أغلق مراد الهاتف وهو يرغب في القفز من الفرحة. أخيرًا سيحظى بفرصة لمقابلة تلك الصغيرة التي أقلقت منامه وتفاجئه في كل أحلامه، تخطف قلبه وتهرب بضحكاتها الموسومة في روحه. عاد إلى والدته سريعًا ليتأكد أنها أخذت علاجها وتناولت طعامها. "إيه يا ست الكل، أكلتي ولا لسه بتدلعي؟ ضحكت والدته ما إن وقعت عيناها عليه، وهو نور عينيها وابنها الوحيد. "أنا فطرت متأخر معلش يابني، مش هقدر آكل... أنا هغرفلك بسرعة." أمسكها مراد بسرعة.
"لا يا أمي خليكي، أنا مش جعان ومستعجل وشكلي هتغدى عند أم سمرا." اعتدلت على سريرها لتتساءل بأسى. "وهما عاملين إيه دلوقتي يا ابني؟ يا حول ولا قوة إلا بالله يارب، مش عارفة الزمن بقى وحش كده إزاي وكله بياكل كله." ربت مراد على كفها ليردف باطمئنان. "متقلقيش يا ماما، أنا حاسس إننا قربنا نلاقي حل نرجع الحج عصام بيه... دعواتك بس."
"ربنا يوفقكم يابني ويرجع الراجل المحترم ده بالسلامة ويحميك يابني من كل شر. على قد ما قلبي بيوجعني من خوفي عليك، على قد ما أنا فرحانة بيك واللي بتعمله." "طبعًا يا ماما، الراجل ده ليه جميل في رقبتي ليوم الدين، ومهما حصل مش هعرف أردهوله." احتضنته والدته بوابل من القبلات والدعوات ليحفظ الله طريقه ويوقعه في الزوجة بنت الحلال لتنعم بحفيد في القريب العاجل. ضحك مراد ليردف بخفوت. "يا بركة دعاكي يا أمي! "بتقول حاجة يابني؟
"لا يا أمي، بقول ربنا يخليكي ليا. همشي أنا بقي لو عايزة أي حاجة اتصلي بيا تمام." "ماشي ياحبيبي، وأنا هنام شوية لحد ما ترجع." قبل رأسها بحب وربت على يديها قبل أن يدثرها في فراشها ويذهب إلى ملاكه المنتظر. *** في بيت العرابي. وضع بلال يده على رأسه ليردف. "انت متأكد من اللي في دماغك ده؟ زفر مصطفى ولم يجبه. ليردف بلال بغيظ. "ما ترد بقى يا ابني." نظر له مصطفى بضيق ليردف بانزعاج. "عندك حل تاني؟
"لا معنديش، بس البت دي شكلها شمال أوفر دوز يعني مش سهلة تضحك عليها بكلمتين وممكن يحصل في الأمور أمور. وبعدين إيه رأي سمر في الموضوع ده؟ ابتسم قليلاً وهو يتذكر رقتها ويتمنى من كل قلبه أن تغار عليه بالفعل، ولكنه اتخذ قرار بعدم إخبارها. أردف بأمر لا يتقبل المعارضة. "كلم سعد يا بلال، بكرة عايز أقابله في مكتبه." ما هي إلا دقائق حتى أخذ بلال معادًا من تلك المشعوذة للقاء سعد لمناقشة صراع الأراضي بينهم.
وضع بلال يده بجانبه وهو يحذره. "مصطفى، الموضوع ده كبير. على الأقل قول لمراد." "الله، انت بتزن كتير كده ليه؟ هي ندي أثرت عليك ولا حاجة؟ ما تهدى كده، أنا أصلًا هكلمه النهارده وهتفق معاه." ليرد بلال باستغراب. "ما مراد تحت يابني." نظرت له بحاجبين معقودين ليردف. "تحت فين؟ "عند سمر، أنا سلمت عليه وأنا طالع. أنا بحسبك عارف." غلت الدماء في عروقه. كان يجب أن يستأذن منه قبل المجيء إلى بيتهم، وبالأخص إلى زوجته!
