الفصل 5 | من 40 فصل

رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
30
كلمة
8,330
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

وقعت زينب، تشعر بألم قوي بكاحل إحدى قدميها. حاولت الوقوف، لكن لم تستطع، فظلت جالسة أرضًا. رغم الألم الذي تشعر به، لم يكن لسانها صامتًا، أكملت سبها. تلهفت عليها صفاء، ليست متعجبة من سبها لرفعت الزهار، فسابقًا لقنت طليقها درسًا قويًا. يبدو أن الطبيبة لا تهاب من أحد، أو ربما لا تعرف من رفعت الزهار. جلست صفاء بجوارها قائلة: "سلامتك يا دكتورة، حصلك إيه." تخلت زينب عن سبها لرفعت وردت على صفاء قائلة:

"معرفش، كاحل رجلي بيوجعني قوي." قالت هذا وعاودت سب رفعت مرة أخرى. بينما رفعت، سار قليلاً بالجواد، يحاول السيطرة عليه إلى أن تمكن من السيطرة عليه. نزل سريعًا من عليه وتوجه إلى مكان جلوس زينب، بلهفة لا يعرف سببها. جثى على ركبتيه أمام زينب قائلاً: "إنتِ السبب، شهقتك خضت الحصان، خلته عمل كده. وعلى العموم متأسف، وخليني أساعدك لو سمحتي."

قال رفعت هذا ومد يده كي يضعها على كاحل زينب، لكن زينب بحركة عفوية شدّت كاحلها بيدها وبعدت يدهُ عنها. نظرت له نظرة ساحقة قائلة: "إنت اتجننت، إزاي تلمسني؟ ابعد عني كفاية، لأ وكمان بترمي اللوم عليا، وإنت اللي غلطان. مش بتعرف تركب حصان بتركبه ليه؟ عاوز تدهس الخلق وتجيب اللوم عليهم؟ أما إنك همجي بصحيح، والحمار اللي كنت راكبه ميفرقش عنك." تنحنحت صفاء قائلة: "معليشي يا رفعت بيه، الدكتورة زينب متعرفش إنت مين."

نظرت زينب لصفاء بحِدة قائلة: "إنتِ بتقولي إيه؟ أعرفه أو معرفوش، ميهمنيش، ده واحد غلطان بيرمي اللوم على غيره، يبقى أقل ما يقال عنه همجي. ومش بس همجي، ده ميفرقش عن الحيوان اللي كان راكبه. وإياك تدافعي عنه يا صفاء." قالت زينب هذا وعاودت سب رفعت. صمتت صفاء.

بينما رفع، رغم وصلة السب التي ألقتها عليه، لا يعرف لما أراد أن يضحك، لكن حاول تمالك نفسه حتى لا تُزيد من سبابها. ما المضحك بالنسبة له، لا يعلم. لو كانت غيرها من تسبه هكذا لكانوا يقرؤا الفاتحة على روحها الآن، لكن تلك تثير ضحكه. فلتت منه بسمة على محياه. رأت زينب بسمته فقالت بحِدة وغيظ: "بتبتسم على إيه؟

أما إنك همجي صحيح، واضح جدًا إن رجلي انكسرت بسببك. دا أنا هوديك في ستين داهية، علشان تبقى تشوف قدامك قبل ما تدهس في الخلق. ساعديني يا صفاء أقوم أرجع الوحدة، أشوف أي دكتور في الوحدة يشوفلي فيها إيه." رغم تعجب صفاء من بسمة رفعت وصمته وعدم رده على تهجم الدكتورة وسبها له، مدت يدها تساعد زينب، التي حين وقفت لم تستطع الوقوف من ألم ساقها، فجلست مرة أخرى. عاود رفعت يُقدم لها المساعدة مادًا يدهُ قائلاً:

"خليني أساعدك، صفاء مش هتعرف تساعدك." نظرت زينب ليده الممدودة قائلة: "ابعد عني، حسابك معايا بس اصبر." تبسم قائلاً: "تمام، هستنى حسابك، بس دلوقتي خليني أساعدك." ردت عليه بسخرية قائلاً: "وهتساعديني بقى إزاي؟ هتجبسلي رجلي بإيدك اللي معرفتش تتحكم في الحصان بيها؟ تبسم قائلاً بخباثة: "لأ هشيلك لحد الوحدة، يمكن نلاقي دكتور هناك يشوفلك رجلك فيها إيه." نظرت له وقالت بغيظ: "تشيلني لحد الوحدة؟ اللهي يشيلوك مرابعة، غور من وشي."

لم يستطع كتم ضحكته أكثر من ذلك، رغم أنها تسبه وتدعو عليه. إلى أنه ضحك عاليًا، مما أغاظها أكثر. لو تستطيع الوقوف على ساقها لوقفت وقامت بخنقه، لا بذبحه أفضل. وهمّ رفعت أنه امتثل لطلبها أن يبتعد عنها، وبالفعل توجه إلى مكان وقوف جواده، وكاد يمتطيه، لكن قالت زينب بضيق: "موافقة تاخدني للوحدة، بس مش هتشيلني، هركب على الحصان." تبسم رفعت ثم عاد لمكان جلوسها، وقال بمكر: "تمام، زي ما انتي عاوزة، خليني أساعدك تركبي الحصان."

مدت زينب يدها لصفاء قائلة: "خدي بإيدي المسافة اللي بيني وبين الحصان." ندبت صفاء نفسها قائلة: "حطي أيدك على كتفي يا دكتورة وأسندي عليا." قبل أن تضع زينب يدها على كتف صفاء، فوجئت برفعت حملها بين يديه وسار بها. شهقت زينب بخضة قائلة: "نزلني يا همجي، مين سمحلك تشيلني." صمت رفعت، يُخفي بسمته. حاولت زينب التملص منه، لكن همس رفعت بوقاحة:

"اهدّي يا زوزي، لو سبتك من إيديا مش هيبقى كسر رجل بس، يمكن يكون كسر ضهر، ولا كسر رقبة ولا حوض." نظرت له بحدة قائلة: "وقح وهمجي وحقير، وهتشوف أنا هعمل فيك إيه." وضع رفعت زينب على الجواد قائلاً: "هنتظر رد فعلك بعدين." قال هذا وبسرعة كان يمتطي الجواد خلفها، يمسك اللجام بيديه. شهقت زينب قائلة: "وده اسمه إيه؟ بقى أنزل من على الحصان." رد رفعت: "ولما أنزل من على الحصان مين اللي هيوصلك للوحدة؟ ردت زينب:

