بتردد أجابت زهرة على هاتفها، هتف كريم على الجانب الآخر بمرح: "يا صباح الزهور يا زهرة حياتي." ضحكت وتلبستها تلك الحالة من الصمت عند كل مكالمة هاتفية تدور بينهما. قال كريم مجدداً بغزل: "أموت أنا في الخدود اللي زي التفاح دي." وبخته وقالت بخجل: "اتحشم كده." أجابها وقال: "اتحشم؟ هاتحشم أكتر من كده إيه، وبعدين يا زهرتي يعني ينفع كل ما أكلمك تبقي على وضع الصامت كده، خدي ودي معايا، عايزك تفكي واحدة واحدة كده." تحدثت زهرة:
"أنا عارفة إني مش بتكلم معاك كتير، بس أنت بتقول كلام حلو أوي وأنا مش ببقى عارفة أرد أقول إيه." استمعت لضحكته الخفيفة وأجاب: "مش عايزك تردي بكلام حلو، مع إني بحلم باليوم اللي أسمع منك كل اللي نفسي تقوليه ليا، بس كمان مش هاقدر أوعدك إني أبطل أقول اللي جوايا، غصب عني بلاقي نفسي بقول اللي بيمليني عليه قلبي." ابتسمت على الجانب الآخر وقالت: "أفرض كل الكلام الحلو خلص، هاتعمل إيه بعد الجواز." كان رده عليها بصدق:
"أبدًا يا زهرة، عمر الكلام الحلو ما يخلص، طول ما ناح لسه قلبي بيدق بحبك، هافضل أقولك اللي نفسي أقوله من زمان." عضت على شفتيها وارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها بحالمية وقالت: "من زمان؟ أجابها مؤكداً: "من زمان يا زهرة، كنت عايز أبني نفسي وأحدد طريقي عشان أستحقك، ماكنتش عايز أحس إني قليل و" قاطعته وقالت: "ما عاش ولا كان اللي يحسسك إنك قليل، أنت راجل والراجل ما يعيبوش إيه حاجة مادام عارف الأصول، ودخل من بابه."
_"خوفت أخسرك وتروحي من إيدي." أجابته وقالت: "أنت في عيني سيد الرجالة، وراضية طول ما أنا معاك." ابتسم على الجهة الآخرى قائلاً: "ده أنا أمي دعيالي بقى." ضحكت واستندت على نافذتها، اتخذت معه في الحديث، وتجاوبت معه في رسم مستقبلهم وترتيباتهم لحياتهم الزوجية القادمة، ولم يخلو حديثهم أيضاً من إلقاء بعض كلمات الغزل وتخفي هي خجلها الذي يعشقه. عادت في الظلام متخفية كعادتها، تتلفت من حولها بخوف، بعدما انتهت من مجونها الخفي،
دخلت من الباب الخلفي للمطبخ وأغلقته من خلفها بهدوء، لم تكمل أخذ أنفاسها اللاهثة وشهقت وهي ترى كارما واقفة أمامها، تنظر إليها بريبة واستغراب. هتفت بها سعاد بارتحالك: "واقفة كده ليه؟ أجابتها كارما بريبة: "أنتي كنتي فين، وليه جاية من باب ده؟ لوحت سعاد بيدها تخفي خوفها من انكشاف أمرها: "كنت بشم شوية هوا، إيه أنتي هاتحققي معايا ولا إيه؟ ثم أشارت لها بيدها: "أوعي كده من قدامي." ابتعدت كارما عن طريقها،
تشعر إن هناك شيء مريب وراءها. عادت كارما مرة أخرى إلى ذلك التجمع العائلي وقد غابت سعاد عنه متعللة بتعب مفاجئ أصابها. تمتمت زهرة واستمعتها كارما: "ماهي سايبة رادار هنا، بيسجل كل حاجة." ابتسمت كارما ثم نهرتها بعينها أن تصمت. دخل صقر بهو الدار، دارت عينيه بحثاً عنها وعندما تلاقت عينيهما أخفضتهما هي على استحياء. قال عتمان وهو مستنداً على عكازة: "أتأخرت ليه يا صقر؟ جلس مقابله وقال: "كنت في فرح وبعمل الواجب يا جدي."
هتف عتمان له داعياً: "عقبالك.. ربنا يفرحني بيك يا بني." ألقى نظرة سريعة عليها ثم أخفض عينيها مردداً: "كله بأمرك يا جدي." تحدثت زهرة بابتسامة هادئة: "صقر، عايزة أخرج مع كارما السوق، ناقصني شوية حاجات للجهاز." ألقى على كارما نظرة سريعة ثم وجه اهتمامه لشقيقته وقال: "عرفيني اليوم عشان أبعت معاكم حد من الغفر." قالت كارما باعتراض: "ليه الغفر، شكلنا كأننا في فيلم أبيض وأسود وهو ماشي ورانا كده."
ضحكت زهرة بينما أخفى صقر ابتسامته قائلاً: "مافيش خروج لوحدكم." ذمت شفتيها غير قادرة على الاعتراض، خصوصاً وإن الجميع نفس الرأي، كادت تخرج تلك الضحكة الخفيفة منه على ضيقها واستسلامها دون جدل كعادتها معه. رسمت على وجهها تلك الابتسامة الوديعة وقالت إيناس: "كده يا ابن عمي تدخل من غير سلام ولا كلام." فقال صقر بهدوء: "عاملة إيه يا إيناس؟ أجابته مبتسمة بتودد: "بخير يا صقر طول ما حسك في الدنيا." أخفض وجهه الجهة الآخرى،
غير راضٍ عن حديثها معه وتلك الكلمات المتوارية، وهو الذي أصبح يتجنبها من آخر حديث بينهما. قضبت كارما جبينها ووزعت نظراتها بين صقر وإيناس، شاعرة إن هناك ما خفي أُوينهما. أتت أم محروس قائلة: "لامؤاخذة يا بيه.. بس الغفير بيقولي إن في جماعة برة عايزين يقابلوا الحاج عتمان ورحيم بيه وصقر بيه." تساءل عتمان وقال: "مين دول؟ كانت إجابة صقر الذي قال بضيق: "مجد وأبوه يا جدي، قابلني النهاردة وقال جاي في موضوع."
