الفصل 6 | من 40 فصل

رواية عشق بين نيران الزهار الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
26
كلمة
7,729
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

وقفت هبه أمام المرآه تعدل حجابها قائله بتذمر:

"منك لله يا قاسم يا آمين، كان حد قالك نادى بتعليم المرأه ما كنا مستتين ومتهنين، لازمتها أيه السحله اللى إحنا فيها دى، والنبى الواحده فينا مالها غير جيب جوزها تشحوره، وعيالها تتطلع فيهم غُلبها منهم هما وأبوهم. أنا خلاص مش عاوزه أكمل تعليمى، أنا عايزه أتجوز. أنا لو عدت عليا السنة دى ولسه فيا عقل يبقى إنكتب لي عمر جديد، قال ثانويه عامه قال، ماله الجواز، دا حتى جواز البنات سُتره."

تبسمت لها مروه قائله: "لأ إجمدي كده، من أراد العُلا سهر الليالي." ردت هبه: "مش عاوزه عُلا، ولا سهر، أنا عاوزه أتجوز وأخلف ولدين توأم ألعب معاهم." تبسمت مروه قائله: "يا بنتي مستقبلك في شهادتك، اللي هتبقى في إيدك. وبعدين ما إحنا مر علينا قبل حوار الثانويه العامه ده قبلك، وأهو، عندك ليلى أهى السنة اللي فاتت كانت زيك كده مسحوله، ودخلت الجامعه اللي كان نفسها فيها، عقبالك يا بشمهندسه، مش نفسك تبقي مهندسه برضوا."

ردت هبه: "أه، نفسي أدخل هندسه بيترول، متعرفوش شركات البترول دي بتقبض بالدولار." تبسمت مروه قائله: "ربنا ينولك مرادك، وبلاش عويلك ده كل شويه." تبسمت هبه لمروه، ثم نظرت ناحية ليلى الجالسه على الفراش لا تشاركهم المزاح كعادتها. نظرت مروه وهبه لبعضهن، ثم نظرن باتجاه ليلى، مستغربتان، فهي لا تشاركهن المزح كعادتهن. أقتربتا من فراش ليلى، كل منهم جلست على ناحيه،

تحدثت مروه: "في ايه يا لولا مش عادتك ساكته ليه، ومش هتقومي تجهزي عشان تروحي للجامعه النهارده! ردت ليلى: "لأ مش هروح الجامعه النهارده." تعجبن هبه ومروه وقالت هبه: "عجيبه، ليه مش هتروحي النهارده؟ ردت ليلى بإخفاء: "عندي صداع وشاكلي داخله على دور برد، ويمكن لو روحت للجامعه يزيد عليا التعب." تلهفت الاثنتين عليها وتوجهن لفراشها.

قالت مروه: "إنا صحيت الفجر على صوت هلوستك، سمعتك تهلوسي، بس ما أخدتش بالي، قولت نايمه وبتتكلم وهي بتحلم، زي عادتها ساعات كتير، بتتكلمي وأنتي نايمه." ردت ليلى بخفّه قليلاً قائله: "كنت بقول إيه المرة دي؟ ردت مروه: "بصراحه مفسرتش ولا كلمة من كلامك، حتى قولتلك أنتي صاحيه يا ليلى، ردتي عليا وقولتي أيوا، بس بعدها نمتي تاني بسرعة. هطلع أقول لماما تعملك شاي بالليمون وتجيبلك مضاد حيوي للبرد و...

قاطعتها ليلى قائله: "لأ بلاش تقولي لماما إني تعبانه، بلاش تُخضيها. أنا هقوم آخد حبايتين مسكن وبعدها هنام، ولما هصحى هبقى كويسه. ويلا كل واحدة تشوف طريقها ومتقلقوش عليا، أنا زي القطط، كل شويه بحال، قبل ما ترجعوا من أماكنكم هكون بقيت زي القرد."

تبسمن لها وقالت هبه: "تمام، أنا عندي درس كمان ساعة لازم ألحقه. أول ما أطلع من الحصه هتصل أطمن عليكي، بس ردي متخافيش على رصيد الموبايل، أنا خلاص حولت لنظام باقه شهريه زيك كده، هتكلم بقى براحتي من غير ما يقولي لقد نفذ رصيدكم، برجاء شحت الرصيد." تبسمت ليلى قائله: "شحن، مش شحت، يا متسوله."

تبسمت هبه قائله: "والله شركة التليفونات دي بتحسسني إننا بنشحت منها، وهي بخيله. تصدقي، بفكر أبقى مهندسة اتصالات وأشتغل معاهم وأسرق العملاء." تبسمت مروه: "ومهندسين البترول واللي بيقبضوا بالدولار." فكرت هبه ثم تبسمت قائله: "لأ الدولارات تكسب، يلا أنا همشي يا بنات وادعولي إنول اللي عاوزاه، وأنا أبشركم وقتها وهخليكم تحولوا تليفوناتكم من كارت لخط. سلامي لجميلاتي."

تبسمت هبه ومروه حين أرسلت لهن هبه قُبلات بالهواء وهي تغادر الغرفه. نظرت ليلى لمروه قائله: "وانتي مش هتمشي عشان تلحقي باص المدرسة؟ نهضت مروه من على الفراش سريعاً قائله: "تصدقي نسيت، هاخد شنطتي وأجري ألحقه. يلا، هتصل أطمن عليكي وأنا في المدرسة."

تبسمت ليلى لها قائله: "لأ أطمني، أنا شوية وهبقى كويسه، هما شوية برد صغيرين، يمكن من تغير الطقس كل شويه، إنتي عارفه جو الربيع، يوم يبقى دافي، ويوم برد، ويوم نصه برد ونصه دافي، ومع ذلك هو أحلى فصول السنة، بيجيب طقس الاربع مواسم في يوم واحد." تبسمت مروه لها قائله: "تمام، همشي أنا بقى، يارب أرجع ألقاكي بقيتي بخير."

