحالة من الانتشاء، وتمتم ساخرًا: "أحسن برضه، اللي جاي مش تبعك، اللي جاي عايز دندنة على الهادي." ثم ضحك لتلك الخيالات التي بدأت تتزاحم بعقله، ومن بينهم صورة تلك التي أوقعه حظه بها، وكعادته جاء من انتشلها منه، مؤكدًا لنفسه أن الحرب بينه وبين صقر قريبًا جدًا ستكون على أشدها.
بعد مرور ذلك الوقت العصيب، طمأنهم الطبيب على استخراج الرصاصة وتضميد جرحه وطلب الراحة المشددة له. كانت ما زالت جالسة في بهو البيت، دون القدرة على الوقوف، فقط ما استمعت لحديث الطبيب. تنفست الصعداء وهدأت أنفاسها. "إيه اللي حصل يا كارما؟ نظرت لعمها، وبصوت متحشرجًا أثر صراخ، سردت له ما حدث. قال عتمان: "ما شوفتيش اللي ضربه؟ حرّكت رأسها بالنفي وقالت: "الدنيا كانت ضلمة."
هتفت بها إيناس بضيق: "وأنتِ إيه وداكي الأسطبل بالليل كده؟ أجابتها كارما: "كنت عايزة أتمشى، ولما لقيت إن مافيش نور رجعت." قال رحيم باستنتاج: "إزاي مافيش نور، يبقى حد فصل كشافاته." هتفت إيناس بها قائلة: "عاجبك آخر دلعك، لو ما كنتيش خرجتي بالليل ما كانش كل ده حصل." ردت عليها كارما بانفعال: "صقر ما كانش يعرف إني هناك." قالت الأخرى بغضب: "كان عارف وشافك من الشباك." ضرب عتمان بعكازه على الأرض بقوة قائلًا
بصوت جاد وحاد: "مش عايز أسمع صوت.. كله على أوضته." التفتت إليه كارما وهي على وشك البكاء: "جدي أنا... قاطعه عتمان قائلًا: "بعدين يا كارما، اطلعي أوضتك ارتاحي، كله مقدر ومكتوب." صعدت لأعلى، وغشاوة دموعها تتأرجح بمقلتيها تهدد بانهيارها. دخلت غرفتها، ثم انهارت في نوبة بكاء. ليلة عصيبة، وحديث إيناس زاد إحساسها بالذنب.
بالتأكيد لم تقصد كل ذلك، رغم نقاشاتهم المحتدمة دائمًا، إلا أنها لا تتمنى له السوء، ولا حتى أن تكون سببًا غير مباشر به. نظرت ليديها المليئة بدماءه وملابسها أيضًا. ببطء وأعصاب مهتزة تحممت وارتدت ملابس أخرى، تدثرت تحت غطائها لعله يبث بها بعض الدفء. طرق الباب وانفتح، وقابلتها أم محروس بكوب من الحليب وبعض السندوتشات، قائلة لها بابتسامة طيبة: "كلي لقمة قبل ما تنامي." قالت كارما بخفوت: "مش قادرة والله." وضعتهم
على طرف الفراش وقالت: "ابدئي، ده كفاية الخضة ووشك اللي زي الليمونة ده." ابتسمت لها كارما وقالت بحزن: "أنتِ عارفة إنك الوحيدة اللي اهتميتي بيا، أنا مقدرة اللي هما فيه، بس أكتر حاجة وجعتني إني أكون السبب في اللي حصل." نفت أم محروس على الفور وقالت: "ماحدش قال إنك السبب، وست إيناس هي على طول كده، لامؤاخذة يعني بتحب تصطاد في المية العكرة، ده قدر يا بنتي مافيش حد بيهرب من قدره." مدت لها
بكوب الحليب وقالت بحنان: "يالا اشربي بقى ما تكسفيش." تناولتها منها كارما وتجرعته، ثم دثرت نفسها مرة أخرى، ولم يمر الكثير وغلبها سلطان النوم. "حمدلله على سلامتك يا ابني، وقعت قلوبنا عليك." طمأنها صقر قائلًا: "أنا بخير يا ماما ما تقلقيش." قال رحيم مربتًا على كتفه السليم: "قدر ولطف يا ابني ربنا عالم بحالنا." تحدث عتمان: "وعيت له يا صقر؟ صمت صقر للحظة وقال: "الدنيا كانت ليل يا جدي."
أومأ عتمان برأسه وقال: "حد فصل الكشافات، الغفر لقوا السلك مقطوع." تلف رحيم بقلق: "مين قصد يعمل كده؟ هدرت أمل: "حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منها." اقتحمت إيناس ووالدتها الغرفة، ومن خلفهم زهرة. قالت إيناس بلهفة: "حمد الله على سلامتك يا صقر." أجابها صقر: "الله يسلمك." أقبلت عليه زهرة مقبلة رأسه ببكاء: "بركة إنك بخير يا حبيبي، شكلك وأنت جاي مع كارما وغرقان في دمك نشف دمي." دارت عيناه بحثًا عنها ولم يجد لها أثر.
مسك لسانه بقوة ألا يسأل عنها، ولكن انتبه لوالدته التي قالت: "فين كارما؟ قالت زهرة بحنق: "من ساعة كلام إيناس وهي في أوضتها مش عايزة تطلع." ارتبكت إيناس وقالت مبررة: "كلنا كنا على أعصابنا وغصب عني قلت كلمتين من خوفي عليك، ما تكبريش هي الموضوع." قال رحيم مؤنبًا: "أديكي قولتي يا بنتي كلنا كنا على أعصابنا، محدش فينا قدر يتهمها إنها السبب." ضيق صقر عينيه وتساءل مستفهمًا: "تتهموها بإيه؟ ابتلعت إيناس ريقها بخوف،
وقالت زهرة: "إيناس صرخت فيها إنها خرجت بالليل وقالت لها إنها السبب، لأنها لو ما كانتش خرجت ما كانش انت هاتطلع وراها ويحصل اللي حصل." لامتها أمل قائلة: "ليه بس يا إيناس، وهي ذنبها إيه؟ خفضت إيناس عينيها أرضًا هروبًا من نظرات صقر الغاضبة، الذي هتف بضيق: "أنا لولا كارما كان زماني لسه سايح في دمي، ده يمكن من حسن حظي إنها خرجت عشان تساعدني أجي لهنا، ما يبقاش ده كلام الشكر اللي المفروض يتقالها." عم الصمت المكان، وكسر
الجد عندما وقف ببطء وقال: "نهايته، كل واحد يروح يشوف حاله وسيبوه يرتاح." قالت أمل: "أنا هاروح أعملك شوية شوربة يعوضوا الدم اللي نزل منك يا ضنايا." خلت الغرفة من حوله، عاد برأسه للخلف بتعب وضيق. ود لو استطاع أن يذهب إليها ويطيب خاطرها من حديث إيناس اللاذع، وقسوة حديثه الأخير معها أيضًا، والتي في المقابل كان يشعر بارتجافها وهي محيطة بذراعه لتساعده على العودة للبيت.
وقعت عيناه على الشال الخاص بها والمليء بدماءه، متذكرًا بكائها وهي تضغط على جرحه النازف، كانت هشة للغاية وخائفة، ورغم ذلك حاولت مساعدته بقدر ما استطاعت. تنهد بقلب منقبض من عزلتها التي فرضتها، مقررًا عدم السماح لها باختفائها عن عينيه لوقت طويل، ورغمًا عنه تاركًا ذلك الشعور الملح عليه لرؤيتها والاطمئنان عليها، منتويًا التدخل بنفسه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!