الفصل 24 | من 40 فصل

رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
24
كلمة
7,638
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

بأستطبل الخيل. تبسمت زينب لتلك الطفلة التي تمتطي الجواد الصغير. يمسك رفعت لجام الجواد ويسندها أيضاً. تبسم لها هو الآخر حين رآها. بينما الصغيرة تحدثت بطفولة: تعالى يا ماما شوفيني وبابا بيعلمني ركوب الخيل. تبسمت زينب واقتربت من مكان وقوفهم. وقفت بجوار رفعت ونظرت له مبتسمة تقول بإعجاب: بابي خيال ماهر. لف رفعت يده حول خصر زينب قائلاً: خيال ماهر بس للأسف معرفش يروض الشرسه. تبسمت له قائلة:

بس الشرسه للأسف وقعت في الهمجي، وبدل حياتها. تبسم رفعت وانحنى ليقبل وجنتها. تبسمت زينب. لتلك الصغيرة لكن سآم وجهها وشعرت بغصة وخوف حين قالت الصغيرة: ماما هو أنا ممكن أورث منك السكر. سمعوا صوت ضحكة تهكم من خلفهم. نظرت زينب إلى صاحب الضحكة. نظرة ازدادت ازدراء له عن قبل. حين سمعته يقول: أكيد هتورثيه، زي مامتك ما ورثتك من اللي سبقوها، بس الغريبة إزاي خلفتك، أكيد مش بنتها.

فتحت زينب عينيها فجأة ورفعت رأسها من فوق الوسادة التي كانت نائمة عليها. نظرت بجوارها لم تجد رفعت. تعجبت، لكن اهتدى عقلها، ربما كان بالحمام. لفت يديها تلملم خصلات شعرها خلف عنقها. ثم وضعت رأسها مرة أخرى على الوسادة. شردت في ذلك الحلم وتلك الفتاة. هل هي أمنية لها قد تنجبها يوماً؟ أم أنها وهم قد لا يتحقق، ويكون قول ذلك الطامع سميح هو ووالدته صحيح، حين قالا أنها قد تكون ورثت العُقم كما ورثت مرض السكرى من عمة والداتها.

عقلها يخبرها العُقم لا يورث، وبإمكانك التأكد وقطع الشك باليقين بإجراء طبي بسيط. لكن لا تعرف لماذا لديها هاجس الخوف أن يكون هذا صحيحاً وتكون غير قادرة على الإنجاب. شت عقلها، هي لم تفكر في ذلك سابقاً. لم ترسم حياتها هكذا. كانت ترتكز حياتها فقط على عملها كطبيبة لا أكثر. لم تكن تخطط للزواج بعد صدمتها سابقاً في سميح. بالتالي كانت فكرة الإنجاب مستبعدة لديها. ما تفسير هذا الحلم؟ ولما حلمت به الآن؟

أهو شوق أن يكون لديها طفلة؟ أم خوف أن تأتي بطفلة ترثها مرضها اللعين الذي تصاحبت عليه؟ فاقت من شرودها على صوت ذلك الطائر كما يطلقون عليه طائر الليل (الكروان) انتبهت رفعت لم يعد بعد. نظرت باتجاه باب الحمام. للغرابة يبدو غير مغلق جيداً. جذبت غطاء الفراش ولفته حول جسدها ونهضت من عليه. توجهت إلى الحمام وأضاءت النور. رفعت ليس بالحمام. إذن أين ذهب وتركها بعد أن نامت؟ جائها هاجس، أيكون ذهب إلى غرفة تلك الوقحة؟ ريما...

هتفت قائلة: أما ألبس هدومي وأشوفه فين لتكون الجرعة اللي حاطينها في الزبادي كانت زيادة عليها وماتت من الضعف. ارتدت منامتها مرة أخرى، لكن استغربت تلك الرسالة التي آتت لهاتفها الآن. تحدثت: كويس إني كنت حاطت فوني في جيب البيجامة بس مين اللي هيبعتلي رسالة دلوقتي. ليكون الواد مجد هو أوقات كده بيحب يتسخف عليا. أخرجت هاتفها ونظرت للشاشة. تعجبت الرسالة من.... رفعت! فتحت الرسالة، وقرأتها:

(أكيد استغربتي لما صحيتي، وملقتنيش جنبك عارف تفكيرك هتفكري إنّي روحت عند ريما اللي اتفقتي انتي ومروة عليها وحطيتوا لها ملين في الزبادي، بس بصراحة هي تستحق اللي عملتوه فيها، بس أنا مش في السرايا خالص، أطمني، أنا مش في الزهار خالص ولو ربنا سهل لي أمري احتمال أرجع آخر النهار، ادعي لي، ولا أقولك بلاش.... آه نسيت أقولك إني متكيفتش) ألقت زينب الهاتف على الفراش بقوة قائلة بغيظ:

همجي حقير وهيفضل همجي طول عمره يارب ما ترجع وأرتاح من وقاحتك، بس الحقير إزاي عرف إننا حطينا ملين في الزبادي، أكيد زارع كاميرات مراقبة في كل زوايا الحصن ده. قالت زينب هذا وتلفتت حولها قائلة: واكيد هنا في الأوضة كاميرات مراقبة، وقح ويعملها عادي. بدأت زينب تبحث بعينيها داخل الغرفة. وبالصدفة خبطت يدها بمقبض أحد أدراج طاولة جوار الفراش، وانفتح الدرج. رأت جزء من صورة بها رفعت. فتحت باقي الدرج لتنصدم بالصورة كاملة.