تبسمت ليلى، وتنهدت بعد أن خرجت مروه، دون وعي منها نزلت دموع عينيها، تشعر بألم بكل جسدها، لا الألم يسكن روحها، ما مرت به ليلة أمس ليس بهين، كانت على شفا خطوة واحدة من الاغتصاب، والقتل أيضاً. وهناك وخز قوي ينخر قلبها لا تعرف سببه. وسيم ظلمها حين ظن أنها كانت ساهرة بذلك الزفاف، ألا يعلم أنها لا تحب تلك المناظر الفارغة ولا تستهويها، تعلم أن تلك المناظر ما هي إلا لعب بأحلام الفقراء البسطاء، يتلاعبون بمشاعر البسطاء بخبث نواياهم التي يريدون الوصول إليها، دهساً على أحلامهم البسيطة. عقلها حائر، ماذا تفعل الآن؟

هي لا تريد أن تدافع عن نفسها بشيء لم تفعله، هي غير قادرة على مواجهته والدفاع عن نفسها. *** بمنزل هاشم الزهار. نزل وسيم، تقابل مع إحدى الخادمات التي قالت له: "مدام مُهره، في أوضة السفره مستنيه حضرتك، يا دكتور وسيم." رد وسيم: "تمام، أنا رايح لها." توجه وسيم إلى غرفة السفره، تبسم قائلاً: "صباح الجمال على المهره اللي مع كل طلعة شمس بتزيد جمال." تبسمت مُهره قائله: "صباح السعاده، إيه أخرك في الصحيان النهارده كده؟

سهرة ليلة امبارح هي السبب أكيد." تبسم وسيم قائلاً: "مش عارف، يمكن تكون السبب، حتى لما رجعنا من الفرح جالي أرق، ومنمتش غير بعد الفجر." تبسمت مُهره بمكر قائله: "وأيه سبب الارق اللي جالك؟ كنت بتفكر في إيه، شاغل عقلك." تبسم وسيم قائلاً: "شاغلني المهره الجميلة اللي كانت امبارح في الفرح، ملكه."

تبسمت مُهره: "أنا فعلاً امبارح وانا قاعده وانت وولاد رضوان ابن عمي قاعدين حواليا كنت الملكة وجنبها فرسانها، وكمان مبسوطة قوي إن لسه علاقتك برامي زي زمان، البعد ما غيرش من مشاعركم لبعض." تبسم وسيم: "قصدك لسه الأخوة أعداء." تبسمت مُهره: "عمر الأخوة ما يبقوا أعداء، بس بقى قول لي، مفيش بنوتة كده شغلت قلب وسيمي؟ نفسي أبقى جدة قريب."

تبسم وسيم، لا يعرف لما هفوت على خياله تلك الرقيقة الخجولة التي قابلها بالصيدلية، لكن بنفس الوقت تذكر تلك الدبش ولديه شغف معرفة حالها الآن. لكن قال: "تقدري تقولي في ومفيش، لسه مش محدد اختياري، بس أكيد هتبقى أول حد أقوله. أمال مين اللي هيطلبهالي، وتعمل ماري منيب وتديها حباية البندق تكسرها بسنانها عشان تطمن صحتها كويسه أو لأ." تبسمت مُهره: "عيب عليك، أنا هبقى حما من النوعية دي برضو، بس أتمنى تتوفق في اختيارك."

تبسم وسيم: "يارب. بقولك إيه، مش كان في سايس بيشتغل عندنا زمان؟ أنا فاكر اسمه صفوان المنسى." تبسمت مُهره: "ايوا، بتسأل ليه؟ بس ده ساب الشغل عندنا من مدة ورجع من تاني يشتغل في مزرعة ولاد رضوان. ليه بتسأل؟ رد وسيم: "مفيش، بس أنا فاكر إن قبل ما أسافر البعثة كان بيشتغل هنا في المزرعة، أصلي قابلته من كام يوم صدفة في الطريق وافتكرته."

تنهدت مُهره: "هو في الأصل كان بيشتغل في مزرعة رضوان الله يرحمه، بس لما مزرعة رضوان اتحرقت وولاده سابوا البلد وراحوا عاشوا مع جدتهم في اسكندريه، جه اشتغل مع هاشم. بس لما رجعوا ولاد رضوان للبلد تاني، هو رجع يشتغل عندهم من تاني، ومش بس هو، في عمال كتير كانوا بيشتغلوا في مزرعتنا، ولما رجعوا ولاد رضوان، راحوا يشتغلوا عندهم. وده كل بسبب معاملة هاشم لهم بغطرسة، كأنهم عبيد عنده. كانوا زمان بيقبلوا لأن ما كانش قدامهم غيره، لكن العمال غلابة، وتبع لقمة عيشهم، وولاد رضوان قدموا لهم أجر أفضل، وكمان معاملة أفضل من هاشم."

رد وسيم: "فعلاً العمال غلابة وتبع لقمة عيشهم، وأنا زمان شوفت معاملة خالي هاشم للعمال، شوفته مرة، كان بيجلد واحد من العمال عشان سبب بسيط، إنه اتأخر في سرج الحصان له. بس ده طبعاً هيتغير برجعتي، أطمني. وطبعاً صفوان ده رجع تاني لمزرعة ولاد عمي رضوان، هو عنده أسرة وملزم بها، فإن كان زمان محتاج وقابل طريقة خالي هاشم في الشغل بالطريقة دي، زي بقية العمال اللي كانوا بيشتغلوا عند عمي رضوان، والحاجة خلتهم اشتغلوا واتحملوا قسوة خالي هاشم، دلوقتي مش مجبر يتحمل طريقته الفظه والقاسية، فساب الشغل هنا. بس متعرفيش عنده ولاد قد إيه."

