فجأة انفجرت الدموع زخات من عين مُهرة. دموع كُبتت لسنوات بداخل عيناها. صمدت بعيناها، أهلكت قلبها. كانت عصفورة رقيقة أمام بحر هائج غادر. ظنت أنها قادرة على تحدي طوفانه، لكن مع أول موجة له ابتلعتها. نهض نعمان من مكانه وجلس جوار مهره. مد يده كي يزيل تلك الدمعات عن وجنتيها، لكن قبل أن تصل أنامله لوجهها، توقف يلعن ذاك الوغد هاشم الذي فرق بينهم بالماضي والحاضر.
رفعت مهره عيناها ورأت يد نعمان الذي يطبقها بقوة تكاد تنفر دماء عروق يده منها. تحدثت بندم: ياريتني طاوعتك وهربت معاك زمان، يمكن كان قدرنا اتغير، أو حتى كنا متنا سوا. بس أنا خوفت على اللي في الجنين في بطني وقتها. بس حتى الجنين ده اتمسك بالحياة وهو لسه جوايا، ولما خرج مني سابني هو كمان أعيش حسرة ووجع أكبر. انذهل نعمان قائلاً: قصدك إيه بالجنين اللي كان في بطنك؟ نظرت له مهره قائلة:
الجنين اللي كان في بطني كان زي زهر النعمان وتحرق بسرعة يا نعمان. فلاش باك. الاسكندرية. قبل تسعة وعشرون عام.
بعد اغتصاب هاشم بعدة أشهر، علمت مهره بالصدفة إحدى الطبيبات وهي بالمشفى وقتها أن جنينها مازال متمسك بالحياة رغم ذلك النزيف الذي حدث لها. شعرت أن هذا إشارة لها، عليها التضحية بقلبها من أجل تلك النبتة التي بداخلها من نعمان. وهذا ما حدث بالفعل. ضحت بحب نعمان واحتفظت بجنينها، وتركت الزهار وذهبت لتعيش في الاسكندرية هي وأختها وحدهن. لكن كانت إنعام تعلم بالقصة وبحملها، وكانت دائمة السؤال عليهن وزيارتهن.
حتى يوم ولادة مهره المفاجئة، السابقة لأوانها، فهي مازالت في الشهر الثامن من حملها. كانت معها بالمشفى حين قرر أحد الأطباء توليدها من أجل سلامتها هي والطفل بعملية قيصرية. نجح الأطباء في تخليص حياة الاثنين، لكن كان المولود ضعيف ولديه مشكلة قوية بالتنفس. وضع في حاضنة بالمشفى تحت جهاز تنفس خاص به، لعدة أيام.
حتى بعد انتهاء فترة علاج مهره وخروجها من المشفى، خرجت وحيدة من غيره. لكن كان بداخلها الأمل أن يقاوم ذلك الصغير كما قاوم ذلك النزيف وهو في رحمها وتمسك بالحياة. كانت يومياً تذهب له بالمشفى، تقوم بتعصير ثدييها وتعطيه لمن بالحاضنة يقومون بتوصيله لها عبر أنابيب مخصصة لتغذيته. كان التقدم بطيئاً وأحياناً يفقد الأطباء الأمل بنجاة هذا الصغير، لكن كان لديها أمل تتمناه. تناجي الله أن يستجيب لها. لكن لا أحد يقدر على تغيير القدر.
بعد أيام من ولادة ذلك الطفل، دخلت مهره إلى غرفة الحاضنة. سمعت بنفسها صوت تصفير الأجهزة الموصولة بجسد صغيرها، تعلن النهاية المأساوية التي كانت لا تريدها. بداخلها كانت تتمنى أن يحيا عمراً أطول بعيداً عنها أسفل تلك الأجهزة، ولا أن يفارق دنياها. كانت معها ذلك اليوم إنعام أيضاً. شعرت بنفس الوجع، هي عاشته سابقاً حين توفي ولدها الصغير بعمر العاشرة.
لم تستطع مهره الوقوف. وقعت جالسة على فخذيها، يرفض عقلها تصديق صوت تلك الصافرات. وضعت يديها حول أذنيها كأنها تصمهم، تكذب حالها. هي مازالت تحت تأثير مخدر الولادة، ستصحو منه وتجد طفلها جوارها يبتسم، أو حتى يبكي. نهضت سريعاً وفتحت تلك الفتحة الزجاجية وأدخلت يديها تضعها حول طفلها. سارت على كل جسده، تستجديه بدموع: اصحى.. اصحى.. اضحك... طب ابكي.. ابكي. لكن الملاك اختار أن ترحل روحه تطوف السماء.
هيستيريا عقلية مرت بها مهره، تبكي وتنوح، تصرخ وتضحك. خسرت. خسرت كل شيء بترك هذا الملاك لها. لم تعد باقية على الحياة. لما لا تنزل رحمة عليها وتذهب خلف هذا الملاك تطوف روحها معه في ملكوت الجنة. أي حياة ستعيشها بعد الآن. دموع إنعام كانت تهطل كأمطار رعدية. طلبت من أحد الأطباء تخدير مهره. بالفعل امتثلوا لها وخدروا مهره لمدة يومان. وباليوم الثالث منعوا عنها المخدر.
في ذلك اليوم، بالصدفة، كانت تسير إنعام أمام المشفى. وجدت امرأة حامل تسير جوار زوجها. كانت تشعر بآلام المخاض لكن كانت تقاومها بشدة. لكن أثناء سيرها شعرت بسيلان بين ساقيها. وقفت تنظر لأسفل، رأت تلك الدماء تسيل منها. صرخت بألم. كانت أنعام أقرب لهما. اقتربت منهما. نظرت لزوج تلك المرأة الذي ارتاعب حين رأى هو الآخر تلك الدماء التي تسيل من أسفل زوجته. تحدثت إنعام لها قائلة:
اهدئي يا بنتي، ربنا يمتعك بالسلامة. اهدئي وحاولي تاخدي نفس وتطلعيه بالراحة. وأنت يا أستاذ سيبها وأجرى بسرعة على الاستقبال بتاع المستشفى خليهم يجيبولنا كرسي وأنا هسندها أنا معاها متقلقش.