رفعت وتلك الوقحة ريما بقبلة حميمية. شعرت زينب بغيرة كبيرة كادت تقطع الصورة. لكن انتبهت قائلة: مالك يا زينب، حاسة بنار في جسمك كده ليه، هي كانت مراته، بس ليه محتفظ بالصورة هنا في أوضة ودرج جنب السرير، يمكن عشان لما توحشه يشوف الصورة دي تفكره بها، حيوان، حقير همجي، مستنية منه إيه، وبتفكري في إيه، لازم للقصه دي من نهاية قبل...... توقفت زينب، تفكر قبل.. إيه!

قبل ما تقعي في حبه، فوقي يا زينب، ملوش لازمة التجربة معروف نهايتها... الفشل. ..... ـــــــــــــــــــ.. بينما على الجهة الأخرى بأحد السفن في بحر الإسكندرية على عمق كبير بداخل المياه الإقليمية. تبسم رفعت وهو يغلق الهاتف نهائياً وقال: كويس إني مش قدامها كانت قتلتني بدم بارد. ضحك زميله الذي دخل عليه يقول: مين اللي كانت هتقتلك بدم بارد يا سيادة المقدم. تبسم رفعت وقال:

مفيش حاجة يا محمود خلينا في الأهم دلوقتي، خلاص وقت تسليم الأدوية خلاص السفينة اللي جاية من اليونان قربت على المكان اللي راسي فيه يخت هاشم والأوغاد اللي معاه. تبسم محمود قائلاً: فعلاً خلاص الإشارة جت إن السفينة خلاص على مشارف دخول المياه الإقليمية لينا، وأكيد زي كل مرة السفينة هتهدي السرعة لدقايق، تنزل الأدوية على يخت هاشم، وبعدها السفينة هتكمل خط سيرها للمينا، ألحق بقى ألبس الدرع الواقي وجهز نفسك.

تبسم رفعت وهو يضع ذلك الدرع الواقي على صدره ووضع حزام جلدي على صدره به سلاح وارتدى قبعة سوداء تخفي رأسه ووجهه بالكامل عدا عينيه. لكن أثناء وقوف رفعت وزميله، دخل عليهما أحد المعاونين لهم قائلاً: في لانش صغير بيقرب على السفينة هنا واضح إنه جاي من ناحية اليخت اللي واقف قريب من هنا. رد محمود: تمام إنت عارف لو سألوك هترد تقول إيه؟ رد المعاون لهم:

تمام يا أفندم عارف، هرد أقول، إننا صيادين وطالعين جولة صيد في البحر والجو ضلمة والبحر شبه هادي، ادعي لينا ربنا يرزقنا، بالخير الوفير. تبسم رفعت يقول: قول يا رب قدمنا الصيد الثمين، لو وقع الليلة دي أكبر خير. بالفعل ما هي إلا دقائق وكان الصيد يبدأ. هدأت سرعة السفينة العملاقة لدقائق، بمكان قريب من ذلك اليخت.

نزل رجال أقوياء البنية، وأخذوا قارب ليس بالصغير وساروا بجوار السفينة العملاقة بنفس سرعتها، وقاموا بإنزال بعض الصناديق على القارب الخاص بهم، إلى أن انتهوا، ثم عادوا باتجاه اليخت الذي عليه هاشم. بينما السفينة عادت لسرعتها مرة أخرى. وضع الرجال تلك الصناديق على اليخت، ثم صعدوا يعطون التمام لهاشم الذي تبسم بانتشاء وظفر. ولكن لم تدوم بسمته سوى دقائق.

خرج من تلك السفينة الأخرى، مجموعة من القوارب البحرية السريعة، وأضاءت ظلمة البحر قليلاً تحاوط يخت هاشم من جميع الجهات، وحدث تشابك ناري بين هؤلاء الأوغاد الذين على السفينة ومع الشرطة. كان عنصر المفاجأة قوي بالنسبة لهاشم، كما أن رجاله بدأوا بالسقوط الواحد تلو الآخر. الغلبة للشرطة، وطريق الهروب صعب لكن ليس مستحيل. والمستحيل بالنسبة لهاشم له هو القبض عليه أو حتى قتله. هناك طريق للفرار، حقاً صعباً لكن عليه المجازفة.

بالفعل ذهب إلى أسفل اليخت وفك رباط ذلك القارب الصغير للغاية، فهو قارب إنقاذ لشخص واحد. لكن في ذلك الوقت كانت صعدت بعض قوات الشرطة إلى اليخت، وبدأوا بتمشيط غرفه. لاحظ رفعت هروب هاشم. سار في اتجاهه، لكن كان هاشم كان الأسرع وانتهى من حل قارب النجاة وسار به في المياه لبضع أمتار قليلة. لكن كان رفعت على مقربة منه بضع أمتار. صوب رفعت سلاحه على هاشم ربما يقتنصه. بالفعل الرصاصة أصابت هاشم، لكن استطاع الذئب الهرب، هذه المرة.

بعد قليل على متن اليخت وقف القائد، ينظر لرفعت ومن معه قائلاً: للأسف هاشم هرب منا، بس الحمد لله رغم كده، كفاية إن الصناديق دي وقعت تحت إيدينا كان هيفسد بها عقول وأجسام المصريين. تبسم رفعت يقول:

إن كان هاشم قدر يهرب منا فهو بخطر أقوى، الكمية اللي اتمسكت دي مش شوية، وأكيد التجار اللي كان بيورد لهم في مصر، مش هيسكتوا على فلوسهم، وكمان الإخوة بره مصر، تصفية العملية دي مش سهلة، هاشم كان الأفضل له يا اتقتل الليلة أو سلم نفسه للشرطة، يمكن كانت تقدر تحميه سواء من التجار، أو الموردين اللي بره مصر. تبسم القائد وهو ينظر لرفعت قائلاً:

فعلاً كلامك صحيح هاشم حط نفسه في النص بين الشياطين، على العموم مبروك يا شباب عملية ناجحة، انتظروا الترقيات. تبسم رفعت والضابط الآخر، لكن رفعت بداخله نشوة، بعد أن أصاب هاشم. هو يعلم أنه لم يقتله، لكن هو الآن ذئب جريح عليه أن يتوارى قليلاً حتى يلتئم جرحه. قتل هاشم لن يشفى غليل نيران رفعت. تبسم القائد واقترب من رفعت، ومد له يده بملف ورقي قائلاً:

دي بيانات الشخص اللي بيساعد هاشم في تدخيل الأدوية الفاسدة والمخدرة دي، للبلد وأعتقد الأمر ده لازم تعرفه، لأنه شخصية قريبة منك. أخذ رفعت الملف من القائد وقام بفتحه، ورأى صورة ذلك الشخص، وقال بذهول: مستحيل الشخص ده يكون هو اللي بيساعد هاشم وبيسهله أعماله المخالفة للقانون. رد القائد:

للأسف هو، ومش بس كده، كمان ساعده في إخفاء أثر لأكثر من جريمة ارتكبها هاشم في حق البنات الصغيرة اللي كان بيتجوزها، وبعد فترة بيساومهم، ويسفرهم لبره مصر يشتغلوا في الدعارة واللي ترفض مصيرها الموت وأعضاء جسمها تتقطع قطع غيار تتباع بمبالغ كبيرة، جزء كبير منها بيدخل لهاشم واكيد الشخص ده، كمان كان بينوبه نصيب قصاد تصاريح سفر البنات دي، سواء كان بجوازات سفر مضروبة أو حتى رسمية إنهم مسافرين للعلاج على نفقة الدولة لخارج مصر،

أو تكمل تعليمهم في جامعات أوروبية، هما في الأصل ببيعوهم نخاسة، غير البنت اللي لقيناها عايمة في دمها على اليخت من شوية، مش عارف ربنا هينجيها وتعيش وتكون طرف خيط، لما تقر على هاشم ولا هيكون الحظ معاه ولسه وقت على وقوعه، بعدين مالك مندهش قوي كده، من الشخص ده، في شغلنا سهل تنصدم في بعض البشر.

رد رفعت: لأن الشخص ده كان وزير سابق، ومش بس كده والده كان من أعز أصدقاء والدي حتى هو كمان كان قريب بصفة شخصية من والدي. رد القائد: هترجع الزهار تاني طبعاً. رد رفعت: أيوه يا أفندم هرجع النهارده. تبسم محمود قائلاً: النهاردة، طب خد نفسك شوية من العملية سفر رد فعل كده يهلك صحتك. تبسم القائد بينما قال رفعت:

لأ اطمن لسه شباب، وهنفضل على تواصل زي ما إحنا، أنا لو مش طلب القائد إني أشارك معاكم في المهمة دي حبيت أبين إني قد ثقته فيا، الحمد لله العملية تمت، بدون خسائر للشرطة ولا لرجال البحرية، مجرد إصابات مفيش فيها إصابات خطرة، لأي فرد أمني شارك في العملية. أنا فعلاً بفكر الفترة الجاية أنهي خدمتي بالبحرية نهائي، مش مؤقتاً وأعيش في الزهار، بين الخيول. تبسم القائد قائلاً:

إنت ضابط وقبطان بحرية كفء يا رفعت وفعلاً خسارة تنهي خدمتك للبحرية، بس الحياة فيها خيارات وأولويات، وكمان قدر نافذ وإحنا اللي بنحدد أولوياتنا، بس بتمنى لك التوفيق في اختيارك، بس أجل موضوع إنك تسيب البحرية ده شوية، حتى بعد ما نشوف موضوع هاشم الزهار ده هينتهي إزاي. تبسم رفعت بموافقة، بينما بداخله غليان يفور، ويقول لنفسه:

أنا كنت أقدر أصفّي هاشم الزهار الليلة بس موته مكنش هيطفي نيراني قبل ما أعرف الشخص التاني اللي كان بيساعده وخلاص، عرفت هو مين، ونهايتهم هما الاتنين على إيدي، بنفس اللي حصل لي في الماضي... حرق القلب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالعودة لغرفة رامي ومروة. نظرات الخجل في عين مروة لم تستطع النظر لعين رامي، تتتهرب بعينيها بعيداً عنه.

أخذ رامي نظرة من تهرب مروة بعينيها بعيداً عنه، فتبسم وقام بشدها على صدره ورفع وجهها ينظر لعيناها التي أغمضتها وقال: افتحي عينك يا مروة، ليه مكسوفة من المسخ. فتحت مروة عينيها تنظر لعين رامي، تشعر بتوهان عقلها. هي أصبحت زوجته قولاً وفعلاً. عقلها يسأل:

من ذلك الحنون الذي كان، هو الوحش الذي كنت أشعر بنفور منه، ليس بسبب تشوه جسده، بل خوفاً من حقيقة كنت أرسمها، أنني لست سوى نزوة بمجرد نيلها ستنتهي زهوتها، هل سيحدث، ذلك حقاً، مع الوقت وتزول الزهوة. لكن أعادها من شرودها، رامي حين نظر لعينيه وقال: مكنتش أعرف إني حلو كده، لدرجة إنك مركزة قوي في وشي. شعرت مروة بالخجل فأخفضت وجهها في صدره كالنعامة حين تخبئ وجهها وسط الرمال، وتعتقد أنها بذلك تختفي عن الأعين.

كذلك تشعر مروة الآن، كل الهواجس تجمعت لديها، لما جاوب رامي معها الليلة وأتم زواجهما، لما لم يفعل كما فعل في الأيام السابقة وابعد عنها حين اقترب أن يملكها، هو امتلكها فعلاً، ليس فقط جسداً بل روحاً وعشقاً. كم هو غريب العشق من شدة النفور، قمة الذوبان بمجرد قبلة، قبلة انتهت بامتلاك. ولكن لما انتهت القبلة هي عطشى مازالت تريد أكثر وأكثر لم ترتوي بعد.

