رفضت عيناه المثول أمام رغبة عقله في الابتعاد عن نافذة الجنية الصغيرة التي ألهمت داخله بطريقة لم يعتد عليها من قبل. لا يستطيع تصديق أنه فقد السيطرة على نفسه من نظرة واحدة، وهب عليها كالطوفان. يا الله، ما سر هذا الانجذاب الرهيب اتجاهها؟
فهي تبدو طفلة لا تتعدي الثامنة عشرة عامًا. ربما لبراءتها وعيناها الشبيهتان بماء المحيط. لا يعلم ما الذي أشعله أكثر، ارتعاشتها حين رأته وخوفها، أم قدرتها على توجيه الاتهام له بوجهها الأحمر الصغير. زفر مصطفى وضرب كفًا بكف في وسط ذهول رجاله وبلال، الذي رفع حاجبًا وهو يحاول فهم ما بداخله. "مصطفى؟ لم يرد عليه مصطفى وبقت نظراته معلقة على نافذتها بترقب رهيب. "أنت يا جدع، مش بكلمك! مصطفى بضيق وملل: "عايز إيه يا بلال؟
محمد، صديقهم، وهو يضحك ويتكئ على الكرسي أمامه: "طبعًا أنا لو قلت لك إن السبب في اللي هو فيه واحدة مش هتصدقني." رمقه مصطفى بنظرة جمدت الدم في عروقه، فتنحنح ونظر إلى الجهة الأخرى. بلال، وقد ارتفعت أذناه استشعارًا لما يدور في حياة مصطفى: "واحدة؟ مين يا اض يا محمد؟ محمد بتوتر وهو يضحك بوجهه أحمر خجلًا: "هاه، واحدة إيه... أنا كنت بهزر." زم بلال شفتيه وقال بغيظ: "عيل جبان، خسارة إني مصاحبك والله. خايف منه يا اض!
ده أنا هنفخك! مصطفى بقلة صبر وهو يرغب في ضرب رأسيهما معًا: "أنا قاعد هنا على فكرة! وبطلوا حكاوي النسوان دي وركزوا في حالكم." رن هاتف مصطفى فأضاءت الشاشة باسم والده الحاج دياب. رد بهدوء. "أيوة يا حاج. أؤمرني؟ دياب بثبات: "أنت فين؟ تابعت موضوع الأرض اللي قلت لك عليها مع المهندس؟ مصطفى بجمود: "أيوة، بس زي ما قلت هيحصل مشاكل كبيرة بسبب الراجل صاحب الأرض اللي جنبها. حطنا في دماغه... وهيغرقنا مع الحي."
دياب بثقة: "متقلقش، أنا عارف هوقفه إزاي عند حده. ماتتأخرش النهارده، أما نشوف حكاية اللي اتهجم على بنت عم أيوب ده. استغفر الله." "حاضر يا حاج." أغلق الهاتف وأعاد نظره إلى أعلى، فلمحها تنظر إليه وكأنها تتأكد من وجوده قبل أن تلتقي أعينهما. توترت ونظرت إلى الأسفل. رفعت سمر ذراعها ببطء حتى تغلق فرن هاتفها لتترك النافذة وتجيب سريعًا. "الوو." مراد: "الو، صباح الخير يا آنسة سمر. أنتم كويسين؟
"صباح النور. آه الحمد لله. هو في حاجة ولا إيه؟ "لا، أنا بس كنت بطمن عليكم عشان أبوكي قلقان وقال لي أطمنكم." دمعت عيناها قليلاً قبل أن تجيب بصوت خافت: "هو في حل يا أستاذ مراد ولا خلاص كده؟ "ماتيأسيش، ده أولًا. ثانيًا، ربنا على الظالم يعني بإذن الله والدك هيرجع وياخد حقه. وأنا بعمل كل اللي في وسعي إني ألاقي ورق أو ملفات تنفعنا." سمر بامتنان: "أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي أنا...
قاطعها مراد بسرعة: "من غير ما تكملي، أنا عارف. وبعدين والدك أنا بعتبره والدي، وأنتي أختي الصغيرة، وليه دين في رقبتي مش هقدر أسدده طول عمري." ابتسمت سمر قليلاً وأردفت بصدق: "أنا كان نفسي في أخ، بس واضح إن ربنا بيحبني وحب يعوضني بيك، فاينلي يعني." ابتسم مراد، فظهرت الابتسامة في كلامه: "أنا ليا الشرف! كفاية إن أختي عسولة وبتلبس شوز عليه كرتون! اختفت الابتسامة من على وجه سمر، ومعها أكثر لحظاتها جدية،
لترد بحرج ودفاع: "ده مش كرتون، ده تويتي! مراد بضحك: "وأستاذ تويتي تبع الإذاعة والتلفزيون! تأففت سمر: "لا والله! أنا لما طلبت أخ كنت عايزة حنانه وحمايته، بس واضح إني لازم أتحمل رخامته! لم يستطع مراد كبت ضحكاته على براءتها. "ههههههههههه، بتاخدي الباكدج على بعضه، مفيش فصال! ضحكت سمر: "ههههههه، موافقة، بس متتعودش على كده." "مش هوعدك. هضطر أقفل دلوقتي وهبقى أتصل بيكم بالليل." "تمام، مع السلامة." "مع السلامة."