ردت مُهره: "أنا معرفش عنده ولاد قد إيه، اللي شوفتها بنت، كانت مع مامتها في فرح ابن عضو مجلس الشعب. بس ليه شاغل عقلك الراجل ده."

رد وسيم: "مفيش، مجرد فضول مش أكتر. هقوم أنا بقى، عندي محاضرات في الجامعه، وبعدها هرجع على مزرعة الخيل، في كذا حصان كده ضعفانين، شكلهم مش عاجبني، وكمان في بعض السلالات مش موجودة عندنا في المزرعة. هروح أشوف سبب ضعفهم ده وأعالجهم، وكمان هبدأ أباشر مزرعة مع خالي هاشم، لازم المزرعة ترجع زي سابق عهدها، مش حقي فيها التلت."

تبسمت مُهره: "مش التلت بس، إنت لك التلتين، وبتمنى ترجع المزرعة لزهوتها زي زمان. ولاد الزهار كان بينهم منافسة شريفة في تربية الخيول، أتمنى يبقى بينك وبين ولاد رضوان منافسة شريفة، وتكون فارس زي باباك." تبسم وسيم قائلاً: "هترجع إنشاء الله، وابن 'جلال الشامي' هيبقى أقوى منافس لولاد، بس منافسة بشرف الفرسان. أشوفك المسا عالـ عشا." قال وسيم هذا وغادر الغرفة. لكن دخلت إحدى الخادمات

ومعها باقة زهور قائله: "مدام مُهره، بوكيه الورد ده، واحد من محل ورد، عطاه لحارس من اللي على بوابة البيت، ومعاه الظرف ده لحضرتك." أخذت مُهره بوكيه الزهور، وذلك الظرف من الخادمة، ونهضت من أمام السفره قائله: "هاتي لي قهوتي، التراس." ذهبت مُهره إلى تلك الشرفة الكبيرة المطلة على حديقة المنزل وجلست على أحد المقاعد، تستنشق رائحة تلك الزهور الخلابة. إنها نوع الزهور المفضل لديها. ثم فتحت ذلك الظرف الذي فاح بعطر زهرة

(الليليان) "شقائق النعمان". تعجبت كثيراً من الذي أرسل هذه الزهور ومعها ذلك الظرف. فتحت ورقة الرسالة وقرأت محتواها بصوت قائله: "حتى الزهور اليانعة، تستطيع المهره بحضورها أخذ الجمال منها، تصبح باهتة الألوان، خالية العبق. ما زلتِ المهره التي افتتن بها بستاني، أصبحتِ (زهرة الليليان، شقائق قلب النعمان)

. ما زلت على وعدي، لم أهوى أي امرأة. عدت لا أعلم لما، ربما لأنهي حياتي بمكان فقدت فيه قلبي. أريد أن أدفن هنا، يا 'ملكة الزهار'." أغلقت الرسالة، وارتجف قلبها. أيُعقل أن البستاني ما زال حي يتذكرها، يتذكر من رفضت حبه يوماً، وفضلت حب مخادع سقطت ببراثن خداعه. لكن لما عاد الآن؟ حقاً ببعض مساحيق التجميل البسيطة عادت النضارة لوجهي، لكن شيب القلب كيف يعود صبياً. ***

كان يعصب عين تلك الطبيبة بشريط أخضر، يمسك بيدها، تسير معه إلى أن اقترب من مكان وقوف إحدى المهرات باستطبل الخيل الخاص به. تبسم وهو يفك عصابة عيناه، فتحت عيناها لترى أمامه إحدى المهرات، وقالت له ببسمة رقيقة: "هاشم! الفرسة دي جميلة قوي، وشكلها قوية." تبسم قائلاً: "الفرسة دي تشبهك."

تبسمت زينب له برقة، ونظرت له وهو يسير، إلى أن وقف خلفها، وأحاط خصرها بيده وأقترب منها بشدة يستنشق عبقها الذي يأسر. وانحنى وكاد يُلثم عنقها بقبلاته...

لكن استيقظ متذمراً بسبب صوت ذلك الهاتف المزعج، الذي قطع عليه ذلك الحلم الجميل. كان قريب من تلك الطبيبة التي بدأت تستحوذ بمكانة خاصة لديه. مد يده وجذب الهاتف، حين علم من يتصل عليه، نفخ بسأم. في البداية فكر في عدم الرد وكان سيترك الهاتف يرن، لكن جاء للهاتف رسالة جعلته يرد على رنين الهاتف باستهجان قائلاً: "بتتصل عليا بدري كده ليه؟ اللي أعرفه إنك بتصحى متأخر."

رد الآخر: "اتصلت عليك أكتر من مرة في أوقات مختلفة مكنتش بترد، ليه بتطنش اتصالاتي؟ عالعموم مش ده المهم عندي دلوقتي، أنا متصل عليك محتاج لمبلغ مالي." رد هاشم: "منين؟ المزرعة مبقتش زي الأول من يوم ما رجع ابن رضوان هنا. ياما قولت لك حاول تسيطر عليه لما كان تحت إيدك في إسكندريه، بس هقول إيه، طول عمرك كنت غبي."

رد الآخر: "بلاش تغلط فيا عالصبح، أنا محتاج المبلغ ده ضروري عشان أعوض خسارتي، كمان أسد فوائد قرض البنك، خلاص ميعادها قرب."

رد هاشم: "قولت لك بلاش تشارك في النوعية دي من سباقات الخيل، دي تعتبر لعبة قمار، وده اللي خسرك زمان وخلاك بقيت مديون للبنك بمبلغ كبير، مبقتش عارف تسده. بتسد كل سنة فوائد البنك، لكن القرض نفسه مش بتسده. طالما كده، ليه مش بتهرب لخارج مصر زي بقية رجال الأعمال اللي هربوا لما مبقوش قادرين يسدوا القروض اللي عليهم."