يقولون الصمت في حرم الجمال، جمالاً، حقاً جمالاً وكمالاً أيضاً، هذا ما يشعر به الاثنان، فقط صوت دقات القلوب القريبة من بعضها لا يفصلها سوى جلد وبعض ضلوع الجسد. قطعت مروة الصمت وقالت: سامعة؟ تعجب رامي قائلاً: سامعة إيه!؟ رفعت مروة رأسها من على صدر رامي قائلة: صوت الكروان في السما، تعرف بيقولوا عليه صوت الليل الحزين، مع إني كنت بتونس بصوته، هو و...... نظر رامي لها يقول بسؤال: هو وإيه التاني، اللي كنتي بتتونسي بصوته.

صمتت مروة تكز بأسنانها على شفتيها بتفكير. تبسم رامي وقال بمكر: يمكن الصوت التاني كان مزعج. نظرت له مروة تقول بدلال: هو مكنش مزعج قوي، بس كنت أنا وأخواتي بنصحى على صهيله كل يوم قبل الفجر أو بعده بشوية، حسب وقت صاحب الحصان. تبسم رامي يقول: طب الحصان مكنش بيصعب عليكي في الشتا، وتقولي الدنيا برد عليه أنده له أعمل له أي حاجة دافية يشربها تدفيه. تبسمت مروة بدلال:

وهو كان إيه بيجبره يطلع من بيته في الشتا يجي يقف تحت شباك بيتنا. نظر رامي لمروة بعشق: مش عارفة إيه اللي كان بيجبره! ده اللي كان بيجبره، شوقه إنه يحس إنك قريبة مني، مفيش بينا غير حيط هو اللي فاصل بينا، كنت أوقات كتير، ببقى نفسي أهد الحيط دي وأدخل عشان أشوفك. تبسمت مروة وهي تنظر ليد رامي الذي وضعها فوق قلبه. قالت بمفاجأة:

إنت حبيبتني إمتى يا رامي، لما رجعت للبلد واتقابلنا عند السكة، أنا استغربت وقتها إنك لسه فاكرني بعد أكتر من سبع سنين. تبسم رامي: مروة أنا عمري ما نسيتك ورجعت لهنا بس عشانك، صدقني لو مش إنتي هنا عمري ما كنت فكرت ولا طاوعت رفعت لما قالي إننا هنرجع للزهار من تاني، بس بصراحة كنت قبلها خلاص قررت أرجع لهنا، عشان خاطر الجميلة. تبسمت مروة، ثم رفعت وجهها تنظر لعينيه، قالت بحياء:

والجميلة كان قدرها عشق الوحش اللي كان جواها أمل إنه يرجع في يوم ويدور عليها، رامي الجميلة كان قدرها الوحش. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بغرفة الجدة إنعام صباحاً تبسمت زينب وهي تفتح باب الغرفة بمواربة قائلة: تيتا إنعام الحلوة صاحية ولا لسه بتاكل رز مع أصحابها الملائكة. تبسمت إنعام قائلة:

لأ سبت أصحابي الملائكة ياكلوا هما رز وصحيت ومحاسن جابتلي فطوري، اللي مفيش فيه رز أنا مش باكل رز ولا نشويات كتير محافظة أهو زي ما بتقوليلي. تعالي يا زوزي ياقلبي، أنا بتفرج على صور الألبوم تعالي أفرجك على الصور. ده ألبوم تاني غير اللي شوفتيه قبل كده. الألبوم ده كان عندي في شقة إسكندرية متحرقش هنا في الحريق. تبسمت زينب ودخلت إلى الغرفة. جلست جوار إنعام على الفراش.

بدأت إنعام في تقليب الصفحات وحكاية مناسبة كل صورة إلى أن وصلت إلى صورة فتاة صغيرة. طوت إنعام الصفحة، لكن أعادت زينب الصفحة، وقالت بسؤال: مين البنت الصغيرة دي يا تيتا؟ ردت إنعام بغصة قائلة: دي رحمة... رحمة بنت بنتي، أخت الهمجي رفعت والمسخ رامي، بس هي كانت رقيقة زي اسمها. أنا كنت محتفظة لها بصور كتير وهي صغيرة في الألبوم ده في صور تانية لها. قلبت إنعام صور الألبوم إلى أن وصلت إلى صورة توقفت عندها قائلة:

رحمة كانت بتحب ركوب الخيل ورفعت كان بيعلمها، شوفي الصورة دي كان راكب وراها الفرس. نظرت زينب للصورة، للحظات أتى طيف ذلك الحلم برأسها كأنه تحقق أمامها، بنفس ما رأته في الحلم، لكن هنا رفعت يبدو صبياً، والفتاة أكبر قليلاً، لكن للعجب الأكثر إنها نفس الفتاة التي رأتها بحلمها. فاقت من التفكير في الحلم حين بدأت إنعام تقلب الصور، بدموع بها فرحة وحزن في نفس الوقت تتذكر الذكريات القليلة.

