زفر بلال بحنق وهو يهندم كرافتته ليردف: -إيه النكد ده مش عارف أهبب البتاعة دي!! ليرد مصطفى بكل هدوء: -بتلبسها ليه؟ اقلعها! جذبها من حول رقبته ليردف بضيق: -الهانم اللي عايزاني ألبسها... على أساس إني مش هينفع أتجوز لو ملبستهاش. ضحك مصطفى قليلاً وهو يعيد ترتيب خصلاته المتمرّدة، ويمرر إصبعه على حاجبه المقطوع ليزيد من حنق بلال ليقول بغيظ: -فايق ورايق البيه ما شاء الله ولا كأنه فرحك! نظر له مصطفى من أسفل لأعلى ليقول بحدة:
-ما تظبط يا أد إنت في إيه... هو إنت بنت عشان القلق ده كله! أمسك بلال كرافتته مرة أخرى ليعيد محاولاته الـ 600 في ارتدائها. أخذ يرمي بكلمات غير مفهومة بخفوت ليضيق مصطفى عينيه ويقول بصوت عالٍ: -آه العشرة مع ندى أثرت عليك أوي، أومال بعد الجواز هتعمل إيه! دلف مراد ليقاطع جدالهم وهو بكامل أناقته مرتديًا بذلة كحلية بدون كرافتة والابتسامة تملأ وجهه: -أيوه يا عم إنت وهو... مين قدكم! توجه إليه بلال ليقول بتساؤل:
-إنت مش لابس كرافتة! تعجب مراد من سؤاله ليجيب: -لا، بتخنقني ومش بعرف ألبسها أساسًا. كوم الكرافتة بين يديه ليرميها على آخر ذراعه ويعدل من ياقة قميصه وهو يفتح أول زر ويردف: -أقسم بالله ما هلبسها وتبقي تتكلم عشان أبوظ أم الفرح ده. أزاحه مصطفى قليلاً وهو يقول: -جهزت اللي قلت لك عليه. ابتسم مراد وغمز له بسعادة: -عيب عليك، حجزت لك في فندق جوه البحر لمدة أسبوعين... مع إني كنت شايف تسافروا أحلى. هز رأسه بالنفي ليردف:
-لا، السفر بعدين. ليتدخل بلال سريعًا: -محدش قالي ليه؟ أنا معملتش حسابي ونسيت الحوار ده خالص، دلوقتي ندى هتزعل! ليبتسم مراد له باصفرار ويردف بسخرية: -متقلقش، حجزت لكم على كوالالمبور لمدة شهرين. -ه ه ه ه، كتكوا القرف في شكلكم صحاب عرة. شد مصطفى على قبضته ولكنه قرر الخروج قبل قتله وهو يخبره بأنه قد حجز لهم في نفس الفندق ولكن في حجرة بعيدة كل البعد عنهم وأنه لا يرغب في رؤية وجهه هو أو ندى طوال فترة إقامتهم هناك.
بلال بضيق: -أصل أنا هسيب شهر عسلي وأبقى عايز أقعد في وش جنابك اللي زي الدبابة ده، ربنا يعينك يا سمر والله! تجاهله مصطفى وتبعه بلال ومراد ليقفوا على أول القاعة بانتظار العروستين. نزلت ندى أولاً بفستانها الأبيض المناقض لبذلة بلال السوداء الأنيقة، وكان فستانها طويل يرسم جسدها بعناية فائقة والميك أب الجذاب الذي يبرز أنوثتها كاملة بطريقة كادت تجن بلال وهي يتمنى لو يخطفها بعيدًا عن أعين الجميع. أمسك يدها وقبل
جبينها بحب وقال بخفوت: -ربنا يخليكي ليا. ابتسمت بخجل وهي تتفحص حب حياتها لتعبس مرة واحدة وتتساءل: -فين الكرافتة؟ -أبو أم الكرافتة، إنتِ في إيه ولا إيه؟ بقولك بحبك، بحبك يا باردة! ضحكت وهي تضع أطراف أصابعها على فمها بحذر حتى لا تزيل أحمر الشفاه لتردف بحب: -وأنا بموت فيك وبعشقك. زادت ابتسامته وشبك ذراعها ليتجه إلى المكان المخصص لهم.
بعد أن كاد مصطفى أن يقذف بهم إلى الخارج لتأخيرهم نزول حبيبته التي يتلهف لرؤيتها بعد مفاجأتها الأخيرة يوم وصول والدها. *** فلاش باك. انتظر مصطفى سمر وسلوي حتى لا يتأخرا على موعد وصول طائرة والدها. التفت مصطفى إلى بلال ليردف: -مش معقول هما اللي يتأخروا كده، أطلع نديهم. اعتدل في وقفته وهو يقول: -إنت متوتر ليه كده، الساعة لسه مجتش 5 والطيارة هتوصل 7، أهدي شوية. زفر مصطفى وظل يأكل المدخل ذهابًا وإيابًا. -أنا جاهزة!