أغلقت الهاتف وضمته لصدرها وهي تطلق تنهيدة اشتياق لوالدها وحنانه الذي لا يعوض. كم تمنت أن تسمع صوته. رفعت عينها فوجدت عيونًا نارية تتابعها بشراسة. اتسعت عيناها بذعر. لماذا تقف أمام النافذة كالبلهاء؟ لماذا يوقعها حظها التعس في عيناه الحادة المتمرّدة؟ سمر لنفسها: "ريلاكس، ريلاكس. ده بعيد. خدي نفس عميق واقفلي الشباك بهدووووء، بهدووووء." ظلت تحدث نفسها وهي تمد بذراعيها لإغلاق النافذة. أحكمت إغلاقها وتنفست الصعداء.
"إيه الناس دي؟ أتاها صوت والدتها متسائلة: "بتكلمي مين يا سمر؟ توجهت سمر إليها في الصالة مجيبة: "ده مراد يا مامتي، كان بيسأل علينا." "كتر خيره. بس متتعوديش على كده، أنا اللي هرد على التليفون." ضحكت سمر: "إيه ده، بتغيري عليا يا سوسو؟ ضحكت والدتها رغماً عنها: "بطلي شقاوتك دي." وقف مصطفى يغلي ذهابًا وإيابًا أمام القهوة، وهو يتساءل من يحادثها وما سر ابتسامتها وهيامها بعد انتهاء المكالمة؟ أهي مكالمة غرامية؟
ومن يكون ليحطم عظامه؟ وقف للحظة عندما جال بتفكيره بأن تكون لتلك الجنية البريئة علاقة برجل ما. لماذا تزعجه تلك الفكرة وتتأكله؟ مصطفى لنفسه: "هي قريبتك ولا حاجة؟ ما اللي يتكلم يتكلم، واللي يحب يحب الله! ليرد قلبه بكذبة واهنة، ولكنها كانت كافية لإقناعه. إنه يخشى عليها من هالتها البريئة المحاطة بها، والتي ستجعلها فريسة مستساغة لأشد الذئاب ضراوة. ذئاب لا تعرف الحب أو الرحمة، تعيش بواجب العيش فقط. ذئاب أمثاله هو!
أغمض عينيه بشدة وهو يتذكر أول ما راود عقله حين وقعت عيناه عليها بصورتها الملائكية وعيونها الخلابة التي لم ير لها مثيل. رأى نفسه يحملها ويخطفها من عيون الجميع، رغبة جامحة بداخله تسيطر عليه كليًا في خطفها لنفسه وحبسها في أملاكه الخاصة! هز رأسه ذهولًا من هذه المشاعر العنيفة ونظر إلى مجموعة رجاله المجتمعين حوله. أردف بصوت لا يبث أي مشاعر إلا الخوف والحذر: "بلال ومحمد... الحاج مستنينا."
وقف كلاهما بملل من خوض تلك المعارك التي يتغلب فيها والدهما باللسان والعرف. في بيت العرابي... جلس الرجال في حلقة في ساحة أسفل البيت المكون من 3 طوابق، يعيش به دياب وعبد الله وشقيقتهما الأرملة زينب. عم أيوب بأسى: "يرضي مين ده يا كبير؟ عشان أنا كبرت وسني مبقاش يسمح بخناق، يروح عيل صايع يمد إيده على بنتي ويضربها وسط الشارع وأنا مش موجود! ليرد أهل الشاب بغل وتعجرف: "ولما هو صايع وفقت يخطبها ليه؟ زفر بلال بملل
ومال على مصطفى بصوت شاكي: "فكرني كده إحنا قاعدين هنا ليه؟ والراجل ده بجد ولا بيهزر؟ رمقه مصطفى بنظرة جانبية: "اهدي، متجبش الكلام لنفسك. وللأسف الراجل بجد." بلال وهو يهز رأسه غير مصدقًا: "مش معقول، يعني مخدش باله إن الواد عربجي؟ وحتى لو البت وافقت، واللي هي مستحيل أصلًا توافق إلا لو أبوها أعمى ومفكرش في مرة إنه يكون بيهدها، أجبرها إنها تتجوزه؟ مصطفى بكل جمود وواقعية: "لا، كان شايف وفاهم، بس الفلوس بتعمل أكتر من كده."