وقف زوج المرأة حائر، أيتركها مع أنعام أم يذهب ويدخل للمشفى ويأتي لها بمقعد متحرك. لديه خوف أن يترك زوجته التي تلد برفقة امرأة لا يعرفها. لكن صرخة زوجته جعلته يسلمها أمانة بين يدي أنعام، وذهب للمشفى سريعاً، وأتى بناقلة لزوجته وأدخلها للمشفى منها إلى غرفة الولادة مباشرة. كانت إنعام ستترك تلك المرأة، لكن تمسكت بيدها قائلة: أرجوكي متسبينيش لوحدي، أنا خايفة يجري لي حاجة وأنا بولد، خليكي معايا. ضغطت
إنعام على يدها بقوة قائلة: تفاءلي بالخير يا بنتي هتولدي وتقومي بالسلامة إنتي واللي في بطنك. إنتي اسمك إيه؟ ردت عليها: اسمي هالة. ابتسمت إنعام قائلة: خدي نفسك ادعي يا هالة وقولي يارب. تنهدت هالة وبدأت تشعر بألم أقوى. ألم خروج جسد ضعيف من جسد أهلكه الألم. خرجت للحياة طفلة صغيرة. كانت أول يد تحملها هي يدي إنعام التي استقبلتها، تبتسم على بكاء تلك الصغيرة. نظرت لهالة قائلة:
مبروك، ربنا رزقك ببنت. ربنا يجعلها ذرية صالحة وتشوفيها دكتورة وعروسة زي القمر. تبسمت هالة بوهن قائلة: يارب اسمع منك يا ست... ردت إنعام: اسمي إنعام. خدي بنتك اهي. تبسمت هالة وهي تضم صغيرتها وقالت لإنعام: هي اتولدت على إيدك يبقى إنتي اللي تسميها. ردت إنعام: أنا معرفش الأسماء اللي نازلة موضة، خايفة أقولك على اسم تقولي ده اسم قديم وبلدي. تبسمت هالة: الاسم اللي هتقوليه، هيكون اسمها. تبسمت إنعام وقالت: زينب...
اسم أمي الله يرحمها. كان نفسي أخلف بنت وأسميها زينب على اسم أمي بس ربنا ما أرادش. تبسمت هالة قائلة: زينب أهي قدامك واتولدت على إيدك يا ست إنعام. تبسمت إنعام لها، وتذكرت مهره فقالت باستئذان: هطلع أبشر جوزك بره زمانه على نار. بالفعل خرجت إنعام وبشرت والد زينب بها، ثم توجهت إلى غرفة مهره التي اجتازت تلك الأيام بوجع ليس فقط نفسي، بل عضوي أيضاً، بسبب ثديها الذي ينضح بداخلها يشعرها بألم شديد.
في اليوم التالي، أثناء خروج إنعام بمهره من المشفى، كان أيضاً خروج هالة من المشفى. تقابل الأثنان في بهو المشفى. تحدثت هالة لأنعام قائلة: زي ما قولتي حتى صفوت عجبه اسم زينب وسمينا بنتنا زينب. تبسمت لها إنعام وتمنت لهم السعادة مع مولودتهما الصغيرة. توقفت هالة وقالت: ست إنعام ممكن تديني رقم تليفونك علشان أبقى أدعيكي على سبوع زينب.
تبسمت إنعام وأعطتها رقم هاتفها، ثم خرجت مع مهره من المشفى. مهره التي حين رأت وجه تلك الفتاة وضعت يدها على صدرها تشعر بحنان غريب لها. باليوم التالي، دخلت إنعام للغرفة التي تنام بها مهره، فهي أخذتها معها لشقتها. وجدت مهره نائمة بوضع الجنين، تضع يديها فوق صدرها، تبكي بصمت. تعذب قلب إنعام عليها. لكن رن هاتف إنعام الأرضي. للحظة انخضت مهره قائلة:
ده أكيد تليفون من المستشفى، هيقولوا ابني صحي تاني. أنا اللي هرد عليه يا مرات خالي. تعذب فؤاد إنعام وهي ترى مهره تهرول وترد على الهاتف. لكن بعد لحظات أعطت السماعة لإنعام قائلة: دي واحدة بتقول اسمها هالة عاوزاكي. ردت إنعام، التي سمعت بكاء تلك الصغيرة على الهاتف، وقول هالة لها: الحقيني يا ست إنعام زينب مش مبطلة بكي ومش عارفة أعمل معاها إيه. ردت إنعام: اديني عنوانك.
بالفعل أخذت أنعام عنوان هالة وذهبت لغرفتها وبدلت ملابسها. وحين خرجت من الغرفة وجدت مهره تقف أمامها قائلة: هاجي معاكي يا مرات خالي. كانت إنعام سترفض، لكن خافت أن تفعل مهره بنفسها شيئاً سيئاً أثناء غيابها، فوافقت وأخذتها معها. بالفعل دقائق كانت الاثنتان أمام تلك الشقة التي تسكن فيها هالة. فتحت لهن، ودخلن. قالت إنعام لهالة: فيه إيه بتبكي إنتي كمان ليه؟ ردت هالة: زينب مش مبطلة بكي معرفش ليه. أخذت إنعام
زينب من هالة وقالت لها: شكلها جعانة، مرضعتيهاش ليه؟ ردت هالة: أنا رضعتها على صدري، بس للأسف لسه صدري منزلش فيه لبن. وصفوت استشار دكتور أطفال على نوع لبن لها وحضرته ليها بس مش راضية ترضع من البيبرونة ومش مبطلة بكي. أنا خايفة عليها قوي. ردت إنعام: هو فيه نسوان اللبن بيتأخر نزوله عندها شوية. كنا زمان بنرضع لبعضنا. دلوقتي... لم تكمل إنعام قولها لهالة حين سمعن مهره تمد يديها تأخذ زينب من يد إنعام قائلة: هأرضعها أنا.
بالفعل تركت إنعام زينب لمهره التي حملتها وسارت بضع خطوات تنظر لها ببسمة وجلست على أحد المقاعد ورفقت زينب لصدرها، التي سرعان ما التهمت زينب صدرها تتغذى من حنانه إلى أن شبعت ونامت بين يدي مهره. تعجب الاثنتان من ذلك، لكن تبسمت إنعام وهي ترى بسمة بعين مهره. تكرر هذا كثيراً الأيام التالية. كانت تذهب مهره ترضع زينب التي كانت تمتثل لصدر لمهره حتى عن صدر والدتها. إلى يوم سبوع زينب.
تفاجئت إنعام بزيارة رضوان ومعه رفعت. تبسمت إنعام وأخذت رفعت معها للسبوع. كانت حفلة سبوع صغيرة، مجرد تفاريح من أجل تلك الصغيرة. كانت إنعام تجلس وعلى ساقيها تحمل زينب. اقترب رفعت منها ونظر لها قائلاً: دي صغننة قوي يا جدتي أنا عاوز أشيلها. ردت مهره: لأ بلاش لا تقع منك. تبسمت هالة أمام إصرار رفعت وقالت لأنعام: خليه يشيلها وأنا هسندها معاه.
