عاد رفعت يُقبل شفاه زينب، ثم ترك شفاهاً يُوزع قُبلاته على عنقها، لكن في تلك اللحظة تحكم عقل زينب، لو سلمت له ككل مرة لن تخرجه من تلك النيران، وسيُهين أنوثتها لاحقاً، إذن لتوقفه من البداية. بالفعل فاقت من تلك السطوة ورفعت يديها تدفعهُ عنها قائلة: "رفعت إبعد عني." لكنه مسحور مفتون، مسك إحدى يديها ومازالت قُبلاته مستمرة. تحدثت زينب قائلة بحِدة: "رفعت إبعد عني فوق، خلاص إحنا هننفصل في أقرب وقت." همس رفعت بعقله:
"عمري ما هنفصل عنك يا زينب غير بموتي." بينما مازال يحاول إستمالتها بقُبلاته كالسابق، لكن شعر بالرفض منها وعدم الأستجابه، حتى من حديثها الجاف حين قالت: "رفعت كفاية خلاص، أنا مش طايقة لمساتك. إبعد عني، أنا بكره تحكمك فيا، كفاية مش قادرة أغصب على نفسي وأتحملك أكتر من كده، إن كنت غصبت على نفسي قبل كده وإتحملت غطرستك، خلاص كفاية مش هسمحلك تقول لي بعد شويه متكيفتش. أنا لا سيجارة ولا كاس في إيدك."
قالت هذا وقامت بدفعهُ بيديها بقوة. رفع رفعت وجهه ونظر لوجه زينب وتلاقت عيناهم، رأى بعين زينب تحدي له وقال: "يعني إيه؟ ردت زينب بتحدي: "يعني خلاص يا رفعت، زي ما قولت لك قبل كده قصتنا من البداية غلط، والطلاق هو تصحيح الغلط ده." ماذا سمع... لاول مرة تقول كلمة طلاق صريحة. سابقاً كانت تقول انفصال... ماذا تعني بكلمة الطلاق. تحدث قلبهُ: "اعترف لها يا رفعت إنك بتعشقها وأطفئ النار اللي جواك." بينما قال عقلهُ:
"اعقل يا رفعت وأرجع لرشدك، زينب بتسحبك نحو الميه... بس هي متعرفش إن الميه هتزيد من اشتعال نيرانك. من إمتى فرضت نفسك على ست قبل كده؟ كلهم كانوا بيتمنوا منك بس إشارة. حتى زينب نفسها سلمت لك قبل كده بسهولة، هي بتلعب بيك برفضها وكلامها عن الطلاق... بلاش تخلي قلبك يتحكم فيك. إنهي اللحظة انت مش هتطلب عطفها."
بالفعل امتثل رفعت لقرار عقلهُ، وتنحى عن زينب، لكن قبل أن يتنحى عنها، قبل جانب عنقها، ثم قبل كتفها وقام بعضها من كتفها عضة غيظ. تحدثت له بلذاعة: "حيوان وهمجي. آخر مرة هسمح لك تقرب فيها مني. أول حاجة هعملها أما نرجع للشرقية هسيب لك الحصن بتاعك وهرجع أعيش في الملحق بتاع الوحدة لحد ما يتم نقلي من الشرقية." نظر رفعت لها قائلاً: "أوهام يا عزيزتي. اللي بينا مالوش غير نهاية واحدة...
موتي بس مش قبل ما أشعل النار في اللي حرقوا قلبي. أنا عارف اللي جدتي قالتلك عليه... إني رجعت للزهار عشان أنتقم للماضي. لو مفكرة بحركاتك دي هتقدري تمنعيني تبقي غلطانة." نظرت له زينب قائلة: "حركات إيه اللي تقصدها؟ رد رفعت: "حركات تمنعك عني." سخرت منه زينب قائلة:
"فعلاً همجي وحيوان، مش بتفكر غير في غرايزك الدنيئة. أنا دكتورة يا رفعت، مهمتي أقدم للمرضى العلاج على قد ما أقدر، بس لو هو اللي كان عقله مريض ورافض العلاج وبيستسلم للموت مقدرش أنقذه من وهم سهل يقتله. طلاقنا بقى أمر حتمي يا رفعت وإنسى إنك تقدر تحبسني جوه أسوار حصنك العالية." نهض رفعت من على الفراش وتوجه للحمام قائلاً: "ياريت على ما أخرج من الحمام، تكوني طلبتي لينا فطور، لأني عندي ميعاد مهم بعد شويه."
قبل أن ترد زينب، دخل رفعت للحمام وأغلق خلفه الباب بعصبية، بينما زينب نهضت جالسة على الفراش، نظرت لكتفها ورأت آثار عضة رفعت، سبته، لكن ليست تلك العضة ما أغاظتها من رفعت. أغاظها حديثه عن قوله أنها تعتقد أنها قادرة على محو فكرة الانتقام من رأسه. لكن مهلاً.....
هو قال أنه علم أن جدته تحدثت لزينب عن سبب عودته للزهار، وسابقاً علم عن وضعها هي ومروة مُلين بطعام ريما. هذا بالتأكيد يعني أنه يضع كاميرات أو أجهزة تصنت بالسرايا. الاثنان أسوأ من بعض. عليها مواجهته الآن. بالفعل بعد قليل خرج رفعت من الحمام نصف عاري، رأى زينب مازالت جالسة على الفراش لكن هندمت ملابسها. تجاهلها وفتح الدولاب أخرج ملابس له، أعطى ظهرهُ لها وبدأ في ارتداء ملابسهُ، لكن توقفت يدهُ عن تزرير
أزرار قميصه حين قالت له: "انت زارع كاميرات ولا أجهزة تصنت بالسرايا؟ وأكيد الكاميرات ولا أجهزة التصنت دي في أوضة نومي وأكيد أوضة نومك." نظر رفعت لها بذهول قائلاً: "شايفاني قذر قوي للدرجة دي عشان أزرع كاميرات مراقبة أو أجهزة تصنت في أوضة نومي أو أوضة نومك؟ غباء منك يا دكتورة التفكير ده. عارفه ليه؟
مستحيل أعمل كده لأني مش الراجل اللي يفضح نفسه أو مراته بتسجيلات من النوعية دي. ناسيه إن حصل بينا كذا لقاء حميمي في أوضة نومي، وكمان في أوضة نومك. أكيد مش هخاطر وأحط كاميرات أو أجهزة تصنت في الأوض. مش هبقى مبسوط لو تسجيلات زي دي وقعت في إيد تانية بالغلط." ردت زينب بثبات: "أمال عرفت منين إن تيتا اتكلمت معايا وكمان إني أنا ومروة حطينا مُلين للبومة ريما في الزبادي." رد رفعت:
"الملين كان توقع مني لأن بعد ما نمتي ريما بعتت رسالة إنها تعبانة وعندها مغص قوي في بطنها، بس أنا توقعت إنك انتي ومروة حطيتوا لها شيء في الزبادي، بالذات إنكم متغاظين منها ومن سخريتها الدايمة منكم، قولت مقلب منكم فيها، تستاهله. أما جدتي أنا عارف إنها عندها يقين إنك الوحيدة اللي تقدري تطفّي النيران اللي في قلبي ومعرفش جايبة اليقين ده منين، لأني سبق وقولت ليكِ إنك زي أي ست قبلك نامت في سرير معايا." رغم شعور زينب
بالغيرة لكن قالت بسخرية: "واضح إنهم كتير... كتير قوي اللي ناموا قبلي معاك في سرير. على العموم تأكد يا رفعت إنك بالنسبة ليا مش أكتر من تجربة سيئة مرت بحياتي."