أغلقت إنعام الألبوم بدمعة عين لاحظتها زينب، فقالت بمزح: كده يا تيتا العيون الحلوة دي تدمع. بسمة ممغوصة قالت إنعام: العيون دي شبعت دموع يا زوزي، لسه فاكرة الماضي، كأنه قدام عيني، لما رفعت ورامي الاتنين جول لي إسكندرية بعد الحريق، مكنتش مصدقة، إن بنتي وبنتها خلاص راحوا وبقوا رماد بين الرماد. تعجبت زينب من قول إنعام، كيف هي مازالت تتذكر الماضي، هل هي مريضة فعلاً بمرض التوهان أم تتوه بخاطرها. لكن وضعت

يديها حول كتف إنعام وقالت: إيه اللي السبب في حريق السرايا يا تيتا؟ ردت إنعام: معرفش السبب، بس رفعت قالي إن الحريق كان مقصود وبفعل فاعل مكنش زي ما اتقال وقتها صدفة، اتنين من العمال كانوا بيشربوا سجاير ورموا أعقاب السجاير ولعت في القش والاستبل وقتها وكمان النار طالت السرايا نفسها. هو قالي إن في التحقيقات اتذكر إن في مادة سريعة الاشتعال هي السبب وبتسبب اختناق، بيقول باين اسمها غاز الهيدرو...

الهيدرو..، مش فاكرة بقية الكلمة. ردت زينب: قصدك (غاز الهيدروجين) قالت إنعام: أيوه هو ده وكمان كان معاه مادة تانية مش فاكرة اسمها اللي شاف الحريقة وقتها كانوا بيقولوا كل ما يحاولوا يطفوا النار بالميه كانت بتولع أكتر. مفيش نجا من الحريق غير رامي ورفعت، لكن بنتي ورضوان ورحمة التلاتة راحوا في الحريق، يا ريتني كنت وياهم وروحت معاهم وقتها، بس أنا لسه ليا عمر، أنا رجعت إسكندرية يوم الحريق الصبح. ضمت زينب

إنعام وجففت دموعها قائلة: بعيد الشر عنك يا تيتا، وبعدين ربنا أكيد كان له هدف، إنه تكملي تربية رامي، ورفعت. حاولت زينب التخفيف من دموع إنعام قائلة بمزح: مع إني شايفة يا تيتا إنك فشلتي في تربية الاتنين معندهمش ريحة التربية أو على الأقل الهمجي رفعت، ده ناقص تربية جداً. تبسمت إنعام وقالت:

في إيدك تربية يا زوزي، اطردي البت البومة الفضية ريما من السرايا، واستفردي برفعت وأدبيه من أول وجديد وخليه يشيل فكرة الانتقام من دماغه، رفعت رجع لهنا عشان هدف واحد أنا عارفاه.... هو الانتقام.. هو عارف مين اللي كانوا السبب في الحريق، وراجع ينبش وراهم، وأولهم.... هاشم الزهار نفسه... رفعت شاف جمرة نار بتحرق اللي بيحبهم الجمرة لسه والعة في قلبه... أنا خايفة عليه من النار اللي في قلبه تحرقه هو كمان.

رفعت مش هيرجعه عن فكرة الانتقام اللي في دماغه، غير شئ واحد. تعجبت زينب قائلة: علشان كده بحس دايماً، رفعت بيكره هاشم الزهار، بس إيه الشئ الوحيد اللي هيرجع رفعت عن الانتقام اللي في دماغه؟ نظرت إنعام لزينب وقالت باختصار: عشقك.... يا زينب. قالت إنعام هذا ونظرت لزينب المذهولة من قولها فأكملت قولها:

إنتي ورفعت موعودين لبعض من زمان، من يوم ما شافك عندي في إسكندرية وشالك بين إيده وقال "شجرتي الطيبة" إنتي مكنتيش واعية عالدنيا بنت شهر تقريباً وهو كان صغير بتاع ست سنين، يمكن هو نسي، بس لا أنا ولا القدر نسينا....... الوعد المحتوم. ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمنزل هاشم الزهار مساءً على طاولة العشاء. جلس وسيم بعد أن ألقى التحية على مهره الجالسة. تبسمت مهره له، وقالت:

كنت فين طول اليوم مشوفتكش حتى الصبح مصبحتش عليا زي عادتك. رد وسيم: كنت في استطبل الخيل قبل ما أروح الجامعة، وحتى لما رجعت من الجامعة كنت في الاستطبل، في كم حصان ومهره مش بصحتهم بحاول أعالجهم. ردت مهره: تمام يا حبيبي، ربنا يجيب تعبك بفائدة مع الخيل. تبسم وسيم بصمت. بينما تحدثت لمى وهي تنظر لوسيم قائلة: مش هتقول لـ عمتو مهره على الاتفاق اللي بينا؟ نظر وسيم لـ لمى ثم نظر لـ مهره التي قالت باستفسار: اتفاق إيه اللي بينكم؟

رغم تردد وسيم، لكن حسم أمره حين قالت لمى: اتفاق هيفرحك قوي يا عمتو...... قاطعتها مهره كأنها كانت تشعر بما سيقول وتود أن تخلف قوله شعورها هذا وقالت: عاوزة أعرف من وسيم نفسه إيه الاتفاق اللي بينكم ده؟ ما زال وسيم متردداً لكن تواقحت لمى ومدت يدها ووضعتها فوق يد وسيم على الطاولة، مما جعل وسيم يشعر بالنفور وسحب يده من أسفل يدها ونظر لمهره قائلاً بحسم: أنا ولمى قررنا نرتبط ببعض.