"انزل من على الحصان، واسحبه من اللجام، وجهه لمكان الوحدة." همس رفعت قائلاً: "ما أنا كده، سهل أوجه الحصان للوحدة، وعادي جدًا." قال رفعت هذا ونظر لصفاء قائلاً: "حصلّينا براحتك عالوحدة يا صفاء." قال رفعت هذا ولم ينتظر أن تتحدث زينب، ضرب بساقه بطن الجواد لينطلق سريعًا. للحظة شهقت زينب وخافت أن تقع، مسكت يدي رفعت تلقائيًا، وسرعان ما انتبهت على ذلك وتركت يديه، وقالت: "هدي سرعة الحصان، وابعد شوية عني، بلاش التحرش ده."

ضحك رفعت دون رد، زاد غيظ زينب وقامت بضربه بكوعها في صدره. ضحك أكثر فقالت زينب: "إيه مش قادر تمسك نفسك من الضحك؟ إيه بزغزغك؟ صحيح وقح وهمجي." قالت زينب هذا وصمتت باقي الطريق إلى أن وصلوا إلى الوحدة الصحية. قال رفعت: "امسكي لجام الحصان بإيدك." فعلت زينب مثلما قال وأمسكت اللجام. بينما رفعت، حين مسكت اللجام قفز من على الجواد أرضًا بخفة وسهولة. تعجبت زينب من ذلك، لكن أيقنت أنه مدرب على ذلك.

فاجأها رفعت حين وضع يديه حول خصرها، وكان سينزلها من على الجواد. برد فعل تلقائي منها قامت بضربه على يديه بلجام الجواد. تبسم رفعت قائلاً: "إيه مش هتنزلي؟ خليني أنزلك، ولا عاجبك القعاد على الحصان؟ أطلع تاني ناخد جولة أكبر في البلد." نظرت له بغيظ يشتد قائلة: "عارف لو مبطلتش وقاحتك دي، أنا هخنقك باللجام اللي في إيدي ده. ادخل الوحدة، نادي على أي واحدة من الممرضات تجيبلي كرسي متحرك، إن شاء الله نقالة." تبسم قائلاً:

"طب وليه أنا موجود؟ وهما خطوتين بس، سبق وشيلتك من شوية، يعني مش أول مرة. وبلاش وقفتنا دي، الوحدة فيها ناس كتير ويفهموا وقفتنا دي غلط." قال هذا ولم يمهلها أن ترد، وفاجأها مرة أخرى يحملها ودخل بها إلى أحد غرف الوحدة ثم وضعها على أحد المقاعد. نظرت زينب له قائلة: "يلا غور من وشي." اقترب رفعت من زينب وحاصرها، يضع يديه على مسند المقعد قائلاً:

"تعرفي إني معرفش سبب إني ساكت على سبك ليا، ولسانك ده تلميه شوية، ولا مفكراني زي طليق صفاء؟ لأ اصحي يا دكتورة زينب صفوت السمراوي، إنتِ متعرفيش مين رفعت رضوان الزهار." ارتبكت زينب من قرب رفعت منها بهذا الشكل، وابتلعت حلقها قائلة بتحدي: "ومين بقى رفعت رضوان الزهار؟ كويس إنك قولت اسمك كامل قدامي، أكيد هحتاجه في المحضر اللي هعمله لك، وابعد عني أحسن لك، متفكرش إن كسر رجلي يمنعني أبعدك عني بكل سهولة."

نظر رفعت لعين زينب وتبسم قائلاً: "أنا مروض خيول، وياما روضت خيول كانت شرسة، كان الضربة منها تموت، وطوعتها لأمري." كانت نظرات عيونهم مركزة في عيون بعضهما. زينب عيناه تنظر له بتحدي، بينما رفعت لا يفهم معنى لنظرات عيونه سوى أنه يريدها. تاهوا في أعين بعضهما، لكن دخل أحد الأطباء للغرفة قطع تواصل العيون بينهم حين قال: "بيقولوا الدكتورة زينب مُصابة." ترك رفعت مسند المقعد وابتعد بنظره عن زينب، ونظر للطبيب قائلاً:

"واضح إن فيه إصابة في رجلها." تحدث الطبيب قائلاً: "في في الوحدة دكتور عظام منتدب، غير في جهاز أشعة. هخرج أقول لواحدة من الممرضات تجيب للدكتورة كرسي متحرك وتاخدها لأوضة الأشعة." قال الطبيب هذا وغادر. تحدثت زينب قائلة: "تقدر تمشي خلاص، بس متستناش مني شكر، وأقول عمل معروف وجابني هنا للوحدة، لأنك من البداية السبب في إصابتي بهمجيتك." نظر رفعت لها مبتسمًا بمكر، يقول: "ومين اللي قالك إني منتظر منك شكر؟

أنا معاك، تقدري تقولي اعمل الخير وارميه البحر." نظرت له زينب قائلة بتهكم: "بتقول خير؟ لأ والله ضحكتني، إنت السبب أصلاً في إصابتي، واتفضل اخرج بره قبل... لم تكمل زينب وعيدها، حين دخلت إحدى الممرضات بمقعد متحرك. نظرت لرفعت باحترام، ثم قالت: "الدكتور قالي، حضرتك يا دكتورة رجلك مصابة، ولازم تعملي عليها أشعة." قربت الممرضة المقعد المتحرك من مكان جلوس زينب، التي ساندت على مسند المقعد، وسارت خطوة وجلست على المقعد المتحرك،

قائلة: "كمان عاوزة دكتور، لأن معصم إيدي متعور، جرح كبير." نظر رفعت لمعصم زينب، يبدو بالفعل أن أحد معصمها مجروح، هناك آثار دم على كم كنزتها. قامت الممرضة بدفع المقعد التي تجلس عليه زينب، وخرجت من الغرفة. لكن سار خلفها رفعت. قالت زينب: "اقفي لو سمحتي." وقفت الممرضة. نظرت زينب لرفعت قائلة: "على فين يا أخ؟ هتيجي ورايا كمان لأوضة الأشعة؟ لأ بقى ده كتير، اتفضل شوف طريقك." نظر رفعت لها قائلاً: "ومنين جالك إني جاي وراك؟

مش شايفة إن أوضة الأشعة جنب باب الخروج من الوحدة، وأنا وخلاص كده عملت بأصلي. أتمنالك الشفا يا دكتورة." قال رفعت هذا وتوجه إلى باب الخروج من الوحدة، بينما دخلت الممرضة بـ زينب إلى غرفة الأشعة، وهي تستشيط غيظًا من ذالك الهمجي. كم ودت النهوض من على المقعد المتحرك والذهاب خلفه وإلقائه بحجر كبير برأسه، لعلها تشفي غيظها منه. *** مساءً.