قالت زينب هذا ونهضت من على الفراش توجهت إلى حمام الغرفة. وقفت خلف باب الحمام، خانتها تلك الدمعة التي سقطت من عينيها. كم هو شعور مؤلم بالمهانة، ليس فقط المهانه، ذاك الوجع الذي تشعر به بقلبها الذي ينتفض بداخلها. لأول مرة بحياتها تندم على شيء مرت به، ليتها ما ذهبت إلى تلك القرية، ليتها نُفيت لأقاصي القرى أو النجوع في مصر وابتعدت عن تلك القرية. لكن مهلاً لم ينته الوقت. بمجرد عودتها إلى الشرقية ستقدم على طلب نقل لها وتأخذ إجازة حتى يتم نقلها إلى أي مكان بعيد عن الزهار. وتلك الإجازة ستقضيها مع والديها بالقاهرة بعيد عن رفعت، ذاك الوغد الهمجي.
بينما رفعت بمجرد دخول زينب للحمام جلس على أحد المقاعد يشعر بالغضب من نفسه. هو يكذب... زينب ليست كأي امرأة شاركها الفراش سابقاً. لام نفسه كيف قال لها هذا. أخاف أن يفتضح شعوره أمامها، أنها الوحيدة التي يضعف أمام اجتياحها لمشاعره بمجرد أن يقترب منها. ندم... ندم على ماذا؟ على إدخالها لحياته عنوة ظناً منه أنه يختطفها من أمام هاشم. يشعر بنشوة الظفر بشيء كان هاشم يريده وأخذه هو من أمامه. كم أنت كاذب يا رفعت...
أنت عاشق متيم، هي تسكن قلبك. لا لا لا، لا يوجد مكان بقلبي للعشق، قلبي مشتعل لن ينطفئ الآن ولن ينطفئ قبل أن أحقق قصاص للماضي. خرجت زينب بعد قليل من الحمام وجدت رفعت يجلس على أحد المقاعد. تجنبت الحديث معه، وصعدت للفراش مرة أخرى. لا تعرف سبب هذا الشعور بالخمول. ربما بسبب ذاك الداء الذي صاحبها بحياتها. بالفعل تسطحت على الفراش، سرعان ما سحبها النوم بعد دقائق من الصمت.
كان رفعت سيتحدث لها لكن حين استدار لينظر لها وجدها نائمة بالفعل، لا تدعي ذلك. تبسم بتعجب منها كيف نامت بهذه السهولة وهو بداخله حرب طاحنة بسبب حديثهما الحاد معاً قبل قليل، وتلك عادت للنوم براحة! ...... بعد قليل بسوهاج... دوار عمدة قرية الهلالي. على مدخل الدوار تبسم ذاك الكهل لأحد أبنائه الذي قال: "صباح الخير يا حضرة العمده." تبسم له بألفة قائلاً: "طالما قلت حضرة العمده، يبقى في طلب بعدها قول من الآخر."
تبسم مُحسن وهو يضع يده حول عنقهُ قائلاً: "ميزتك يا بابا إنك فاهمني." تبسم له قائلاً: "أنا فاهم دماغ كل واحد فيكم بيفكر إزاي. يلا قولي عايز إيه." تبسم محسن يقول: "بنت السلطان." رد يونس قائلاً: "أي واحدة فيهم؟ رد محسن: "ماما طبعاً رشيدة. التانية دي ماليش معاها أي صولات. إحنا إخوات. أنا قصدي ذات الخال. وقبل ما تقول أي واحدة فيهم هقولك ماما. التانية دي 'شرشر'." تبسم يونس قائلاً: "مالها ذات الخال؟ عاوز منها إيه؟
سبق وقولتلك بلاش حركات الحنجلة بتاعتك دي قدامها. ولا تكون عملت حاجة زعلتها منك." تبسم محسن: "بص يا سيادة العمده، عميد الجامعة، أنت عارف إن من صغري كنت بهوى الخيل وتربيتها. ولم كبرت دخلت كلية طب بيطري عشان كده وبدأت مشروعي الخاص في تربية الخيول جنب إني أدرس في الجامعة." رد يونس: "بلاش اللف والدوران هات المختصر، أنا مش مامتك بتحب التفاصيل." تبسم محسن قائلاً:
"من الآخر كده أنا جايني عرض من تاجر من أشهر تجار الخيول في مصر وشبه اتفقت معاه على بيع فرسين وهو جاي بنفسه النهاردة عشان يتمم البيعة دي. بس بقى في مهرة من الفرستين بيضا في أسود مهجنة ماما بتحبها قوي خايف تزعل مني لما تعرف إن في تاجر جاي عشان يشتريها." تبسم يونس قائلاً: "لأ متخافش رشيدة عقلها مش صغير كده وتتمنى لك الخير." تبسم محسن براحة يقول:
"والله طمنتني يا أبو الرجال. هروح أنا بقى هروح أنتظر ضيفي في الإسطبل. على فكرة ذات الخال الكبيرة مع 'شرشر' في الجنينة الورانية." تبسم يونس له ونغزه بكتفهُ قائلاً: "إياك أسمعك تقول على رشيدة الهلالي 'شرشر'." ضحك محسن قائلاً: "أنا مالي ده الواد حسين اللي طلع عليه الاسم ده." تبسم يونس يقول: "حسين أهبل. تمشي وراه؟ رشيدة الهلالي دي ملاك." نظر له محسن بأستغراب يقول: "ملاك!