رغم فهم مهره لقول وسيم لكن بعقلها الباطن لا تريد ذلك وتريد تكذيب وسيم نفسه، قالت: يعني إيه ترتبط انت ولمى ببعض؟ ردت لمى: مش فاهمة يعني إيه نرتبط أنا ووسيم، يعني قررنا نتجوز. تحدث وسيم بحزم: سبق وقلت خطوبة، الجواز مش قبل ست شهور على الأقل، إلا لو حصل في الأمور أمر تاني؟ ردت مهره باستفسار: مش فاهمة هو جواز ولا خطوبة، وإيه هو الأمر التاني ده. رسمت لمى الخجل، بينما قال وسيم:

مفيش مش قصدي حاجة، ذلة لسان مش أكتر، دلوقتي أنا ولمى قررنا نعلن خطوبتنا وأنا اتصلت على عمي هشام وهو هييجي لهنا آخر الأسبوع الجاي، هنعمل حفلة خطوبة على الضيق كده. نظرت مهره لعين وسيم، أيقنت هناك ما يخفيه عنها، ليس طبيعياً، ماذا حدث فجأة لعقله ويقول إنه يريد الارتباط بـ لمى، وهو واضح جداً أمامها أنه لا يريدها، هناك شيء مخفي عنها. حسمت مهره قولها وقالت لـ وسيم:

أنا مش موافقة على الارتباط ده وشايفة إنكم بتسرعوا بدون أي سبب. نظر وسيم لعين مهره ولكن سرعان ما أخفض وجهه خوف أن تقرأ عيناه وتعلم أنه يفعل ذلك بضغط ليس من لمى، بل من قلبه، يريد إيقاف توغل أخرى إلى قلبه. نهض وسيم قائلاً: أنا مش جعان قوي، هطلع آخد شاور وعندي كم بحث للطلبة عندي هقرأهم وبعدها هنام، تصبحوا على خير. غادر وسيم وترك، لمى ومهره التي قالت لها: إيه اللي حصل بينك وبين وسيم خلاه عاوز يرتبط بيكي بالسرعة دي.

نهضت لمى قائلة: اللي حصل إننا بنحب بعض، ليه حضرتك مش عاوزة تفهمي ده، أنا كمان عاملة دايت ومكنتش هتعشى، هطلع أكلم مامتي في اليونان وبعدها هنام، تصبحى على خير. لم ترد مهره عليها، وعقلها يخبرها هناك شيء حدث، هي لن تسمح لوسيم بتدمير حياته مع فتاة مثل لمى، ليس لديها أخلاق، هي متأكدة أنها مثل والداتها. توقف عقل مهره وتذكرت... جاكلين. لمى بنت جاكلين وأكيد واخدة من خصالها السيئة.

لن تسمح بحدوث هذا الارتباط حتى لو وقفت أمام وسيم نفسه وسردت له ما حدث من والداتها بالماضي، وفرق بين هشام ورضوان. رضوان... رفعت. عليها عرض الأمر على رفعت وطلب تدخله. هو وقع سابقاً ببراثن إحدى بنتي جاكلين، لكن القدر أنجاه منها وأرسل له زينب، تلك الملاك الشرسه. ستذهب له بالغد وتضعه بالصورة، وتطلب منه إثناء وسيم عن الارتباط بابنة جاكلين. ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قبل وقت قليل

بسرايا الزهار خرج رفعت من حمام غرفته يرتدي مئزر حمام قطني. سمع طرق على الباب. سمح له بالدخول. دخلت إحدى الخادمات قائلة: رفعت بيه العشاء جاهز على السفرة ورامي بيه ومراته وكمان مدام ريما في انتظارك. رد رفعت باستفسار: الدكتورة زينب رجعت من الوحدة ولا لسه؟ ردت الخادمة: لأ لسه مرجعتش. تحدث رفعت: تمام أنا نازل بعد دقائق. غادرت الخادمة، زفر رفعت أنفاسه بضيق. زينب لا تمتثل لأمره لها بالعودة باكراً من الوحدة.

تنهد رفعت بقلة حيلة ماذا يفعل معها. أينفذ ما قاله لها أنه قادر على منعها من الذهاب للعمل بالوحدة، لكن لا يريد صدام معها الآن. حسناً، سيحذرها للمرة الأخيرة وإن لم تمتثل لأمره سيكون له رد فعل آخر.

بعد دقائق نزل رفعت إلى غرفة السفرة، وجد رامي ومروة يجلسان يتهامسان، وهناك تلك الرقطاء ريما التي تجلس لولا مساحيق التجميل التي على وجهها لظهر الضعف والإجهاد بوضوح على وجهها لكنها تخفيه خلف مساحيق التجميل حتى لا تعطي فرصة لا لـ مروة ولا لـ زينب بالتشفي بها. تبسم وذهب يجلس مكانه على رأس الطاولة، لكن أتت إنعام من خلفه وقبل أن يجلس قالت له: متعقدش هنا ده مكاني أنا الكبيرة هنا وأنا اللي أقعد على راس السفرة.

تقبل رفعت ذلك ببسمة وذهب للجلوس على إحدى المقاعد، لكن قالت إنعام: تعالى يا رفعت أقعد على يميني، قومي يا بومة شوفي لكِ مكان تاني اقعدي فيه. أخفى رفعت ورامي ومروة بسمتهم بصعوبة، بينما تضايقت ريما وودت خنق تلك الشمطاء الخرفة، لكن تحكمت في غضبها أمامهم بتمثيل تقبل قول إنعام، وذهبت تجلس بينها وبين رفعت مقعد واحد خالى. بدأوا في تناول الطعام. في ذلك الوقت دخلت زينب للسرايا، قابلتها إحدى الخادمات بترحيب قائلة:

حمدلله على السلامة يا دكتورة، رفعت بيه والعيلة حتى الست إنعام معاهم في أوضة السفرة. تبسمت زينب قائلة: رفعت رجع، فكرته كان بيهزر، سافر فين ورجع بسرعة كده، تمام أنا هروح للسفرة. بعد لحظات دخلت زينب إلى غرفة السفرة، قائلة: مساء الخير. تبسمت أنعام بمودة وقالت: مسالخير على زوزي حبيبة قلبي. نظر رفعت لساعة يده قائلاً: الساعة تمانية ونص وأظن أنا قايل تكوني في السرايا من قبل المغرب، ليه كلامي مش بيتسمع. ردت زينب وهي تنظر

