الفصل 19 | من 29 فصل

رواية عشق بلا رحمه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم دينا ابراهيم

المشاهدات
17
كلمة
2,476
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

بعد مرور أسبوع وقفت سمر تضع أذنها خلف الباب تحاول سماع صوت أقدامه فقد اعتادت طوال ذلك الأسبوع تتبع وصوله وذهابه وصوت خطواته المميزة أصبحت محفورة في ذهنها. ما إن وصلت إلى مسامعها حتي أخذت نفسًا عميقًا ومررت أصابعها بين شعرها لتبدو أكثر جاذبية. فتحت الباب وهو أمامها مباشرة. نظر لها مصطفى وشعر بقلبه يقفز من مكانه، فمهما حاول تجاهلها يبقى شوقه لها متغلغلًا في أعماقه.

نظرت له سمر بحب دفين تتأمل ملامحه القاسية وعينيه السابحة في بحر من العسل الصافي متزينة ببريق مشاعره. وجدت نفسها تتفحصه من أخمص رأسه إلى إصبع قدمه، مرورًا بساقيه الضخمتين وخصره المنحوت بطريقة تلفت الانتباه وصولًا إلى صدره الذي لا بداية أو نهاية له. لكنها لم تنتبه إلى قبضتيه المتحجرتين بجواره وهو يراها تتفحصه باشتياق.

ما إن أتم تفحصها هو ذاته، مانعًا نفسه من اختطافها من غبائها لينهل منها ما يتمناه ويتوق إليه. آه كم يرغب في ضمها إلى صدره لتختفي بين ضلوعه تلك الحمقاء العنيدة! ربما مرت دقائق قليلة أو كثيرة، ليست متأكدة. أخيرًا استجمعت شجاعتها وهي تتصنع اللامبالاة. إلا أنه ما إن شاهد تغير ملامحها حتى اشتعل غضبه واستدار ليصعد إلى مخبئه بعيدًا عن الجميع بما فيهم حبيبته. رفعت يدها سريعًا صائحة: -مصطفى!

تسمر مكانه وأغمض عينيه متشربًا نغمات صوتها، ثم التفت لها ورفع حاجبه ليردف: -نعم! اغتاظت من رزانته فقالت على أمل إيقاظه من فترة تجاهله: -عجيبة هي حواء تبدأ الأمر وتغضب إن رد لها. -أحم، ماما بعتلك ده. كيف غفل عن الطبق في يدها؟ نظر للطبق الملفوف ثم لها وأردف بهدوء: -إيه ده؟ نظرت له وهي تردف: -ماما عملت كيك وطلبت مني أديك منه. هز رأسه ومد يده متعمدًا لمس يدها التي ارتجفت من شدة توترها وحنينها.

-ادخلي انتي عشان في ناس هتطلعلي. أرادت صفعه، أهذا ما يقوله لها بعد كل ذلك التجاهل؟ عقدت ذراعيها وسألت بغرور: -ناس مين دول؟ رفع حاجبه على فضولها ليقول بهدوء يخالف السعادة التي تعتريه من رغبتها في التدخل بحياته: -واحد صاحبي. -مين يعني؟ عقد ذراعيه مثلها ليقول: -واحد صاحبي ما تعرفوش. لترد بعناد: -قول مين عشان أعرف بعد كده. ضيق عينيه بتحذير وهو يقول:

-مش عايزك تعرفي أصلًا، وبعدين إيه سر الاهتمام ده كان فين من الأيام اللي فاتت؟ شعرت بخجل حاولت إخفاءه بغضب مصطنع وعدم فهم: -خلاص خلاص، مش عايزة أعرف حاجة. تركته يغلي وأغلقت الباب بعد دخول شقتهم، وبسرعة التصقت بالباب لتراه من العين السحرية يشتعل من الغضب ويكاد يكسر الطبق بين أصابعه. وضعت طرف إصبعها في فمها بتوتر، هل زادت في أفعالها؟ صعد مصطفى سريعًا حتى لا يكسر الباب فوق رأسها ويصفعها حتى تستعيد صوابها.