دي عندها سنتين بس مشرشره كل اللي في الدوار بهم حتى مامتها." تبسم يونس يقول: "تستاهلوا انتوا اللي بتعاندوها." تبسم محسن يقول: "كنت عارف هتقول كده. هما ذات الخال حد يقدر يقول على واحدة منهم كلمة؟ الاتنين لهم حصانة خاصة عند حضرة العمده. يلا هروح أنا بقى للإسطبل زمان التاجر على وصول."
تبسم يونس وذهب إلى الحديقة الخلفية للدوار. تبسم لتلك الطفلة الصغيرة التي تحبي بالحديقة. بمجرد أن رآته زحفت إليه سريعاً، تبسم وانحنى يحملها بين يديه، ينفض بقايا التراب من يد الصغيرة، يُقبل وجنتيها. تبسمت تلك التي كانت تجلس تقرأ أسفل إحدى الشجرات بالحديقة ونهضت من مكانها واقفة، وتقابلت مع يونس ببسمة قائلة: "شايفه ذات الخال الصغيرة خدت مكاني." تبسم لها وقال:
"مفيش واحدة عمرها خدت جزء من مكانتك، بس دي رشيدة الهلالي ليها مكانة خاصة ومتنسيش إنها أول حفيدة، والبنت الوحيدة في الدوار." تبسمت رشيدة قائلة: "عقبال ما يبقى عندك عشر أحفاد يا ابن الهلالي ويعجزونا." تبسم يونس يقول: "بنت السلطان عمرها ما هتعجز في نظري. هتفضل الجنية اللي طلعت لي من الميه. عمرك شفتي جنية عجزة." تبسمت له قائلة:
"خلينا ندخل للدوار عشان شكل رشيدة الهلالي بتنعس. تاخد لها راحة ساعتين وتصحى بنشاط وهمة بقية اليوم." تبسم يونس وهو يسير بجوار رشيدة قائلاً: "على فكرة محسن كان عاوزني واسطة بينه وبينك." تبسمت رشيدة: "ليه؟ عاوز إيه؟ رد يونس: "جايله تاجر خيول كبير وهيشترى منه فرسين منهم الفرسة الملبظة أبيض في أسود اللي بتحبيها." تبسمت رشيدة: "وعاوزك واسطة عشان كده؟
أنا اتبسط لما أشوفه ناجح. بس بصراحة الفرسة دي جميلة جداً، بس بنتها شبهها. يعني في عوض بدالها يبقى هزعل ليه لما يبيعها ويكسب تمنها يطور بيه نفسه ويكبر مزرعته. قول له إني مش زعلانة بالعكس فرحانة له. وكمان قوله يعزم تاجر الخيول ده للغدا عندنا بكرة. أنا سمعت عن التاجر ده منه قبل كده وانه يتمنى يتعامل معاه وقال لي إنه له اسم كبير في سوق الخيول. عاوزة أتعرف عليه وأوصيه عالفرسة دي وأقول له دي فرسة أصيلة ولازم يكرمها."
تبسم يونس يقول: "طب ليه معزمتوش النهاردة؟ ردت رشيدة: "النهاردة اليوم اللي بنتجمع فيه عند أمي، وممنوع حد من العيلة يكون غايب. حتى محسن هيجي على هناك. أنا كنت مستنياك ترجع عشان متعودة نروح سوا." وقف يونس، ينظر لرشيدة بهيام. تعجبت رشيدة قائلة: "وقفت تبص لي كده ليه؟ رد يونس: "مغرم يا بنت السلطان." ...... بالإسكندرية. رد هاشم على هاتفه ساخراً:
"غريبة، كان عندي يقين إنك مش هتتصل عليا الفترة دي. أكيد وصلتك الأخبار إن البضاعة الشرطة صادرتها في البحر يا سيادة النايب (نجيب الكفراوي) رد نجيب:
"عرفت يا هاشم، وصلتني الأخبار وكمان عرفت إنك قدرت تهرب من الشرطة. بس الله أعلم إن كان حد من الشرطة اتعرف عليك أو لأ. بس عندي يقين لو كانت الشرطة عندها اشتباه فيك كانت كثفت جهودها في القبض عليك. ومتنساش الرقم ده خاص ومش باسم هاشم الزهار، وحتى لو معروف عادي لو أنا اتصلت عليك محدش هيشك فيا. إنسى أنا مين...
أنا نايب الدايرة اللي تابع لها قرية الزهار، غير إني كمان منها وعايش فيها معظم الوقت. وعادي إني اتصل على واحد من كبرات الدايرة اللي أنا النائب عنها في مجلس الشعب." ضحك هاشم بسخرية: "نايب مجلس الشعب بمساعدتي ليك؟ فاكر زمان لو مش اللي حصل كان زمان رضوان أخد منك كرسي البرلمان ومكنتش في يوم بقيت وزير سابق وعضو مهم في البرلمان." رد نجيب:
"مالوش لازمة التقليب في دفاتر الماضي يا هاشم. أنا مش بتصل عليك عشان كده. أنا بتصل عشان حاجة تانية. وصلني خبر إن فابيو نازل مصر خلال الأسبوع ده. نزول فابيو بنفسه لمصر أكيد مش هيعدي بالساهل ده... البركان." ارتجف هاشم قائلاً: "منين جبت معلومة إن فابيو نازل مصر." رد نجيب: "المعلومة من جهة موثوقة." رد هاشم:
"أنا عارف سبب نزول فابيو لمصر مش عشان العملية اللي اتصادرت دي، لأ عشان السنيورة ريما الزهار اللي سابت اليونان ونزلت الزهار عشان خاطر عيون رفعت. يعني حسابه مع رفعت." رد نجيب: "ورفعت إيه دخله في كده؟ هو متجوز من الدكتورة بتاعة الوحدة الصحية يعني ريما بالنسبة له كارت محروق. معتقدش يقف قدام فابيو عشانها." رد رفعت بأستهزاء:
"لأ ممكن يوقف قصاد فابيو ويعمل فيها حامي الحمى وشهم زي المرحوم أبوه ما عمل زمان لما جاكلين طلبت حمايته من باباها اللي كان بيطاردها عشان ترجع اليونان وهي عاجبها مصر وعاوزة تبقى مصرية بأي شكل واتجوزت من هشام عشان كده. بس للأسف القوانين أيامها كانت ضدها، كانت تاخد حق الإقامة بس لكن الجنسية لأ، بسبب القانون اللي كان حتى بيمنع اللي آبائهم مش مصريين من الجنسية. بس للأسف القانون لما اتغير كان رضوان اتحرق وهي سافرت اليونان بعد ما اتطلقت من هشام."
