في شقة والد زينب بالقاهرة، بغرفة المعيشة، كانت تجلس هالة ومعها صفوت ومجد. تحدث مجد بمزح قائلاً: "مالك يا ماما قاعدة قلقانة كده ليه؟ أوعى تقوليلي قلقانة على البت زينب دي، ما يتخافش عليها، دي البشرية كلها يتخاف عليها من نوعية البت دي. يارب ارزقني بعروسة حلوة وطيبة زيك كده يا ماما، ويبعد عني شر نوعية البت زوزي دي، آذية للبشرية، خلفتيها إزاي دي." قبل أن ترد هالة، ردت من دخلت تتسحب قائلة:
"خلفتني زي ما خلفت حيوان زيك، إيه الفرق بينا؟ انخض مجد قائلاً: "استغفر الله، انصرفي. جيتي إمتى ودخلتي إزاي للشقة من غير ما نسمع صوت فتح الباب؟ بينما هالة وصفوت نهضا مخضوضين حين سارت أمامهما زينب ترتكز على عكاز طبي، ونظروا لساقها المجبرة. نهضت هالة بلهفة قائلة: "زينب! إيه اللي جرالك؟ كان قلبي حاسس علشان كده اتأخرتي في الوصول للقاهرة." تبسمت زينب قائلة: "اعتبري ده نفاق بقى؟ قلبك حاسس بإيه؟ أنا خلاص قربت أفك الجبس."
تبسم مجد قائلاً: "جبت قلم أهو علشان أكتبلك إهداء على الجبس." نظر له صفوت قائلاً: "يعني إنت كنت عارف إن زينب رجلها متجبسة وقاعد كده هادي؟ يا جبروتك." تبسم مجد قائلاً: "رجل إيه يا بابا اللي مكسورة، ده التواء بس. هي حبت تزود شوية من بهارات من عندها علشان تحلل الربع مليون جنيه اللي أخدتهم تعويض من اللي كان السبب في التواء رجلها. والله أنا لو مكانه ما كنت دفعت ربع جنيه حتى، بس يظهر إنه أهبل." تعجبت هالة قائلة:
"ربع مليون إيه ومين اللي أهبل اللي دفعه؟ إيه القصة بالظبط؟ عملتي إيه في الشرقية؟ تبسم مجد قائلاً: "هتكون عملت إيه في الشرقية؟ رايحة تقلب الناس هناك؟ كويس ربنا يبعدها عني." تبسم صفوت قائلاً: "لأ، شكل في موضوع كبير. تعالى اقعدي ارتاحي واحكي لينا إيه حكاية الناس اللي قلبتيهم في الشرقية دول." جلست زينب قائلة: "ها، أقعد أحكي كده وأنا جعانة؟ أوعوا تكونوا اتعشيتوا من غيري، والواد ده لهف منابي في الأكل." تبسمت هالة:
"لأ، لسه متعشيناش، كنا مستنينك. أنا ما بصدق نتلم كلنا على أكلة. أنا هروح أنا ومجد نحضر السفرة، وخليكي مرتاحة جنب باباكي. هو اللي هيغسل المواعين بعد العشا." نظرت زينب لوالدها وقالت بمزح: "هي لسه بتخليك تغسل المواعين يا بابا؟ لأ، خلاص بقيت موجه عام، لازم تترقى بقى. مش قولتلك هات غسالة أطباق أو اتجوز على ماما أحسن." تبسم صفوت، ضم زينب قائلاً: "هجيب غسالة أطباق ليه؟
طول الوقت هما طبقين اللي بناكل فيهم أنا وهالة، وأنتي وأخوكي كل واحد فيكم في مكان بعيد عنا. ما بنصدق تجوا يومين إجازة ونتجمع فيهم." تبسمت زينب قائلة: "زمانك بتقول إمتى اليومين دول يخلصوا علشان استأثر بالموزة في جو هادي بعيد عن دوشة الاتنين الأشرار دول." تبسم صفوت قائلاً: "والله الاتنين الأشرار دول هما اللي محليين حياتنا. بكرة تتجوزي وتخلفي وتعرفي قيمة الولاد." شعرت زينب بغصة بقلبها، لكن رسمت بسمة قائلة بمزح:
"لو عندك عريس متعاون زيك كده يا بابا، يلا أنا موافقة." تبسم مجد الذي دخل قائلاً: "عريس إيه؟ إنتي هتعنسي، ده إحساسي. يا عانس آل السمراوي! يلا يا بابا، العشا جهز على السفرة." تبسم صفوت قائلاً: "مين اللي هتعنس دي؟ زينب ألف مين يتمناها." تبسم مجد قائلاً:
"طب يجي واحد من الألف دول، واحنا هنقوله ربنا يصبرك على ما بلاك. راجل مين يا بابا مستغني عن عمره يتجوز واحدة معاها الحزام الأسود في الكاراتيه، ده غير إنها دكتورة، يعني الغلطة معاها، يا بحش وسطه أو بضياع عمره." تبسمت هالة قائلة: "صدقت فيما قلت يا مجد. يلا خلونا نتعشى وبعدها ابقوا ناقروا في بعض." تبسمت زينب ليد صفوت الممدودة لها، ووضعت يديها بيده قائلة: "أنا بحبك قوي يا بابا." تبسم صفوت قائلاً:
"أنا بحبك أكتر. واللي مصبرني بعدك عني أنا وماما هو إننا نسمع إنك بصحة كويسة، بعيد عن التواء رجلك ده اللي ما كناش نعرفه. بس واضح كده الشرقية جاية على هواكي." تبسمت زينب وهي تجلس على مقعدها أمام السفرة قائلة: "جايه على هوايا جداً. كفاية بلاقي ناس أقلبهم في فلوس هوايتي الأولى من وأنا صغيرة. فاكر يا بابا لما كنت باخد مصروف من ماما وأجيلك تديني مصروف تاني؟
حتى لما روحت الفيوم وعشت مع عمتو كوثر الله يرحمها كنت بقلبها في فلوس. رغم الفلوس اللي كنت بتحوليها لي كل شهر بتكفيني وزيادة، بس هواية بقى عندي." تبسمت هالة قائلة: "وإيه حكاية الناس اللي قلبتيهم في الشرقية دول بقى؟ وبيدوكي فلوس ببساطة كده." تبسمت زينب:
"هقولك يا ماما علشان عارفة إنك فضولية. بصي يا ستي، أنا اللي اتسببت في التواء كاحل رجلي ده تاجر خيول وغني. خدت منه ربع مليون جنيه. في الأول كان معترض، بس لما قولت له سبب إني عاوزة التعويض ده، بصراحة متأخرش. حتى إنه شخص غريب، تصوري؟
محدش يعرف بأنه اتبرع بالمبلغ ده غيري أنا والحيوان مجد، ودلوقتي إنتي وبابا. واحد غيره كان اتباهى قدام أهل بلده زي ما عمل الراجل التاني ده. بعت الفلوس مع موظف بالوحدة. الموظف ده ما سابش كلب ماشي في البلد إلا وقاله عن رجل البر والتقوى. بس ما يهمنيش. اللي يهمني إنه بعت المبلغ وتستفاد الناس الغلابة بدل استغلال الدكاترة والمستشفيات الخاصة. وكمان بالربع مليون النهاردة قبل ما أجي للقاهرة مضيت على استلام عربية إسعاف مجهزة خاصة بالوحدة، تنقل المرضى اللي حالتهم صعبة. وده سبب تأخيري في الوصول. بس تعرفوا كمان عيني على واحد ناوي أما أرجع البلد أقلبه في مبلغ."
تبسم مجد قائلاً: "ومين ده اللي عليه الدور بقى؟ ردت زينب ببسمة: "عضو مجلس الشعب. ده سمعت إنه راجل بخيل، بس طبعاً مش معايا، وكمان إحنا داخلين على انتخابات برلمانية." تبسمت هالة: "طب بتقول بخيل، هيعطيكي إزاي؟ ردت زينب:
"ما هو محتاج يعمل بروباجندا عن نفسه هو كمان، وطبعاً هيتباهى إنه دفع لي المبلغ اللي هطلبه منه. كمان مش أي حد بيطلب منه هيعطيه. ناسيه إني مديرة الوحدة الصحية اللي مش بس بتخدم أهل الزهار، لأ كمان قُرى تانية جنبها. يا ماما النوعية دي من البشر مش بتتتبرع بفلوسها لله والوطن، دي رياء علشان يوصلوا لمناصب عالية. ما فيش غير رفعت الزهار ده اللي استثناء، معرفش ليه عطاني الفلوس بدون شهرة أو فشخرة كدابة."