بفناء كبير بالبلدة، مجاور للوحدة الزراعية. كان صوان العُرس المهيب، مظاهر العُرس طاغية، لكن هذا العُرس ومظاهرهُ ما هي إلا دعاية لوالد العريس. كان من الطبيعي إقامة العُرس بأفخم القاعات، لكن مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، وجب عليه اللعب بأهالي البلدة وغيرها، ويظهر بها كرجل يريد العيش والفرح وسط أهله وعزوته، كما يُقال، في هذه المناسبات.

على مسرح كبير يجلس العريس وجواره عروسه المتضايقة، كانت تريد أن تقضي ليلة عُرسها بأفخم القاعات، ويشاركها النخبة فقط. النخبة الذين يجلسون بمكان مخصص لهم بالفناء، والعامة بمكان يفرحون ويمرحون ويهللون ببعض الأشياء البسيطة كالأطعمة المميزة. من بين النخبة كانت تلك المهرة تجلس أمام إحدى الطاولات، وجوارها كان يجلس هاشم الزهار، وبالمقابل لها كان يجلس وسيم. تفاجئت مُهرة بمن ينحني على يديها يُقبلها قائلاً:

"عمتي مُهرة، أجمل الجميلات هنا في الحفلة، والله إنتي أحلى من العروسة بكتير. كويس إنك قاعدة بعيد عنها، كانوا فكرواكي العروسة واتخطي جنب جمالك." تبسمت مُهره قائلة: "رفعت الزهار، شكل ترويضك الخيل علمك البكش، وحشني من فترة مشوفتكش، وفين رامي، هو كمان؟ تبسم رفعت قائلاً:

"رامي أهو، والله مشاغل، مشغولين في مزرعة الخيل، بس منقدرش ننسى أحلى مُهرة في عيلة الزهار، اللي في حضرتها يختفي القمر مالوش مكان جنبها. صح ولا إيه رأي هاشم الزهار، اللي فاز بأجمل مُهرة؟ نظر هاشم له بحقد قائلاً: "طبعًا، مفيش حد يقدر يقول غير كده، مُهرة الزهار أجمل مُهرة في مصر كلها." تحدث رامي الذي انحنى هو الآخر يُقبل يد مُهرة: "مش بس أجمل مُهرة في مصر، دي الأجمل في الكون كله. مش كنتِ استنتيني ليه تكسري قلبي."

تبسمت مُهره: "سلامة قلبك يا ابن أختي، بلاش بكش ويلا اقعدوا جنب وسيم." تبسم وسيم قائلاً: "ليه عاوزاه الناس تحسدنا على شرف قعدتنا مع أجمل مُهرة في الكون على طاولة واحدة." تبسمت مُهره على مديحهم قائلة: "أنا اللي هتحسد إن قاعد معايا أحلى تلات فرسان، مش بس في الحفلة، لأ في البلد كلها. عقبالكم قريبًا." تبسم رفعت قائلاً بسخرية مبطنة: "وهاشم الزهار، أكتر فارس محسود إنه فاز بالمهره، وشكراً لأمنيتك الجميلة."

رسمت مهره بسمة طفيفة. جلس رامي ووسيم جوار بعض، بالمقابل جلس رفعت لجوار مُهرة من الناحية الأخرى. كانا يتهمسان بود معًا، رفعت يثير غيرة وغضب هاشم، بينما وسيم ورامي كانا يتحدثان معًا. إلى أن أضاءت شاشة هاتف وسيم، نظر إلى الهاتف، ثم ابتسم ونهض واقفًا. تبسم رامي قائلاً: "إيه مين اللي بيتصل عليك؟ لتكون موزة أجنبية." تبسم وسيم قائلاً:

"لأ اطمن، ده صديق ليا من أيام بعثة لندن. هطلع أرد عليه بره الصوان عشان الصوت، وأطمن أكتر أنا بشجع المنتج المصري." تبسم رامي قائلاً: "أجمل مثال للمنتج المصري، المُهرة." تبسم رامي، ورفعت، وقال رفعت: "المُهرة مفيش منها اتنين."

اغتظ هاشم الجالس بينهم كأن على رأسه الطير، صامتًا، وهو يرى هؤلاء الشباب يمدحون بمُهرة ويتغزلون بها، وليس هم فقط. فهناك أعين كثيرة بالحفل كانت قديمًا تتمنى فقط نظرة من عين المُهرة، التي مازالت تحتفظ بجمالها الآخاذ رغم مضي السنوات، وعين عاشق قديم طلب الوصال، لكن كان الرفض من نصيبه. ترك البلد وزهد النساء بعدها، لكن ربما للقدر مشيئة أن يعود الليلة ليراها، لم تكبر بنظره. *** قبل قليل.

بالصيدلية التي تعمل بها ليلى. دخل ذلك الشاب. قالت ليلى بتهجم: "على ما افتكرت تيجي الصيدلية، إيه اللي أخّرك؟ الساعة بقت تسعة وربع، والمفروض تستلم ورديتك بالصيدلية الساعة سبعة ونص، تمانية بالكتير." تبسم لها قائلاً: "كنت في الفرح، روحت أروح عن نفسي شوية، وكمان اتعشيت هناك. معلش بقى، ما أنام كمان كل يوم باجي قبل سبعة ونص أستلم منك الصيدلية، اتأخرت يوم من نفسي." ردت ليلى بتهجم: "آه يا طفس، ماشي أنا همشي بقى، سلام."

خرجت ليلى من الصيدلية، تعجبت قائلة: "هي البلد ماتت ولا إيه؟ مفيش أي حس فيها كده ليه؟ آه أكيد كلهم في الفرح عشان يتعشوا. أما أخف رجلي، ماما من شوية اتصلت عليا، بلاش أقلقها."