رد نجيب: "برضو عندي احساس قوي إن رفعت مش هيقف قصاد فابيو." رد هاشم: "واضح إن هشام نقح عليك. هو كمان بيدخل رهانات خسرانة. هتشوف. رفعت على راس جدول أعمال فابيو في مصر. ناسي إن كان بينهم حرب باردة قبل كده صحيح انتهت لما ريما سابت رفعت وسافرت لفابيو." رد نجيب: "متنساش رفعت لما كان ضابط في البحرية صادر أكتر من عملية لفابيو. ويمكن فابيو أنهى الحرب دي بعد رفعت ما ساب الخدمة في البحرية." ضحك هاشم ساخراً:
"مين اللي قالك إن رفعت ساب الخدمة في البحرية؟ دي كانت كذبة منه. رفعت لسه في منصبه في البحرية. أنا بنفسي شوفته من ضمن القوات اللي كانت في البحرية." تفاجئ نجيب وقال برعب: "قصدك إيه؟ أنت متأكد! رد هاشم بثقة: "متأكد جداً. رفعت خدع الجميع وأولهم فابيو." ......... بسوهاج بعد الظهر... استيقظت زينب من النوم. كانت الغرفة شبه مظلمة. تمطت قائلة: "هي الساعة كام دلوقتي؟ مدت يدها آتت بهاتفها وعلمت الوقت. شعرت بجوع قائلة:
"أما أطلب من الروم سيرفيس آكل. أهو منه فطور وغداء." بالفعل بعد قليل انتهت من وجبتها، ألهت نفسها بين الهاتف والتلفاز، انتظارًا أن يعود رفعت. رفعت ذاك الهمجي. الطريق بينهم يسير للنهاية. ربما أفضل لها. هي لن تقدر على رؤيته يشتعل بين النيران التي يريد إشعالها انتقاماً للماضي التي جمعت خيوطه من إنعام ومهره التي تعتبر والدتها. رفعت واهم يعتقد أن تلك الأسوار العالية قادرة على حماية من يحبهم و....
قطع تفكير زينب رنين هاتفها. جذبت الهاتف ورأت من يتصل. رغم ذاك الشعور الذي ينهش قلبها من ناحية رفعت، كان هذا الاتصال ربما يخرجها من تلك الحالة. الرد عليه... بمجرد أن فتحت الخط سمعت من يقول بإستهزاء مرح: "زوزي أختي المفترية. والله معرفش إزاي هفيتي على بالي وأنا في وقت الراحة. قولت أتصل أغلس عليكِ شوية، أهو أتسلى وأكسر الملل اللي عايش فيه." ردت عليه بسخط: "وأيه سبب الملل اللي عايش فيه؟
وظيفة في شركة محترمة بيقبضوك بالدولار." ضحك مجد قائلاً: "كفاية الصحرا اللي عايش فيها وسط أصوات البريمات طول اليوم. بس أنا مش متصل عشان أشكي لك همي. أنا متصل عليك عشان أطلب منك فلوسي اللي سبق وقلبتيها مني. دلوقتي انتي متجوزة مليونير وأنا محتاج كل قرش ليا عليك." ردت زينب: "سبق وقولتلك السلف تلف والرد خسارة. إنسى فلوس رفعت ماليش دعوه بيها. وبعدين محتاج الفلوس دي ليه؟ رد مجد:
"محتاج الفلوس دي عشان أكون نفسي وأتقدم رسمي للسندريلا بتاعتي. خلاص بفكر بعد ما تخلص الثانوية أتقدم لها رسمي. أحجزها قبل ما تطير مني." ردت زينب بأستهزاء: "يارب تطير منك. يأبني اعقل ده لسه قدامها أقل شيء أربع سنين جامعة." رد مجد: "لأ خمس سنين أصلها عاوزة تدخل هندسة زيي غاوية بريمات." ضحكت زينب قائلة: "وعرفت منين إنها غاوية بريمات." رد مجد:
"هو أنا مقولتلكيش إنها بقت من الفريندز عندي عالفيسبوك والإنستجرام. عقبال الواتس وتديني رقمها. مع إن سهل أخده من رامي جوز أختها بس خليها واحدة واحدة كده عالهادي." ردت زينب: "عالهادي وإزاي أصلاً بقيتوا أصحاب؟ رد مجد:
"أبداً، أنا مع رامي في الفريندز عالفيسبوك فدعبست كده في أصدقاؤه لقيت مراته. دعبست وراها لقيت سندريلا ليها صفحة باسمها. هبه. دعبست في صفحتها لقيت عندها شوية اهتمام بهندسة البترول. قولت دي إشارة ربنا ليا. طبعاً كان بينا قبل كده لقاء لما وصلتها واستغليت إني أخوكِ. أول مرة تجيلي مصلحة من وراكِ. علقت لها على بوست كانت عامله له شير من صفحة متخصصة في البترول. جر رجل، لحد ما بقينا نتكلم في مواضيع خاصة بالبترول، وتواصلنا خاص بعيد عن الفيسبوك وهي اللي بعتت لي طلب صداقة. أنا مكنتش مصدق في البداية بس قبلت الصداقة بسرعة لا تكون عملتها بالغلط وتاخد بالها. حطيتها قدام الأمر الواقع."