بالفعل أخذت هالة زينب من إنعام وأعطتها ل رفعت الذي حملها مبتسماً. وضع إبهامه بكف يدها فأطبقت عليه. ليقول: شوفتي يا تيتا زينب في إيدها شامة زي اللي في إيد رحمة أختي. أنا هتجوز زينب بس لما تكبر شوية. تبسمن له، لتمر أيام وشهور. كانت مهره على تواصل مع هالة، إلى أن فرقتهما الأيام لتعود الحياة وتجمع الأم وابنتها بالرضاعة. بالعودة للحاضر.
عادت مهره تشعر بقهر. ليس أقل من شعور نعمان المقهور يوم أن علم أنه كان لديه طفل من حبيبة عمره. علم أنه فقده ملاك صغير. ازداد الحقد بقلب نعمان وقال:
زمان كنت ضعيف يا مهره وهربت خوف على أمي وأختي. كنت جبان. النهارده أنا مش ضعيف ولا جبان. اطلبي الطلاق من هاشم يا مهره. لازم نبدأ نصلح أخطاء الماضي وأول خطأ هو جوازك من هاشم اللي لازم ينتهي. لازم يعود الحق لأصحابه وأول حق إنتي يا مهره. لازم ترجعي لمهره القديمة، المهره الآبية. بالطائرة. نظر رفعت للنائمة على المقعد المجاور له. تبسم وهو يتذكر قبل ساعات. فلاش باك.
دخل رفعت إلى غرفة زينب بعد أن سمحت له بالدخول. وجدها واقفة بالقرب من المرآه تصفف شعرها. تبسم قائلاً: صباح الخير. نظرت زينب لانعكاسه في المرآه قائلة بتهكم: صباح النور... غريبة أول مرة تخبط الباب قبل ما تدخل أوضتي! تبسم وهو يقترب من مكان وقوفها قائلاً:
مافيش زوج قبل ما يدخل أوضة مراته بيخبط عليها يا زوزي. وسبق وقولتلك دي كانت أوضتي القديمة، وأنا سايبك تنامي في أوضة خاصة بيكي لوحدك بمزاجي. لو عاوز أجي أنام هنا مش هتقدري تمنعيني. وكمان لو عاوز آخدك تنامي معايا في أوضتي برضو مش هتقدري تمنعيني. إنتي مراتي. ردت زينب: اتفق مرارتك. روح للبومة ريما وخدها لأوضتك براحتك. أنا خلاص قررت في أقرب وقت هسيب الشرقية كلها. مشوفتش فيها يوم عدل. رغم غيظ رفعت، لكن تبسم قائلاً بتحدي:
مين اللي هيسمحلك تسيبى الشرقية؟ ناسيه إنك مرات رفعت رضوان الزهار... اللي بكلمة منه ينقل المحافظ ذات نفسه. بلاش تحدي يا عزيزتي وجهزي نفسك قدامنا سفر طويل. ردت زينب بتهكم: عزيزتك! وماله، سبق وقولتلك مش هسافر معاك يبقى طريقك صحراوي وبلاش تأخر نفسك بسببى.
تبسم رفعت وهو ينظر لها وهي تنتهي من تصفيف شعرها. ثم قامت ببرمه ولفه كعكة محكمة وثبتتها بإحدى دبابيس الشعر. ثم توجهت للفراش وأخذت ذاك الوشاح وبدأت بلفه حول رأسها وتثبيته ببعض الدبابيس. ثم توجهت تجلس على أحد المقاعد ترتدي حذائها الرياضي. ثم نهضت واقفة وتوجهت نحو تلك الطاولة وأخذت هاتفها وضعته بحقيبة صغيرة. توجهت ناحية باب الغرفة. لكن حين مرت من جوار رفعت، تفاجئت بلف يده على خصرها أوقف سيرها. حاولت فك يده قائلة:
سيبني خليني أروح للوحدة وأنت كمان شوف طريقك. نظر لها بتحدي قائلاً: طريقنا واحد يا دكتورة، هتجيني سوهاج. تبسمت ساخرة تقول: سوهاج بلد المواويل، سوهاج برج الزغاليل. أبقى هاتلي معاك زغلولتين وانت جاي. اوعى إيدك. حاولت زينب إبعاد يد رفعت عن خصرها، لكن هو تمسك به وتبسم على قولها، وقال: خليكي فاكرة إني حاولت معاكي بالذوق، لكن إنتي اللي اضطرتيني لكده. لم تلحق الرد عليه حين شعرت برذاذ قريب من أنفها جعلها تغيب عن الوعي.
حملها رفعت بين يديه وخرج من الغرفة متوجهاً لأسفل ينادي إحدى الخادمات التي آتت له مسرعة. حين رأته يحمل زينب قالت بخضة: مالها الدكتورة هي تعبت تاني. رد رفعت: لأ الدكتورة بخير. عاوزك تطلعي أوضتها عشر دقايق تكوني نازلة بشنطة هدوم فيها كم غيار داخلي وخارجي لها ومتنسيش جهاز قياس السكر وكمان علبة حقن الانسولين.