رن اسم رفعت الزهار بأذني كل من صفوت وهالة. التي قالت: "يمكن له هدف تاني هيظهر بعدين. ما تأمنيش لحد." تبسم صفوت قائلاً: "هيكون له هدف تاني إيه؟ ممكن هو مش من النوعية اللي غاوية تتفشخر وتمن على الناس زي ما في نوعية الراجل التاني وعضو مجلس الشعب اللي بيعملوا الخير رياء أو شهرة أو لهدف في دماغهم. في نوعية بتعمل خير ومش مستنية شهرة." ردت هالة: "ممكن، الله أعلم بنوايا وخفايا القلوب. بس برضوا الحذر واجب مع الناس دي." ***
بمنزل صفوان. تحدث رامى قائلاً بحسم: "بعد كده ممنوع تروحي للمدرسة دي تاني. وعلى العموم المدة قصيرة عشر أيام مش كتير. يا دوب تجهزي نفسك وتشوفي البنات بيعملوا إيه لعرسانهم وتعمليه. على أساسي. وما تقلقيش مش محتاجة لجهاز عروسة، حتى شنطة هدومها هبعتلك كتالوجات تختاري منها اللي يعجبك، ومالكيش دعوة بالباقي." لم ينتظر رامى ردها وخرج من المنزل صافعاً خلفه الباب بقوة تكاد تخلعه من مكانه. بينما نظرت مروة لوالدها قائلة بغضب ساحق:
"إنت اللي قلت لرامي عن معاد العريس وخلّيته يجي لهنا علشان يطفشه؟ صمت صفوان كان الجواب. تنرفزت مروة قائلة: "قولي يا بابا. إمتى هتعرف إننا بناتك ومسؤولين منك؟
عارف إن سبب رئيسي من رفضي لرامي الزهار هو إنت. عمرك ما حسستنا إنك أب لينا، مش علشان زي ما بتقول كان نفسك في ولد يشيل اسمك ويتحمل مسؤوليتك أما تكبر، لأ، إنت كان نفسك في ولد علشان تتواكل عليه زي طول عمرك ما كنت متواكل على ماما في تربيتها لينا من غير ما تطلب منك أي شيء هي أو إحنا محتاجينه، حتى احتياجاتك كمان ماما أوقات كتير بتلبيها لك علشان بس ما تتعصبش عليها ولا علينا. يا خسارة يا بابا!
بس بوعدك الجوازة دي مش هتم ولو على موتي." قالت مروة هذا وغادرت وتركت صفوان ومعه فادية التي تبكي عيناها بقهر. نظر لها صفوان قائلاً بحجود: "عقلي بنتك يا فادية. هتلاقي جوازة زي دي فين؟ رامي الزهار من أسياد البلد وكمان مش هيحملنا أي مصاريف جهاز. وأهو إنتي سمعتيه بيقول حتى شنطة هدومها هيجيبهالها. عقبال الاتنين التانيين، نلاقي اللي يشيلهم عننا بنفس الطريقة. أنا خارج."
خرج ذلك الجاحد وترك فادية التي جلست تبكي بقهر سنوات تحملتها من البداية بسبب مروة، ثم من أجل أختيها. أرادت لهم حياة كريمة أمام الناس، لكن ذلك الجاحد كان أبعد عن الكرم بالنسبة لهن، لكن الآن ما باليد حيلة. *** بعد يومين صباحاً بقرية الزهار على ضفتي ذلك المجرى المائي بالقرية، كلاهما بناحية. كان يتسابق كل من رامي ووسيم كعادتهم السابقة. من حين لآخر يتقابلا وهما يتريضان بخيولهما، يتحدثان بصوت عالٍ. تبسم وسيم قائلاً:
"سلامات يا ابن الزهار. بقالي كذا يوم مشوفتكش. قولت لتكون سبت البلد من تاني." تبسم رامي قائلاً: "لأ، البلد دي بلدي وبلد أجدادي. بس كنت مشغول، وكمان لك عندي خبر." تبسم وسيم قائلاً: "خبر إيه؟ أتمنى يكون سعيد." تبسم رامي قائلاً: "معرفش بالنسبة لك سعيد ولا لأ، بس هقولك. أنا خلاص كتب كتابي وفرحي الأسبوع الجاي، وإنت والمهره مدعوين للحضور طبعاً. بس بلاش حضور هاشم الزهار، عاوز الفرح يعدي بسلام، مش بتفائل بوشه."
تبسم وسيم قائلاً: "ومين سمعك؟ وخالي هاشم زي غراب البين. بس مقلتليش من الفدائية اللي هتتجوز الوحش؟ من هنا من البلد ولا إسكندرانية." تبسم رامي قائلاً: "لأ، من هنا من البلد. اسمها مروة، بنت صفوان المنسي." لم يسمع وسيم اسم مروة ولا اسم والدها بسبب صهيل جواده العالي في تلك اللحظة. كل ما سمعه أنها من البلد. تبسم وسيم قائلاً:
"مبروك. واعمل حسابك إني شاهد على عقد الجواز. مش الإخوة أعداء، وما فيش عداوة أكتر من إني أشهد على تدبيسك." تبسم رامي قائلاً: "لأ، اطمن. إنت الشاهد التاني بعد رفعت، اللي أقنعته بصعوبة. بيقول لي المثل بيقول: 'امشي في جنازة ولا تمشي في جوازه'." تبسم وسيم قائلاً: "وهو رفعت ده هيفضل عازب لحد إمتى؟ ده خلاص قرب على ستة وتلاتين سنة. وكمان أنا عندي ليكي مفاجأة، بفكر أنا كمان أدخل القفص قريب." تبسم رامي قائلاً:
"بجد مبروك. ها، مين تعيسة الحظ؟ تبسم وسيم: "هتعرفي في وقتها، خليها مفاجأة. يلا، أنا بقى هتصل عليك بعدين نحدد وقت نتقابل ونقعد مع بعض قبل ما تتجوز وتنشغل مع العروسة ونتكلم فيه براحتنا. دلوقتي لازم أرجع للبيت آخد شاور علشان عندي محاضرة في الجامعة." رد رامي: "تمام، هستنى اتصالك." غادر الاثنان المكان، كل منهم يسير نحو طريق عكس الآخر. ***
