نظرت له بحنق وغضب محتد. -لا أنا عايزة أقعد مع سمر. رمقها نظرة مهددة وأشار إلى الدرج بعينيه معلناً عن نهاية الحوار. زفرت غادة وهي تدبدب في الأرض ونزلت إلى أسفل. اتسعت عين سمر عندما وقع في رأسها وجودها بمفردها معه. فتح الباب وأشار لها بالدخول. تنحنحت بقلق لتقول: -مفيش داعي، هنزل معاه. حاولت النزول فرفع ذراعه أمامها ليقول بإصرار: -استني، أفرّجك الشقة الأول وبعدين أنا دراعي وقف من الشنط دي، دخلي واحدة وأنا واحدة.
نظرت له بشك ثم توجهت إلى الحقيبة بجواره وهي تقول: -طيب، هبص بسرعة وننزل عشان ماما هتزعقلي لو اتأخرت. حاول السيطرة على ابتسامته المهددة بالظهور وقال ببراءة مصطنعة: -طبعاً وماله. دخلت بخجل وهي تحمل الحقيبة ووضعتها على أول الردهة. أغلق مصطفى الباب خلفه فاستدارت بشدة جعلت فستانها يلتف حول ساقها قليلاً وقالت بخضة: -أنت بتقفل الباب ليه؟ اقترب منها مصطفى بابتسامة الذئب وعيون جامحة ليقول: -عادي، وبعدين أنتِ خايفة ليه؟
أنا جوزك يعني. ابتعدت قليلاً إلى الخلف وقالت بوجه أحمر: -الشقة حلوة، ممكن ننزل بقى. أخذ يقترب منها وهي تبتعد في سباق يسر أعين الناظرين. ليقول بصوت يشوبه المرح وشعور اعتادت هي عليه منه: -الله، أنتِ بتبعدي ليه؟ ماتثبتي. رفعت إصبعها بتحذير وزمت شفتيها بغضب يشوبه الخوف والتوتر. -بقولك إيه، أنت فاكرني عبيطة عش... اااااا.
اصطدمت بالطاولة وهي تهرب إلى الخلف وكادت تقع على ظهرها ولكنه كان أسرع ومد ذراعه ليمسك بفستانها من عند البطن ليجذبها إليه بقوة منعتها من السقوط. أحاطها بذراعه الحديدية ليقول بنبرة سخرية في مواجهة عيونها المتسعة غير المستوعبة لما حدث للتو: -لا معقول، أفكرك عبيطة ودي تيجي. فتحت ثغرها على أخره باحتجاج وقالت وهي تشعر بالإحراج: -أنت اللي كنت هتوقعني. ضحك وهو يرفع حاجبه متعجباً من اتهامها فقربها أكثر وهو يدافع عن نفسه:
-هو أنا كلمتك. -أيوه، أنت بتوترني وبتخليني مش شايفة قدامي. ابتسم بمشاكسة وهو يقرب وجهه منها ليقول بخفوت وجوع واضح في عينيه: -فعلاً، وايه كمان. احمر وجهها أكثر فتلعثمت بتوتر وخجل: -هو إيه اللي وإيه كمان، أنا بحكيلك حدوتة. حاول إمساك نظراتها المتهربة منه ليقول بذهول: -أنتِ لمضة إزاي كده، لازم أعرف سر خوفك وشجاعتك في نفس الوقت. حاولت التحدث بشجاعة: -خوف إيه، أنا مش خايفة. لتتسع ابتسامته بحب ليردف بخفوت ومكر:
-يعني لسانك مبرد، وقلبك تحت إيدي بيخبط في ضهرك من الرعب وإيدك ماسكاني من كتافي عشان ما تترعشي، يبقى اسمه إيه غير خايفة مني. تركت قميصه من بين أصابعها لتدفعه لكن بلا جدوى فهو كالجدار لا يتزحزح. وقالت بعناد: -أنا مش خايفة منك. لمعت عيناه ليقول بشوق وصدق: -كويس، يبقى حاجة تانية والحمد لله اتأكدت منها.
لم يعطها فرصة للتفكير ولثمها في قبلة عنيفة هدمت مقاوماتها ليتبعها بقبلات رقيقة وخفيفة تخالف ما يدور بداخله من أعاصير تهتف للفتك بها. حارب غريزته في امتلاكها في هذا الوقت والحين. شعور مناقض بداخله، كيفما يحدث معه منذ أن وقع نظره عليها للمرة الأولى، ذلك الشعور بامتلاكها وابقائها لنفسه والشعور بالغضب ورغبته في معاقبتها. رفعها عن الأرض قليلاً وباتت معلقة بين ذراعيه.