تبسمت الخادمة وفعلت ما قاله لها وعادت إلى مكان وقوفه بالسيارة بحديقة السرايا وأعطته الحقيبة ليغادر رفعت ومعه زينب النائمة. حتى أنهما صعدوا للطائرة ومازالت هي غافية. باك. عاد رفعت من تذكرة يبتسم وهو يرى زينب تبدأ بالعودة لوعيها تدريجياً، إلى أن فاقت تشعر بألم طفيف في عنقها. وضعت يدها تدلكه. نظرت لجوارها وجدت رفعت قالت بتهجم: بخيت في وشي إيه يا همجي. تبسم رفعت يقول:
قولتلك اللي أنا عاوزه هو اللي هيتنفذ وأهو إنتي معايا في الطيارة هنروح سوهاج. ماذا قال.... طائرة! فزعت ونظرت إلى جوارها. شباك فعلاً. الطائرة في السماء تمر جوار السحاب. نهضت واقفة بفزع تقول بصوت عالٍ: نزّلني أنا عاوزة أنزل دلوقتي من الطيارة. أنا مش بحب ركوب الطيارات. بقولك نزّلني. فين طيار الطيارة دي هاتلي سواق الطيارة. أنا لازم أنزل دلوقتي. وقف رفعت يقول بذهول: زينب اهدى. طيارة إيه اللي تنزلي منها دلوقتي؟
مفكرة نفسك راكبة ميكروباص. نظرت زينب ل رفعت وقالت له: لازم أنزل دلوقتي هتخنق. قالت هذا وتركت مكانها وسارت بالطائرة تبحث عن الباب. إلى أن وجدته. وضعت يدها تحاول فتح باب الطائرة لكن لم يفتح. تضايقت تتحدث بتهجم وصوت عالٍ. بسببه أتى طيار الطائرة والمضيفات وبعض الركاب أيضاً. حاول رفعت التحدث معها بهدوء يطمئنها لكن لا فائدة. حتى طيار الطائرة هو الآخر حاول تهدئتها قائلاً:
اهدئي يا مدام إحنا خلاص قربنا كلها نص ساعة ونوصل لمطار سوهاج. ردت بإستهجان: لا نص ولا ربع. أنا عاوزة أنزل دلوقتي. افتحلي باب الطيارة. رد الطيار: حضرتك ده باب طيارة مش باب ميكروباص وهتنزلي إزاي من الطيارة هتنطي بالبراشوت. نظرت زينب له قائلة بسب: نفس كلمة الهمجي رفعت. إنت حقير وهمجي زيه وأكيد متفق معاه. بقولك نزلي من الطيارة لأصور لكم قتيل دلوقتي. ردت إحدى المضيفات:
ممكن تهدى يا مدام وتجى معايا تشربى عصير وهتهدى. متخافيش إحنا خلاص قربنا..... قاطعتها زينب قائلة: بقولكم حد يفتح باب الطيارة أنا هنزل دلوقتي يعني هنزل دلوقتي. رد الطيار: يا مدام إحنا في الجو إزاي عاوزاني أفتح باب الطيارة. حضرتك بكده بتعرضي الطيارة والركاب للخطر. ممكن تسمعي الكلام وترجعي لمكانك وحاولي تسترخي. ردت زينب:
بقولك افتح باب الطيارة لاديك حقنة هوا أخليك أنت تسترخي. أنا معرفش ركبت الطيارة دي إزاي أصلاً. أكيد الهمجي خدرني. كان رفعت يقف يحاول تهدئتها رغم شعوره بالكسوف. لكن زينب أعطته الحل لتلك الهيستريا التي بها بكلمة (خدرني) . إذن المخدر. من الجيد أنه مازال بجيب بنطاله. بالفعل أخرج المخدر واحتوى جسدها وقال: زينب. نظرت له. سريعاً قام برش رذاذ على وجهها. سرعان ما غابت عن الوعي وهي واقفة بين يديه.
سندها رفعت واعتذر من الطيار وتلك المضيفات وبعض الركاب الذين تبسموا وتنهدوا براحة. رد الطيار: لأ حضرتك خلاص مش مشكلة. قابلت حالات زي المدام قبل كده. تقدر ترجع بيها لأماكنكم لأن خلاص قربنا عالهبوط بمطار سوهاج. بالفعل حملها رفعت وعاد لأماكنهم بالطائرة وجلس جوارها، يعيد ما حدث قبل دقائق وهجومها على الطيار وإصرارها على النزول من الطائرة. تبسم تلك الشرسة تثير جنونه. بمنزل هاشم الزهار.
دخل وسيم إلى غرفة مهره. نظر لوجهها تبدو عليه الدموع وكما أن عيناها حمراوين منتفختان كذالك أنفها. شعر بغصة قوية في قلبه واقترب منها بتلهف ووضع يده فوق يدها قائلاً: ماما مهره مالك أيه اللي مزعلك قوي كده؟ نفضت مهره يده قائلة:
مزعلني حالك المايل وخيبتك لما تفكر تربط حياتك بواحدة من نوعية لمى بنت هشام الزهار. قولي سبب واحد يخليك ترمي نفسك في التهلكة معاها. مش خايف تعمل فيك زي أختها ما عملت مع رفعت قبل كده وسافرت لليونان وطلبت الطلاق وهي هناك. رد وسيم:
من فضلك يا ماما بلاش طريقتك دي في الكلام معايا. أنا مش عيل صغير ومش عارف مصلحته. دي مجرد خطوبة مش جواز، عشان تقولي كده. ولمى مش زي ريما. حتى لو زيها حضرتك شايفة ريما راجعت تاني لهنا ندمانة واكيد لمى مش هتعمل زي أختها وترجع تندم تاني على اللي ضيعته. نظرت مهره له قائلة: ريما ندمت بعد فوات الأوان وكفاية ربنا نجى رفعت منها وبعتله الدكتورة اللي تصون شرفه وكرامته وهيبته قدام الكل. صمم وسيم قائلاً:
مالوش لازمة طريقتك دي يا ماما وخلاص. لمى اتصلت على عمي هشام إنه ييجي لهنا علشان الخطوبة، ومقدرش أخلف وعدي ليها. أنا لازم أروح للاسطبل دلوقتي، مواعيد علاج الخيل المريضة. قال وسيم هذا وفر هارباً من أمام مهره التي قالت بتوعد: على جثتي لو الجوازة دي تمت. مفيش غير رفعت هو اللي يقدر يوقف المهزلة دي. ياريت ميطولش في سوهاج ويرجع قبل النكسة دي ما تحصل. بسوهاج. بأحد فنادق سوهاج الفاخرة. بإحدى الغرف.
وضع رفعت زينب على الفراش. تنهد بارتياح وهو ينظر لها. لثواني أعاد ما فعلته بالطائرة وتلك الهيستريا التي انتابتها. ضحكت لك الشرسه التي تناطحه هو وغيره. بلحظة كانت تشعر بالرهبة. هو ظن أنها لا تخشى من أي شيء. مخطئ، فلكل إنسان مهما كانت قوته نقطة ضعف. تلك الشرسه لديها رهاب الطائرات. في ذلك الأثناء صدح هاتف رفعت. نهض بعيد قليلاً وقام بالرد على من يهاتفه، وتحدث معه بترحيب، وانهى قوله: تمام ربع ساعة ونتقابل في مطعم الأوتيل.
أغلق رفعت الهاتف وعاد يقف أمام الفراش ينظر لتلك النائمة. فكر عقله لو خرج وتركها بالغرفة وفاقت وجدت نفسها وحدها بالغرفة ماذا ستفعل. ليس عليه التفكير كثيراً. هناك طريقة واحدة لضمان بقائها نائمة إلى أن يعود. أخرج ذاك المخدر من جيبه ونظر له بابتسام قائلاً: معلش يا زوزي مجبور علشان أضمن أرجع من غير ما ألاقي الأمن واقف في الأوضة بيتهزأني.