بينما بمنزل صفوان، ارتدت مروة ملابسها وخرجت من الغرفة، لكن تصادمت مع والدها الذي نظر لها بتقييم قائلاً: "على فين دلوقتي؟ ردت مروة: "رايحة المدرسة، عندي حصص ولازم ألحق باص المدرسة قبل ما يمشي." رد صفوان بسخرية: "مدرسة إيه وحصص إيه؟ مش سمعتي كلام رامي بيه لما قالك ممنوع تروحي للمدرسة دي من تاني؟ خلاص فرحك فاضل عليه أيام." ردت مروة: "قولتلك قبل كده، الجوازة دي مش هتم." سخر صفوان قائلاً:
"الجوازة دي هتم ورجلك فوق رقبتك، وزي ما قال رامي ممنوع تروحي للمدرسة دي تاني." قال صفوان هذا ونادى على فادية بتعسف. آتت فادية ووقفت تقول: "إيه؟ بتنادي لي كده ليه؟ نظر صفوان لمروة قائلاً: "عقلي بنتك يا فادية. جاي لها نعمة وبترفصها برجليها." ردت مروة بتهكم: "جوازي من رامي الزهار نعمة في إيه؟ رد صفوان: "مش عارفة جوازك من رامي الزهار نعمة في إيه. أقل ما فيها هبقى نسيبه مش سايس عنده." نظرت له مروة بتهكم قائلة:
"نسيبه مش سايس؟ ما فيش فرق بين الاثنين. الاثنين في الآخر بتاخد عليهم نفس الأجر." رد صفوان: "لأ، في فرق كبير ليا بين العمال. أكيد هبقى رئيسهم مش سايس زيهم." ردت مروة: "حتى لو بقيت رئيسهم، هتفضل سايس برضوا. بابا، بلاش تبيعيني لابن الزهار بالرخيص." نظر لها صفوان بذهول قائلاً: "أبيعك بالرخيص؟ على العموم أنا قولت آخر ما عندي. ممنوع تروحي للمدرسة دي تاني، وإلا وقتها أمك تبقى طالق، وده مش أول طلاق بينا."
كلمة "طالق" أصمت ليست آذان مروة وفادية وحدهن، بل أيضاً آذان كل من هبة وليلى اللتان خرجن من الغرفة على صوت والدهن العالي دون شعور منهن. شقت عيونهن دمعة حسرة، فها هو من يفترض أن يكون سند لهن، يساومهن بخبث.
نظرت فادية لهن بحسرة، ليتها ما عادت لذلك الوغد سابقاً واكتفت بمروة فقط التي لم تكن أنجبت غيرها بذلك الوقت. لكن هي عادت لذلك الوغد سابقاً فقط من أجلها، حتى تتربى مروة بمنزل والداها أفضل أن تتركها وتتزوج برجل آخر كان من الممكن أن يعوضها عن ذلك الوغد. فضلت ذلك الوغد وعادت له وتحملت حياة البؤس معه فقط، لكن كانت سعيدة ببناتها وهن يكبرن أمامها يحققن جزء من أمانيهن، لكن ها هو الوغد يهدد إحداهن ويساوم عليها.
نظرن هبة وليلى لمروة، التي قالت بأسف: "للأسف إنت السبب إني برفض رامي، لأني عارفة إنك عمرك ما هتكون سند ليا قدامه لما يزهق مني." اقتربت منها ليلى قائلة: "إحنا سندك يا مروة، أنا وماما وهبة، سند بعضنا. بلاش توافقي على حاجة غصب عنك، دافعي عن قرارك، مش هنخسر حاجة. بابا طول عمره بعيد عن مسؤوليتنا." كذلك اقتربت هبة من مروة، توافق ليلى الرأي. لكن نظرت مروة لوالدتها التي تبكي بقهر وقالت:
"عمري ما هسيب لبابا فرصة إنه يطلق ماما تاني. بس كمان مش هتجوز من رامي الزهار لو فيها موتي. موتي أهون عليا." *** مساءً بشقة والد زينب بالقاهرة. كانت زينب ومجد جالسين بغرفة المعيشة. كان رامي مشغولاً بهاتفه يتصفح بعض الأخبار عليه، حين قالت زينب: "واد يا مجد، إيه رأيك تديني ألف جنيه سلف، وأديك أنا حتة بسبوسة من اللي معايا دي." رد مجد بسخط: "ليه؟ كانت بسبوسة بمية المحيا ولا بالبترول؟
وبعدين قاعدة على الكنبة كده ومددة رجلك ومبروك بضهرك واخده راحتك، مش حاسة إنك حاطة رجلك على ركبي ورجلك بالجبس تقيلة؟ حوشي رجلك من على ركبي وانسى. مش معايا فلوس. روحي خدي من الربع مليون اللي أخدتيهم تعويض عن كسر رجلك. إنتي اللي بتاخديه مني بيطير مش بيرجع تاني." ردت زينب بدلال: "لأ، دي بسبوسة بالقشطة وعسل النحل البيور. وبعدين عيب عليك يا ميجو، مش أخويا اللي بيقبض بالدولار؟
هتجيب الألف جنيه ولا أنشر الفيديو بتاعك وعليه شوية تحابيش من عندي." أغلق مجد هاتفه ووضعه على منضدة أمامه وأزاح قدميها من على ركبتيه ونهض قائلاً: "هو أنا مقولتلكيش؟ مش هناك في جبل عتاقة قطعوا كل وصلات النت، حتى شبكة المحمول مش بتلقط. غير كمان رئيسي المباشر اترقى وسافر للفرع الرئيسي للشركة في الخليج، واللي جاي مكانه لسه مستلمش مهامه، عقبالي كده يارب ما أترقى وأهج من وشك. شوفي غيري بقى. ألقبيه في الألف جنيه."