ردت زينب: "طب ما هو سهل تديك بلوك يا فالح. اتقل شوية لا تقول عليك أهبل مدلوق وتركبك وتدلدل رجليها." تبسم مجد: "ياريت. أنا قابل تدلدل رجليها. أيدها مش مهم عندي غير إن سندريلا تكون من نصيبي. مش شايفة هي قد إيه رقيقة مش زيك صبي بواب." ردت زينب: "تصدق إنك واد غبي. أنا أما أرجع للزهار هقولها ده واد تافه وبيغل مني ومعندوش ريحة الأخوة. ده مش راجل تعتمدي عليه. ده آخره يغسلك المواعين." تبسم مجد يقول:
"لأ وكمان ممكن أخرط لها الملوخية زي عبد المنعم إبراهيم في السكرية وأغني لها. بس قولوا لأمي بس هي اللي تهز. أنا مش بعرف أهز." ضحكت زينب قائلة: "انت عندك هزة في عقلك أصلاً. قولي عندك إجازة أمتى؟ رد مجد: "مش قبل عشر أيام. متقلقيش هاجي أقضي الإجازة في الزهار أملي عيني بشوفة السندريلا." ردت زينب: "أكيد سندريلا هتقلب غوريلا لما تشوفك في الزهار. أهو أكون رجعت من سوهاج أتفرج عليك وهي بتوبخك." ضحك مجد يقول:
"سندريلا توبخني زي ما هي عايزة. أنا قابل. بس استنى انتي في سوهاج بتعملي إيه؟ لا تكوني اتنقلتي هناك؟ عملتي إيه تاني؟ وفين رفعت إزاي؟ قاطعته زينب قائلة: "لأ اطمن متنقلتش لسه من الزهار، بس مش بعيد أتنقل قريب. بس فكرة سوهاج حلوة وبعيدة." تبسم مجد يقول: "طالما متنقلتيش طب إيه وداكِ سوهاج؟ رايحة تشتري زغاليل." تبسمت زينب: "لأ كله من الهمجي رفعت. جاي يشتري خيل من سوهاج وخدني معاه، غصب. صحيت لقيت نفسي في طيارة."
تعجب مجد قائلاً: "طيارة! ومجاش لكِ فوبيا ولا رفعت سابك." ردت زينب: "لأ خدرني مرة تانية الهمجي." ضحك مجد وقال بسخرية: "القوي في اللي أقوى منه. شوفي كنتِ بتفترى وتستقوي عليا. ربنا بعت رفعت يخلص حقي." ردت زينب: "حق إيه يا أبو حق؟ كنت استقويت عليك إمتى؟ انت اللي خرع من يومك وهتخرط ملوخية لسندريلا بتاعتك ومش بعيد تقمع باميه وتخليك انت اللي تهز على سلك الكهربا العريان اللي هيمسكهولك لو عصيت أمره بدلقتك دي عليها."
تبسم مجد يقول: "أنا هبقى راجل حمش زي رفوعة كده وأكح أرعبها. سيبك من الهزار. مفيش نونو كده جاي في السكة عشان ألسعهُ على قفاه؟ أعلم لكِ عليه وأقول له برد جزء اللي المفترية مامتك كانت بتعمله فيا." ضحكت زينب وسهمت قليلاً. لكن قال مجد:
"خلاص البريك خلص هرجع أكلمك مرة تانية تكون ثبتت الرؤية. نفسي أبقى خال يا زوزي. كل زمايلي هنا بيعايروني بصور ولاد وبنات أخواتهم. أنا كنت بنكسف أقول إني عندي أخت عانس. دلوقتي بغير منهم. إشطري وإسقي رفعت حاجة صفرا. ولا أقولك بلاش. عارفك مالكيش في الأنوثة أصلاً." أغلق مجد الهاتف قبل أن تسبه زينب. لكن زينب وضعت الهاتف على الفراش ونامت على الفراش، تفكر في قول مجد. طفل...
من رفعت. تذكرت ذاك الحلم كانت فتاة وضعت يديها على بطنها تخيلت أن يكون لديها طفل من رفعت. لكن سرعان ما فاقت من ذاك الحلم. أجل حلم. طريقها مع رفعت مُلغم. بعد الظهر شعرت زينب بملل وهي جالسة طول الوقت بغرفة الفندق. رفعت بعد مشادتهم المحتدمة مع بعض خرج ولم يعد حتى الآن. سئمت الجلوس بين حيطان تلك الغرفة. شاور عقلها. لما تحبس نفسها بالغرفة؟
لاول مرة تأتي إلى سوهاج، لما لا تنزل تكتشف بها أماكن جديدة عليها. بالفعل بدلت ملابسها وخرجت من الفندق تسير بجوار كورنيش النيل، تأخذها أقدامها. لأول مرة تشعر بالتوهة بعقلها. ...... عصراً بالفندق. دخل رفعت إلى الجناح الخاص به. نظر فلم يجد زينب. ذهب باتجاه الحمام. طرق أكثر من مرة على الباب، لكن لا رد. فتح الباب ونظر بالداخل الحمام، هي غير موجودة.
أخرج هاتفه قام بالاتصال عليها، لكن أيضاً لا رد. قام بالاتصال على الاستقبال بالفندق علها تكون طلبت منهم شيئاً أو أخبرتهم بخروجها. لكن كان الرد أنها لم تتصل عليهم أبداً. إنتابه التفكير والقلق مع طول الوقت وعدم عودتها. أين تكون ذهبت. في حوالي العاشرة مساءً.
دخلت زينب إلى الجناح. وجدت رفعت يقف يبدو على وجهه الضيق والتهجم. تبسمت بخفاء. لكن هو حين سمع فتح باب الجناح نظر لها بغضب، لكن مع ذلك شعر براحة من عودتها بخير. لكن لابد من معرفة لماذا خرجت من الفندق دون إخباره بذلك ولماذا لم ترد على اتصالاته عليها؟ تحدث رفعت وهو ينظر في ساعة يده: "الساعة عشرة بالليل. ممكن أعرف المدام خرجت ومقالتش هي رايحة فين وبتصل عليكِ ليه مش بتردي." ردت زينب ببساطة:
"فوني عاملاه صامت ومسمعتش الرنة. وكنت بتمشي. إنت خرجت الصبح وسيبتني نايمة، وأنا زهقت من القعدة في الأوتيل حسيت إني محبوسة فخرجت أشم هوا." نظر رفعت لها وهو يسير باتجاه وقوفها وقال بتهكم: "خرجتي تشمي هوا من قبل العصر والساعة دلوقتي عشرة. مش ملاحظة إنك رجعتي بدري." رد زينب بأستفزاز: "فعلاً رجعت بدري. كنت بفكر أركب باخرة في النيل أسهر عليها بس حسيت بشوية صداع. يمكن من اللفة في الطرقات."