هذا تمادٍ لن يسمح به أبدًا! ترك بلال ليهب كالعاصفة ينزل إلى سمر ليرى ما سر هذه الزيارة غير المرغوب بها. *** قبل ساعة عند شقة سمر. دلف مراد بتوتر وابتسامة ترتسم وجهه البشوش. "السلام عليكم... إزيك يا طنط؟ "الحمدلله، وانت؟ خرجت سمر وغادة مسرعين، ووجه غادة مغطي باللون الأحمر خجلًا. سمر بسعادة. "إزيك يا مراد... ميرسي أوي إنك جيت! نظر إلى غادة بابتسامة طفيفة ثم إلى سمر. "تمام، ولا يهمك، انتوا أؤموني."
"هههههههههه، ما يؤمرش عليك ظالم على رأي طنط أم عزت." ضحكت غادة وهي تستمع إلى تلك الجملة من سمر، فابتسم مراد وكأن عصافير النهار تزقزق أمامه. أيعقل أن يحبها بتلك السرعة؟ لاحظت غادة نظراته فخجلت أكثر. قبل أن يردف مراد بهدوء يخالف ما بداخله. "إزيك يا آنسة غادة؟ أردفت بخجل. "الحمدلله يا أستاذ مراد... أنا متشكرة جدًا إنك وافقت تساعدني! ردت سمر سريعًا. "يابنتي مراد محترم جدًا وبيحب يساعد الناس الشطرة اللي زيك."
سلوي بابتسامة وهدوء. "ادخلوا يلا على السفرة وتعالي ياسمر خدي عصير لمراد وغادة وسيبيهم يركزوا عشان منأخرش مراد." غمزت سمر لغادة بهدوء فكبتت غادة ضحكتها وهي تدعي الله أن تنجح تلك الخطة وأن يحبها مراد بالفعل. ففارق السن يقلقها للغاية، وتخاف أن ينظر لها كمجرد طفلة.
جلست نصف ساعة تحدق به بحب وهيام ولم تفهم حرفًا واحدًا مما يقوله، ولكنه أبهرها بصبره. وكلما وجدها لا تستوعب يعيد ويزيد لها، فوبخت نفسها لتهتم بكلماته حتى لا يظنها بطيئة الفهم. ألا يكفي تلك المخاطرة التي تخشى أن يكتشفها مصطفى! جلست سمر في كرسي الصالون وهي تتابع مراد وغادة من على بعد ويدها على قلبها تخشى من علم مصطفى بالأمر. ولكن القدر لم يكن في صفها اليوم، فقد سمعت خطواته الفجة قبل دقاته على الباب.
التقطت أنظار غادة وسمر بهلع، تعجب له مراد قليلاً. توجهت سمر سريعًا إلى الباب على أمل إنقاذ الموقف. أخذت نفسًا عميقًا وفتحت الباب بابتسامة واسعة. كان وجوم وجهه كافيًا لإخبارها بحالته المزاجية. رفع مصطفى حاجبه على تلك الابتسامة الواسعة بشكل مبالغ فيه ولم يعتاده منها. سمر بسعادة شبه مصطنعة، فبرغم أفعاله وغضبها منه إلا أن قلبها يرفرف دائمًا وقتما تراه. "مصطفى!! إحم، عامل إيه؟
حسناً، هناك أمر يدور من ورائه لا محالة. ولكن سيطر على أعصابه حتى لا تخاف منه. "الحمدلله، هو مراد هنا؟ سمر بتلعثم: "مراد آه هنا... ليه هو فيه حاجة؟ مال برأسه إلى اليمين، هل هي غبية أم تصطنع الغباء؟ لكنه أردف بهدوء ونظرة ذات مغزى. "لا، أنا كنت عايز أتكلم معاه شوية بس اتصدمت إنه هنا. إنتي شايفة إيه؟ أعادت شعرها إلى الوراء وهي تنظر له بتوتر. "أنا آسفة، كان المفروض أعرف صح؟
تنهد مصطفى، يبدو أن الطريق طويل أمامها لتتعلم. لكن لا يهم مادامت ستحاول، فردف بهدوء. "أيوه يا سمر، كان المفروض أعرف طبعًا! لتردف بحزن مصطنع وانكسار تعلم أنه سيؤثر به. "إزاي فلّتت مني دي؟ ده بيتك و... "لا ياسمر، مش بيتي. أنا لازم أعرف لأنك مراتي! رمشت بخجل وهي تفكر في حل لتمنع ثورته، لتردف بصدق. "حاضر... أصل الصراحة بس من غير ما تزعل! أقلقه حديثها لينتابه الفضول ليردف. "قولي، مش هزعل." فركت أصابعها لتردف.