رد الآخر: "مش وقت سخافتك عالصبح، متنساش إني شريكك، حول لي المبلغ اللي بعت لك قيمته في الرسالة في أقرب وقت، خلاص دفع فوائد البنك قرب، ومش عاوزهم يتصلوا عليا بالميعاد زي كل سنة، سلام." أغلق هاشم الهاتف، وقام بإلقائه جواره على الفراش، زافراً أنفاسه بعيظ. لم يكن يبقى سوى هذا الغبي كي يعكر عليه مزاجه. ألا يكفيه استفزاز ابني رضوان الزهار له، وبالأخص رفعت الذي لم يأخذ من والده فقط الشكل، بل أخذ الحنكة والدهاء. ***

بالعودة لقسم الشرطة. نظر رفعت لزينب بذهول قائلاً: "عاوزة ربع مليون جنيه تعويض عن كسر كاحل رجلك؟ ليه؟ ده لو عاهة مستديمة مش هتطلبي المبلغ ده كله." ردت زينب بثقة وهي ما زالت جالسة: "والله أنا معايا تقرير طبي بعلاج أكتر من واحد وعشرين يوم، وفي القانون، وبإصابتي دي طالما قدمت بلاغ تعتبر جنحة." تبسم رفعت الذي ما زال واقفاً: "قولتي جنحة؟ هو إنتي بتشتغلي إيه بالظبط؟ دكتورة ولا قاضية؟

عالعموم، إنتي قولتيها جنحة، يعني قضية بسيطة، وعندى طقم محامين أهم يشتغلوا عليها بدل ما بدفع لهم أتعاب عالـ فاضي، ومش هيكلفوني ربع المبلغ اللي طلبتيه تعويض، غير إنهم بسهولة جداً يطلعوني من القضية، وتترد عليكي مصاريف المحكمة يا دكتورة." رفعت زينب رأسها ونظرت له بسخرية قائله: "وإزاي ده بقى؟ هترشي المحكمة! ضحك رفعت قائلاً: "لأ طبعاً، ببساطة، فين شهودك عالـ محضر ده اللي يثبتوا إن أنا السبب في كسر رجلك؟

المحضر لازم يكون عليه شاهدين اتنين على الأقل." ارتبكت زينب قائله: "عادي هقول إن الحادثة كانت في شارع جانبي، ومكنش معايا غير صفاء، وهي هتشهد معايا، غير اللي شافوك في الوحدة." تبسم رفعت وانحنى ووضع يديه على مسند المقعد التي تجلس عليه زينب، وحاصرها بينه وبين المقعد قائلاً

بضحك: "وجودي في الوحدة معاكي كان شهامة مني، كان ممكن أسيبك في الشارع، مش قادرة تقفي على رجلك بعد سبك ليا، غير إني ممكن بسهولة أعملك محضر سب وقذف، واللي هتشهد صفاء نفسها بسهولة جداً. متنسيش مهما كنتي عملتي عشانها، في الآخر إنتي هتشتغلي هنا لمدة معينة وهتسيب البلد وتمشي، لكن أنا باقي هنا، أصلي هنا، وكمان أنا من أهل بلدها، يعني إنسي المحضر ده يا دكتورة ونتفاهم. ودي عاوزة تعويض معنديش مانع، بس يكون بمبلغ معقول، يعني خمسين ألف جنيه حلوين قوي."

شهقت زينب بارتباك من قربه منها قائله: "دول ميشتروش توكتوك، وبعدين ابعد عني ومتقربش مني بالشكل ده تاني، وخلاص أنا قررت أعمل المحضر والمحكمة تتصرف معاك بقى، غير إني ممكن أعملك محضر تحرش." استقام رفعت ضاحكاً يقول: "كمان محضر تحرش؟ وإزاي اتحرشت بقى بيكي؟ بوستك مثلاً." غضبت زينب وسندت على ذلك

العكاز الطبي ووقفت قائله: "إنت شخص غير مهذب ومعندكش أدب، وكمان همجي، وإنت كده بتسد التفاهم الودي بينا، يبقى المحكمة تفصل بينا، وعندي شهود على تحرش بيا، لما كنت راكب الحصان ورايا البلد كلها شافتك."

تبسم رفعت قائلاً: "الحصان أساساً بتاعي، وأنا اللي ركبتك عليه عشان آخدك للوحدة، سبق وقولت شهامة مني وكرم أخلاق، يعني أول سؤال هيتسال، طالما معندكيش ثقة فيا ليه ركبتي الحصان من الأول أساساً. أنا قولت ممكن أعطيكى خمسين ألف جنيه تعويض، أكتر من كده متحلميش وإعملي اللي عاوزاه، أنا مش فاضي، أنا وقتي بفلوس، ولازم أمشي، هو ده آخر كلام عندي." قال رفعت هذا وأعطاها ظهره وكاد أن يفتح باب الغرفة،

لكن قالت زينب: "ولو قولتلك المبلغ ده مش هاخده ليا، ده هيطلع في فعل خير لصالح بلدك زي ما بتقول، وهينوبك منه ثواب، غير متأكدة إن المبلغ ده ميفرقش معاك، ميجيش تمن فرسة من عندك، اعتبره زكاة أموالك."

تبسم رفعت وهو ما زال يعطيها ظهره، تلك الطبيبة لم تخيب توقعه من البداية، هو كان يعلم أن هناك هدف آخر من طلبها لهذا المبلغ، غير أنها تريدهُ كتعويض لضرر أصابها، ولهذا أراد محاورتها من البداية. كان من السهولة عليه الرفض وإنهاء الموضوع بمكالمة هاتف منه. رد قائلاً: "وأيه الخير بقى اللي لصالح بلدي في طلبك للمبلغ ده؟

ابتلعت زينب حلقها وقالت: "عاوزة أجيب عربية إسعاف خاصة بالوحدة، تخدم أهل البلد، ومش بس البلد، ممكن كمان البلاد اللي جنب البلد دي، بدل ما المريض أهله بيطلبوا عربية إسعاف من مستشفيات خاصة بالشئ الفلاني، لمجرد نقل المريض من بيته لمستشفى حكومي يتعالج فيها. بكده هتوفر عالناس مصاريف كتير، غير إنها ممكن كمان زي ما حصلي كده، ومكنتش قادرة أقف على رجلي، كنت طلبت إسعاف الوحدة، جه، خدني، ووفرت عليك شهامتك وكرم أخلاقك."