ماذا يفعل، ماذا يقول. هو في قمة غيظه. يود الفتك بها. بينما زينب بداخلها تبتسم هي تعلم أنها تستفزه. تنتظر ثورته عليها. لكن رفعت جذبها من يدها بقوة، ولف يديه حولها يُقيد حركتها وقال: "ممنوع تخرجي بعد كده من باب الجناح." ردت زينب: "ليه هتحبسني؟ أياك... متقدرش." تبسم رفعت وقال: "أقدر أحبسك وبلاش تستفزيني عشان متشوفيش وشي التاني."
ضحكة سخرية من زينب أغاظت رفعت، فضم جسدها بقوة بين يديه وقام بتقبيل شفاها بقسوة كبيرة أدمى شفتاها، وليس هذا فقط، سحبها معه للفراش رغم مقاومتها له. كان رفعت يُقبلها بنهم وعشق. قاومت زينب في البداية وحاولت إبعاده عنها. لكن فجأة استكانت لا تُعطي أي ردة فعل. شعر رفعت بأستكانة زينب فتعجب، ورفع وجهه ونظر لها. وجهها بارد كأنها تقول له لا يهمني ما تفعل ولا أريدك.
تعصب رفعت من برود زينب وذاك الأسلوب الجديد. بالمرات السابقة كانت سريعاً تتجاوب معه. ماذا حدث فجأة؟ جاوب عقله: هي تتلاعب بيك يا رفعت، يكفي هذا. بالفعل نهض رفعت عنها وترك الفراش ينظر لها بحدة قائلاً: "اعملي حسابك بكرة عندنا عزومة الغداء، والمسا هنرجع القاهرة." ردت زينب: "معزومين عند مين؟ وهنسافر هنرجع للقاهرة إزاي؟ رد رفعت: "لو قولتلك عند مين يعني هتعرفيهم. وهنسافر طبعاً بالطيارة." استقامت على الفراش قائلة:
"بس أنا مش بحب ركوب الطيارات وعندي فوبيا منها. بس عندي حل تاني." رد رفعت: "وأيه الحل التاني ده بقى؟ ردت زينب: "انت سافر بالطيارة، وأنا أرجع في القطر." نظر رفعت لها وقال بإستهزاء: "غريبة الدكتورة زينب السمراوي اللي دخلت بنفسها تواجه تعبان بشراستها عندها فوبيا ركوب الطيارات. عالعموم متقلقيش لسه محتفظ ببقية إزازة البنج، وليا معارف يقدروا يخدموني في أمن المطارات ويسهلوا الأمر عليا زي ما حصل وإحنا جايين."
لم ينتظر رفعت ردها ودخل إلى الحمام. بينما زينب قالت: "يارب الطيارة توقع وكل اللي فيها ينجوا ما عداك عشان أخلص منك." تبسم رفعت الذي سمعها وهو بالحمام. خرج رفعت بعد قليل من الحمام يرتدي مئزر الحمام، تجنب زينب التي تجلس على أحد المقاعد بالغرفة تشاهد أحد الأفلام العربية القديمة. خلع المئزر الذي عليه وألقاه على أحد المقاعد ونحى غطاء الفراش وتسطح عليه. صامتاً. نظرت له زينب قائلة: "مش هتتعشى." رد رفعت: "لأ مش جعان."
قالت زينب: "بس أنا جعانة." تنهد رفعت قائلاً: "ليه مكملتيش سهر ودخلتي أي مطعم اتعشيتي فيه؟ ردت زينب: "أنا فعلاً كنت أكلت سندوتشات وأنا راجعة، بس معرفش ليه جوعت تاني. أكيد من السكر. مريض السكر بيجوع بسرعة. أنا طلبت عشا من الروم سيرفيس وطلبت لك معايا." رد رفعت وهو يغمض عيناه: "لأ أنا مش جعان، صحة وهنا على قلبك." شعرت زينب بنبرة تهكم في رد رفعت فقالت له:
"أحسن برضه توفر أكلك أكلة أنا، وكده كده هينضاف تمن العشا في فاتورة الأوتيل عليك." رد رفعت: "لأ اطمني الأوتيل ده العشا والفطور مجاني. تصبحى على خير، بلاش تتقلي في العشا لتحلمي بكوابيس." ردت زينب: "هو فيه كابوس أسوأ من وجودك في حياتي." تبسم رفعت. لا يعرف أي شعور يطغى عليه مع تلك الشرسة ما بين الشد والجذب. العشق والجنون. .... بظهيرة اليوم التالي بمنزل صفوان المنسي
وضعت فادية طعام الغداء على طاولة أرضية. التفت كل من ليلى وجوارها نعمان، وجواره جلست هبه جوار صفوان. قبل أن تجلس فادية تشاركهم الطعام، سمعوا رنين جرس الباب. نهضت هبه قائلة: "هروح أفتح أشوف مين اللي حماته بتحبه." فتحت هبه الباب وعادت مرة أخرى. خلفها مروة تبتسمان. قال نعمان بترحيب:
"متأكد لو مامي رامي عايشة كانت هتحبك يا مروة. ظابطة وقتك على الغدا يلا اقعدي اتغدي. دي فادية طول عمرها طعم طبيخها كان يجنن. المرحومة أمي كانت تقول عليها فادية ليها نفس في الطبيخ، حتى الميه من تحت إيدها ليها طعم تاني."
تبسمت مروة وجلست أرضاً جوارهم تتناول الغداء وسط جو من الألفة بين نعمان وبنات أخته. كان صفوان شبه منعزل بالحديث، يستمع لأقوالهم. بداخله يتحسر كيف لم يدرك تلك النعمة التي بين يديه. زوجة وبنات من صلبه هو ولا يتحدثون معه بتلك الطريقة الرحبة كما يتحدثون مع نعمان الآتي تعرفن عليه من أيام معدودة كأنهن بناته. هو حتى فادية زوجته الجميلة التي عادت لصباها مرة أخرى ونسيت تعب تلك السنوات الماضية عادت تتفتح مرة أخرى. ماذا وجدوا بنعمان...
لم يجدوه معه. تفكر؟ أنت تعلم ما هو هذا الشيء....
