استوقف بلال مشهد نزول سمر الباكية إلى شقتهم وهي تحاول جاهدة أن تنجح في وضع المفتاح متغلبة على غشاوة عينيها. لمح احمراراً على طول رقبتها فاتسعت عيناه. هل حدث ما يظن أنه حدث بالفعل؟ لم تلتفت له المسكينة ودلفت سريعاً إلى الداخل ثم إلى غرفتها، ترمي على فراشها لتخرج كل دموعها. صعد مسرعاً إلى مصطفى، وجده يلعب ضغط ويتصبب عرقاً. مسح بيده على شعره ليشد على أطرافه قليلاً وهو يردف:
-سمر بتعيط وأنت شكلك عصبي وشكلك خربتها واتغابيت! لم يعره أي انتباه وهو يأخذ شهيقاً وزفيراً عنيفاً يواكب مجهوده. رن هاتفه، توجه إليه بلال يقرأ اسم مراد له. توقف مصطفى واعتدل سريعاً يسحب الهاتف من يده فيقول بهدوء: -الو يا مراد... تعالي حالاً... معلومات جديدة. لم يسأل مراد حتى وقال: -ربع ساعة وهكون عندك، أنا قريب منكم. صعدت ندي وغادة إلى سمر، راغبتين في الهروب من الملل.
فتحتهما سلوى المستيقظة من النوم حديثاً، وتركتهم يدخلوا لابنتها الموصد بابها من الداخل. فتحت سمر لهما وحيتهم بأدب مبالغ. نظرت الفتاتان إلى بعضهما البعض فدلفا بسرعة مغلقين الباب خلفهما. وكانت ندي أول من نطق: -عمل إيه؟ اصطنعت عدم الفهم وبللت شفتيها ببطء لتقول: -مين؟ عقدت غادة ذراعيها بحزم لتقول: -اللي أنتِ لابسة هدومه!
نظرت إلى كنزته بغضب وأغلقت الباب بالمفتاح قبل أن تخلعها لتظهر آثار جنونه على طول ذراعيها ورقبتها ومنطقة الترقوة. وضعت غادة يدها على فمها برعب، بينما اقتربت ندي تتفحص مدى عمق تلك الآثار لتقول بهدوء: -متقلقيش، 3 أيام بالكتير وكل ده هيروح. صمتت قليلاً لتقول: -بسبب إنك طلعتي فوق صح؟ لم تجب سمر وبدأت في البكاء. -بتوجعك صح؟ أكيد أخويا اتجنن، إزاي يضربك كده! جاء صوت غادة من خلف ندي التي قلبت عينيها على سذاجتها فتقول بحدة:
-اخرسي يا غادة متعصبنيش. نظرت لها غادة شزراً واقتربت من سمر تحتضنها وتربت على ذراعيها. -إزاي اتوحش كده؟ هو طبعه عنيف أه، بس أنا على طول بشوفه هادي معاكي وبيحبك. قضبت جبينها بغضب لتقول: -لا مش بيحبني طبعاً وأنا كمان مش بطيقه. ابتسمت ندي قليلاً. فقالت: -لو مش بيحبك، هيعمل ليه كده؟ -عشان هو متوحش وهمجي ومفترى. ضحكت ندي، فلسعتها سمر بغيظ لتخرسها. -خلاص خلاص مش هضحك الله. لتقول غادة وهي تعلن الحرب:
-إنتي هتسيبيها تعدي كده؟ ممكن أفهم إيه اللي حصل؟ وإنتي لازم تاخدي موقف وترديها ليه! لتقول ندي بابتسامة صفراء: -أه اسمعي كلام غادة واعمليلوا زي ما عملك كده! احمرت وجنتا سمر وهي تسرد ما دار بينهم لتقول بحنق: -لو هتساعدوني انجزوا، مش هتساعدوني اسكوتوا وسيبوني أعيط. رن جرس الباب، فقالت غادة بخفوت: -البسي أي حاجة بسرعة. هنا بكت سمر من شدة الغيظ وهي تقول: -معنديش حاجة تنفع خالص! لترد ندي بضيق:
-شفتي أهو ليه حق يضايق، فيها إيه لو سمعتي الكلام يعني وتريحي؟ هو مش جوزك بردو ومن حقه يحافظ عليكي! لتلكزها غادة وهي تقول: -اقعدي إنتي يا نحنوحة دلوقتي! أنا هنزل بسرعة أجيب لها بلوزة أو كارديجان بكم. قاطعتها ندي بسرعة: -طيب ورقبتها يا أم العريف؟ -هعمل لها ميك أب لحد ما أجي، أنا هتصرف. سمعت الفتيات صوت الباب يفتح ويغلق قبل أن يعلن مراد عن وصوله بصوته المغرد في أذن غادة. غادة بفرحة: اااااه مراد هنا بجدددددد!
