عم الصمت المكان، ينظرون لبعضهم باندهاش. ثم تنتقل أعينهم على صقر المستريح بجلسته بعد ما ألقى بكلمته القاطعة والناهية. قال عتمان محتفظًا بهدوئه ووقاره: طبعًا عرفتوا السبب، متأخذوناش على اللي حصل، وإن شاء الله نعزمكم في الليلة الكبيرة. التفت مجد لوالده هاتفا بغضب مكبوت: يالا يا باثم. اقترب من صقر وعيناه تقدح شر، قائلا من بين أسنانه: مبروك يا صقر.. هديتك في رقبتي يا عريس.
ابتسم له ساخرًا ولم يعقب، فقد اكتفى بغضبه المكتوم ونظرته المتحسرة. أصابه الحنون أم ماذا؟ من بين كل نساء الأرض يختارها، من بين كل الصبايا يفكر بها زوجته. والله لولا وجود جده ووالده وأنهم في ضيافة منزلهم، لكان أبرحه ضربًا وأوسعه غضبه الذي سيطر عليه، حتى يجعله يلغي فكرة الزواج نهائيًا. خرج من شروده على صوت والده غير الراضي: إيه اللي أنت عملته ده يا صقر؟ لم يملك إجابة ولم يفكر مرتين في إلقاء تلك المفاجأة.
قال رحيم مجددًا معاتبًا: إيه، بتتصرف كده وكأن مالكش كبير ترجع له وتشوره عليها؟ أجابه صقر على الفور قائلاً: العفو يا با، أنت على راسي. أنا بقالي فترة فعلًا بفكر آخد الخطوة دي، بس كنت مستني شوية بنت عمي تاخد علينا وعلى الحال عندنا. ألقى صقر نظرة على عتمان متحيرًا من صمته. فقال صقر: جدي. وقف عتمان مستندًا على عكازة وقال: خدت رأي بنت عمك. حرك صقر رأسه بالنفي. فقال عتمان دون نقاش آخر:
ما فيش حاجة هاتحصل غير لما آخد رأي حفيدتي الأول. قال صقر بخفوت: طبعًا يا جدي. فأكمل مشددًا: أي كان قرارها يا صقر. أما له صقر بعينين تأبى خسارتها، عازمًا على إدخالها محراب عشقه راضية. *** اقتحمت زهرة غرفة كارما قائلة: شكل القاعدة ما كانتش تمام. اعتدلت لها كارما قائلة: ليه؟ مجد وأبوه ماشيين وشهم جايب ألوان، وحتى جدي وأبويا وصقر طالعين وشهم متغير. ما تعرفيش حصل إيه فيها. حركت كتفيها وقالت: لا ماعرفش. تساءلت كارما:
إيه سبب العداوة دي بينهم؟ أجابتها زهرة: في حاجات أنا ماعرفهاش. كل اللي أعرفه إن مجد بيغير من صقر جدًا من وهما عيال، وبينهم مواقف كتير مش تمام. أومات كارما برأسها، بينما علا رنين هاتف زهرة، فا زينت ثغرها تلك الابتسامة. شاکستها كارما وقالت غامزة بإحدى عينيها: يا سلام يا سلام، بقينا نتصل في المملكة وقت أهو، الله يرحم أيام الوقفة في البلكونة، حتى بلكونتي دي تشهد. ضحكت زهرة وألقتها بوسادتها قائلة:
بكرة تيجي على سكتي ووالله ما هارحمك. أشارت لها كارما بيدها وقالت: اجري اجري قبل ما يقفل. لم تكذب زهرة خبر وهي تركض لغرفتها، لتختلي بهاتفها وذلك المتصل الملِح والذي على قلبها أحلى من العسل. *** سرد رحيم على مسامع زوجته المنتبهة لحديثه ما حدث في المضيفة. استقبلت أمل الخبر بابتسامة هادئة مستمرة في الإنصات إليه. تغلب عليه الفضول وقال متسائلاً: غريب رد فعلك يا أمل. أجابته أمل قائلة: ليه يا رحيم؟
توقعت أن تزعلي من تصرفه اللي عمله من دماغه، ولا تخافي على زعل أختك. أجابته أمل وتحدثت: يا حاج، تصرفه ما يقللش منك أبدًا لا سمح الله. أنت عارف صقر دايمًا يشورك ويشاور جده. استطردت مستكملة بابتسامة: صقر بيحبها يا رحيم، لما لقاها هاتروح لحد تاني وقف وقال أنا أولى بيها. فتساءل رحيم: مش خايفة على زعل أختك، وأنتي عارفة إنها رايداه لبنته؟ ردت عليه أمل موضحة:
وهو الحب بالعافية. سعاد أختي وماله، إيناس متربية معانا زيها زي زهرة، بس سبحان الله قلبه ما مالاهاش، هانغصبه اسم الله عليه. ابتسم له رحيم وقال بحنان: طول عمرك عاقلة يا أمل، وعمر العيبة ما طلعت منك. ابتسمت له وقالت: ياياه يا رحيم، إمتى يجي اليوم ده، وكارما بت حلال من يوم ما جت ما شوفتش منها حاجة وحشة، الشهادة لله البنت أدب وجمال، ده يوم المنى يوم ما نشوف البكري عريس ونشيل عياله. مال عليها رحيم وقال:
والله لو بقيتي جدة لميت عيل، عمر عيني ما تشوفك غير أحلى الستات. على الرغم من سنوات زواجهم التي تعدت الثلاثين، إلا أنها ما زالت تخجل كصبية عروس. قالت له موبخة برقة: يوه يا رحيم، خلاص كبرنا بقينا. فقال بلين قلب حبها وعشرتها: أبدًا، ده إنتي الحب الأول والأخير، واللي يوم عن يوم يزيد من أول يوم شوفتك فيه لحد ما اتكتبتي على اسمي وجبتيلي صقر وزهرة، لحد النهارده، عشرتك طيبة وأصيلة يا أمل. ربتت على صدره بحب كبير:
ده إنت حب عمري يا رحيم، والحمد لله عشرتك كانت دايما ليها نصيب من اسمك. *** ركعت على قدميها وقالت متوسلة: وبعدين يا كامل، هافضل كده لأمتى؟ كارما كانت هاتكشفني وخايفة حد من الدار ياخد باله. نفث دخان أرجيلته وقال: عايزاني أعمل إيه يعني يا سعاد؟ أجابته بلهفة: اكتب عليا رسمي. تشدق ساخرًا: وإجي أطلبك بقى من الحاج عتمان ولا جوز أختك؟ ابتلعت ريقها وهتفت: من غير ما يعرفوا، مش مهم. تلجلجت كلماتها وقالت:
لو حد شم خبر مش بعيد الحاج عتمان يدبحني. قال بلا مبالاة: وما فكرتش في كده ليه من الأول؟ ضغطت على شفتيها بقوة وهتفت: إنت عارف ليه. تحدث كامل ومازال يأخذ أنفاسًا من أرجيلته: ما غصبتكيش على حاجة. أجابته بترجٍ معترفة: كنت محتاجاك، محتاجة لراجل يحسسني إني ست ومرغوبة. رفع إحدى حاجبيه وقال: كنتي ممكن تتجوزي. استقامت ببطء واتقدت عيناها بحقد خفي:
كلهم قليلين، مطلقة ومعايا بت، ماكنش حيلتهم حاجة، وأنا مش هانزل لعيشة قليلة بعد العز اللي شوفته في بيت الجارحي، بس إيناس هاتعرف تعمل اللي ما عرفتش أعمله وها تبقي مرات الكبير. التفتت وقالت صارخة بغضب: مش هاخد حد قليل يحسرني بقيت عمري كل ما أشوف أمل وجوازتها اللي ما فيهاش غلطة. مش هافضل أتحسر على حب رحيم ليها وأنا اللي جوزي سابني وطافش.
على ذكر أمل لمعت عينا كامل بذلك العشق القديم الخفي بين قلبه، ولم يعرف يومًا غيره، حتى بعد زواجه ووفاة زوجته كانت هي الحب الأول. جاء صوت كامل خافتًا: ما تدخليش أمل في الحكاية يا سعاد، أمل طول عمرها في حالها. ضاقت عيناها وقالت بابتسامة تهكمية: أمل! الحب القديم هاه. هب كامل واقفًا ناهرها بغضب محذرًا: سعااااد. عضت على شفتيها كاتمة حقدها وغيظها قائلة: فاكرني مش عارفة، مش واخدة بالي من اسمها اللي بتقوله وأنت نايم في حضني.
أسرع إليها وجذبها من ذراعها بغضب: إياكي تتكلمي عليها كده، ولا تفكري تتكلمي معايا بالطريقة دي، فاهمة ولا. نظرت له وقالت بغيرة واضحة: فيها إيه زيادة عني؟ يهتف بها كامل وقال: عمر ما كان بيني وبين أختك حاجة، وعمري ما اتكلمت معاها ولا تعرف عني أكتر من اللي الناس تعرفه، ما كانتش نصيبي وسبتها لحالها، وعمري ما فكرت ولا هافكر إني أذيها. ضيقت عينيها وتساءلت ساخرة: والله ما طلعت سهلة، أمل مدوبة الرجالة في حبها.
اشتعلت عيناه وكاد أن يصفعها على وجهها وهدر بها بأعصاب ثائرة: أختك شريفة مالهاش في الغلط، أما إنتي أنا ما غصبتكيش على حاجة، كان في إيدك تقولي لأ، أو حتى تشتكيني لعتمان، ما تفكريش نفسك ضحية، إحنا الاتنين أوسخ من بعض، بس أنا ما بأذيش في خلق الله مادام ماحدش جه على سكتي، بس إنتي ممكن تاكلي اللي منك عادي، لا نك جاحد. خفضت رأسها ولم تستطع قول المزيد. زجها للخلف قائلاً: روحي يالا، امشي من قدامي. تغيرت تعبيرات وجهها
في لحظات وهتفت بتذلل: كامل والنبي ما تاخد على خاطرك مني، دا أنا. قاطعها بانفعال: قلت أخفي من قدامي الساعة دي يا سعاد. وضعت حجابها الأسود على رأسها وغطت بطرفه نصف وجهها حتى لا تظهر معالمه، وابتعدت عن محيطه الغاضب. غير مدركة لتلك العينين التي تدقق بها وبسيرها الحذر والتفاتاتها حول نفسها خشية من أن يراها أحد، ولم ترَ ذلك الجالس على فرسه يتابعها بعينين صقر قاتمتين ومريبتين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!