سارت ليلى بضع خطوات، لكن فجأة في تقاطع شارع ظهر خيال أمامها. هناك من يسير خلفها، ارتعبت وبدأت تسرع بخطواتها، إلى أن اقتربت من خلف ذلك الصوان. ولسوء حظها كان هناك نقرة مياه ضحلة، حاولت تفاديها والتجنب منها، لكن تعثرت بإحدى الأحجار الصغيرة، وكادت تقع لولا أن أمسكت بها يد. ارتجفت ونظرت له، رأت الشر بعينيه. حاولت جذب يدها من يده بقوة، لكن الآخر كان يطبق يده على يدها بقوة. ليس هذا فقط، بل سحبها خلفه. صرخت ليلى، لكن بسبب أصوات الموسيقى العالية بالمكان لم يكن يسمعها أحد. كانت تحاول التملص من ذالك الوغد،

الذي قال: "من شوية جيتلك الصيدلية، وقولتلك عاوز علاج مرضتيش تديني، وقولتي مش بيتصرف غير بروشتة. أنا بقى خرمان يا حلوة، وهعدل مزاجي الليلة بيكي. البلد كلها جوه في صوان الفرح ومحدش هيسمعك مهما تصرخي." لم يقل هذا فقط، بل أخرج من سترته مدية قائلاً: "لو سمعت صوتك هشق حنجرتك، وبرضه هاخد اللي يعدل مزاجي، يبقى تنكتمي." نزلت دموع ليلى تقول باستجداء:

"حرام عليك، صدقني اللي بتعمله ده ممكن يضيع مستقبلك. معندكش أخوات بنات تخاف عليهم؟ اعتبرني زي أختك." رد الوغد: "لأ معنديش أخوات بنات، وبلاش كلام كتير."

قال هذا وجذب ليلى من ذراعها الذي يكاد ينخلع من جسدها بسبب محاولاتها شد ذراعها من يدي ذالك الوغد. ابتعدا قليلاً عن مكان العُرس لمكان بإضاءة خافتة. صرخت ليلى، مازالت تستنجد ربما أحدًا يسمعها، بمكان صغير وضيق تابع لتلك الوحدة الزراعية. ألقى ذالك الوغد ليلى على بقايا قش. المكان عبارة عن غرفة قديمة شبه مهجورة بظهر الوحدة الزراعية، تبدو أنها مكان تُلقى به المخلفات. كل ذرة بجسد ليلى ترتجف، لكن صوتها كان يستغيث. ربما يرسل لها الله من ينقذها من ذالك الوغد الآثم. قبل أن تنهض ليلى، اقترب منها ذالك الوغد ووضع حبة بفمه، ابتلعها بدون جرعة ماء. نظر ليلى باستمتاع، هي أصبحت بين براثنه، بدأ في خلع ثيابه، جزء خلف آخر، أصبح لا يستره سوى شورت فقط.

صرخت ليلى صرخة مدوية، شعرت بانشقاق صوتها مع تلك الصرخة التي كانت بالنسبة لها صرخة نجاة. قبل لحظات، خرج من الصوان وسيم، ونظر للهاتف الذي فجأة فصلت شاشته، يبدو أنه فصل شحن. ضرب وسيم بيده على رأسه قائلاً: "نسيت أشحن التليفون قبل ما أخرج." فكر أن يعود للزفاف مرة أخرى ويقوم بشحن الهاتف، لكن قال:

"ممكن أما أروح للبيت أنسى أحط الموبايل عالشحن، معايا في العربية شاحن، هروح أحط الموبايل فيه وأرجع تاني للزفاف، أهو يشحن شوية على ما أروح للبيت أبقى أكمل شحنه."

بالفعل ذهب وسيم إلى مكان وقوف سيارته بمكان قريب من تلك الغرفة المهجورة بظهر الوحدة الزراعية. سمع أصوات صراخ واستغاثة، ثم صوت صرخة قوية تتبعها صرخات متتالية. سار خلف ذالك الصراخ إلى أن وقف أمام تلك الغرفة، رأى شاب شبه عارٍ من ظهره، وهناك من تتوسل إليه أن يتركها، لكن هو يترنح باستمتاع، كأن يتلذذ بصراخها وإخافتها.

دخل إلى تلك الغرفة، وضع يده على أنفه بسبب تلك الرائحة الكريهة. رأى فتاة ملقاة أرضًا، تُعطي لذالك المتسكع ظهرها. كاد ذالك الوقت أن يتهجم عليها، لكن قبل أن يضع يده على جسدها، كان لا يشعر بتلك الضربة العنيفة التي أخذها بأنفه، ولا يشعر بأنفه الذي ينزف الدماء بغزارة. رغم ذالك كان يترنح من أثر تلك الضربة، هو تحت تأثير المخدر الذي تناول منه حبة قبل قليل.

سب ذالك الوغد المتسكع وسيم بألفاظ نابية، ناوله وسيم بعض اللكمات، ولكن ذُهل حين رفعت الفتاة وجهها تنظر أمامه، قائلاً: "ليلى! بدموع وضياع، لفظت ليلى اسمه بصعوبة قائلة: "دكتور وسيم! قالت هذا ولم يعد عقلها التحمل، اختار الانسحاب من الواقع المرير التي مرت به. لا يعلم وسيم سبب لتلك الرجفة التي شعر بها في قلبه حين رأى ليلى تُغمض عيناها. فقام بضرب ذالك الوغد ضربات متتالية وقوية، أعدمته الحركة، ووقع أرضًا فاقدًا للوعي.

بصق وسيم عليه وتوجه إلى ليلى المُغمى عليها. رفع رأسها وضرب بخفة على وجهها كي تفيق، لكن لم تفق. تنحى عقله وقام بحمل ليلى من ذالك المكان الموبوء، وسار بها ووضع جسدها على مقدمة السيارة. ثم فتح باب سيارته وأتى بقنينة عطر كانت معه بالسيارة وقام برش رذاذ منها على وجه ليلى، التي بدأت تفيق وهي تهذي برعب وهلع، حتى أنها صرخت. مسك وسيم كتفيها قائلاً: "ليلى اهدّي، ومتخافيش."