لكزتها ندي وهي تغمزها. أما سمر فنظرت لها بابتسامة: -إنتي معجبة بقا! دق الباب مرة أخرى ليستمعوا إلى صوت مصطفى الجهوري. وضعت غادة يدها على فمها بخضة: -يالهوي يالهوي. أسكتتها ندي بخوف من أن يسمعها: -إنتي عبيطة هشششش... إحنا عند سمر عادي! سمر بضيق: -أنا مش هطلع، روحوا إنتوا، أنا هنام شوية. ندي:
-بطلي عبط ياختي إنتي كمان، يلا يا غادة اعدلي الطرحة على راسك وانزلي هاتي لسمر السويت شيرت بتاعك اللي بزنط ده عقبال ما أظبط الميك أب. هرعت غادة إلى الخارج وألقت السلام على مصطفى ومراد المتعجبين من وجودها، ولكنها تجاهلتهم بخجل وأخبرتهم بأنها ستصعد مرة أخرى. مصطفى بهدوء وعيونه تتنقل في المكان بحثاً عنها قبل أن يسرد آخر الأخبار على مراد. -ده اللي حصل كله.
-بص يا مصطفى كده، في قطعة كبيرة من اللغز اتحلت. لأن لو حتة الآثار دي مقابلها حياته، هو هيبقي عايز فلوس من تحت الأرض عشان يفدي نفسه، وده اللي يخليه قالب الدنيا هو والحيزبونة اللي معاه على سمر. هز مصطفى رأسه ليردف: -أنا عندي شعور كبير إن الحكاية هتكون كده. أنا لازم أقرب منه عشان في خطة في دماغي لو نفعت بجد هنوقعه في شر أعماله! زفر مراد وهو يتساءل: -هتعمل إيه يعني؟ -هكلم سعد الأول وبعدين هفهمك! -هتكلمه تقوله إيه؟
أنا مش عايزك تقرب منه أصلاً، إنت دلوقتي الخيط الوحيد اللي يوصله لسمر! انزعج منه ليردف بحدة: -وتفتكر أنا هقع بلساني وأعترف بمكان مراتي؟ إنت شايف إني عيل ولا إيه؟ توتر مراد قليلاً، إلا أن وصول غادة من أسفل الجمبه رده وهو يحاول إبعاد أنظاره عنها، تلك الفراشة الرقيقة بحجابها غير المهندم العفوي، الذي يبرز قليل من خصلاتها المتمردة. أغلقت باب غرفة سمر خلفها لتسند عليه وتضع يدها على قلبها. ضحكت ندي لتقول بملاعبه:
-يا بت اتقلي، دي تاني مرة تشوفيه! ردت غادة سريعاً: -لا دي التالتة! لتردف سمر بحنق: -نسيب بقا مصيبة أخوكي ونركز في مرتين ولا تلاته! لتقول ندي بحزم وعيون متوعدة: -مصطفى ده طلع مش سهل، إنتي كنتي بتتعاملي إزاي معاه؟ احمر وجهها قليلاً، كيف تخبرهم بأن تعاملاتهم دائماً تنحصر في تقبيله لها حتى ينسيها اسمها؟ أرادت ندي الابتسام لتقول: -مش قصدي يا سافلة هههههههه. ضربتها سمر بخفة لتقول بحزم:
-مكنتش بكلمه أصلاً وكنت مقررة أتجاهله. رفعت غادة حاجبها: -إنتو متعاركين ولا إيه؟ هزت رأسها بالنفي. فدفعتها ندي بغيظ لتجلس على فراشها وندي بجوارها. -أمال بتتجاهلي ليه يا نكد النكد إنتي! -يوووة بقا اللي حصل، أصل هو مش بيحبني! كادت ندي أن تصفعها وتشد على شعرها. -مش بيحبك وهيعمل كده إزاي يعني، إنتي مجنونة! نظرت إلى غادة بنظرة ذات مغزى ثم إلى ندي حتى فهمت الأخيرة أنه كلام لا تريد إخبارها به أمام غادة المسكينة. ابتسمت
ندي وهي تمسك رأسها وتقول: -يوووة هاتي إنتي يا غادة كوباية عصير تهدي بيها سمر، هتلاقي طنط بتعمل عصير لمراد ومصطفى، هي قالت قبل ما تروح المطبخ ومتتأخريش! نظرت لهم بنصف عين لتقول بتوعد: -لو قلتوا حاجة من ورايا هزعل منكم، أنا عايزة أعرف! زفرت ندي بغيظ لتردف: -روحي يا لمضة مش هنفتح بوقنا لحد ما تيجي.