دلفت سمر إلى غرفتها وهي تستشيط غضبًا منه. ظلت تدور حول نفسها ما يقرب من ساعة حتى سمعت باب بيتهم يدق. توجهت لتفتح فوجدت ندى مبتسمة ومعها صينية من الشاي والحلويات. ابتسمت لها سمر وقالت: -اتفضلي يا ندوش، تعالي. ردت ندى بسرعة: -لا معلش وقت تاني عشان مستعجلة، معلش هرخم عليكي وعايزة صينية نضيفة. هزت سمر رأسها وقالت على الفور: -طبعًا طبعًا، تعالي طيب المطبخ. دلفت ندى ورائها وهي تثرثر:

-معلش أصلًا دلقت نص الشاي وأنا طالعة وماما تحت ونسيت أجيب المفتاح، فقلت لو نزلت هدلق الشاي كله، فاخبط عليكي أبرك. ضحكت سمر وقالت بمرح: -إحنا مش عايزين مستر بلال يزعل مننا على الشاي. مصمصت ندى وقالت بقرف: -مستر بلال يا أختي هينفخني أصلًا، بس أعمل إيه. أمي أصرت إني أطلع الشاي لمصطفى وصحابه وبلال لسه ما جاش. قلت ألحق بسرعة وأنزل قبل ما يشوفني. لمعت عين سمر فجأة لتقول باهتمام: -إيه ده؟

هو ممكن يحصل مشكلة بينه وبين بلال عشان كده؟ -آه يا أختي، أصل هو محذرني من الموضوع ده بس مقدرش أقول للناس اللي تحت دول لأ. ابتسمت بانتصار لتقول: -يا حرام. بصي هاتي الصينية وأنا هطلعها، مصطفى مش بيزعل لما بطلع. نظرت لها ندى بابتسامة ولكنها سألت بخوف: -إنتي متأكدة إنه مش بيزعل؟ ردت سمر بمنتهى البراءة: -آه، ما تخافيش، هاتي بس وروحي انتي قبل بلال ما يجي.

فرحت ندى كثيرًا وخرجت وأعطتها الصينية بالخارج بعد أن أعادوا رص محتوياتها. وقفت سمر تبتسم بقلق لندي وهي تتجه إلى أسفل، فالتفتت إلى الدرج وصعدت إلى وكر زوجها. وقفت أمام الباب تأخذ نفسًا عميقًا وأصواتهم تأتيها من الداخل. نظرت إلى بنطالها الجينز والتي شيرت بنصف كم وتأكدت أنه سيأكلها حية إن نجحت بالفعل في إغضابه. سمر لنفسها: ولا هيعبرك أصلًا، مش هو بيتجاهلني؟ يشرب بقى!

ضيق مصطفى عينيه بهدوء يستمع إلى المعلومات الخطيرة التي جمعها أحد رجاله. فتحي: واتأكدت إن الحتة دي من ناس كبيرة أوي، الغلطة معاها بتطير رقاب وهو اللي وقع نفسه فيهم. هز رأسه بتفكير ليردف: -يعني هو بكده محتاج فلوس أو الحتة دي مش كده؟ رد فتحي يؤكد كلامه: -أيوه طبعًا، الناس دي معندهاش غالي ولا يا أمي ارحميني! سعد الرواي ولا غيره المهم محدش يعلم عليها. بدأ يفرك ذقنه وهو يخطط في عقله ويحاول وضع نفسه مكان ذلك الخائن.

-واللي خد الحتة عايز يتصرف فيها ولا خايف؟ -والله الواد غلبان، مالوش في السكك الصعبة دي، هو آخره يثبت عربية يسحب موبايل مش يتصرف في حتة آثار. ده من كتر الخوف ولما سمع إنها كانت لناس كبيرة وضاعت مش عايز يتصرف فيها وفكر يكسرها. ليجيب مصطفى سريعًا: -لا هتنفعنا. إنت شايف إيه يا فتحي؟ تقدر تاخدها منه بالفلوس اللي يعوزها؟ وأكد له إن اسمه مش هيتقال أصلًا. دعك فتحي رقبته بتوتر ليقول:

-والله هو ممكن يخاف. بس لو عطيناه مبلغ محترم معتقدش يرفض. سحب مصطفى سيجارة مع أنه يكرهها، إلا أنه يلجأ لها وقت توتره وحيرته وأشعلها وهو يحاوطها بكفه من الهواء، ثم حدق به بحاجب مرفوع وهو ينفخ الدخان من أنفه بشكل يعطيه رونقًا أكثر رعبًا وقال بنبرة ناهية بها أمر غير مباشر: -أنا عارف إنك هتقدر وإن الحتة دي هتبقى بتاعتي في خلال أسبوع. ماشي.

سمع الباب يفتح فدار رأسه ليرى جنيته الصغيرة بكامل جمالها الساحر للأعين. شعر بالسيجارة تسحق بين أسنانه، فأعاد رأسه سريعًا إلى فتحي المحدق بها بانبهار، ليهدر بعنف وهو يعيد وجهه ناحيته بغضب ويمسك ياقة قميصه: -إياك تبص على حد من أهل بيتي تاني، واتعلم تبص في الأرض في وجودهم. يلا من هنا! ابتلع فتحي ريقه بصعوبة بالغة، وقد ظهرت قطرات من العرق على جبينه من الخوف وهز رأسه بالموافقة قبل أن يردف: -أنا آسف، مكنتش أقصد.

وقفت سمر مكانها بصدمة وأعين متسعة وهي ترى مشهد تعنيف مصطفى لصديقه على حد قوله. وقف مصطفى في كامل هيئته وقد زاده غضبه ضخامة. صعقت من سواد عينيه المريب وهو يقترب منها. فتوقفت أنفاسها رعبًا وهو يبدو كالدب الغاضب. هل تمادت قليلًا؟ أممم، ربما كثيرًا!

لمحت صديقه يهرول إلى الباب هاربًا من بينهم. ارتجفت يداها بالأكواب. وشحب وجهها عندما أمسك ما بيدها ليضعه بإهمال بجوارهم، قبل أن يمسكها من ملابسها ويجرها إلى داخل موطنه. أسرعت تتحدث بخوف وهي تحاول تثبيت أقدامها في الأرض: -مصطفى خلاص، بليز، أنا آسفة! لم يستمع لها وهو يغلق الباب خلفهم، مستمرًا في جرها بلا أي جهد، مانعًا نفسه من ملامسة جسدها، فهو متأكد أنه في غضبه سيسحق تلك العظام الرقيقة بين أصابعه.

أمسك مقدمة كنزتها يرفعها حتى وقفت على أطراف أصابعها وهي تتثبت بذراعه القوية، لتشهق بخضة: -أنا آسفة، يخربيتك! زفر بقله صبر وأخذ يتنفس من أنفه يرجو الهدوء أن يأتيه. فتسارعت دقات قلبها بشدة وهي تراه يقاوم ما بداخله من غضب. أخذت عيونها تأتي وتذهب حولهم بحثًا عن منقذ. أردف بصوت هادئ لا ينذر بالخير: -ممكن أفهم دماغك، ممكن تفهميني فعلًا انتي بتعملي إيه وعايزة إيه؟ ليه مصرة تجننيني؟ لتقول بغضب: -سيبني وأنا هقولك ليه!

دفعها لتسقط على المقعد خلفها. أرادت الوقوف بغيظ: -إيه قلة الذوق دي! وضع يده على فمها وقال بتحذير: -كلمة تانية وهخليكي تندمي إنك جيتي الدنيا دي من الأساس. دفعت يده من على وجهها، لتقول بصوت عالٍ: -أنا خلاص ندمت بسببك فعلًا، إنت بتتعصب عليا ليه؟ هاه؟ أنا عملت إيه غلط؟ صاح بها يغضب: -أنا مش قلتلك على السلم تحت أدخلي معايا ناس، لكن لأ، إنتي طالعة برجلك وبالزفت لبسك ده! لتصيح بقله صبر: -أنا حرة يا أخي، لبسي وأنا حرة فيه.