تبسم رفعت وأدار وجهه لها قائلاً: "ومطلبتيش ده ليه من الأول؟ مش يمكن كنت وافقت بسهولة عن الابتزاز اللي عملتيه في البداية؟ ردت زينب: "تقدر تقول محبتش أحسسك إن بتعمل خير وتفرد نفسك على أهل البلد، إنك من رجال الشهامة والإحسان." تبسم رفعت قائلاً: "بس أنا مش محتاج أفرد نفسي على أهل البلد، أنا فعلاً من أهل الشهامة والإحسان، بس مبحبش أتكلم عن نفسي." نظرت له زينب قائله

بنبرة يشوبها بعض السخرية: "مكنتش أعرف إنك متواضع. عالعموم، بالنسبة للربع مليون جنيه، أنا ممكن أوافق على ميه وخمسين ألف، ومش شرط عربية الإسعاف تبقى مجهزة بالكامل، المهم يكون في عربية إسعاف تنجد الناس من استغلال المستشفيات الخاصة."

تبسم رفعت قائلاً: "أنا موافق، وهتبرع بالربع مليون جنيه، ومش بس كده، لو احتاجتي أكتر من المبلغ ده هدفع لك، بس ليا طلب عندك، خلي التصرف في الفلوس تحت إيدك، بلاش تثقي في الموظفين اللي في الوحدة، أنا عندي ثقة فيكي عنهم. أنا عارف معظمهم، وبالذات اللي اسمه طارق التقي، بيبان إنه بيحب الخير والمساعدة، وهو بيحلل لنفسه على هواه بمقولة (والعاملين عليها) وبيساعد الناس اللي على مزاجه بس."

تبسمت زينب قائله: "لأ اطمن، قابلت من نوعية طارق ده كتير، وفاهمهم كويس، وعربية الإسعاف أنا اللي هشرف عليها بنفسي." تبسم رفعت وقام بإخراج دفتر شيكاته من جيبه، وبدأ في كتابة الرقم اللي قالت عليه زينب، ثم قطع الشيك من الدفتر، أعطى لزينب ذلك الشيك. أخذته منه مبتسمة ومدت يدها لتصافحه قائله: "كده تقدر تعتبر المحضر اللي كنت هعمله لك لاغي."

تبسم ونظر ليدها الممدودة له، لكن لفت انتباهه تلك الشامة الموجودة بمقدمة معصم يدها بعد كف يدها مباشرةً. تأمل تلك الشامة، ثم رفع وجهه ونظر إلى وجه زينب، تلك البسمة التي تزين ثغرها، هي نفس بسمة "رحمة". تنهد هامساً

لنفسه: "رحمة." مد يده لها مصافحاً، شعر ببركان يشتعل بقلبه من حرارة يدها، ضغط على يدها بقوة وهو ينظر لتلك الشامة التي بيدها، تغلي الذكريات برأسه، لكن ربما تكون تلك "رحمة" أرسلت له من القدر، لكن ربما بوقت غير مناسب. تبسمت زينب حين دخل الضابط قائلاً: "أتمنى تكونوا اتفاهمتوا؟ ردت زينب: "تمام، فعلاً اتفاهمنا، ومالوش لازمة المحضر، بشكر حضرتك."

تبسم الضابط قائلاً: "ده واجبي، ورفعت بيه من الشخصيات المعروفة في المحافظة كلها، ومعروف بتواضعه." تبسم رفعت قائلاً: "متشكر لـ إبلاغك ليا، وكمان إنك سبتني مع الدكتورة نتفاهم بهدوء، وأهو وصلنا لحل بينا." تبسم الضابط قائلاً: "أنا في خدمة أهل البلد وكمان خدمة الدكتورة."

رغم تلك السخرية التي تشعر بها الطبيبة من قول الضابط، لكن لا يهمها ما قاله، المهم أنها حصلت على ما أرادته. تبسمت بدبلوماسية وهي ترى الضابط يصافح رفعت ثم يصافحها، ثم غادر رفعت وهي خلفه تسير ببطء مستندة على ذلك العكاز الطبي. وقفت أمام باب القسم تنظر حولها، تنتظر أي توكتوك يعدي من أجل أن تشير له أن يقلها إلى الوحدة لمزاولة عملها، لكن كأنهم اختفوا فجأة، شعرت بالسأم والألم من وقوفها على ساقها المجبرة.

بينما رفعت سار بسيارته لبضع خطوات، لمح زينب واقفة من مرآة السيارة، عاد للخلف مرة أخرى وأنزل زجاج شباك السيارة. قبل أن يطلب من زينب الصعود للسيارة، أتت نسمة هواء ربيعية قوية أطارت أطراف حجاب زينب على وجهها. بسرعة، تركت زينب العكاز الطبي وأمسكت أطراف وشاحها تبعده عن وجهها، كاد أن يختل توازنها، لكن مسكت بالعكاز سريعاً. سريعاً أيضاً، نزل رفعت من سيارته حين رأى زينب تكاد يختل توازنها، ذهب باتجاهها قائلاً: "اتفضلي اركبي العربية أوصلك للوحدة."