"لا، احلف الأول عشان أنا عارفة إنك هتزعق." ليردف بعصبية. "الله، ما تقولي على طول فيه إيه؟! لوت شفتيها لأسفل وهي تشير له. "انت لسه معرفتش وبتزعق أهو!!! فر بحنق وقال بابتسامة مصطنعة. "لا مش هزعل يا سمر، ممكن تقولي بقى؟ عضت على شفتيها ونظرت له بتوتر. "أنا كلمت مراد بس غادة ملهاش ذنب، أنا كنت عايزة أساعدها! تغيرت ملامحه إلى عدم الفهم، ليأتي صوت سلوي من الخلف.
"إيه قلة الذوق دي يا سمر، موقفة جوزك على الباب كده. ادخل يا ابني! دلف مصطفى ليجلس، فلمح مراد يجلس على السفرة ويفر في بعض الأوراق بجانب غادة. فهم الأمر على الفور بأنها استعانت به لحل مشكلة ضعف غادة للرياضيات. ولكن ما لا تعلمه أن دروس غادة تتم على السطح أمام أنظاره هو أو بلال.
انزعج من غادة أكثر من سمر لعدم إخباره بذلك، ولكنه رأف بحالها عندما لاحظ توتر انفعالاتها، والاثنتان يوشكان على البكاء. ما سر إصرار هاتان الفتاتان على إغضابه! سلوي بحب: "انت جعان ياحبيبي، أغرفلك؟ ابتسم لها مصطفى، فبرغم ضآلة حجمها، فهذه المرأة مثال للحنان بعد منال زوجة عمه الودودة. ليردف بصوت هادئ مصطنع ووجه أحمر، لا يريد التأثير عليها بغضبه وهي مريضة قلب.
"لا يا أمي، مش قادر، لسه آكل. أنا بس كنت بطمن على غادة. تعبان مراد ولا لأ." جاءه صوت مراد الهادئ الغير فاهم للوضع. "لا يا مصطفى، اختك دماغها نضيفة، هي بس محتاجة تركيز." هز رأسه قبل أن يردف مراد ضاحكًا. "أنا افتكرتك نازل تسلم عليا ولا حاجة." ابتسم مصطفى قليلاً قبل أن يردف بصدق. "كده كده كنت هكلمك فعلاً، خلص مع غادة ونتكلم." قاطعتهم سلوي. "طيب أنا هدخل أصلي وأجي. البيت بيتكم طبعًا."
وقف مصطفى وهي تدخل، ثم عاد للجلوس وهو ينظر بحدة إلى سمر. "إنتي قصدك عناد يا سمر ولا إيه بالظبط عشان نبقى على مايه بيضا؟ أردفت سمر مدافعة. "لو هعاند مش هخاف منك. أنا فعلاً كنت عايزة أساعدها بس كنت عارفة رد فعلك." صمت لبرهة قبل أن يستكمل حديثه. "متأكدة إنك مش بتخافي مني؟ رفعت عينيها إلى عينيه، فتعلقت أنظارهم، هو بجراءته وشوقه، وهي بحبها وبراءتها وخوفها من تلك المشاعر!