لكن ليلى ما زالت تُغمض عيناها، عقلها ما زال يصور لها أن من أمامها ذالك الوغد المتسكع، وأنه ما زالت تحاول التملص منه وتترجاه أن يتركها. شعر وسيم بوخزة قوية بقلبه وهو يراها بكل هذا الضعف أمامه. تحدث قائلاً: "ليلى افتحي عيونك، خلاص الوغد بعد عنك." بدأ عقلها يستجيب لتعود إلى رشدها. فتحت عيناها، رأت وسيم. قال عقلها: هي تتخيل ذلك، ليست حقيقة. لكن قام وسيم برش رذاذ من قنينة العطر على وجهها قائلاً: "ليلى، ليلى."

أغمضت ليلى عيناها، ثم فتحتها مرة أخرى. هي لا تتخيل، بالفعل وسيم أمامها. بتلقائية منها كانت ترمي بنفسها بين يديه، تعانقه. تفاجأ وسيم في البداية، ولكن ربما هو رد فعل تلقائي منها بوقت صعب كانت على شفا الضياع. بلطف قام وسيم بإبعاد ليلى عنه. هنا شعرت ليلى على حالها، فابتعدت وخجلت من فعلتها، وقالت بتعثر: "أنا آسفة يا دكتور وسيم."

نظر وسيم لوجه ليلى التي تحولت كل ملامحها إلى زرقاء اللون. ذهب إلى داخل السيارة وأتى بزجاجة مياه وأعطاها لها قائلاً: "خذي اشربي شوية ميه." أخذت ليلى منه زجاجة المياه بيد مرتعشة، لم تقدر على رفع يدها بالزجاجة نحو فمها، سكبت المياه على ملابسها دون شعور منها. تنهد وسيم وقام بمسك يدها التي تمسك الزجاجة ورفعها نحو فمها. تجرعت ليلى المياه كأنها كانت تشعر بجفاف منذ أمد من الزمن، ثم تركت القليل في الزجاجة وتركت يدها من حولها.

مسك وسيم الزجاجة قائلاً: "اغسلي وشك بالمية عشان تفوقي." قال هذا وسيم وسكب بعض المياه على يد ليلى التي بدأت تغسل وجهها مرة خلف أخرى. نظر لها وسيم قائلاً: "بقيتي أحسن دلوقتي." أومأت ليلى رأسها وقالت بخفوت: "الحمد لله، شكرًا لك، ربنا بعتك ليا عشان تنقذني." رد وسيم: "وأيه اللي مخليكي خارج بيت أهلك لدلوقتي؟

أكيد كنتِ في الزفاف، مش المفروض بنت زيك تبقى بره بيت أهلها لدلوقتي، الساعة داخلة على عشرة ونص، ودي بلد أرياف، والطقس مايل لسه للشتا، يعني الناس بتنام بدري." ردت ليلى: "بس أنا مكنتش في الزفاف ووو... رد وسيم مقاطعًا: "مكنتيش في الزفاف؟ أمال إيه اللي جاب المكان ده؟ عالعموم، مش وقت تبرير، اتفضلي معايا خليني أوصلك لحد باب بيت أهلك." قبل أن تتفوه ليلى، قال وسيم: "قولت يلا، بلاش الوقت بدأ يتأخر، اخلصي."

صمتت ليلى، هي بالأساس غير قادرة على التنهد، لا المناهدة والتبرير، لكن حين حاولت أن تسير، كادت أن تتعثر وتقع. لاحظ وسيم ذالك، فأمسك يدها، إلى أن جلست بداخل السيارة. قال وسيم: "بيت أهلك من أي اتجاه؟ أشارت ليلى له على اتجاه منزلها. سار بالسيارة، كانت ليلى صامتة، تود أن تصل إلى منزلها فقط، تحتمي بحيطانه. رغم أن الطقس يعتبر ربيعيًا، لكن تشعر ببرودة شديدة. وضعت يديها حول كتفيها تمسد بهما، علها تشعر بالدفء. تحدثت قائلة:

"خلاص وصلت، بيتي اللي هناك ده." نظر وسيم إلى ذالك المنزل التي أشارت إليه ليلى، هو منزل بسيط من دور واحد وسور فوقه. توقف وسيم بالسيارة. لم تستطع ليلى التحرك من مكانها، كأنها التصقت بالسيارة. تنهد وسيم ونزل من السيارة وذهب للباب الآخر وفتحها، ومد يده لليلى قائلاً: "خليني أساعدك." مدت ليلى يدها له، فقام بجذبها برفق. تجاوبت معه ونزلت من السيارة، وقالت له: "بشكرك يا دكتور وسيم، أنت أنقذت حياتي." رد وسيم قائلاً:

"ياريت تتعظي، وبعد كده بلاش تروحي أفراح وتتأخري، أهو انت شوفتي بنفسك، كان بينك وبين الاغتصاب أو يمكن القتل خطوة." رغم أن ليلى تعلم أن هذا ليس صحيح، هي لم تكن بذالك الزفاف، لكن غير قادرة على التبرير الآن. ربما في وقت لاحق. كل ما تريده الآن هو الدخول إلى منزلها والذهاب إلى فراشها والنوم فقط. قالت ليلى قبل أن تسير تتجه لمنزلها: "شكرًا لك وتصبح على خير."

ظل وسيم واقفًا، ينظر لليلى، إلى أن فتحت باب منزلها ودخلت إليه، ثم عاد لسيارته مغادرًا. بينما ليلى فتحت باب المنزل ودخلت وأغلقت خلفها الباب، وانهارت أرضًا لدقائق، تشعر برجفة وألم بكل جسدها، كل ذرة به تؤلمها، ثم تحاملت على نفسها ودخلت إلى داخل المنزل. وجدت والدتها واقفة، كانت ترتدي ملابس للخروج. تلهفت حين رأت ليلى وقالت بلهفة: "ليلى إيه اللي أخّرك الليلة كده في الصيدلية؟ مش متصلة عليكي من ساعة، وقولتي خلاص هتيجي."