ردت زينب برفض: "لأ متشكره، دلوقتي يعدي توكتوك." رد رفعت: "بلاش عناد يا زينب، واركبي العربية، متخافيش، مش زي الحصان، ومش هعرف أتحرش بيكي." نطق رفعت اسمها دون لقب الدكتورة الذي كان ينطق به سابقاً. رن بقلبها، ليس بأذنيها،

لكن نظرت له قائله: "اسمي الدكتورة زينب يا 'سيد رفعت'." قالت هذا وأشارت لذاك التوكتوك، وذهبت إلى مكان وقوفه وغادرت، تاركة رفعت يبتسم. تلك الشرسة بدأ يستهويها، ليس فقط عقله، هناك أيضاً نغزات يشعر بها القلب. *** بالمدرسة التي تعمل بها مروه. بغرفة خاصة بالمدرسين.

كانت تجلس مروه وحدها، تنظر إلى شاشة هاتفها وتبتسم، شارده مع لقطات الفيديو المضحكة لها هي وأخواتها بهذا الفيديو، لكن فصلها عن مشاهدة الفيديو ذلك النقر على زجاج تلك الطاولة الكبيرة. خلعت سماعات الأذن ونظرت لمن ينقر على زجاج الطاولة. تبسم لها قائلاً: "متأسف لو كنت قطعت عليكي متعة المشاهدة على التليفون، بس بصراحة كنت محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم." أغلقت مروه الهاتف قائله: "لأ أبداً، خير، موضوع إيه ده."

تبسم وجلس قائلاً: "بصراحة كنت هطلب منك إننا نقعد مع بعض سوا على انفراد في أي مكان تطلبيه، بس خوفت ترفضي طلبي ده أو تفهميه غلط. ولما لقيت الأوضة فاضية مفيش فيها غيرك من المدرسين، قولت دي مش صدفة، دي إشارة ليا. بصراحة هدخل في الموضوع مباشرة ومش هطول عليكي. أنا اشتغلت مدرس في مدرسة حكومي، كنت بشتغل بالحصة، وبعدها تشاركت أنا وكذا مدرس خريجين تربية وفتحنا سنتر دروس خصوصية، والحمد لله بيطلع لي منه دخل كويس. ده غير إن أنا

كمان اشتغلت في أكتر من مدرسة خاصة قبل ما أشتغل في المدرسة. أنا الحمد لله قربت على تلاتين سنة، كونت نفسي لحد معقول، عندي شقة في بيت أهلي وجهزتها من كافة مستلزماتها، مش ناقصة غير العروسة اللي تنورها. أنا من أول ما جيت اشتغل هنا في المدرسة دي وأنا معجب بيكي وبـ هدوئك وإنك في حالك ملكيش في جو الشلالية، وده أكتر شيء جذبني ليكي. أنا لو مكنش في شخص تاني في حياتك بعرض عليكي إن أتقدملك ونكمل بنا حياتنا سوا."

تفاجأت مروه وتعلثمت قائله: "بصراحة أنا اتفاجئت بطلبك ده، ممكن تديني وقت أفكر وبعدها هرد عليك." تبسم قائلاً: "خدي وقتك، وأين كان ردك بالرفض أو بالقبول، وإن كنت أتمنى القبول، لكن لو حتى رفضتي هنفضل زملاء، وليكي كل احترامي." غص قلب مروه ونظرت له. أمامها فرصة للهرب من ذلك المتربص بها "رامي"، فرصة تنهي قصة حب الجميلة والوحش. *** مساءً بالوحدة الصحية. جلس هاشم أمام زينب تقوم بفك تلك الغرز المقطبة بمعصم يده.

الذي قال: "بصراحة زعلت جداً لما عرفت إن رجلك اتكسرت، قولت يظهر بلدنا وشها نحس عليكي، وكمان متوقعتش إنك تنزلي تشتغلي في الوحدة تاني يوم لكسر رجلك، قولت أكيد هتاخدي أجازة. كنت جاي أطمن عليكي ومتوقع إن دكتور تاني يفك لي الغرز اللي في إيدي."

رسمت زينب بسمة قائله: "لأ ده مش كسر، ده التواء أربطة، والجبس روتين مش أكتر، ومش هيمنع إني أنزل أشتغل وأخدم المحتاجين، واهو أنا قاعدة وبفك لك الغرز، يعني شيء مش مؤثر عليا، وبشكرك لاهتمامك إنك تسأل عني." تبسم هاشم عيناه تتفحص كل إنش بوجه زينب، لا ليست تتفحص بل تنهش. لكن بعد أن انتهت زينب من فك تلك القطب من معصم يد هاشم، رغم إنها لا تعلم لما لديها شعور بالنفور والبغض من هذا الكهل، لكن أشار عقلها: "لن تخسري شيئاً."

قالت زينب: "أنا فكيت لحضرتك الغرز، وبالنسبة للجرح اللي في كف إيدك، واضح إنك التزمت الاعتناء بيه وطاب بسرعة، هو مكنش جرح كبير." تبسم هاشم قائلاً: "فعلاً أنا كنت ملتزم العناية بيه رغم إنه خسرني في مبارزة رفعت الزهار، فجأة حسيت بوجع إيدي ومعرفتش أرد الضربة عليه، لكن مش مهم." تبسمت زينب قائله: "مكنتش أعرف إن الشرقية عندهم رقصة التحطيب، اللي أعرفه إنها خاصة بأهل الصعيد."

رد هاشم: "كمان الشرقية بيحطبوا، متعرفيش إنهم بيقولوا على أهل الشرقية 'صعايدة بحري'." ردت زينب: "لأ للأسف مكنتش أعرف، بس اللي أعرفه إن أهل الشرقية أهل كرم، وبصراحة ده بيخليني أتجرأ وأطلب منك طلب، أتمنى مترفضوش." تبسم هاشم قائلاً: "طلبك أين كان مُجاب يا دكتورة."

تبسمت زينب قائله: "بصراحة محتاجة منك ميت ألف جنيه، وطبعاً قبل ما تفكر فيا السوء، الفلوس دي أنا محتاجاها عشان تجديد صيانة غرفة غسيل الكلى التابعة للوحدة هنا بالبلد."