قال مجد هذا وشاور لها بيده وهو يخرج من الغرفة بأصابعه قائلاً: "تصبح على خير يا مفلسة دائماً. شوفي غيري قلبيه. في دكتورة زيك كده عايشة على تقليب أخوها الغلبان؟ يا بنتي، شوفي الدكاترة التانيين واعملي زيهم وبلاش تفضلي طول عمرك فقيرة." نظرت زينب له بغيظ، لكن سرعان ما تبسمت بعد أن وجدت ضالتها. سريعاً، أخذت ذلك الهاتف الذي نسيه مجد على الطاولة وقالت له:
"وإنت من أهله يا ميجو. حلو الفون أبو أربع كاميرات ده. أبيعه بالألف جنيه وبارك الله فيما رزق. ربنا كريم، يقطع من هنا ويوصل من هنا." عاد مجد سريعاً يقول: "هاتي الموبايل بتاعي يا زينب! فون إيه اللي بأكتر من اتناشر ألف جنيه وهتبيعه بألف جنيه علشان سرقاه؟ تبسمت زينب قائلة بخضة: "بتقول الفون بكم؟ ليه؟ عالعموم مش مهم. أبيع فوني القديم وأشتغل بده وأتمنظر عال مقاطيع اللي شغالين معايا في الوحدة. وأهو أبقى حللت السرقة."
اقترب مجد منها وقال: "تحللي إيه؟ هاتى الفون وبطلي هزار، ومعيش ألف جنيه." تمسكت زينب بالهاتف قائلة: "خلاص مش عاوزة منك وشك حاجة. حلو الفون ده." حاول مجد خطف الهاتف من زينب، لكن تمسكت به بقوة مما جعله يحاول أخذه منها بالقوة قائلاً: "هاتي الفون لا يتكسر في إيدينا." ردت زينب: "وماله؟ هو لسه في فترة الضمان؟ هو مدة ضمانه قد إيه؟
لكن قبل أن يرد مجد على زينب، رن الهاتف في يد زينب. نظرت للشاشة، ثم نظرت لمجد الذي رأى من يتصل عليه وسئم وجهه مثلما سئم وجه زينب قائلة: "سميح بيتصل عليك ليه؟ تعثلم مجد قائلاً: "معرفش والله. بقاله حوالي أسبوعين كده كل يوم والتاني يتصل عليا ويلف ويدور، وفي الآخر ينهي المكالمة. بس اللي عرفته إنه طلق مراته من شهرين كده." تعجبت زينب قائلة: "طلقها ليه؟ مش معاه منها بنت وبينهم عشرة؟ عالعموم، خد فونك. أهو تصبح على خير."
أعطت زينب الهاتف لمجد ونهضت وتركته، يشعر أنها مازالت تشعر بذلك الجرح القديم. حزن بشدة، ليته لم يرد على ذلك التافه سابقاً، ربما ما كان عاود الاتصال عليه مرة أخرى.
بينما دخلت زينب لغرفتها وأغلقت الباب خلفها. توجهت تجلس على مقدمة فراشها. فجأة شعرت بدوخة بسيطة. أغمضت عيناها ونهضت وتوجهت إلى تلك التسريحة بغرفتها. فتحت إحدى الأدراج وأخذت منها شريط دواء، تناولت منه حبة وارتشفت بعدها بعض قطرات المياه تبتلعها بها. لم تتحمل الوقوف على ساقيها، جلست على مقعد التسريحة ونظرت إلى انعكاسها بالمرآة. رأت نفسها فتاة قبل سبع سنوات. *** فلاشـــــــــــــــــــباك. الفيوم.