قلوب تدق بتناغم وأنفاس متقطعة وعيون ثقيلة خارجة عن العمل تاركة للقلب حق تقرير مصير إحساسهم ببعضهم، ليدوقوا عذاب اشتياق محب يتوق لانتهاء المطاف. ابتعدا قليلاً لالتقاط أنفاسهم والتقت عينيهم فشعرت برجفة تسيطر على جسدها وأرعبتها عمق نظراته وشعرت باشتياقه. لم تستطع تحمل المشاعر الجارفة نحوها فاخفت رأسها في صدره ببراءة أذهلته وكادت تمزق قلبه، لتزيد من ذهوله عندما همست بخفوت: -أنا خايفة.
فهم مقصدها وأخذ نفس عميق قبل تربيته على ظهرها برقة لا تخيب في إذهالها ثم أبعدها عنه قليلاً واتجه ببطء نحو الباب ليفتحه معلناً عفوه عنها فقط الآن. نظرت إلى حذائه بخجل لا تستطيع رفع أنظارها إليه وما أن تخطته بدقات مسموعة في أذنها حتى أمسك يدها ليوقفها. أدارت رأسها متسائلة فرفع يدها برقة يطبع قبلة خفيفة عليها. هربت ابتسامة خفيفة منها قبل أن تجذبها وتركض سريعاً إلى أسفل.
وفي منتصف الطريق وجدت غادة تجلس أعلى الدرج أمام شقة منال. فقالت بتوتر وهي تضع خصلة من شعرها الحريري الذي أخرجه مصطفى من ذيل حصانها أثناء عنفوانه إلى خلف أذنها: -احم، أنتِ قاعدة ليه كده. وقفت غادة مسرعة لتقول بحرج: -خوفت أنزل يسألوا عليكي قلت أستناكي. خجلت سمر ولكنها بعثت لها ابتسامة امتنان وشعرت بقلبها يضخ مزيداً من الحب نحو تلك الصغيرة شقيقة زوجها المجنون. دخلت الفتاتان وتبعهم مصطفى بعد فترة.
وصل والد مصطفى فالقى السلام على الجميع وجلس يتحدث مع سمر قليلاً فأعجب بتفكيرها وهدوئها. ونظر نظرة ذات مغزى لمصطفى. نزلت زينب بعد فترة تصطنع الابتسام وداخلها يغلي حقداً على تلك الفتاة الدخيلة التي ستحوي البيت بما فيه قريباً جداً. زينب بملل: -أهلاً بيكم، نورتوا. ابتسمت سلوى وقالت بأدب: -أهلاً بيكي، ده نورك يا أم ندي.
هزت رأسها وجلست بمنقارها المدبب تراقب تصرفات الجميع وخاصة نظرات مصطفى لسمر وتجاهل الأخيرة له بعناية مريبة للشك. فقررت مباغتة سمر بأسئلتها الثقيلة: -وبتعرفي تطبخي بقى يا عروسة؟ أصل مصطفى صعب أوي ومش أي أكل يعجبه. خجلت سمر فهي لم تتعلم من الطهي سوى أساسيات. -الصراحة مش أوي بس أنا عارفة حاجات من وأنا بساعد ماما. اصطنعت الذهول لتقول: -معقولة، ده أنتِ في كلية... شكلك مدلعة وهتتعبنا ههههههه.
لم تدخل ضحكتها الصفراء على الجميع وخاصة مصطفى الذي رمقها بتحذير مستتر قبل أن يجيب: -مفيش مشكلة ياسمر، أي حاجة هتعمليها هاكل منها وأقول الحمد لله. سعادة غمرت داخلها على رده بعد أن كادت تموت حرجا من عمتها الخبيثة. لتردف زينب بابتسامة كاذبة: -والله شاطرة يا سمر عرفتي تاكلي بعقله حلاوة. كادت أن ترد سلوى المغتاظة من هجومها على ابنتها ولكن منال سبقتها:
-أومال إيه، كفاية أدبها وجمالها، هو في حلو من غير شقا، لازم يغرم شوية ههههههه. مر اليوم بسلام ورتبت سمر وسلوى شقتهما وأشيائهما بمساعدة من ثلاثية العائلة منال وندي وغادة. وانتهى باتصال مصطفى بسمر التي امتنعت عن الرد عليه تاركة إياه في نار وغضب من تصرفها المتكبر. ليقول في نفسه: غبي، خوفتها منك بس بردو هوريكي ياسمر، مش أنا اللي يتعمل معايا كده حتى لو بحبك.