-أتاه صوت زوجته الملائكي ليستدير بسرعة ليفاجئه بجنيته الصغيرة ترتدي فستان طويل الأكمام كان قد أهداها لها مغطي برسمة ريش الطاووس كلون عينيها، إلا أن ما هز كيانه هي تلك القماشة الرقيقة والبسيطة التي تحيط وجهها وتخفي شعرها! أهو يحلم أم أنها ترتدي حجابًا بالفعل؟ اقترب منها بذهول وحاجباه مرفوعان بصدمة.
ابتسمت له وهي تنظر له بترقب منتظرة رأيه في هذا التغيير التي وعدت نفسها بالقيام به كهدية له على كل ما فعله لها عسى أن يرتاح باله، كما ارتاحت هي نفسيًا من عند الله ما أن وضعته وشعرت بالرضا عن نفسها وأن الوقت قد حان بالفعل لارتدائه. ابتسم لها بشدة ليظهر أصغر من سنه بسنين ليردف: -بسم الله ما شاء الله، طيب أعمل إيه دلوقتي إنتِ احلوتي أكتر! ابتسمت بسعادة راضية عن أقواله لتختفي ابتسامته مرة واحدة ليردف:
-إنتِ هتخرجي وإنتِ حلوة كده. زفرت سمر بغيظ ودفعته بكفيها بكل قوتها لكنه لم يتزحزح واكتفى بضحكاته التي أغاظتها أكثر وهي تردف بخفوت: -you will be a bear forever! (ستظل دباً إلى الأبد) لتزداد ضحكاته فيبدو أنه سيظل دبًا بريًا مهما فعل معها. بعد وصولهم بساعة كانت عائلة سمر مجتمعة لأول مرة منذ شهور وعصام يحتضن زوجته وابنته بشوق ودموع من الثلاثة في لقاء أثر عليه هو نفسه! طلب عصام الحديث مع مصطفى في آخر ذلك اليوم.
-أنا مدين لك يا ابني، فعلاً كلمة شكر قليلة عليك. -ليردف مصطفى بأدب: -على إيه يا عمي، ده واجبي سمر مراتي وأنا اللي المفروض أحميها والحمد لله إني قدرت أحميها. ابتسم عصام وقال: -أنا كنت خايف أجي ألاقي بنتي تعيسة معاك خصوصًا وأن جوازكم كان في وقت غلط. ضيق عينيه وهو يستشعر كلامًا لن يعجبه ليشير له بأن يستكمل. فاستكمل عصام بالفعل: -إنت راجل وابن حلال بس إنت متأكد إن سمر بتحبك!
جاء تفكيره إلى اليوم الذي سبق القبض على سعد وتذكر قبلتها على وجنته فابتسم وهو يجيب بثقة: -متأكد واعتقد لو كانت رافضة كانت أو واحدة هتعترض لما تشوفك! هز عصام رأسه ليؤكد كلامه. صعدت سمر مع ندى تنادي والدها وتخبره أن سلوي قد جهزت جميع الأطعمة التي يفضلها فاستأذن ونزل. أوقف مصطفى سمر وطلب من ندى النزول وأخبرها بأنه سيلحق بهم بعد 5 دقائق.
اقترب منها لتخجل ويحمر وجهها على الفور ولكنه لم يبتسم بل ظلت مشاعره مبهمة لا تستطيع التنبؤ بما يجول في خاطره. ودون سابق إنذار مد ذراعه يحيط خصرها به ويقربها إليه بعنف أرعبها قليلاً. نظرت له بتوتر وتساؤل. ليقول بهدوء حاد: -أبوكي رجع وحمد الله على سلامته وعارف إن الإنسان النظيف والمحترم هيخليكي تختاري إنك تكملي معاه ولا يطلقك عشان متبقيش مجبرة! دق قلبها بخوف، هل سيحررها منه؟ ألم يعد يرغب بها؟
ترقرق الدموع في عينيها استعدادًا لتلك اللحظة القاطعة ولكنه خيب ظنها عندما ردف بجمود: -بس للأسف أنا مش الفارس ولا البطل اللي هيعمل كده، إنتِ مراتي فعلاً وأنا عمري ما هتخلي عنك حتى لو حبستك جوا أوضتي دي! ابتسمت في الوقت الذي نزلت به دموعها ليصبح في حيرة، أهذا رفض أم قبول؟ احتضنته لتؤكد على القبول. زاد من ضمها ليردف بحب وحنان: -بحبك ومش هقدر أعيش غير بيكي، أوعي تطلبي إني أسيبك عشان عمري ما هقدر حتى لو هقسي عليكي!
-أنا بحبك ومقدرش أقولك سيبني! لتضحك بعدها وتردف بسخرية: -يخربيت رومانسيتك حتى لو هقسي عليكي! كلام تحفة! قرص أنفها وطبع قبلة خفيفة على فمها لكنها دفعته وهربت من بين يديه إلى والدها ووالدتها بالأسفل. *** وقف يطالع جمالها الخلاب وفستانها الأبيض اللؤلؤي وحجابها الذي يكسبها طلة ملائكية تليق ببراءتها وغمازاتها الرائعة. اتجه نحوها هي ووالدها ليستلمها منه وهو يجذبها بحب ورقة وكأنها زجاج يخشي عليها من يده السميكة.