قال هذا وقام برش المخدر على وجهها. خرج من الغرفة متوجهاً لمطعم الفندق للقاء ذلك الشخص. بالاسكندرية. رغم أن الشمس للتو غابت ومازال هناك ضوء بسيط. لكن ذاك المكان مظلم بسواد كسواد قلب ذاك النائم بالغرفة. والذي نهض يشهر سلاحه بوجه من دخل للغرفة. لكن سرعان ما أضاء نور الغرفة يرى من وقال: إنت؟! رد الآخر:
أيوا أنا يا هاشم، أنا هشام أخوك. قولي سبب إصابتك برصاصة في كتفك. مصدق إني صدقت إن طلع عليك شوية بلطجية في الطريق وانت جاي لاسكندرية وكمان اتأكدت بسبب السلاح اللي معاك ده؟ يعني ببساطة لو كان طلع عليك بلطجية ومعاك السلاح ده كنت عرفت تتعامل معاهم. قولي الحقيقة. رد هاشم بتأكيد: زي ما قولتلَك، هما شوية قطاع طرق. وبعدين إنت هتحقق معايا؟ أنا غلطان إني جيت هنا. أنا هقوم ألبس وأرجع الزهار تاني. غلطان إني كنت جاي أطمن عليك.
ضحك هشام بسخرية: إنت كنت جاي تطمن عليا، كذبة ظريفة دي. عالعموم إنت حر. أنا كنت جاي أقولك إن لمى من شوية اتصلت عليا وخلاص هي ووسيم هيعملوا حفلة خطوبة عالضيق كده بعد خمس أيام هناك في الزهار. ضحك هاشم ساخراً: بنتك طلعت ذكية وعرفت توقع وسيم مش زي الغبية التانية اللي بدل ما كانت تضمن رفعت وتسيطر عليه، ضيعته من إيدها بسبب نزواتها وحبها لعيشة الحرية. لأ وراجعة بعد ما اتجوز. رد هشام: تفتكر في واحدة تقدر تسيطر على رفعت؟
معتقدش. بطل كلامه ده وسيب بناتي في حالهم. كفاية اللي حصل زمان من رضوان لما فكر يساوم جاكلين إنها تتطلق مني وتتجوزه في مقابل إنه يجيب لها الجنسية المصرية. حتى لو كان ده صحيح مكنش لازم أطاوعك وأشارككم في اللي حصل. أنا بندم في اليوم ألف مرة. في النهاية خدت إيه غير الندم على مشاركتي في جريمة. أملاك رضوان فضلت باسم ولاده اللي رجعوا وزودوا كل الأملاك الضعف. كنت شيطان ودخلت لي في لحظة ضعف. من ناحية كنت بنتقم ومن ناحية تانية طمع. وفي الآخر أنا اللي خسرت كل شيء. وبعدها بفترة قصيرة جاكلين طلبت الطلاق ورجعت لليونان.
سخر هاشم بتهكم قائلاً: يظهر نوع الويسكي اللي بتشربه اليومين دول مغشوش. ولا نسيت أنا ما جبرتكش على حاجة انت اللي طمعك عمى. رد هشام: طب أنا كان الانتقام والطمع في أموال رضوان كانوا عاميني وقتها. إنت كان إيه السبب عندك؟
أقولك السبب كان الغل. طول عمرك كنت بتغل من رضوان. كنت عاوز تبقى مش بس الأقوى لأ وكمان الأفضل. بس رضوان كان صاحب شخصية قوية على كل اللي قدامه. وده كان سبب إن تدخل شريك تالت معانا في تحالف الشياطين. شريكك التالت اللي كان خايف من سطوة رضوان اللي كان بسهولة ممكن ياخد من تحت إيده مكانته السابقة أو حتى الحالية. نهض هاشم قائلاً: إحنا التلاتة بالماضي كان لينا أسباب في كره رضوان. قاطعه هشام قائلاً:
بس أنا الوحيد اللي طلعت خسران. بلاش تخليني أفتح في الماضي اللي بحاول أنساه. سواء كان بالشرب أو حتى الرهانات اللي بدخل فيها. أنا خارج ومش هرجع غير متأخر. عندك الشغالة أما تعوز حاجة اطلبها منها.
غادر هشام وترك هاشم يشعر بالحقد الذي يزداد في قلبه. فتح هاتفه النقال، نظر لتلك الرسالة المبعوثة له. هي من جاكلين التي تهاجمه في الرسالة. ولما قام بالاتصال عليها سابقاً اليوم، ربما يكون هاتفه مراقب. كانت رسالتها مختصرة تخبره فيها أن المخطئ في إفساد تلك العملية الضخمة سيعاقب بما يليق بها. فالكمية لم تكن هينة وانه ربما يوجد خائن في المنتصف.
رجف قلب هاشم للحظات قبل أن يعود ويتحكم الجحود والوعيد بقلبه وعقله. الذي يعيد تذكر تلك العينان الذي رآها على مقربة منه تصوب النار عليه. رفعت كذب أنه ترك عمله بالشرطة البحرية. كان بإمكان أحدهم النيل من الآخر وقتله. لن يتوه عن عين رفعت الذي رآها من خلف ذاك القناع الذي كان على وجهه. تلاقت نظرة عيناه مع رفعت الذي سيندم كثيراً أنه لم يستغل الفرصة ويقتله. الآن تضاعف الحساب. رفعت سيدفع الثمن. ليس فقط بسبب تلك الرصاصة. هناك الطبيبة التي خطفها من أمامه. وأخيراً إفساد تلك العملية التي قد تودي بحياته. رفعت هو من بدأ العداء.
توعد هاشم لن ينتهي قبل أن ينهي حياة رفعت ولو كان آخر شيء يفعله بحياته. بسوهاج. بدأت زينب تستعيد وعيها. رويداً رويداً تشعر بخمول. لكن قاومته واستيقظت. فتحت عيناها. هي نائمة على فراش. جالت عيناها بالمكان. وجدت نفسها بغرفة تبدو وثيره بديكور مميز. تنهدت قائلة: تلاقي الحقير الهمجي هو الطيار اللي زيه رموني من الطيارة. يلا أحسن. أكيد أنا دلوقتي في الجنة وهارتاح من وش الهمجي لأنه مستحيل يدخل الجنة.