ضرب بقبضته المقعد أعلى رأسها لتغمض عينيها برعب سيطر عليها وارتجفت من صدى صوته وهو يقول: -مفيش حرة، واضح إني كنت طيب معاكي ويكون في علمك أنا هنزل أحرق كل هدومك دلوقتي وهتتحجبي، إيه رأيك كمان؟ زرفت دموعها وهي تعترض ببكاء: -ملكش حق أصلًا. أمسكها هذه المرة من شعرها المنسدل على جانبي وجهها بغيظ ليشد عليه قليلًا للأسفل يمنعها من الاختفاء عن عينيه وجبال صبره تتفتت. -إنتي مراتي، فاهمة يعني إيه مراتي؟

يعني كل حاجة فيكي بتنعكس عليا، يعني لازم تتحملي المسؤولية وتسمعي الكلام برضاكي أو غصب عنك هتسمعي الكلام! -مش عايزة أبقى مراتك! نطقت جملتها بخفوت وصوت متقطع من بكائها، ولكنه لم يرأف بحالها هذه المرة معلنًا عن انفجاره. مال عليها يقبل رقبتها بعنف شديد آلمها وهي تبكي، حاولت دفعه بضعف لكنه لم يتزحزح ولم يتركها حتى أفرغ كامل شحنته على رقبتها المسكينة التي تلونت بالأحمر القاتم الذي سيتحول إلى أزرق خفيف بعد ساعات.

حاولت صفعه ولكنه أمسك ذراعها وبدأ يقبل كل شبر يظهر من ذراعها وملابسها لتصبح قبلاته كالوشم على بشرتها البيضاء الحساسة. لم يأبه لتوسلاتها أو تأوهاتها الغاضبة والباكية، بل إنه ترك ذراعها لينتقل إلى الآخر. أرادت الهروب والوقوف لكن دون جدوى. أبعد رأسه ينظر إلى لوحته الفنية على جسدها الظاهر برضا ليردف بعناد وقسوة:

-البسي اللي انتي عايزاه ومتنسيش تقولي لهم العلامات اللي في جسمك دي من مين، ولو إن محدش هيسأل لأنهم عارفين إنك ملكي أنا. نظرت له بعيون باكية غاضبة وهي تعض على لسانها تود فقط لو يتركها في حال سبيلها بعيدًا عن همجيته ووحشيته. نظر لها بغضب يوازي غضبها وعنادها بالرغم من تمزقه لدموعها، إلا أن عقابها كان يجب تنفيذه حتى تفيق إلى نفسها وتعلم مع من تعاند.

جذبها من ذراعها وتوجه إلى خزانة صغيرة فأخرج كنزة قطنية خفيفة طويلة الأكمام وقدمها إليها في تحدٍ صامت وكأنه يتحداها أن تتجرأ وترفض. غلب عليها البكاء ولم تعد ترى أمامها وهي تحلل كلماته في عقلها. أخذتها منه بيد مرتعشة وشهقات مكتومة، وارتدتها سريعًا تخفي آثار تحديه من على جسدها.

التفتت إلى الباب لتخرج، فامسك بملابسها من الخلف مرة أخرى قبل أن يأخذ يدها برقة ويطبع قبلة رقيقة في باطن كفها تعبر عن حبه وآلامها التي تنهش في قلبه. ود لو يضمها إلى صدره حتى تهدأ ويعتذر عما بدر منه، ولكن ذلك يعني أنه مجنون لا يطاق! كما أن ما حدث هو للأفضل لتعرف أنه عمود تلك العلاقة وأنه سيعودها على إطاعته مهما كلفه الأمر.

نظرت إلى الأرض منتظرة أن يتركها لتهرب بعيدًا إلى غرفتها. تركها سامحًا لها بالذهاب والاختفاء عن أنظاره وهي تركض بكنزتها التي تبدو كفستان قصير عليها تصل حتى ركبتيها. كم يستهوي ضعفها وضآلة حجمها. الآن يشعر بوحشيته. تباً له، لقد كان عنيفًا معها بشكل قاسٍ وغير مسموح به!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...