شعر هاشم بتفاجؤ، هي تقوم بتوريطه، لو رفض ربما تأخذ عنه فكرة سيئة وهذا آخر ما يريده الآن. المبلغ بالنسبة له ضئيل، وبالنسبة للطبيبة قد يكون كبير وتمهيد لطريق معها. هي تشغل تفكيره منذ أن سمع عنها في البلدة، حتى حين رآها وجهاً لوجه شغلت عقله. لديه فضول تذوق طعم شفاها، يتمنى الاختلاء بها، أصبح كلما يراها يريد الانقضاض عليها، تذوق ليلة غرام مع تلك الشرسة التي لا تهاب من أحد. هو سمع عن ركوبها الجواد مع رفعت الزهار، رفعت فاز

بقرب الدكتورة حتى لو لدقائق، انتشر في البلدة أنه الشهم الذي ساعد الطبيبة ونقلها للمشفى. لو قام الآن بالتبرع بذلك المبلغ لحساب الوحدة، سيظهر أمامها، لا بل أمام البلدة كلها بصورة جيدة، ويزعزع تلك المكانة التي بدأ رفعت يأخذها بالبلدة على أنه الفارس الشجاع، لكن هو الذئب الذي يتلاعب بضحاياه قبل إلتهامهم. حسناً، لا بأس.

تحدث هاشم مبتسماً: "أكيد طبعاً، تقدري تقولي إن المبلغ ده تحت أمرك، لكن للأسف مش معايا دفتر الشيكات، بس ممكن أبعت لك المبلغ كاش، هو معايا في البيت." تبسمت زينب قائله: "تمام، متشكرة جداً، تقدر تبعت المبلغ عليا مباشر مع أي شخص من عندك." هو يفهم لعبته جيداً، لو أرسل المبلغ مباشرة إلى يد الدكتورة لن تفصح عن الأمر شيئاً، لكن هناك من سيجعل من المئة ألف مئة مليون في عين أهل القرية.

وقال: "أنا واثق جداً في طارق التقي، هبعتلك معاه المبلغ اللي طلبتيه، وأي شي تحتاجه الوحدة تقدري تقولي لطارق عليه وهو يبلغني بيه." علمت زينب مقصده، فهي تعاملت مع طارق التقي حقاً مدة صغيرة، لكن لاحظت أهم صفاته: النفاق والرياء وتفخيم بعض كبار البلدة، لكن لا يهم، المهم أن تحصل منه على المال من أجل تطوير الوحدة الصحية لخدمة البسطاء. *** ليلاً بحديقة سرايا رضوان الزهار.

جلس رفعت أسفل مظلة بالحديقة، يرفع رأسه ينظر للسماء، رغم أن الطقس ربيعياً، لكن هناك رذاذ أمطار يتساقط على سقف تلك المظلة المصنوعة من "الصاج المقوى"، والتي تضخم صوت الأمطار كأن السماء تمطر بشدة. نهض من أسفل المظلة وخرج، يقف تحت رذاذ الأمطار، تتساقط الأمطار الخفيفة على وجهه، أغمض عيناه. جاء لخياله تلك اليد التي صافحها صباحاً، ذكرته بيد أخرى، كان لديها نفس الشامة بنفس المكان بيدها، لكن كان هناك بيدها وحمة على شكل قلب،

كثيراً ما كانت تخفيها، كانت تشعر أنها تشوه كف يدها. تذكر ببسمة تلك "رحمة"، أخته التي كانت الوسط بينه وبين رامي، رغم أنها كانت فتاة وسط ذكرين، إلا أنها كانت رقيقة كأسـمها، كانت زهرة رقيقة احترقت باكراً. لما للحظة حين كان يصافح يد تلك الطبيبة، شعر بأنه لم يكن يريد ترك يدها.

على ذكر الطبية، رن هاتفه، أخرجه من جيبه وقام بالرد على الآخر الذي قال له: "حضرتك جبت المعلومات اللي طلبتها عن الشخص اللي كانت مخطوبة ليه الدكتورة زينب السمراوي، هو كان اسمه (سميح متولي)

، بيشتغل محاسب في الضرايب بالفيوم، وكمان يبقى ابن أخو عمة والد الدكتورة، وهي كانت مقيمة معاها الفترة دي من عمرها. والغريب إن الخطوبة دي اتفسخت يوم المفروض كان هيتكتب كتابها عالـ دكتورة، وهو اتجوز، بس من شهرين انفصل عن مراته، ومعاه منها بنت واسمها 'زينب'." سأل رفعت: "طب ليه الخطوبة اتفسخت يوم كتب الكتاب؟ رد الآخر: "حضرتك معرفش، حضرتك عارف الأمور الشخصية دي بتبقى سرية بين اللي يخصهم الأمر."

رد رفعت: "تمام متشكر، وعاوز عينك تفضل عالشخص اللي قولت لك عليه، ومتغفلش عنه، أخباره تكون عندي أول بأول." رد الآخر: "اطمن، هو تحت عيون رجالي، وراه خطوة بخطوة، بيرقبوه عالـ نفس. لسه في معلومات تحب أجيبها عن الدكتورة." رد رفعت: "لأ متشغلش بالك، بس ركز في اللي قولت لك عليه، وحولت لك حساب أتعابك عالـ بنك، سلام." أغلق رفعت الهاتف، حائراً. الطبيبة كان بينها وبين الزواج خطوة، لما لم تخطوها؟

هل كانت تحب ذلك الشخص، أم كان سيكون زواج عائلي. تنهد رفعت، ثم دخل إلى أسفل المظلة مرة أخرى، يتسمع أصوات رذاذ المطر المتضخمة، كذالك التضخم الذي يشعر به كيف تنساق مشاعره بطريق يجهل نهايته، ولا يريد بداية له. هو يريد معرفة أكثر عن الطبيبة من أجل الفضول لا أكثر، هذه حقيقة مشاعره.