إلى تلك الوقحة ريما وقالت: عادي من امتى بسمع الكلام، وأهو بسيبك تاخد راحتك في غيابي، حتى مبقاش كاتمة على نفسك. تبسمت إنعام وقالت: اقعدي يا زوزي اتعشى ومتحطيش كلام الواد رفعت في دماغك، يلا اقعدي، محاسن عاملة ملوخية طعمها حلو قوي، أصلها عملها على مرقة بطة بلدي، وكمان في بط ووز على السفرة، بس أنا بسمع كلامك ومش هاكل منهم هاكل ورك الأرنب. تبسمت زينب قائلة: تسلمي يا تيتا بس أنا ڤيچتيرين. استغربت إنعام

الكلمة وحاولت نطقها قائلة: ڤير... فيچ... ڤ، ڤيرچين! يعني إيه إنتي ڤيرچن، يا زوزي. وضع رفعت المعلقة من يده وضحك قائلاً: زينب خلاص مبقتش ڤيرچن، واسأليها لو عندك شك فيا يا جدتي، زينب قصدها ڤيچتيرين، يعني نباتية ملهاش في آكل لحوم الحيوانات. اغتاظت زينب من وقاحة رفعت وقالت: بس ليا في آكل لحوم البشر وقبل ما آكل لحمهم بسلخه الأول.

قالت زينب هذا، وشدت مفرش السفرة، ومعه أطباق الطعام، لولا رجوع رفعت بمقعده للخلف خطوة لناله حظ وفير من باقي الطعام على جسده. نظرت إنعام للسفرة التي أصبحت خاوية من الأطباق وقالت لـ رفعت بتهجم: كده يا همجي، تزعل زوزي حبيبتي، بس تصدقي أحسن حاجة عملتيها يا زوزي إنك وقعتي الأكل ده من عالسفرة، الأكل طعمه ماسخ، حتى الملوخية محاسن عملها بمية غسيل المواعين غير مورقة مش مخروطة كويس ومسقطة كمان. نهضت إنعام واتجهت ناحية وقوف زينب

وضمتها تنظر لرفعت قائلة: عارف يا همجي، زوزي دي مولودة على إيدي وأنا اللي اخترت لها اسم (زينب) على اسم أمي الله يرحمها، وكمان إنت شفتها وهي صغيرة وكنت بتقول هتجوزها لما تكبر، بس تعرف هي خسارة فيك، إنت متستحقش غير البومة اللي قاعدة جنبك. أخذت إنعام زينب من يدها وغادرن غرفة السفرة. نهض رامي يجذب يد مروة وقال بضحك:

السفرة كلها اتقلبت أنا مكنتش جعان هطلع للجناح بتاعي، شكلك جاي من السفر هلكان، تصبح على خير، يلا بينا يا مروة. غادر رامي ومروة أيضاً. نهضت ريما قائلة بتهجم:

واحدة وقحة وقليلة الذوق وشكلها ضاحكة على عقل جدتك، المفروض كنت طردتها بعد عملتها دي، أنا ملاحظة إنها حاسة نفسها صاحبة أهمية أكتر من اللازم، بتتواقح عليك وإنت ساكت لها، رغم إني لاحظت كمان إنها بتنام في أوضة لوحدها بعيد عنك، واضح إنها بتتمنع عنك عشان تشتاق لها أكتر و...... لم تكمل ريما تهجمها على زينب حين قاطعها رفعت بحِدة قائلاً:

ريما مالكيش دعوة بشيء خاص بيني وبين زينب، ولازم تعرفي إن مكانتك هنا مش أكتر من ضيفة، إنما زينب مراتى وست السرايا دي وتأكدي لو قالت لي إنها مضايقة من وجودك هنا في السرايا أنا مش هتردد لحظة إني أطلب منك تسيبى السرايا، زينب مش بس مراتى، لأ كمان زي ما سبق وقولت لك.... زينب حبيبتي......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بغرفة زينب. ارتدت منامة برتقالية اللون بنصف كم، وتوجهت

تأخذ تلك الحقنة قائلة: الهمجي والحقيرة ريما أكيد كملوا عشاهم، بعد ما مشيت أنا وتيتا، الاتنين حارقين دمي ومعليين عندي السكر، يظهر عاوزين يجيبوا أجلي، لكن مش هيفضل ده كتير. في ذلك الأثناء دخل رفعت كعادته دون استئذان. نظرت له زينب وقبل أن تتحدث، رأى رفعت زينب تغرز بيدها سن تلك الإبرة، شعر بتألم وقال:

بقيت شايفك كذا مرة بتحقني نفسك بحقنة الأنسولين، ليه السكر عندك مش متظبط، أكيد من شغلك في الوحدة لفترات طويلة، اعملي حسابك بعد كده تكوني في السرايا قبل الشمس ما تغيب، بلاش تضطريني أحبسك هنا في السرايا، بالغصب وأنتي عارفة إني قد كلمتي، أنا يهمني صحتك قبل أي شيء. تهكمت زينب قائلة:

تهمك صحتي لأ كتر خيرك والله، بلاش الطريقة دي معايا أنت عارف إني مش هنفذ اللي بتقول عليه، وكمان غيابي طول الوقت بيديك فرصة يمكن تقدر تسترد حبك القديم لمراتك الأولى اللي راجعة مخصوص عشانك، أهو مبقاش عازول بينكم. اقترب رفعت من زينب وأمسك معصمها يقول بقوة: زينب أنا كل اللي بيني وبين ريما انتهى من وقت ما اتطلقنا يمكن كمان كان منتهي من قبل الطلاق، جوازي من ريما كان غلطة من البداية، وسبق وقولت كان تصحيحها هو الطلاق.