للتو فرحة كبيرة، فأخيراً بعد سبع سنوات قضيتها بدراسة الطب تخرجت، لكن كان هناك عقبة أمامها وهو جواب التكليف الخاص بها. ربما يأتي بمكان بعيد عن الفيوم التي تقطن بها بمنزل (كوثر)
عمة والدها، التي لم تُنجب وأخذت زينب من والديها وهي بحوالي الثالثة عشر من عمرها لتعيش معها بذلك المنزل الكبير الذي تركه لها زوجها وتعيش من معاش زوجها الكبير. بعد وفاة زوجها، فهو كان يعمل بمصلحة الضرائب كما أنه كان ميسور الحال وترك لها أيضاً عمارة صغيرة تأتي لها بريع جيد مقابل تأجير بعض الشقق. لكن لم يرد الله لهم الذرية. عوضت أمومتها حين أخذت زينب من والديها لتعيش معها. كانت هي كل حياتها، وهبتها حبها ودعمها. حتى هي من أدخلتها إلى أحد نوادي الفيوم الكبيرة تتعلم فيها
رياضة الكاراتيه لسببين: الأول تقوية جسدها الذي كان ضعيفاً في ذلك الوقت، وأيضاً الشجاعة والعنفوان وقوة الشخصية. وبالفعل اكتسبت زينب كل تلك الصفات وكبرت على أنها صاحبة قرار قوية لا تهاب من شيء. لكن شعرت كوثر أن لو ابتعدت زينب عنها ستشعر بفراغ كبير بحياتها. كان هناك حل واحد هو زواج زينب أو عقد قرانها من أحد يجعلها تبقى بالفيوم ويأتي لها خطاب التكليف هنا بأحد الأماكن بالفيوم. كان هناك قصة حب في مهدها أو بالأصح إعجاب من زينب بذلك الفتى
(سميح)
ابن أخ زوج عمتها الراحل والذي يعمل بمصلحة الضرائب وميسور لحد ما. فزوج كوثر وزع ممتلكاته قبل أن يتوفى وأعطى لكل مستحق منهم حقه بالشرع وفصل المنزل من حق زوجته. كانت تسير العلاقة بين زينب وسميح ببطء شديد، ربما كان هذا من صالح زينب. طلبت كوثر من سميح الذي كثيراً ما يودها أن يعقد قرانه على زينب قبل أن يتم توزيع التكليف فتضمن بقاء زينب معها بالفيوم. وبالفعل امتثل سميح وزينب لهذا الأمر بترحيب من زينب، لكن لم تكن تعلم خفايا القلوب الطامعة، لكن ربما من رضا ربنا عليها أظهر لها حقيقة مشاعر سميح اتجاهها قبل ليلة عقد القران.
مساءً، أتى من القاهرة والد ووالدة زينب، وكذلك أخوها مجد، من أجل عقد القران. كانت زينب تشعر بسعادة لا تنكرها. حين دخلت عليها هالة قائلة: "كان نفسي تتجوزي جنبي في القاهرة وترجعي تعيشي قريبة مني." تبسمت زينب قائلة: "وهي الفيوم بعيدة يا ماما؟ دي ساعة ونص بينها وبين القاهرة. وكمان الجو هنا في الفيوم صحيح حر عن القاهرة، بس خلاص اتعودت عليه وصحتي شكلها جت على الجو هنا." تبسمت هالة:
"ربنا يديكِ الصحة يارب وتفرحي كمان وكمان. بس مقولتليش قبل كده إن في عواطف بينك وبين سميح؟ بصراحة أنا مش بستريح لمامته ولا هو كمان، بس واضح إنه شاريكي وطلب كتب الكتاب قبل توزيع التكليف الخاص عشان ما تروحيش بعيد عن الفيوم." تبسمت زينب قائلة: "بصراحة مش عارفة إن كانت مشاعري ناحيته حب أو إعجاب، بس مع الوقت حتى لو إعجاب، العشرة ممكن تحول الإعجاب ده لحب." تبسمت هالة وقالت: "أكيد أهم من الحب التفاهم بينكم. ربنا يسعدك."