بينما هناك تلك العجوز تراقب من شرفة غرفتها جلوس رفعت وخروجه تحت المطر ثم عودته لداخل المظلة، بقلب منفطر، ليس عليه فقط، بل على أخيه الذي كان هو الآخر يجلس بالحديقة ليلة أمس. هذان الفرسان ترك الحريق على قلبيهما أثر صعب محو. هناك طريقة واحدة لمحو أثر الحريق من على قلبيهما وهو العشق، حين يعثر كل منهما على من تجازف وتدخل بقلب شجاع لحياتهم الملتهبة، ستبرد نيران قلبيهم. رامي لديه حبيبة يتمنى وصالها، لكن تلك الغبية تهوى حرق

قلبه. وذالك الزائر من داخله، لابد أن تدخل فتاة قوية لحياته. هي سمعت عن إحداهن، وعن أنه حملها وذهب بها إلى الوحدة، لديها فضول لتراها، ربما تكون هي صاحبة محو أثر النيران من قلب رفعت الزهار، حفيدها الأكبر. تبسمت بمكر، هي ستستغل حالتها الصحية وستجعل الطبيبة تأتي إليها بالمزرعة بأقرب وقت.

*** بعد مرور أسبوعين. بكلية الطب البيطري. بمكتب وسيم، فتح الحاسوب الخاص به، تفاجأ حين رأى نشر البحث الخاص التي قامت بعمله ليلى على إحدى المجلات المتخصصة بالخيول التي يراسلها من حين لآخر. تبسم، لا يعلم لما أراد أن يخبر ليلى، لكن كيف؟ هي منذ أسبوعين لم تأتي للجامعة، أو ربما تأتي ولا تحضر المحاضرات الخاصة به فقط. عليه التأكد من ذلك، ربما تتجنب اللقاء عنوة منها.

نهض واقفاً وحسم أمره، ذهب إلى المدرج الخاص بالمحاضرة، وفتح باب القاعة دون استئذان منه، وافتعل أنه تفاجئ بوجود دكتور آخر بقاعة المحاضرات، وقال معتذراً: "متأسف يا دكتور، واضح إني لخبطت بين مدرجات المحاضرات."

تبسم له الآخر وأماء رأسه بتفهم، لكن لم ينتبه وسيم لذلك، عيناه جابت قاعة المحاضرة بالكامل، ليلى ليست موجودة. خرج من القاعة وسار عائداً إلى مكتبه، يشعر بالفضول، يفكر بطريقة يعلم لما ليلى لا تأتي طوال الأسبوعين الماضيين للجامعة، لكن سريعاً نهر نفسه قائلاً: "مالك يا وسيم، كل ده عشان توصل وتعرف من ليلى تفاصيل عن أختها؟ فوق، قدامك الطريق المختصر مش بعيد." *** مساءً، بمنزل صفوان المنسى. بغرفة الضيوف.

جلس كل من فادية وصفوان، يستقبلان ذالك الضيف ووالديه. كان صفوان من حين لآخر ينظر لساعة يده كأنه ينتظر مجيء أحد، بينما فادية كانت ترحب بذلك الضيف ووالده ووالدته الذين رافقوا ولدهم من أجل طلب يد مروه للزواج. تبسمت والدة ذالك المدرس قائله: "إحنا ده أول تعارف بينا، وبصراحة ترحيبكم بينا يشجعني إني أطلب أيد الآنسة مروه لابني." لكن قبل أن يرد أحد والدي مروه، كان هناك رد حازم حاسم

بصوت يجعل الحائط ترتعش: "طلبكم مرفوض، الآنسة مروه مخطوبة، وكتب الكتاب والفرح بعد عشر أيام بالضبط." تعجب العريس قائلاً: "إيه التخاريف اللي بتقولها دي؟ أنا واخد معاد من الآنسة مروه، وهي سبق وأبدت موافقتها على طلبي لها بالجواز." رد والد مروه: "فعلاً، رامي بيه هو خطيب مروه، وفعلاً حددنا ميعاد كتب الكتاب والزفاف بعد عشر أيام."

بينما حاول رامي تمالك أعصابه كي لا يقتل ذالك المدرس أمام والديه، ونظر باتجاه مروه التي دخلت للتو تحمل بعض أكواب القهوة، وقال وهو يسلط عيناه التي تحول لونها إلى أسود غطيس، ينظر لمروه بنظرة تحذيريه إياها أن

تتفوه بشيء عكس ما سيقوله: "أظن القهوة وقتها مش مناسب، الباب لسه مفتوح يا مستر، مش خلاف بيني وبين خطيبتي هيخليها تضيع حب نشأ من سنين. مروه حبت تختبر حبي ليها، بس فكرت ودخالتك بينا غلط عشان تكون كبش فدا عشان أرجع لها من تاني." وقفا والدا العريس بغضب قائلين: "مكنش لازم تلعب اللعبة القذرة دي على ابننا طالما كانت عاوزة خطيبها السابق. ليه وافقت إنها تخلينا نيجي لهنا عشان نتهزأ وهي ترجع لخطيبها من تاني؟

قوم، هي مش آخر البنات، كان اختيارك غلط من البداية." نهض العريس وخرج هو ووالديه من منزل صفوان. تبسم رامي بانتصار، بينما اقتربت مروه من مكان وقوف رامي قائله: "حتى لو البشرية خلصت ومبقاش في راجل غيرك، أنا مش هتجوز مشوه أو مسخ يا رامي يا زهار."

أخرج رامي صوت ضحكة سخرية وتهكم، محمولة بغصات ألم قائلاً: "إنتي نصيبي يا مروه، حطي دي في دماغك، وزي ما قولت من شوية، كتب كتابنا وفرحنا بعد عشر أيام، مفيش قدامك غير طريق بيودي للمشوه المسخ."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...