جحظ حاجبي بلال بريبة وقال متسائلًا: "وأنت عرفت إزاي؟ هو قال حاجة؟ ابتسم مصطفى ابتسامة ساخرة تخلو من المرح: "بص لعنيه، هو بيتكلم، وشوف كام مرة وهو بيحلف بيبص لتحت." نظر بلال بتقزز للرجل ووجه حديثه إلى مصطفى مرة أخرى: "طيب وإحنا قاعدين هنا بنهبب إيه في المسرحية دي؟ "مستنيين المسرحية تخلص. وأبويا عارف ومتأكد إن الواد خفيف وهيعمل بلبلة."
نظر إلى أعلى بغيظ وملل عندما لمح ندى أعلى السلم. استاء من نزولها في اجتماع الرجال وأشار لها برأسه للصعود. فما كان منها إلا أن أرسلت له ابتسامتها المغرية لتسلب عقله وإرادته. رمشت بعينيها مرة بنظرة ذات معنى، ثم استدارت وهي تعلم جيدًا أنه سيلحقها إلى المكان الذي شهد حبهما منذ الطفولة. عض على شفتيه السفلى من شقاوتها، وتنحنح قليلاً. "عن إذنك يادرش، سيكا ونازل." مصطفى وهو يعلم تمامًا
أين سيذهب ولمن: "معاك 3 دقايق، هعمل نفسي مش واخد بالي. أكتر من كده هاجيلكم أنتم الاتنين! بلال بغيظ وحرج: "وطي صوتك يا عم أنت، وبعدين خليك في حالك! ابتسم مصطفى لانزعاج بلال وقال ببرود: "عدي منهم دقيقة." نظر له شزراً ونظر حوله يتأكد من عدم مراقبة أحد له، ثم صعد إلى السطح حيث فتاته تجلس على مربوعتها المفضلة في انتظاره. ارتمى بجوارها. بلال بحب: "مسسسا مساا يا كبير." ندي بمصمصة وهي تعدل حجابها المرمي باهمال فوق
شعرها المنسدل حتى خصرها: "داخل غرزة حضرتك! في حد يكلم واحدة كده! طبعًا مانت مش فاضيلي." بلال وهو ينظر إلى أعلى: "امممممممم، قولتيلي بقا! ندي بغيظ: "قصدك إيه؟ "لا بس مستني وصلة النكد اللي هتبدأ." شهقت ووقفت من مكانها تخبط على صدرها وتميل إليه لا وعي وهو جالس. "أنا نكد!؟ "لا يا أمي، أنا بتيجي تنكد وتنزل تاني! يعني أنا سايب فحال بشنبات تحت وطالعلك عشان تدخلي فيا شمال!
ندي بوجه أحمر من الغيظ، قبضت على ياقة قميصه بقبضتها الصغيرة وانحنت قليلاً عليه. "أدخل شمال؟ هو أنا لحقت أفتح بوقي؟ أنت اللي مش طايقني ونازل طيخ طاخ من ساعة ما طلعت! ابتسم رغماً عنه على شراستها، وجذبها نحوه لتسقط أمامه بين ساقيه. "ااااي، ركبتي هتتعور يا بني آدم." بلال بضحك على سخافتها: "الحمد لله مخدتش بالها إنها حضني."
نظرت له بعدم فهم لوهلة وهي ترى ترقبه. نظرت حولها فوجدته يجلس أمامها وساقيه على يمنها ويسارها. وضعت يدها على وجهها بخضة. فدوت ضحكته. "أنت قليل الأدب، أوعى كده." "هههههههههههههه، يابت لسانك ده هقطعهولك في يوم." "ه ه ه ه ه، خفة." وضعت يدها على ركبتيه وهي تقف ثم عصرت قدمه بقدمها بغيظ. "اااااااااه، يابت المفترية." "أحسن عشان تحرم تضايقني بعد كده." استدارت لتغادر ولكنه أسرع في الوقوف وإمساكها. "على فين العزم إن شاء الله؟
"أوعى إيدك دي! أنا نازلة عند أمي. ليك شوق في حاجة؟ نظر لها بقرف واشمئزاز: "ليك شوق في حاجة! وكنت زعلانة عشان بقولك مسا مسا! انتوا الحريم عليكوا حاجات." ضربت الأرض بطفولية وتأففت منه. "أنا غلطانة إني قلت وحشني وهروح أشوفه. أنا أنا أنااااا خسارة فيك أساسًا." انفجر ضاحكًا على موشحها وغضبها وتلعثمها الذي يعشقه عندما تحمر وجنتيها وتزم فمها. مما زاد من نمقها عليه. فأردفت
وهي تعلم كيف تخرس ضحكاته: "أوعى بقا عشان أشوف العريس." توقفت ضحكاته في لحظة وسأل بلهجة جدية وغاضبة: "عريس إيه يا روح خالتك؟ وضعت يدها في جانبها بانتصار وقالت بملل وهي تمط حروفها: "عريس شافني وهيموت ويتجوزني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!