ضرب عتمان بعكازة بالأرض بخفة قائلاً: "وده هايجي من وراه خير." هتف رحيم وهو يهم بالوقوف: "يا خير بفلوس يابا." ثم قال لأم محروس: "خليهم يدخلوا المضيفة يا أم محروس." أومأت برأسها في طاعة قائلة: "حاضر يا بيه." كانت كارما المنتبهة للحديث بفضول، مستشعرة تلك العداوة بينهما، التي رأتها في المرتين التي قابلت بهما مجد وصادف تواجد صقر بهما. وقف صقر يعدل من عباءته فقال له عتمان مؤكداً:
"أي كان جايين في إيه، هما في دارنا، ياخدوا واجبهم ويمشوا." أومأ له صقر دون أن يجيب، تتبعتهم عيني إيناس تُمني نفسها بانتصار قريب. دخل عتمان متكئاً على عكازة وبجانبه رحيم وصقر… الذي ألقى التحية بصوته الأجش الذي يسيطر على من حوله: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." رددوا التحية من خلفه، ألقى صقر بتلك النظرة الحادة لمجد بينما تقبلها هو باستخفاف. جلس الجد واتخذ الآخرون أماكنهم. رحب بهم الجد فقال والد مجد:
"طبعاً أنت مستغرب سبب جيتنا يا حاج." أجابه عتمان بوقار: "دار الجارحي مفتوحة دايماً، ويارب تكون جيتكم بالخير." ابتسم والد مجد وألقى نظرة على ابنه وقال بتردد: "خير يا حاج إن شاء الله، جايين لك في طلب وعشمنا فيك ما تردناش." تحدث عتمان: "خير." وضع مجد يده على فخذ والده قائلاً: "عنك يا با، أنا اللي هاتكلم." ثم اعتدل للحاج عتمان وقال بهدوء: "طالبين القرب منك يا حاج." قال رحيم موضحاً:
"والله يابني زهرة أتقرات فتحتها من كام يوم." رد والد مجد قائلاً: "لا يا حاج رحيم مش القصد، ولو إن نسبك يزيدنا شرف، بس القصد بنت أخوك." تحفزت خلايا صقر مترقباً الآتي، ولو إن الرؤية بدأت تتضح شيئاً فشيئاً، خصوصاً عند إجابة مجد وعينيه المركزة على غريمه قائلاً يتحدى: "نقصد بنت أخوك… كارما." انتفض صقر مكانه، ثم هب واقفاً وهتف به: "أنت جننت في مخك ولا إيه؟ ارتسمت علامات الحيرة على وجه والد مجد قائلاً:
"في إيه يا بني، احنا قولنا حاجة غلط؟ قال مجد ملتزماً بهدوء: "إيه الجنان في إني عايز أكمل نصيبي ديني؟ هتف به صقر بانفعال بدأ في الخروج عن السيطرة: "الجنان إنك تفكر مجرد التفكير إنك تجي وتطلب طلب زي ده." وقف مجد قبالته وقال بحدة: "ليه، وأنا إيه يعيبني؟ اشتدت عروقه وقال بغضب: "فاشل وبتاع نسوان ومخسر أبوك ملايين، وسمعتك زي الزفت، كل ده كوم واللي بيحصل في الدارة ده كوم تاني." ثم أشار ناحية الباب في إشارة واضحة لطرده وقال:
"ما عندناش بنات للجواز." تكلم الحاج عتمان المتابع لحديثهم وقال: "اقعد يا صقر، مهما كان دول ضيوفنا." تحدث والد مجد: "هو في إيه يا حاج، ده داخلين بالأصول." قال رحيم ناهراً ابنه بعينيه خفية: "عداكم العيب يا حاج." قال مجد: "طب ما تاخدوا رأي العروسة." كاد أن يهجم صقر عليه غيظاً ولكن عيني جده الجمته، فَقال له بحدة: "هو إيه اللي مش واضح في كلامي، بقولك ما عندناش بنات للجواز." هتف مجد قبالته بتحدي:
"لا فيه، وهي لا متجوزة ولا مخطوبة." عم الصمت إلا من أنفاس صقر الغاضبة وملامحه المشدودة وعيني مجد الكريهة الغاضبة والمتحدية. لانت ملامح صقر وعاد لمكانه جالساً وارتسمت تلك الابتسامة المريبة على ثغره قائلاً: "ومين قال إنها مش مخطوبة وهاتتجوز؟ ضيق مجد حاجبيه مترقباً: "يعني إيه؟ فتح صقر يده وقال بهدوء محتفظاً بابتسامته وقال: "أكيد عارفين العرف، البنت لابن عمها، لو كنتوا صبرتوا شوية كنا هانبلغكم بقرب الفرح."
عم الصمت المريب المكان، وتلاقت نظرات الجميع بين مستنكر ومندهش وغاضب… وكأن الحرب بينهما تأججت الآن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!