ضحك رفعت الذي دخل إلى الغرفة قائلاً: للأسف إحنا سوا في سوهاج يا عزيزتي. رفعت زينب رأسها عن الوسادة ونظرت له قائلة: إيه عزيزتي اللي طالع لي فيها دي كمان. إزاي وصلت لهنا، أنا مش فاكرة غير إني كنت واقفة وراء باب الطيارة. تبسم رفعت ووضع يده بجيبه وأخرج ذاك البخاخ قائلاً: البركة في ده، له مفعول سريع جداً. نظرت زينب ليد رفعت قائلة:
منوم طبعاً، يعني جبتني لهنا بالغصب. بس تصدق كويس أهو آخد جولة هنا يمكن يعجبني المكان هنا. أطلب نقلي من الشرقية لسوهاج. نظر رفعت لها بغيظ لكن كبتهُ قائلاً: أنا من شوية طلبت عشا. إنتي طول اليوم تقريباً ما أكلتيش لازم تاكلي ليجيلك هبوط وكمان جبت لكِ ده. قال رفعت هذا وأعطى لها ما بيده. أخذته قائلة: إيه اللي في الكيس الأسود ده. رد رفعت: افتحيه وشوفي فيه إيه. فتحت الكيس وجدت كيس آخر بالفطرة علمت ما به. نظرت ل رفعت قائلة:
ده بونبوني. جلس رفعت على الفراش قائلاً: قلت لما هتصحي أكيد من الغيظ هينخفض السكر. جبت لك حاجة حلوة تعدل مزاجك. نظرت زينب له بغيظ وفتحت الكيس وأخذت واحدة وضعتها بفمها قائلة: بس ده نوع بونبوني مميز وكمان بنكهات مختلفة. أهو اللي يجي منك أحسن منك. تبسم رفعت ومد يده كي يأخذ واحدة من البونبون، لكن أغلقت زينب الكيس. تبسم قائلاً:
دا أنا اللي جايبه على العموم مش عاوز. أنا هقوم آخد شاور على العشا ما يجي، وكمان حاسس هدومي ريحتها بنج. طبعاً إنتي بالنسبة لك البنج زي البرفان. نظرت له ثم وضعت إحدى البونبونيات بفمها تمضغها باستمتاع دون الرد عليه. ضحك ونهض ذاهباً للحمام، لكن توقف للحظة يقول: آه بلاش تكثري في أكل الحلو عشان ما يسد نفسك عن العشا ولا يجيلك كريزة سكر مرة تانية.
لم تنظر له زينب ووضعت قطعة أخرى بفمها دون الرد عليه. هي تعلم أنه يستفزها بالقول. بينما تبسم رفعت وقال بخبث وهو ينظر لها بوقاحة: آه نسيت أقولك ابقي البسي بقية هدومك قبل ما تفتحي الباب للروم سيرفيس. مش معقول هتفتحي لهم بهدومك الداخلية. قال هذا ودخل إلى الحمام مباشرةً يضحك قبل أن يسمعها تسبه. انتبهت زينب ونظرت لنفسها وجدت نفسها بملابسها الداخلية فقط. اغتاظت قائلة: همجي حقير.
ثم رمت غطاء الفراش بقوة من عليها ونهضت. وجدت بقية ملابسها موضوعة على أحد مقاعد الغرفة. ارتدتها سريعاً وهي تسب رفعت. لكن قطع وصلة السَب، طرق على باب الغرفة. وضعت وشاح رأسها عليها وذهبت تفتح الباب. دخل فرد من العاملين، ومعه طاولة طعام صغيرة. ثم وقف مبتسماً يقول: تأمرى بشيء تاني يا أفندم. ردت زينب: لأ شكراً. بس استنى لحظة.
نظرت زينب حولها بالغرفة. وجدت حافظة مال خاصة رفعت موضوعة على أحد الطاولات بجوار الفراش. فتحتها وأخذت منها بعض المال وأعطته للعامل مبتسمة. تبسم لها وشكرها وغادر. بينما وقعت حافظة المال من يد زينب على الأرض ووقع المحتوى الذي كان بها. انحنت تجمعه، لكن لفت نظرها تلك الصورة. الصورة كانت لها وهي تدخل إلى الوحدة الصحية لأول مرة. إذن لم تكن المرة الأولى الذي رآها فيها يوم أن كاد يدهسها بجواده. هو كان يعرف وقتها من تكون؟
تعجبت لكن سرعان ما وضعت الصورة بالحافضة مرة أخرى. هي وغيرها من المحتويات ثم وضعت الحافضة بمكانها على الطاولة مرة أخرى. في ذلك الحين خرج رفعت من الحمام بمئزر حمام، وبيده منشفة أخرى يجفف بها الماء من رأسه. تبسم حين وجد طاولة الطعام وقال: كويس إنهم جابوا العشا بسرعة. أنا جعان جداً على فطورى من الصبح، وهلكان كأني. لكن إنتي طبعاً صايمة من الصبح يا بختك مقضية اليوم كله نوم.
تبسمت له بسخافة وخلعت الوشاح عن رأسها، وجلست أمام طاولة الطعام وبدأت تأكل. تبسم رفعت وجلس هو الآخر يأكل معها. يحاول مشاغبتها وجذبها للحديث معه، لكن كانت تلتزم الصمت. إلى أن نهضت من أمام الطعام قائلة: شبعت هروح آخد شاور. طبعاً جبت لي معاك هدوم تانية، ولا تكون نسيت. تبسم رفعت يقول: لأ نسيت. ممكن تلبسي من هدومي عادي جداً. أنا أما نرجع من هنا مش هلبسها تاني. ردت عليه بغيظ قائلة:
ليه شايفني جربانة ولو لبست هدومك هسيب فيها العدوى، وأنا أساساً لو هفضل من غير هدوم مستحيل ألبس من هدومك، ذوقك مش بيعجبني أساساً. تبسم رفعت يقول: تمام يا ملكة الأناقة، وأنا مش هبقى مبسوط وأنا شايفك عريانة. سبق وقولت جسم بلاستيك. أغتاظت زينب منه وقامت بزغه في كتفه قائلة: بطل طريقتك الاستفزازية دي معايا أنا مغصبتش عليك تجيبني معاك هنا إنت تعتبر خطفتني أساساً و.... قاطعها رفعت قائلاً: في شنطة هدوم لكِ في الدولاب.