تبسمت زينب لها، ولكن في ذلك التوقيت رن هاتف زينب. تبسمت وهي تنظر للشاشة ثم لوالدتها. فهمت هالة أن زينب تريد الاختلاء والتحدث مع سميح وحدهما، فقالت: "هنزل أشوف باباكِ ومجد فين، وكمان أقعد شوية مع عمتي كوثر." تبسمت زينب. بعد أن غادرت هالة الغرفة، ردت زينب على الهاتف. تحدث سميح: "إيه يا زينب؟ كل ده على ما تردي؟ أنا قولت لتكوني نمتي." ردت زينب: "لأ، ما كنتش نايمة، بس ماما كانت معايا في الأوضة وخرجت." تبسم سميح قائلاً:
"بكرة هتبقي حرم سميح متولي." ردت زينب قائلة: "ده مجرد كتب كتاب، لكن لسه وقت على ما يتم الجواز رسمي. وقتها أبقى حرم سميح متولي." تبسم سميح قائلاً: "مش وقت ولا حاجة. قبل شهور هنكمل بقية جوازنا." تبسمت زينب: "اللي في أمر ربنا هو اللي هيكون." في ذلك الأثناء، فتح مجد غرفة زينب قائلاً: "بلاش رومانسيات عالصبح. العشا جاهز وعمتو كوثر بتقول مش هناكل قبل ما زوزي تنزل تتعشى معانا. إحنا متعودين على كده كل يوم." تبسمت زينب قائلة:
"تمام، غور إنت وأنا دقيقتين وهحصلك عالسفرة." تبسم مجد قائلاً: "غور إنت؟ طب بلاش اللفظ ده. زمان سميح سمعه يقول: 'اتورطت في بومة'." اعتاظت منه زينب وقامت بحذفه بإحدى الوسادات قائلة: "بومة يقلع عينك. غور من وشي، هحصلك على طول." تبسم مجد وغادر. بينما سمعت زينب صوت ضحكات سميح الذي قال: "مجد عنده حق. في دكتورة رقيقة وتقول: غور." سخطت زينب منه قائلة:
"هو اللي واد سمج. عالعموم، كفاية كلام بقى. هنزل أتعشى علشان أنام بدري. اليوم بكرة طويل. لسه هنزل أنا وماما وعمتو كوثر نشتري فستان للخطوبة وكمان بقية التجهيزات التانية." تبسم سميح قائلاً: "تمام، إلى اللقاء في الغد يا حرم سميح متولي." تبسمت زينب وظنت أن سميح أغلق الهاتف وذهبت لتضعه على الشاحن، لكن سمعت صوتاً مازال يأتي من الهاتف. وضعت الهاتف على أذنها، وكانت ستتحدث، لكن سمعت ما جعلها تصمت وتتسمع.
حين سمعت صوت والدة سميح تتحدث معه باستنهاج قائلة: "كنت بتكلم مين؟ أكيد الدكتورة اللي كوثر خايفة تبعد عن حضنها وأمرتك تتجوزها." رد سميح: "أنا محدش يقدر يأمرني أعمل حاجة مش عاوزها. ومرات عمي فعلاً طلبت مني أكتب كتابي على زينب عشان مكان التكليف بتاعها يجي هنا في الفيوم قريب منها. وأنا لو مكنتش مقتنع مكنتش وافقت." ردت والدة سميح بتهكم: "مقتنع بإيه بقى؟
عاوز تورط نفسك مع زينب وتتجوزها وهي ورثت مرض عمة باباها ومش بعيد كمان تبقى زيها عاقر ومتخلفش. وقتها هتضيع شبابك زي عمك ما عمل مع كوثر واستحمل قلة خلفها عشان بيحبها." رد سميح:
"زينب صحيح ورثت مرض كوثر مرات عمي، بس الله أعلم موضوع الخلفه ده بأيد ربنا. وكمان متنسيش إن مرات عمي كتبت كل أملاكها باسم زينب، البيت وكمان العمارة اللي مأجرة شققها اللي ورثتهم من المرحوم عمي. يعني ده يشفع مرض زينب. وبالنسبة لحكاية إن زينب ممكن تطلع عاقر زي عمة باباها دي مش مؤكدة، وحتى لو اتأكدت، ليها حل وقتها ممكن أتزوج واحدة تانية، وأكيد وقتها زينب مش هتمانع لو كان فعلاً منها عيب في الخلفه."
تبسمت والدة سميح له بظفر، غير منتبهين أن سميح لم يغلق الهاتف، وسمعت زينب حديثهم اللئيم. رمت زينب الهاتف على الفراش. بداخلها تشعر بحرب ضارية تفور بعقلها. ذالك سميح ما هو إلا طامع بما سترثه من عمتها. ماذا لو تحقق قول والدته؟
كانت عاقر مثل عمة والدها. هو ليس كزوج عمها الذي تقبل قدره وتعايش معه بتصالح وطيب خاطر مع من عشقها قلبه. لكن هذا الطامع قالها صراحة، سيتزوج بأخرى وقتها. هنا شعرت زينب بقدر من المهانه لها. هي ليست من وضعت ذلك المرض بجسدها التي تعايشت معه منذ أن كانت بالثانية عشر. كان قدرها وتقبلته وتغلبت عليه بقوة وصلابة. والآن لا، لن تكون فريسة لذلك الطامع. لكن لا مانع من تلقينه درس قبل أن تنهي ذلك الزواج الذي من رحمة ربنا عليها أن أنار لها الطريق قبل أن تسير بطريق معتم مع ذلك الطامع.