ردت ليلى بكذب: "دخلت اتفرجت شوية على زفاف ابن عضو مجلس الشعب." اقتربت فادية باسمه من ليلى. وقبل أن تتحدث، وضعت يدها على كتف ليلى، شعرت برعشة جسدها فقالت بخيفة: "ليلى مالك بترتعشي ليه؟ الجو مش برد عشان ترتعشي كده." ردت ليلى: "يظهر أخدت دور برد، وفعلاً أنا بردانه قوي." ضمتها فادية لجسدها، لكن اشتمت تلك الرائحة الكريهة العالقة بثياب ليلى وقالت: "إيه الريحة النتنة اللي على هدومك دي؟ إنتي كنتي فين؟ ردت ليلى:

"أنا زي ما قولتلك كنت في الفرح، بس وأنا ماشية وقعت في نقرة ميه، يمكن مطرح بلاعة صرف صحي." ردت فادية: "يمكن ده اللي محسسك بالبرد. تعالي معايا، خديلك دش ميه دافية، وهعملك شاي بلمون ونعناع يدفّوكي شوية." ردت ليلى: "لأ متعمليش حاجة يا ماما، أنا هاخد قرصين مضاد حيوي مع مجموعة برد وهنام وهصحى بكرة كويسة." ردت فادية: "طيب هحضرلك لقمه تاكليها." ردت ليلى:

"لأ مش جعانة يا ماما، كنت جبت سندوتشات وأنا في الصيدلية وأكلت، أنا عاوزة أنام. أمال مروة وهبة ناموا ولا إيه؟ ردت فادية: "آه هبة هلكانة طول اليوم من درس لدرس تاني، ما بتصدق تدخل المغرب وتقول فين السرير. ومروة كمان بتصحى بدري، نامت. يلا على ما تقلعى هدومك في الحمام هجيللك غيار نضيف."

تركت ليلى والداتها وتوجهت إلى الحمام. خلعت ثيابها ونزلت أسفل المياه الباردة. تسيل المياه مع دموعها، كلما أغمضت عيناها ترى الجحيم التي عاشته قبل دقائق، ورأفة الله بها حين سترها من هلاك كان من الممكن أن يتسبب لها ولاختيها في فضيحة تؤثر عليهن. *** بعد انتهاء العُرس. عادت مُهرة وهاشم إلى منزلهم. دخلا مباشرةً إلى غرفة النوم. تحدث هاشم بسخرية: "شايفك راجعة من الفرح مبسوطة قوي، إيه كنتِ سعيدة بلمة الشباب حواليكي."

تبسمت مُهره: "من زمان محسيتش بالراحة اللي أنا فيها دلوقتي، بصراحة فرق كبير لما تقعد وسط شباب وتتكلم معاهم، عن لما تكون طول الوقت قاعد بين حيطان تكلم نفسك. حسيت معاهم إني رجعت بالزمن شوية للوراء، حسسوني بإحساس مفقود من زمان كأني زي مامتهم، لأ أختهم الكبيرة، زي رفعت ورامي ما كانوا بيقولوا، حتى كمان وسيم اللي اختفى شوية ورجع تاني." رد هاشم ساخرًا: "أختهم الكبيرة؟

ها، إنتِ تقريبًا في سن مامت رفعت ورامي، ناسيه إنك كنتي أكبر من والدة وسيم ولا إيه." ردت مهره: "لأ مش ناسيه يا هاشم، إنك زمان اتكرمت واتجوزتني بعد ما خلاص كنت عديت الثلاثين، بس كان نص شباب البلد وولاد أغنى الأغنياء يتمنوا من إشارة بس. بس للأسف المهرة اللي كان صعب ترويضها جه حظها مع خيال مخادع، مش بس مخادع، لأ وكمان عقيم." قالت مهره هذا وذهبت إلى حمام الغرفة. كلمة مُهرة (عقيم)

كانت كرباج ناري شق لهيبه قلب هاشم. تلك الكلمة، لاول مرة تنطق مهره بها. هل جلوسها بجوار رفعت الزهار طوال حفل الزفاف، يتجاذبان الحديث والمرح، أعطى لها ثقة بنفسها؟ أو كلمات الإطراء التي حصلت عليها من هؤلاء الشباب الثلاث أعادت لها ثقتها القديمة في نفسها، التي كان يعمل على زعزعتها طوال سنوات في ظل غياب وسيم وبعدها عن ابني رضوان الزهار. لكن لا، تلك المهرة لن تتغلب على خيال مخادع. *** بسرايا الزهار بالحديقة.

جلس رامي جوار تكعيبه صغيرة مزروعة بزهور "الخُبيزة". تذكر طفولته التي احترقت باكرًا. ***فلاش باك***

طفل بالثانية عشرة من عمره، كان يلهو مع أخته الأكبر منه بعام واحد فقط، يلعبان بأحد مسدسات تطلق سهام بلاستيكية. يطلقون بعشوائية على أي شيء بالحديقة، ثم يذهبون لجمع تلك السهام ليطلقوها مرة أخرى. أثناء سير رامي بالحديقة كاد أن يتعثر بفتاة بحوالي التاسعة من عمرها، كانت تقف بجوار تلك التكعيبه المزروعة بزهور الخُبيزة. تلك الزهرة ذات اللونين الوردي والأحمر والأوراق الصغيرة الكثيرة والرقيقة، ذات الأوراق الخضراء الناعمة الملمس، لكن ورقتها سميكة وتحمل عطرًا كزهرتها. تبسم رامي

حين مدت يدها له قائلة: "السهم ده كان ممكن يجي في الوردة ويقطع أوراقها وتبقى شكلها مش حلو." مد رامي يده أخذ السهم من يد تلك الفتاة الجميلة قائلاً: "أنا رامي رضوان الزهار." ردت الأخرى: "وأنا مروة صفوت المنسي." تبسم رامي قائلاً: "إنتِ بنت عم صفوت السايس اللي بمزرعة الخيل." تبسمت مروه كأنها شعرت بحرج قليلاً. شعر رامي بذلك الحرج على وجهها قائلاً: "وإيه اللي في إيدك ده؟ ردت مروه:

"ده الغدا بتاع بابا، ماما بعتتني بيه عشان نسيه ياخده معاه، هروح أوديه له، بس مش عارفه هو فين، المزرعة كبيرة قوي." تبسم رامي قائلاً: "مش محتاجة تدوري عليه، استنى." نادى رامي على أحد العاملين بالمزرعة وقال له: "خد الكيس اللي في إيد مروة ده، ووديه لعم صفوت في استبل الخيل." أعطت مروه للعامل كيس الطعام على مضض، لديها شك أنه ربما يأكل ما به ولا يعطيه لوالدها، وحين يعود للمنزل يعنفها هي ووالدتها، لكن ليس بالأمر حيلة.