نظرت له بغيظ وذهبت إلى الدولاب وفتحته وأخرجت منه حقيبة صغيرة، أخرجت منها منامة وبعض الملابس الداخلية وذهبت إلى الحمام. ولم تغيب كثيراً، خرجت لم تجد طاولة الطعام بالغرفة، حتى رفعت لم يكن بالغرفة. لكن باب الشرفة مفتوح وتسمت صوته، ربما يتحدث مع أحد بالهاتف. صففت شعرها وتوجهت إلى الفراش ونامت عليه. بينما رفعت كان يتحدث بالشرفة قائلاً: خير يا محمود بتتصل عليا ليه؟ رد محمود:
بتصل أنبهك الراجل اللي في اليونان بيقول إن فابيو بنفسه نازل مصر الأسبوع ده، وأكيد إنت أول واحد في قائمة زيارته لمصر بسبب ريما اللي قاعدة عندك في السرايا. رد رفعت: يشرف حتى ياخد أمانته معاه. إنت عارف إن ريما خلاص مبقتش يهمني أمرها. هي اللي اختارت فابيو من البداية وسابتني وراحت لعنده. بتحب الراجل اللي يمشيها على هواها، بس وقعت في جحيم فابيو. بس غريبة أنا توقعت جاكلين هي اللي تنزل لمصر. رد محمود:
وأنا كمان كنت متوقع كده، بس الراجل اللي لينا هناك بيقول إن نزول فابيو هيحط هاشم في خط المواجهة. لو جاكلين اللي كانت نزلت هاشم كان هيلعب على نقطة ضعفها معاه، لكن فابيو معندوش نقطة ضعف، وعنده استعداد يقتل حتى أبوه زي ما عمل ابن القبطان قبل كده. نزول فابيو هيقلب الدنيا، وكمان هو عامل زي البركان ما كان ما بيروح لازم يحصل فوران وكوارث. رد رفعت:
فعلاً فابيو، ملقب بالبركان. وأكيد مش السبب الرئيسي وجود ريما في مصر. فابيو نقطة ضعفه الوحيدة هي ريما، وأنا مش ناوي أقف قصادها علشانها. إنت عارف إنها ما تهمنيش من الأساس. رد محمود: تمام أنا بس حبيت أعرفك بآخر الأخبار اللي وصلتني ونكون على تواصل. تبسم رفعت يقول: تمام.
أغلق رفعت الهاتف ونظر أمامه لمياه النيل اللامعة. تنهد وتنفس ذاك الهواء المنعش وتبسم وهو يتخيل عصبية زينب حين ينام لجوارها على الفراش. يعلم بالنهاية ستسمح له، لكن هو يعشق مشاكستها معه. بعد لحظات دخل إلى الغرفة وأغلق باب الشرفة وأطفأ نور الغرفة وظل ضوء خافت بالغرفة. خلع عنه ذاك المئزر وتسطح على الناحية الأخرى من الفراش. كانت لا تزال زينب مستيقظة. نهضت جالسة تقول له: إنت هتنام جنبي عالسرير. تحدث ببرود:
شايفة في سرير تاني في الأوضة أنام عليه. متخافيش مش هقرب منك ماليش مزاج. بقول تنامي أفضل لكِ. ردت زينب: مالكش مزاج لأيه وأيه تنامي أفضل ليكي. وإن منمتش هتعمل إيه؟ ليه محجزتش لينا أوضتين من البداية. تنهد رفعت قائلاً: أنا بعد اليوم الطويل المرهق ده محتاج أنام مش أتجادل معاكي في تفاهات، فانا هديكِ ضهري وهنام. تصبحين على خير. ردت زينب: يكون أفضل برضو. متصبحش على خير وتحلم بكوابيس تقومك من النوم مفزوع.
تبسم رفعت دون رد وهو يشعر باستلقاء زينب على الفراش. توقع أنها لن تنام لكن كعادتها مجرد أن تضع رأسها تنعس. استدار ينظر لوجهها مبتسماً وأقترب يستنشق أنفاسها بقبلة هادئة ليغوص بعدها في نوم هانئ. بسرايا الزهار. بجناح رامي. خرج رامي من الحمام، يرتدي شورت فقط. نظر لمروة التي تجلس على الفراش تتابع شيئاً على هاتفها، حتى أنها لم تنتبه لخروجه. صعد لجوارها على الفراش وقام بضم جسدها له. انخضت مروة. تحدث رامي:
إيه اللي في الموبايل سرحانة فيه كده لدرجة محسيتيش بيا لما جيت جنبك عالسرير؟ ردت مروة: سرحانة في خالو نعمان وعمتك مهره. أنا نفسي أعرف حكايتهم القديمة، وكنت هعرف بس تيتا إنعام قالت لي سيبهم لوحدهم وتعالى معايا. أنا لاحظت عمتك مهره كانت بتعيط وكمان خالي كانت عينيه مدمعة. نفسي أعرف سر الماضي اللي بينهم. رد رامي وهو يجذب مروة لصدره وينام على الفراش قائلاً:
وأنا كمان عاوز أعرف من باب الفضول حتى. لكن واضح إنه سر يخصهم لوحدهم. تبسمت مروة قائلة: فعلاً حتى لما سألت ماما اتهربت مني ومجاوبتنيش عليا. بس مقولتيليش عمتك مهره كانت عاوزة رفعت ليه، أكيد قالت لك. رد رامي: ده موضوع خاص ب وسيم. هيخطب لـ لمى توأم ريما وهي مش موافقة على كده. وكانت عاوزة رفعت يقنع وسيم ينهي الخطوبة دي قبل ما تتم. ردت مروة:
فعلاً عندها حق. أكيد لمى نفس نوعية ريما البومة بالظبط. شخصية مستفزة صعب تتعاشر معاها، وملهاش غير في التفاهات زي أختها اللي بتلقح عليا أنا وزينب. تبسم رامي يقول:
وده نفس رأيي أنا ورفعت. لمى مش اللي تنفع تشارك وسيم حياته. بس هو مصمم. أنا مستني رفعت يرجع وهحاول أنا ورفعت نقنعه يعدل عن الخطوبة دي. لمى مش من النوعية اللي تحترم فكرة إن الجواز حياة كاملة، مش مظاهر فارغة أو سرير بس زي نوعية لمى وريما. أنا عشت ريما ولمى لفترة في إسكندرية وقت ما كان رفعت متجوز ريما. مكنوش على اتفاق بسبب شغله في الشرطة والبحر. هي عاوزة زوج متفرغ لها، وفسح ومناسبات اجتماعية ومظاهر فارغة، زي الهدايا