خرجت غادة وهي تتأفف، فالتفتت ندي إلى سمر فسردت لها سمر عن مواقف مصطفى معها وكيف تشعر بضعفها معه وتظن أنه لا يحبها بل يشتهيها وأنه لا يظهر أي مشاعر بكلماته. سمر باستسلام: -بس ياستي عشان كده مكنتش بكلمه وهو كمان ما حاولش إنه يتواصل معايا. مصمصت ندي بغيظ لتردف بضيق: -بنات عايزة الحرق! هيكلمك إزاي وإنتي رافضة تتصلي بيه!
ونصيحة بقا أنا عمري ما شفت مصطفى مهتم بأي بنت وتأكدي إن بنات كتير هنا في المنطقة كانوا هيموتوا عليه وهو منفض! تسللت مشاعر الغيرة إلى قلبها لتردف بسخرية: -طبعاً البيه خبرة أكيد! -ههههههههه يخربيتك ضحكتيني. والله أبداً ده غلبان، وبيحبك بجد واسمعي مني اتعملي معاه برقة شوية و... -سمعتتتتتكم بتتكلموا أهووووه من غيري. قالت غادة وهي تدلف وتغلق الباب خلفها بالعصير. قذفتها سمر بالوسادة بخضة لتقول بغضب: -رعبتيني يا غادة.
-ههههههههه أحسن عشان بتكدبوا عليا! ويلا بقا عشان طنط عايزاكي برا، هي قاعدة معاهم. ارتدت سمر ما أحضرته لها غادة بعناية، ووضعت ندي لمسات من المكياج لتخفي آثار أسنانه وشفتيه. انضمت سمر إليهم، واستأذنت ندي وغادة المحدقة بمراد ببلاهة، وندي تجرها خلفها، وتحمد الله أن اهتمام مصطفى منصب بالكامل على سمر منذ أن دلفت إليهم. وكالعادة تجاهلته سمر وجلست تتحدث وتبتسم لمراد.
مما زاد حنقه منها بعد أن شعر بأنه قد تمادى في عقابها، ولم يفته هذه الملابس التي ترتديها على أمل أن تخفي آثاره من على جسدها الرقيق. يحمد الله أنه لم يفعل شيئاً آخر وهو يشعر بهشاشة عظامها وبشرتها الطرية تحت يديه وفمه العابث. لم يتحمل كل هذا التجاهل منها. فأردف بحزم قاطعاً حديثهم بغيظ: -ممكن نركز في المهم دلوقتي ونشوف هنعمل إيه! شعرت سمر بحنق ورمقته بغضب يوازي غضبه. -هيحصل إيه يعني لو اتكلمنا شوية؟
ما حياتنا زي ما إنت شايف أهيه مقرفة من كل جانب! ضيق عينيه بغضب وكاد يجيبها لولا أن مراد قاطع حربهم. -طيب يا مصطفى قولي شايف إيه؟ التفت له وهو يحاول تمالك أعصابه. -أنا هكلم سعد الراوي وهاخد معاد منه و هنتقابل وأحاول أحَلله وأشوف هدخلوا منين، وعليه هقدر أفتح موضوع الآثار ده إزاي، لأن مش معقول هروح أكلمه على حتة آثار كده من غير مقدمات كتير. تدخلت سمر بتساؤل: -آثار إيه اللي بتتكلموا عنها دي، مصيبة لوحدها؟ ليرد مراد:
-استني دلوقتي ياسمر وأنا هبقى أكلمك بليل أحكيلك. غضب مصطفى وقال بضبق: -وإنت تكلمها ليه بليل! تدخلت سلوى سريعاً وهي تشعر وكأنها في دوامة بين كل هذه الأخبار والمعلومات لتقول سريعاً منقذة ابنتها: -بيكلمني أنا يا مصطفى وساعات بيتكلموا لو الموضوع على باباها. وقفت سمر مكانها لتدافع عن نفسها: -إنتي بتدي مبررات ليه يا ماما؟ وفيها إيه لما أكلم مراد يعني؟ على الأقل مهتم وبيحكيلي كل جديد! ليرد مصطفى بغيظ هو الآخر:
-أنا اتصلت أحكيلك وإنتي مردتيش أصلاً. شعر مراد بأن تلك المشكلة خاصة بينهم، فقال بهدوء: -طيب يا جماعة ممكن تهدوا شوية؟ أنا لازم أمشي ومش عايز يكون في مشاكل بينا دلوقتي، إحنا في وقت حرج. عقدت ذراعيها وجلست ترمي بكل ثقلها بحنق. فتبعها مصطفى في الجلوس وهو يحارب داخله حتى لا يعلمها الأدب على تصرفاتها الوقحة واتهاماتها الباطلة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!