تبسم رامي قائلاً: "أول مرة تيجي لهنا المزرعة، تحبي أفرجك عليها؟ أنا حافظها ركن ركن." ردت مروه قائلة: "لأ أنا عاوزة أقعد هنا جنب الورد الحلو ده، شوف جماله وريحته الحلوة. أنا أخدت في المدرسة درس عن النباتات العطرية واللي منها الكولونيا والخبيزة، رغم إن ورقتهم قاسية شوية، بس فيها عطر جميل، وكمان لهم زهور أوراق الزهرة رقيقة عكس ورقة النبات نفسه." تبسم رامي قائلاً: "تحبي أقطفلك وردة من الورد ده."

أومأت مروه رأسها بنعم. بالفعل قطف رامي، ليس زهرة واحدة بل زهرتين، إحداهن وردية اللون والأخرى حمراء، وقام بمد يده وقام بغرسهم أعلى شعر مروه بين خصلات تلك الضفيرة التي بشعرها. تبسمت مروه قائلة: "كده تنكوش شعري، دي ماما بصعوبة على ما بتلمه في ضفيرة." تبسم رامي. ظلا الاثنان جالسين بجوار تلك التكعيبه لوقت طويل، يتحدثان بكل شيء ببراءة طفلين معًا. لكن حان ميعاد الغداء، نادت تلك المربية على رامي، الذي نهض قائلاً:

"دي الدادة، أكيد هتقولي ده ميعاد الغدا. إيه رأيك تيجي تتغدى معانا." رغم أن مروه جائعة، لكن رفضت وقالت له: "لأ لازم أروح عشان ماما مش بتتغدى من غيري أنا وإخواتي." تبسم رامي قائلاً: "هشوفك تاني، أبقى تعالي كل يوم لهنا، يا رب باباك كل يوم ينسى الغدا."

تبسمت مروه وهي تتجه للخروج من تلك المزرعة. انحنت قليلاً التقطت شيئًا من على الأرض، ثم أكملت طريقها إلى أن خرجت من باب المزرعة تحت أنظار رامي. كان هذا اللقاء الأول بينهم الذي خلف خلفه مشاعر نبتت منذ الطفولة، اخترقت القلب، لم تستطع نيران الماضي محوها. عاد رامي للحاضر.

*يشعر بوخز في قلبه، ليت ذلك اليوم يعود. ما كان ترك مروه تخرج من السرايا. كان احتجزها، ربما كان تغير القدر وما اشتعلت النيران وترك المكان بعدها واختفى عن هنا. لكن عاد لموطنه مرة أخرى، لكن بعد الطريق بينه وبين من عشقها فؤاده. أصبحت ترى به ذالك المسخ الذي عاد من نيران أثرها، ليس فقط على جسده، بل على قلبه الذي يئن بعشق الجميلة. *** بشقة فخمة في إحدى مدن الشرقية.

كانت تلك اللعوب تتمايل على نغمات إحدى الأغنيات الشعبية، ليست فقط تتمايل بل تغني معها أيضًا. ولما لا وهي بالأصل مغنية تلك الأغنية الشعبية الدارجة ببعض الألفاظ الهابطة، ويقال أنها أغنية دلع ودلال لصاحبتها التي تثير الشباب بأنوثتها المصطنعة، والتي ترتدي زي ربما بذلة الرقص محترمة عنه. لكن لسوء حظها أن من تفعل هذا من أجله، عقله الليلة شارد، لا تستهويه تلك اللعوب. جلست لجواره تتدلل عليه بميوعة:

"جري إيه يا 'روفى' مالك الليلة، شكلك كده مش مركز معايا؟ إيه يا 'روفى' أنا فضلت هنا الليلة في الشرقية مخصوص عشانك مع إن عندي بكرة قبل الضهر تسجيل في الاستديو، بس إنت عارف غلاوتك عندي، أنا مقبلتش إني أجي لهنا الشرقية أحيي الفرح ده إلا عشانك. قولت هشوفك ونقضي لينا ليلة مع بعض زي ليالينا السابقة مع بعض. مالك مين اللي شاغل عقلك." نهض رفعت قائلاً:

"معلش عقلي مشغول بصفقة ومش قادر أفكر غير فيها. الشقة تحت أمرك، أنا لازم أرجع للسرايا من تاني، هبقى أتصل عليكي بعدين، تصبحي على خير." قال رفعت هذا وغادر الشقة وسط استعجاب تلك المغنية، فلاول مرة منذ أن تعرفت على رفعت تراه مشغول الذهن هكذا وتهرب من قضاء الليلة معها. لكن هناك ما جعلها لا تبالي، ذالك الشيك الذي تركه لها. ***

بينما رفعت ترك تلك المغنية ونزل لسيارته وقادها عائدًا إلى البلدة. لا يعرف سبب لذالك النفور الذي شعر به لأول مرة منذ مدة زمنية طويلة. كان يُغرق نفسه بملذات مع تلك النوعية من النساء، لماذا أصابه ذالك النفور الليلة؟

اقترب من الوحدة الصحية، جاءت إلى مخيلته تلك الشرسة التي سبته صباحًا. تبسم بتلقائية وهو يتذكر سبابها. نظر باتجاه ذالك السكن المرفق خلف الوحدة الصحية، هناك ضوء خافت من تلك الشقة التي تقطن بها الطبيبة. أتكون مستيقظة، ساهرة؟ هل تتألم من ساقها، أو ربما ساهرة تفكر في شخصًا ما يشغل قلبها؟ جاوب سريعًا: "لأ، ولكن لما لأ؟ أليست إنسانة؟ لديها مشاعر وأحاسيس. لما حين فكر أن يكون بحياتها شخص شعر بغيرة؟

نفض عن عقله سريعًا وقاد سيارته متجهًا إلى سراياه، يكبت تلك المشاعر التي ليست لها مكان بحياته القاسية. *** بصباح اليوم التالي بسرايا رضوان الزهار. بعد أن تناول رفعت الفطور مع أخيه، تركه وذهب إلى المكتب لعمل بعض الاتصالات التليفونية الهامة. بغرفة المكتب، تبسم وهو يسمع من يقول له:

"رفعت بيه كنت طلبت مني تقرير مفصل عن الدكتورة زينب صفوت السمراوي، أنا آسف اتأخرت على ما جمعت عنها كل المعلومات اللي طلبتها مني، لأن الدكتورة بصراحة ليها سجل حافل. هتلاقي كل المعلومات في ملف أنا حولته لك على الإيميل الخاص بحضرتك." تبسم رفعت قائلاً: "تمام متشكر، هحول لك حسابك لرصيدك في البنك."