السند. أجل السند يقوي الإنسان. أنت لم تكن يوماً سنداً. لا لبناتك وقبلهم لم تكن سند لزوجتك. تركتها تشق معهن الحياة وحدها. كانوا يساعدونها منذ صغرهن سواء بأعمال المنزل أو حتى تدبير مصاريفهن. أنت مجرد اسم على ورق يخلف اسم هن فقط. لكن السند ظهر لهن برجل كان تائه بالغربة وعاد لوطنه يبحث عن ذاته ووجدها بسهولة بهؤلاء الفتيات ومعهن أمهن. فتياته اللاتي تتدللن على نعمان ويضعن الطعام أمامه يطلبن منه رأيه بما فعلن وهن يساعدن أمهن بالطهي قبل قليل.
لكن لاحظت ليلى عدم تناوله للطعام وقالت: "بابا ليه مش بتاكل؟ إحنا طبخنا الطبيخ اللي بتحبه. ماما قالت إنك بتحب الفراخ البلدي، أهى يا بابا إنها اللي اتوليت مسئوليتها من الدبح لحد هنا عالسفرة. عملتها مخصوص عشانك وكمان الفاصوليا. هي صحيح طرية شوية بس تعدي. قول لي كلمة حلوة بقى." قالت ليلى هذا ووضعت الطعام أمام صفوان، الذي تبسم لها وقال: "تسلم إيدك يا لولا." تبسمت له ليلى وقالت: "صحة وهنا يا بابا."
بعد قليل انتهوا من تناول الغداء وسط جو أسري بسيط. تحدثت فادية قائلة: "يلا يا بنات قوموا معايا نشيل السفرة وواحدة تعمل الشاي." تبسمن ونهضن معها، لكن ظلت مروة تجلس مع خالها وصفوان الذي صدح صوت هاتفه، فنهض يرى من يتصل عليه. ذهب لمكان الهاتف ونظر له تعجب حين رأى اسم من يتصل عليه. لابد أن عيناه لا ترى جيداً. تمعن بالاسم مرة أخرى ليتأكد من الاسم... هاشم الزهار! ماذا يريد منه؟
بينما ظلت مروة جالسة مع نعمان الذي تبسم لها قائلاً: "فين رامي مجاش ليه معاكِ؟ تبسمت مروة قائلة: "رامي في إسطبل الخيل بيدرب مهرة. أنا لوحدي في السرايا حسيت بملل قولت أجي. واتصلت عليه وهو هيجي المسا ياخدني." تبسم نعمان قائلاً: "وأخباره معاكِ إيه؟ ردت مروة بتنهيدة: "رامي بيعاملني كويس جداً... بس ساعات بحس إن في شيء هيحصل هينغص علينا السعادة دي؟ تعجب نعمان: "وليه تفترضي السوء؟
أنا عرفت إن رامي بيحبك من زمان وانتِ اللي كنتي مغلباه معاكِ." تبسمت مروة تقول: "ليلى اللي قالت لك صح؟ تبسم نعمان على دخول ليلى بصينية عليها أكواب الشاي تقول: "قصدك إني فتانه." تبسمت مروة لها وقالت: "مش قصدي. بس ليه مروحتيش للجامعة النهارده." ردت ليلى: "مكنش عندي الا محاضرة واحدة وماليش مزاج أحضرها. الدكتور بتاع المادة غلس." تبسمت مروة وقالت: "هو مش وسيم الشامي ابن أخت عمتي مهره بيدرسلك في الجامعة."
ردت ليلى التي شعرت بنغزة في قلبها لا تعرف سببها: "أيوا، بتسألي عليه ليه؟ ردت مروة دون انتباه منها:
"أصلي سمعت إنه هيخطب أخت البومة ريما، اللي اسمها لمى. بس خالته مش موافقة على الخطوبة دي ومستنية رجوع رفعت من سوهاج عشان يقنعه أنه يعدل عن خطوبة البت دي. أنا بصراحة موفقاها جداً. أكيد هي نسخة كربون من أختها البومة اللي قاعدة عندنا في السرايا. والله نفسى أطردها بس هي فارضة نفسها إنها واحدة من عيلة الزهار. تلاقي أختها زيها رمت شباكها على وسيم. بس تيتا انعام قالت لـ عمتي مهره، رفعت الوحيد اللي يقدر يرجع وسيم عن الخطوبة دي. هو اتجوز أختها قبل كده وعارف مساوئهم."
فجأة اختلت يد ليلى ووقع من يدها كوب الشاي التي كانت تناوله لـ نعمان. لحسن الحظ أنه وقع منها على الأرض. تحججت ليلى بسبب وقوع الكوب من يدها بأنه كان ساخن جداً على يدها. وقالت: "هدخل أغير هدومي عشان ألحق ميعاد ورديتي في الصيدلية." قالت ليلى هذا ودخلت إلى الغرفة سريعاً. حاولت ليلى كبت دموعها وذاك الشعور الذي يؤلم بقلبها. وبدلت ملابسها.
لكن نعمان لاحظ سأم وجه ليلى. شعر بقلبها الذي صدم. حزن من أجلها. هو رأى نظرات ليلى ووسيم لبعضهم. لمرتين. المرة الأولى وقت أن دافع وسيم عنها ليلة ذاك المتسكع. المرة الثانية باليوم التالي لتلك الليلة أثناء إعطائهم أقوالهم بالقسم. وسيم يبدو بوضوح لديه مشاعر تجاه ليلى. ليلى هي الأخرى كانت تتهرب من النظر إليه في المرتين. لماذا انتهت تلك القصة باكراً. هنالك جزء مفقود بالقصة جعلها لم تكتمل. وسيم...