سخرت زينب قائلة: صادق، بأمارة الصورة الغرامية اللي محتفظ بيها في الكومودينو اللي جنب سريرك، رفعت لو كان غلطة في حياتك هي جوازك مني، خلينا..... لم تكمل زينب قولها، حين جذبها رفعت، وقطع حديثها بقبلاته المغلفة بعشقه. تفاجئت زينب من رد فعل رفعت، دفعته عنها بقوة، ليبتعد. بالفعل ابتعد عنها، ينظر لها ويتحدث هو يحاول تهدئة نفسه: اعملي حسابك إننا مسافرين سوهاج بكرة سوا. ردت زينب بلهث:

مش هسافر معاك، وهقدم على طلب نقلي من هنا في أسرع وقت و... رد رفعت بحسم: قلت هتسافري معايا سوهاج بكرة وجهزي نفسك للسفر، تصبحى على خير. غادر رفعت الغرفة يصفع الباب خلفه بقوة. جلست زينب على الفراش، تضع وجهها بين يديها. هي تكره تحكم رفعت بها، كذلك تشعر بالغيرة حين ترى تلك الوقحة بالقرب منه، ذلك الشعور يجعلها تريد الابتعاد عن هنا. لكن مهلاً،، ماذا عن الحديث التي قالته لها إنعام، بداخلها تناقض تريد الفرار وترك رفعت.

هناك شعور آخر تريد إخراج رفعت من ظلام يسحبه نحو هلاكه. هي رأت نظرات رفعت لهاشم الحارقة، كذلك نظرات هاشم لرفعت الشريرة، لم تكن سابقاً لديها لها تفسير لكن الآن فهمت تفسيرها. هل تبقى وتحاول أن تجعل رفعت ينسى ذلك الانتقام الذي قد يحرقُه. أي الاختيارين أصعب؟ الفرار.... أم البقاء المجازفة؟ لم تهرب سابقاً من أي شيء صعب في حياتها واجهت الأصعب بمرض كاد يوميتها يوماً تحدته وتصاحبت عليه. إذن هو... البقاء والمجازفة. ....

ــــــــــ دخل رفعت لغرفته وصفع خلفه باب الغرفة بقوة، يشعر بنيران حارقة تنتهك قلبه. لم يفرض نفسه يوماً على وجود أحد بحياته من يريد البقاء أو يريد الرحيل لم يفرق معه، لما يخشى رحيل زينب التي أصبحت تهدد به. لما لا تشعر بنيران قلبه المشعل، هي البلسم الوحيد القادر على تطيب حرق قلبه بالماضي، الذي يكوي أوردة قلبه التي جفت مع نيران الماضي.

ذهب وفتح ذلك الدرج، وأخرج تلك الصورة، لا يعرف سبب لما احتفظ بها، لما لم يحرقها سابقاً. لكن لفت نظره شيء آخر بالدرج. بحث عنه لم يجده. قال: فين الفلاشة، كانت هنا في الدرج جنب الصورة. .......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في اليوم التالي بعد الظهر بقليل بمظلة بحديقة الزهار جلست مروة ومهره تتحدثان بود بينهن. تبسمت مهره قائلة:

يعني رفعت خد زينب وسافروا سوهاج، طب أخدها معاه ليه طالما مسافر في شغل؟ ردت مروة: والله ما أعرف، يمكن بيفكر ياخد راحة كام يوم وهي معاه. تبسمت مهره قائلة: مع إني كنت جاية مخصوص له عشان يساعدني في موضوع مهم، بس يمكن رامي يساعدني فيه. تعجبت مروة وكانت ستسأل مهره عن ذالك الموضوع، لكن دخل نعمان عليهن المظلة يلقي السلام. ردت مروة عليه ونهضت تحتضنه مبتسمة ترحب به إلى أن جلس معهن تحت المظلة.

تحدث ثلاثتهم بود، رغم تحفظ مهره في الحديث، كانت تتلاقى العيون، تبوح بألم وندم. ندم! .... ندم! على ماذا على عمر ضاع بين متاهة ألم سُجن بالقلب لم يُشفى بمضي الوقت. خفقات تعلو وتهبط فقط مع النفس، لا أكثر، لكن بالحقيقة هذان القلبان سجينان يعيشان بدوامة ذكريات قليلة، ذكريات مهره النعمان التي احترقت سريعاً، أصبح الآن من الصعب أن تنفض الرماد وتزهر زهرة أخرى.

هكذا هو الحال عناق أعيُن تنظر لبعضها عين مهره ونعمان، الجالسان تحت مظلة بالحديقة، بصحبة مروة التي صدح صوت هاتفها، فنهضت قائلة: دي ليلى، الشبكة هنا مش مظبوطة هتمشي أكلمها وأرجع تاني أوعى تمشي يا خالي هنتغدى سوا، أنا وأنت وعمتي مهره ورامي كمان. تبسم نعمان وهو ينظر لمهره: لأ مش همشي، وقولي لليلى متعملش حسابي معاها عالغدا هتغدى هنا. تبسمت مروة وهي تتركهم وتغادر. حاولت مهره أن تبتعد بنظرها عن نعمان. لكن قال نعمان:

أنا عارف كل اللي حصل بعد ما مشيت من البلد يا مهره، وعارف سبب اللي خلاكي توافقي تتجوزي من هاشم، خوفك على فادية منه. نظرت مهره له بعيون دامعة، ودت أن ينهض ويأخذها بين يديه يحتضنها بقوة يمحو ألم تحملته لسنوات وسنوات، بعد أن ظنت أنها وجدت السعادة، اقتنصت منها. ما أقساها الحياة، حين تعطيه هدية وسرعان ما تأخذها منك، هدية من صلب من عشقتُه حد الألم ذاته، تحملته لأشهر وأشهر، لكن بالنهاية هو الآخر تركك عنوة.

ألم حمل وولادة وفقدان وجبر آخر كان مؤقتاً، لكن ربما وقتها طيب القلب مساعدة من احتاجت لحنان صدرها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...