رافضة أن تريح فضوله، قررت تعليقه لفترة أطول حتى يتعلم من أخطائه السابقة وألا يكررها. فبداخلها هي متأكدة أنها لا تخافه، ولكنها تخاف مشاعرهم المفرطة السريعة بصورة غير واردة عليها، لكن لن يضر أن تشعره بأن ذلك الخوف منه مادام سيجعله يحميها هو ذاته من نفسه! لاحظت غادة نظراتهم فابتسمت لمراد الذي أشاح نظرة بصعوبة عنها لرؤية مصطفى وسمر. ليعود بنظرة كره أخرى إلى غادة، يبادلها ابتسامتها، وبدأ يشرح بهدوء حتى لا يزعجهم.
قدمت سلوي كيك البرتقال الذي يعشقه مراد إليهم مع العصير، قبل أن يردف مصطفى بأدب. "كنت عايز أستأذنك يا أمي إن سمر تطلع معانا كل يوم السطح أنا وغادة وندي وبلال، يعني متقلقيش، كلنا هنبقى مع بعض." وقبل أن تبدأ في تفكيرها، أسرع بإعطاء مبرره. "إنتي عارفة طبعًا إن خروجها مش مستحب، وكأي اتنين داخلين على جواز لازم يفهموا بعض ويتأقلموا ويخرجوا سوا، فإحنا هنخلي دي خروجة، وبالمرة تتسلى عشان متزهقش."
قلقت سمر قليلاً من مطلبه ونظرت له بشيء من الشك، ولكنه تجاهل نظراتها التي تخترق جانب وجهه. هزت سلوي رأسها باقتناع لتردف بثقة. "ماشي يا ابني، طالما كلكم مجتمعين! حاولت سمر استكمال طبق الحلوي، بينما مراد يأكل بنهم شديد وباستمتاع. ذهلت منه غادة. هل يحب الحلوي إلى ذلك الحد؟ حمدًا لله أنها بارعة في إعدادها، ينوي هو فقط الزواج منها وهي ستغرقه بما يطيب له!
عرض مصطفى على مراد الصعود للأعلى للحديث، مما أقلق الفتيات. فوقفت سمر لتردف. "يلا يا غادة نطلع معاهم، لو ينفع يا مامتي." وقف مصطفى ليردف بحدة. "لا، استنوا ساعة واطلعوا عشان هيبقى عندي ناس. يلا يا مراد." نظر مراد نظرة أخيرة مستترة إلى صغيرته ولحق بمصطفى إلى الأعلى. ما إن أغلقا الباب حتى وقعت غادة على كرسيها بعد أن ارتخت من شدة أعصابها. غادة وهي تزفر جميع الأفكار السيئة من داخلها. "إيه ده، كنت مرعوبة!
انتي عملتي إيه عشان يهدى كده؟ جلست سمر بجوارها. "مش عارفة والله، تصدقي لو قلتلك مش فاكرة حاجة. أخوكي بيخليني مش على بعضي." دوى صوت ضحكات سلوي واخترقت جدران المكان وهي تتنفس بصعوبة لتردف. "ضحكتيني يا سمر والله. طيب يا حبيبتي، كويس إنك طمنيني عليكي، بس متقوليش كده قدام حد." نظرت لها سمر باستغراب. "أقول إيه؟
هزت رأسها وهي تحاول ألا تضحك مرة أخرى على سذاجة ابنتها، ولكن بداخلها شعرت بسعادة غامرة وأمل بأن قرارها في تزويجها من مصطفى كان الحل الأنسب والأمثل. بعد مرور ساعة صعدت ندي لتخبرهم بإمكانية اللحاق بمصطفى وأن مراد قد رحل. مطت غادة شفتيها لتردف. "منك لله يا مصطفى، طفشت الراجل." "هههههههههه، معلش، ومتنسيش إن حضرتك هتشوفي على الأقل مرتين في الأسبوع، ماشي؟ وركزي عشان لو سقطتي أنا اللي هندم إني ساعدتك."
"آه، عبس أساس مصطفى هيخلي يجي تاني." "اسكتي انتي بس وأنا هتصرف."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!