مال برأسه يقبلها على جبينها بشغف وهو يغمض عينيه ليخلد تلك اللحظة. لا تتذكر سمر كيف انتهى الزفاف بغمضة عين، كل ما تتذكره هو بقائها طوال الوقت في أحضان مصطفى الذي رفض إبعادها عنه أبداً لتشعر بأمان مطلق وسعادة غارمة. وبحبه الجارف وهي تتعجب كيف استطاعت أن تلجم هذا الرجل المرعب والمخيف ليتحول إلى رجل يداعب قلبها بأبسط نظراته وحروف كلماته! الحب يصنع المعجزات وقلبها لا يقبل بأي معجزة سواه، حبيب القلب والعين وحبيب كل زمان.
وقفت تحتضن والدتها عند مدخل البيت ومعها ندي. سلوي بدموع: -خدي بالك من نفسك يا حبيبتي ومتزعليش جوزك منك؛ واسمعي الكلام! لوت سمر شفتيها بعد أن تأثرت من بكاء والدتها أخرجتها من المود بحديثها إليها وكأنها تذهب إلى الحضانة وليس بيتها! لتردف بسخرية: -حاضر يا ماما وهعمل الواجب وهاكل السندوتشات.
وبختها والدتها بخفة لتضحك غادة وندى التي تشعر بحزن، فوالدتها صعدت دون أن تهتم بها حتى تنهدت قليلاً ونظرت إلى بلال الواقف على الدرج مع مصطفى ووالد سمر يتحاورون ويضحكون. ضحك بلال: -أنا مش سعيد برجوعك بالسلامة وبس، لا أنا مش مفرحني غير إننا اتخلصنا من الحرمة الصعرانة اللي كانت هتموت على مصطفى دي، فاكر يا ابني اليوم اللي رحتلها بالليل عشان الخطه نزلت متبهدل وروچ وحركات أنا قلت كانت هتاكلك!
قبل أن يحذره مصطفى من سماع سمر للأمر. جاءه صوتها الغاضب بحدة: -هي مين دي إن شاء الله اللي رحتلها وبهدلتك روچ وعملت إيه بالظبط؟ نظر إلى بلال بغضب وتوعد بقتله قريبًا. فرك بلال أسفل رقبته وهو يردف: -ده تبع الخطة يا سمر مع البت سكرتيرة سعد بس محصلش حاجة. وضعت يدها في جانبها لتردف بغيظ: -محصلش حاجة والروچ والبهدلة دي حصلت إزاي؟ -احم، طيب... عملت اللي عليا، أنا أستأذن بقى عشان ندى واقفة مستنية هناك!
هرب بعيدًا ليمسك بيد ندى ويهرع إلى أعلى حيث عش الزوجية. احمر وجه مصطفى وسمر من الغضب مع اختلاف أسبابهم، فهي توعد بقتل مصطفى وهو يتوعد بقتل ابن عمه في أسرع وقت. نظرت سمر بحنق إليه ووجهت حديثها إلى والدها: -بابا أنا مش هتجوز، أنا غيرت رأيي وهرجع معاك. وقف أمامها مصطفى بعضلاته المشدودة وهو على أهب الاستعداد لمحاربة جيش كامل وليس صغيرته فقط. ليردف بغضب: -مش عايزة تتجوزي! إنتِ اتجوزتي فعلاً، إنتِ متخلفة!
رفعت أصابعها في وجهه وعائلتهم تنظر لهم بذهول وقلق. لتردف بحدة: -إنت إنسان مش محترم وأنا بكرهك وعايزة أطلق، طلقني دلوقتي حالا، طلقني. ليقترب منها مصطفى وينحني ويحملها فوق كتفيه ويتجه إلى الدرج حيث يقف والدها مشدوهاً غير قادر على الحديث أو منعه من الصدمة. ليردف بتحذير مستتر: -أوعى يا عمي كده معلش عشان بنتك اتجننت! كاد أن يوقفه ويخالفه إلا أن يد زوجته سحبته إلى أسفل من أمام مصطفى ليستكمل صعوده وسمر تضرب
على ظهره بقوة وتصيح به: -نزلني يا همجي يا متوحش يا بتاع الستات! لم يأبه لها وأخرج مفتاح شقته يفتحه ليدلف بها ثم أغلق الباب بقدمه. نظرت غادة إلى مراد بخوف ليهز رأسه نافيًا أنه قد يفعل ذلك بها يومًا. أما والد مصطفى فتنحنح قليلاً وهو يخبر والد سمر بأن يطمئن على ابنته وأن ابنه قد يبدو متوحشًا إلا أنه لن يفعل شيئًا قد يندم عليه ويؤذي زوجته.
أكدت سلوي على كلامه لتهدأ عصام وتقنعه بأنها قد اعتادت على شجاراتهم المستديمة والتي لن تنتهي أبدًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!