أغلق رفعت الهاتف وفتح حاسوبه الخاص وفتح ذالك الملف. لم يقرأ أي محتوى به، أراد فقط أن يعرف إن كانت مرتبطة سابقًا. لكن تفاجأ، هي بالفعل كانت مخطوبة لعدة أشهر ثم تم الانفصال. تحير عقله وشعر بغيرة، لكن تبسم حين وقعت عيناه على صورة لها بالملف.

أغمض عينيه بسبب نسمة هواء بها بعض ذرات الأتربة دخلت إلى الغرفة من الشباك. فجأة سكنت زينب خياله، رآها أمامه تقترب منه أكثر وأكثر، أصبحت ملاصقة له. تسلطت عيناه لعيناها، ثم نزل ببصره إلى تلك الشفاه. نظر لها باشتهاء، يريد تذوقها، وبالفعل اقتنص شفاها بقبلة جامحة. لكن لسوء حظه أفاق من خياله على رنين هاتفه. رد باختصار: "تمام، ربع ساعة وأكون عندك بقسم الشرطة." بينما... بقسم شرطة صغير بقرية الزهار (نقطة شرطة)

. جلست زينب أمام الضابط المسؤول عن القسم، بعد أن رحب بها قائلاً: "أهلاً يا دكتورة، الشاويش قالي إنك طلبتي تقابليني." ردت زينب: "بصراحة عندي شكوى على الشاويش ده، اتعامل معايا بقلة ذوق، متعدلش غير لما قولت له إني مديرة الوحدة الصحية، حتى مكنش مصدق، بس أنا مش جايه لهنا عشان كده." رد الضابط معتذرًا: "متأسف على قلة ذوقه، وأنا تحت أمرك." ردت زينب:

"أنا وأنا ماشية امبارح في البلد، طلع عليا فجأة واحد همجي راكب حصان، واتسبب إني وقعت وكاحل رجلي انكسر، غير أخدت غرزتين في معصم إيدي بسبب الوقعة دي، ومعايا تقرير كشف حكيم بعلاج أكتر من واحد وعشرين يوم، وكنت جايه أعمل فيه محضر ضرر." تبسم الضابط قائلاً: "تحت أمرك، وأنا بنفسي اللي هعملك المحضر. هنادي على العسكري اللي بره ييجي لهنا تمليه بيانات المحضر." بعد دقيقتين كان يجلس الشرطي المسؤول وفتح دفتر المحاضر. تحدث الضابط:

"تقدري تملي العسكري بيانات المحضر، ويا ترى مين الشخص اللي أذى حضرتك." ردت زينب بكل ثقة: "رفعت رضوان الزهار هو الشخص اللي جايه أعمل فيه محضر." انخض العسكري وتوقف عن استكمال بيانات المحضر، بينما انصدم الضابط قائلاً: "مين حضرتك؟ ردت زينب بتأكيد: "قولت رفعت رضوان الزهار، هو الشخص الهمجي اللي كان راكب الحصان اللي وقعت بسببه ورجلي انكسرت، وأنا جايه عشان أعمل فيه محضر ضرر، ومعايا كشف حكيم بعلاج لأكتر من واحد وعشرين يوم."

تحدث الضابط: "تمام، بس ممكن نحل الموضوع ودي مع رفعت الزهار." ردت زينب: "مفيش ود بيني وبين رفعت الزهار، اللي بينا عقاب لازم ياخده، وأنا ليا حق عنده ومش هتخلى عنه." رد الضابط: "ممكن أطلبه ييجي لهنا، ووقتها ممكن يعتذر لك، ممكن كان سوء تفاهم." كانت زينب ستصر على تقديم بلاغ، لكن فكرت، ربما اكتسبت شيئًا تريده من خلف ذالك المحضر، فقالت:

"والله لو رفعت الزهار جه لهنا وقدم اعتذار مناسب ليا، ممكن وقتها أفكر أني مقدمش فيه بلاغ." تبسم الضابط قائلاً: "تمام، أنا معايا رقم رفعت الزهار، هطلبه وأقوله ييجي لهنا النقطة." صمتت زينب دون رد. بالفعل قام الضابط بالاتصال على رفعت وطلب منه المجيء للنقطة الشرطية. أغلق الضابط الهاتف ووضعه أمامه وجلس قائلاً: "رفعت الزهار، كلها دقائق ويبقى هنا في النقطة."

تبسمت زينب بخفاء. وبالفعل ما هي إلا دقائق وكان رفعت يدخل إلى غرفة الضابط. برد فعل طبيعي تبسم حين رأى زينب أمامه، بينما هي عبست بوجهها. نهض الضابط واقفًا يرحب به. تبسم رفعت بدبلوماسية وقال: "سيادة الضابط، طلبتني من شوية وقلت محتاجني في أمر ضروري." تبسم الضابط قائلاً: "بصراحة الدكتورة زينب عاوزة تقدم في حضرتك محضر إنك اتسببت في ضرر ليها، ومعاها كشف حكيم بعلاج أكتر من واحد وعشرين يوم."

ذُهل رفعت في البداية، لكن رسم الهدوء قائلاً: "حضرة الضابط ممكن تسيبني مع الدكتورة لوحدنا عشر دقايق، وبعدها مش هانع الدكتورة في اللي عاوزة تعمله." تبسم الضابط وأشار لذالك العسكري أن يخرج خلفه ويترك رفعت مع زينب. بالفعل خرج الاثنان وأغلقا خلفهم باب الغرفة. نظر رفعت لـ زينب قائلاً: "إنتِ عاوزة إيه بالظبط." ردت زينب باختصار وثقة: "عاوزة ربع مليون جنيه تعويض عن كسر رجلي وأيدي اللي اتعورت بسبب همجيتك إنت وحصانك امبارح."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...