الغالية اللي طبعاً قصادها لحظات رومانسية. أنا معرفش سبب قبوله بالجواز من ريما من البداية. متأكد إنه مكنش بيحبها. ومع ذلك اتجوزوا لفترة مش طويلة أقل من ست شهور وفجأة طلبت الطلاق ورفعت وافق بدون ندم. وبعدها ريما سافرت اليونان ولحقتها لمى، ومرجعوش غير من فترة صغيرة. لمى حاولت معايا قبل كده وقت ما كان رفعت متجوز من ريما، بس أنا وقفتها عند حدها وقولت لها إن قلبي مع غيرها. تعرفي ردها وقتها كان إيه؟
قالت لي عادي جداً في جوازات كتير قامت من غير حب واستمرت. وبدأت تزيد في وتيرة إغرائها ليا، بس فشلت في كده. أنا مش من النوع اللي بيجري وراء غرايزه وقولت لها تريح نفسها. أنا راسم فكرة تانية عن الجواز في دماغي. نظرت مروة ل رامي بسؤال قائلة: إيه فكرتك عن الجواز يا رامي؟ رد رامي:
فكرتي نفس اللي شوفته واتربيت عليه بين بابا وماما. زوجين متفاهمين ومتألفين بينهم مودة وحب. أنا مش عاوز جسم ست عشان أكمل بيه غريزة. أنا محتاج لست تشاركني كل دروب الحياة، سعادة وحزن وأمل وتفاؤل. مش ست أنا بالنسبة لها بنك يكلف على مظاهر فارغة قصاد شوية لحظات رومانسية. سهل آخدها من أي عاهرة ووفر على نفسي أني أنسبها لنفسي زوجة. نظرت مروة ل رامي بإعجاب قائلة: وأنا بالنسبة لك كنت الزوجة دي؟ نظر رامي لمروة قائلاً:
أنا بعترف إني وافقت رفعت لما قالي نرجع لهنا في البداية علشان أشوفك تاني. مكنش في بالي إني بحبك. كنت مفكر إنك مجرد صديقة الطفولة، لحد لما اتقابلنا صدفة. وقتها ملامحك كانت اتغيرت للأجمل بس عرفتك وناديت عليكي. ولما وقفتي قدامي وعملتي نفسك متعرفنيش حسيت بغربة في قلبي وقتها واتضايقت جداً. وبدأت أطاردك في السكك في البداية علشان بس أفكرك بيا. ولما قولتي لي ابعد عن طريقي وأخلي ذكريات الطفولة اللي بينا بنفس النقاء القديم. قولت تبقى لسه فاكراني. مع الوقت كنت بغرق قصاد رفضك المستميت. كان عشقك بيتغلغل في قلبي. مروة أنا معرفش إمتى عشقتك من وإحنا لسه أطفال ولا لما رجعت هنا وشفت عيني أجمل صبية.
تبسمت مروة قائلة: يعني أنا الوحيدة اللي سكنت قلبك. مفيش أي بنت أيام ما كنت في إسكندرية فكرت إنك تحبها، ولا حتى مشاعرك اتحركت ناحيتها. تبسم رامي قائلاً: أبقى كذاب لو قولتلك مفيش بنات دخلت حياتي وفكرت في وقتها إن ممكن يجمعني بها قصة حب. بس دايماً كان فيه لحظة فارقة مع كل قصة في نهايتها كانت بتيجي صورتك قدامي وبعمل مقارنة. بعدها كنت بحس إن الأفضل التراجع. نهاية القصة معروفة يومين تسالي وبعدها كل واحد هيكمل في طريق تاني.
ردت مروة: وأنا مش يمكن مع الوقت تكتشف...... لم تكمل مروة حديثها حين أكمل رامي حديث من نوع آخر بقبلاته العاشقة. ثم ترك شفتيها ينظر لعيونها قائلاً: سبق وقولت الوحش المسخ عشق الجميلة وكان في انتظارها علشان يقدر يسترد جزء من وسامته. بس هي غابت عنه كتير وكانت عاوزة تهرب منه وفكرت في الانتحار. ردت مروة بغصة:
هتصدقني يا رامي أنا مش فاكرة إزاي وقعت من على سطح البيت. كل اللي فاكرة إني كنت على السطح بتاع البيت بمشي قصاد القمر وبعدها مش فاكرة إيه اللي حصل كأن عقلي فصل. بعدها، بس أنا متأكدة إني..... بحبك يا مسخ ومن زمان يمكن من قبل إنت ما تفكر تحبني. حبيت رامي صديق الطفولة، إبن الزهار الصغير المتواضع اللي كان بيلعب مع بنت السايس اللي بيشتغل عنده في الأسطبل. تبسم رامي قائلاً: الكل قدام العشق بيتساوى يا مروة، وأنا عشقتك.
قال رامي هذا وأنهى قوله بقبلات شغوفة بالعشق تبادلها هو ومروة يعزفان ألحان سيمفونية عشق بليلة عشق هانئة. أشرقت شمس صباح يوم جديد بسوهاج. استيقظ رفعت من نومه المريح ليلة أمس. نظر لجاره على وجه تلك الشرسه صاحبة ملامح تمزج بين الملامح الرقيقة والشرسة. تعجب كيف مازالت نائمة بعد نومها لأوقات طويلة بالأمس، لكن تبدو هذه عادتها هي تنام سريعاً وبراحة.
اقترب منها ولف يديه حول جسدها. شعرت زينب بيدي رفعت فتحت عيناها وتبسمت ثم غفت عيناها مرة أخرى. تبسم رفعت همس بالقرب من أذن زينب: صباح الخير، يا زوزي. تنهدت زينب وفتحت عيناها قائلة: صباح النور.
تبسم رفعت وهو ينظر لشفتيها بعطش. ضم جسدها بين يديه والتقط شفتيها يقبلها بنهم يستقي من نداها. للعجب زينب لم تمانع هي الأخرى. ظلا يقبلانها لوقت ترك شفتيها ودفن رأسه بعنقها يقبله هو الآخر، يستنشق أنفاسه على عنقها، وهي ممتثلة له، بل مستمتعة بقبلاته الذي يوزعها على عنقها ومقدمة صدرها، حتى أنها لم تشعر بيده التي فتحت أزرار منامتها. شعرت بأنامله التي بدأت تسير، على جسدها. شتت بلماساته بين عقلها وقلبها. قلبها الخائن لعقلها الذي يعلم بمجرد أن تنتهي رغبته فيها، سيعود لوقاحته معها ويقول أنه لم يشعر بالاكتفاء وهو معها. لكن قلبها يريد أن يخرجه من تلك النيران الذي يسعى لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!