ابن صديقه القديم وخالته هي مهره. هو توقع أن يعيد هو وليلى قصة حب أخرى. لكن يبدو أنه كان مخطئ، وربما حدوث هذا من البداية أفضل للاثنين. بعد قليل خرجت من الغرفة قائلة: "هروح أنا بقى أستلم ورديتي بالصيدلية. أنا اتأخرت." نهض نعمان يقول: "خديني معاكِ عندي مشوار مهم." تبسمت مروة قائلة: "مشوار مهم ولا أكيد مليت من رغيي." انحنى نعمان يقبل رأس مروة قائلاً:
"أنا أطول أقعد مع أحلى رغايه، حبيبة خالو. هرجعلك تاني، عندي معاد مع واحد سمسار قولت له عارض عليا حتة هروح أقابله وأشوفها إن كانت مناسبة هشتريها. وهراجع تاني هنا. أوعي تمشي قبل ما أرجع." تبسمت مروة قائلة: "ربنا يوفقك يا خالو، أكيد هستناك." رسمت ليلى بسمة وخرجت هي ونعمان، يسيران بالبلدة. اقترب نعمان من ليلى الذي يشعر بألم قلبها وقال:
"لولا هي امتحانات آخر السنة مش قربت خلاص المفروض تبطلي تشتغلي الفترة دي على الأقل عشان تركزى وكمان تواظبي على حضور المحاضرات النهائية دي بتبقى زي مراجعة للمنهج." ردت ليلى:
"فعلا المحاضرات الأخيرة بتبقى زي مراجعة للمنهج. أنا بحضر معظم المحاضرات دي، بس محاضرة النهارده مكنش ليها لازمة حضورها، زي ما قولت لـ مروة دكتور غلس، ومش هستفاد منه. وإن كان على شغلي في الصيدلية، مش هيعطلني عن المذاكرة. أنا باخد الكتب معايا بذاكر في وقت الفضا." تبسم نعمان يقول:
"ولو قولتلك عشان خاطري تبطلي شغل في الصيدلية، وأنا هتكفل بكل مصاريفك انتي وهبه. أنتم بناتي، مش بمن عليكم. كفاية هالة كانت بتحوش الفلوس اللي كنت بحولها لها عشانها، فوجئت بها بتقولي إنها عملت دفتر توفير باسمي والدفتر اللي كنت ببعتها ليها كانت بتحطها في الدفتر. فادية تعبت قوي وهي بتربيكم وأنتم كمان كنتم بتساعدوها، وآ آن الأوان ترتاحوا كلكم بقى." تبسمت ليلى قائلة:
"أنا بحبك يا خالي. ياريتك كنت رجعت زمان. فعلا ماما تعبت قوي في تربيتنا، والسبب بابا اللي عمره ما ساعدها ولا حتى بكلمة حلوة تهون عليها تعبها." تبسم نعمان بغصة في قلبه. مع الوقت يندم أكثر على طول مدة غيابه، لكن آن الأوان يستعيد مكانه ومكانتهُ. في ذلك الأثناء
كان ذاك الوغد هاشم يسير بالسيارة وكاد يدهس ليلى، لكن نعمان جذبها سريعاً من أمام السيارة ونظر باحتقار لهاشم ومسك يد ليلى وسار معها دون أن يشتبك مع هاشم. ليس خوفاً بل تجنباً لصدام ليس وقته. هو متأكد أن هاشم قصد ذلك عنوة منه. لفت انتباه له لا أكثر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باليوم التالي عقب الظهر. دخل رفعت بصحبة زينب إلى السرايا. تبسمت لهم الخادمة وهي ترحب بهما ببهو السرايا
وأخذت الحقائب قائلة: "رفعت بيه في ضيف مستني حضرتك في الصالون الكبير." رد رفعت بإستعلام: "مين الضيف ده؟ ردت الخادمة: "معرفوش. أول مرة أشوفه، وحتى لغته غريبة. بالعافية على ما فهمت منه كلمتين." رد رفعت: "والحرس اللي عالبوابة إزاي سابوه يدخل للسرايا. تمام خدي الشنط وأنا هروح أشوف مين الضيف ده، وبعدها ليا حساب مع الحرس اللي عالبوابة."
غادرت الخادمة، لكن بنفس الوقت آتى اتصال هاتفي لـ رفعت. أخرج هاتفه ورأى من يتصل عليه. نظر لـ زينب قائلاً: "دي عمتي مهره. هرد عليها في الجنينة الشبكة أقوى عن هنا." خرج رفعت إلى حديقة السرايا. لكن... كالعادة تحكم بزينب الفضول وذهبت إلى غرفة الصالون تستعلم من ذاك الضيف. تفاجئت بشاب بعمر رفعت أو أكبر قليلاً، يبدو من ملامحه أنه... أجنبي.
نهض من مجلسهُ مبتسماً، ونظر لها بإعجاب فهو توقع أن تكون زوجة رفعت ليست بهذا الجمال. اقترب منها ومد يدهُ كى يُصافحها قائلاً بلكنة أجنبية: "سيدتي." شعرت زينب بالحرج من مد يدهُ لها. بتلقائية مدت له يدها، لكن ذُهلت حين أحنى رأسه على يدها وكان سيُقبلها لولا وضع رفعت الذي دخل للتو يده على ظهر يد زينب مما جعل الآخر يُقبل يدهُ بدلاً من يد زينب. زينب التي شعرت بضغط يد رفعت فوق يدها بقوة وهو ينظر لها بوعيد.
بينما قال باليونانية: "أهلاً بك سيد.... فابيو. تستطيع أخذ أمانتك وترحل عن هنا دون معارضة مني." نادى رفعت على إحدى الخادمات التي لبت نداؤه سريعاً: "قائلة: تحت أمرك يا رفعت بيه." تحدث رفعت: "روحي لأوضة مدام ريما قولي لها في ضيف عشانها بالسرايا." ردت الخادمة: "بس مدام ريما مش في السرايا، دي خرجت من الصبح وقالت هتروح بيت هاشم بيه عمها، وهترجع المسا." رد هاشم: "تمام روحي انتي شوفي شغلك." نظر رفعت لـ فابيو وقال باليونانية:
"للأسف ريما ليست هنا. هي بمنزل هاشم الزهار. سأرسل معك سائق خاص يدلك على المنزل. بإمكانك أخذها من هناك وسأبعث كل ما يخصها هنا إلى هناك. تقدر تتفضل معايا لحد باب السرايا." شعر فابيو بلهجة رفعت الصارمة وأيضاً بنظرة الغيرة منه حين كاد يُقبل يد زوجته. فحاول استفزازه، ومد يده بناحية زينب قائلاً: "تشرفت برؤيتك سيدتي."
نظرت زينب لرفعت أولاً، ثم ليد فابيو الممدودة لها. شعرت باشمئزاز من نظرات ذاك الوقح ووقفت خلف رفعت بتلقائية منها كأنها تختفي عن نظر ذاك الوغد. تبسم رفعت، بينما شعر فابيو بالإهانة لعدم مصافحتها له. ......... تفتكروا زوزي لما قابلت يونس وبنت السلطان عملت إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!