ظلت سمر مستيقظة طوال الليل فكلما أغلقت جفنيها رأت أحلاماً تجمعها بذلك المتوحش المقتحم مشاعرها بلا رحمة. فهي متأكدة الآن أنها تحبه وتتعجب من سرعة وقوعها في غرامه وأكثر ما يؤرقها هو سهولة استسلامها إليه حتى وإن كان زوجها. أما في اليوم التالي فقد عمد مصطفى إلى تجاهلها عقاباً لها على عذابه ليلة أمس. كحال أي أنثى انزعجت سمر من إهماله وأرادت أن ترفض دعوة منال إليهم لتناول الغداء معاً بحجة أنها عادة بيت عائلتهم.
لكنها أصرت بشدة. اجتمعت العائلة ما عدا زينب التي اصطنعت المرض والرغبة في النوم غير قادرة على تحمل سمر وسلوى. لم يخلو الغداء من مرح بلال ومشاكساته مع ندي ودخول غادة، حتى أن مصطفى قد مازح غادة مرة. بلال بضحك: -لا مش مصدق بردو إنك هتنجحي. تركت ندي معلقتها بغيظ والتفتت إلى منال: -شايفة يا طنط. حكت منال وهي توبخ بلال: -بس يا بلال، ملكش دعوة بيها. -الله، مش بطمن على مستقبل مراتي. لترد غادة مدافعة عن قريبتها الغالية:
-لا اطمن يا خفيف واطمن أوي، إحنا زي الفل. جاء الرد من مصطفى هذه المرة ليشاكسها: -فعلاً بأمارة عقدة الحساب صح. مطت غادة شفتيها وقالت بحنق: -عادي، سمر كانت كده لحد ما مراد ذاكرها، مش زيك عمرك ما ذاكرتلي. ضحك بلال بينما رمق مصطفى سمر بنظرة غيظ مكبوت وهو يراها تتجاهله وتتصنع تناول الطعام في هدوء أغضبه. ترك الطعام بعد أن فقد شهيته وقضب حاجبيه بعناد واستأذن بالذهاب تاركاً سمر على حافة البكاء من لا مبالاته.
فكأي امرأة من حقها الانزعاج وواجبه هو مصالحاتها، ألا يشعر بشيء نحوها، كل هذا انجذاب جسدي بحت. صعد إلى السطح لعلّه يهدئ من غضبه العارم على تلك الحمقاء، حتى أنها لم تخبره بما ضايقها بل توجهت إلى التجاهل وكأنه لا شيء. صعد بلال والفتيات إلى أعلى بعد مدة لمواساته. بلال: -مسا مساااا، الناس اللي نسيت إن معاها حد عايش حواليها.
رمقه مصطفى بتحذير وهو يطل من السور لمشاهدة الطريق ثم رمق سمر الجالسة على إحدى المربعات بجوار غادة التي تثرثر بلا توقف. حرك كتفيه كعلامة قلة حيلة وأمسك يد ندي يجذبها بعيداً عنهم قليلاً. بلال بحب: -وحشتيني يا بت. ابتسمت ندي بغرور لتردف: -عارفة. لكزها في ذراعها وبعث لها نظرة مهددة. ضحكت وهي تردف بحنان: -وأنت كمان وحشتني بس بطل كلمة بت دي بتضايقني. ابتسم لها بلال ليقول بإصرار: -بس أنا بحبها بقى وطول عمري متعود أقولهالك.
قالت ندي بحنق: -ده كان زمان، خلاص دلوقتي أنا واحدة متجوزة وليا احترامي. كاد بلال أن يقع أرضاً من شدة الضحك على جديتها ليردف: -ياواد يا متجوز إنت، بس خدي بالك، خليكي فاكرة اللي بتقولي ده كويس. نظرت له بنصف عين لتقول بابتسامة: -مش مطمنة ليك. ليبادلها بابتسامة أكثر مكراً ليردف بحب: -أحلى حاجة فيكي إنك فهماني صح وبردو بحبك يا بت. نظرت بسعادة إلى عينيه لتقول بحب جارف:
-وأنا كمان بحبك، ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش من ضحكتك دي أبداً. لمس يدها يرفعها إلى فمه يقبلها بحب ويربت عليها بين يديه. ليغمرهم شعور بالدفء حصري لهم غير عابئين بسمر ومصطفى المتقاتلان سراً ببرودهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!