تحملت زينب حزنها بقلبها ورسمت بسمة أمام الجميع. إلى أن دخل المأذون إلى أحد غرف المنزل واستقبله سميح ومعه والدها، وكذلك والد سميح وأخيه، وكان معهم مجد بعض الأقارب أيضاً. جلس المأذون مبتسماً يدعو بالزواج السعيد المبارك، ثم قال: "فين عروستنا؟ يا ريت حد يناديها علشان ناخد موافقتها على كتب الكتاب وكمان تقول مين وكيلها." بالفعل ذهب سميح ليناديها وعاد وهي خلفه. تبسم لها المأذون قائلاً:
"أهلاً بالعروس. مبروك بالرفاء والبنين إنشاء الله." غص قلب زينب عن أي بنين يدعو لها، وذلك الطامع يتمنى أن تكون عاقراً لا تنجب له. وقفت زينب صامتة. بينما قال المأذون: "موافقة يا عروس على عقد قرانك للسيد سميح متولي." نظرت زينب لسميح ثم لوالدها واقتربت منه قائلة: "لأ، مش موافقة. أنا كنت مضطرة على كتب الكتاب ده، بس خلاص الأمر اللي كنت مضطرة عشانه اتحل خلاص، يبقى ملوش لازمة كتب الكتاب ده." تعجب جميع الجالسين بالغرفة.
تحدث المأذون: "راجعي نفسك يا بنتي." ردت زينب: "راجعت نفسي وكمان استخارت ربنا وده اللي هداني ليه." نهض المأذون قائلاً: "كل شيء قسمة ونصيب. هستأذن أنا." بالفعل غادر المأذون وخلفه بعض الذين كانوا جالسين بالغرفة يتهامسون فيما بينهم عن ذلك الأمر الذي رفضت بسببه زينب تكملة عقد القران. وقف سميح مصدوماً مزعوجاً يقول: "ليه عملتي كده وصغرتيني قدام أهلي وكمان المأذون؟ ردت زينب بشموخ:
"عملت كده لأني عرفت إنك شخص طماع، وما كان قبولك لكتب الكتاب عشان مصلحتي ولا مشاعر بتحس بها ناحيتي، لأ، ده كان عشان طمعان في البيت ده وكمان العمارة اللي عمتو كوثر كتبتهم باسمي. صعبانين عليك إنت والست مامتك. وأحب أقول لك إن فعلاً خلاص جواب التكليف جالي في أسيوط وهستلم من أول الشهر، يعني مستغنية عن كرماتك. شوف غيري تطمع فيها."
صعق سميح. كيف علمت زينب بهذا الحديث الذي قالته. زينب جعلت منه مسخة أمام أهله، ليس أهله فقط، فقد كان بالبيت بعض الغرباء وعلموا أن زينب هي من رفضت عقد القران. خسر زينب التي كان يكن لها مشاعر غير الطمع، لكن سيطر عليه وقتها الطمع ليخسر كل شيء حتى زينب، الذي حاول مراراً استرجاع فقط أن تكون صديقة له، لكن رفضت حتى التحدث معه وابتعدت عن الفيوم بعدها. لم تذهب لها المرة الواحدة يوم وفاة عمتها والدها ووقت دفنها، ثم تنقلت من مكان لآخر بسبب عملها كطبيبة.
*** عودةــــــــــ.... حين انتبهت زينب على فتح باب غرفتها، عادت من تلك الذكرى الأليمة لها. ونظرت لدخول سميح قائلاً: "زينب أنا والله، قلت لسميح معدش يكلمني تاني. سميح ده أصلاً من زمان مكنتش بستريح له." تبسمت زينب. تحدث مجد قائلاً: "جبت لك الألف جنيه اللي طلبتيه أهو علشان متزعليش مني." تبسمت زينب ونهضت واقفة وحضنت مجد قائلة: "طالما جبت الألف جنيه رشوة معاك مش زعلانة." تبسم مجد قائلاً:
"بس الألف جنيه مش رشوة، دول سلف وهترديهم. وعلشان أضمنك جبت معايا وصل أمانة علشان تمضي عليه." خطفت زينب المال من يد مجد قائلة: "وصل أمانة إيه يا أبو وصل؟ من إمتى اللي بقلبه منك بيرجع لك تاني." نظر لها مجد قائلاً: "خدي بالك لما بتاخدي مني حاجة غصب، بعدها ربنا بينتقم لي منك. فاكرة المرة اللي فاتت لما قلبتيني في الفلوس اللي كانت معايا؟
أهو رجعتي بعدها لهنا رجلك مكسورة. المرة دي إنشاء توقعي في حيوان يخلص حقي منك ويتجوزك ويصبحك بعلقة ويمسيكي بعلقة بالكرباج اللي كنا بنشوفه في الأفلام القديمة." تبسمت زينب قائلة: "دا أنا كنت جبت له عاهة مستديمة ومسحته من سجل الذكور." *** بمنزل هاشم بغرفة وسيم.
لا يعرف سبب لشعوره بالضجر. الوقت مازال باكرًا فالساعة لم تتعد السابعة مساءً. تذكر ليلى التي مازالت لا تأتي للجامعة. وقوله لزملائها أن يقولوا لمن لا يحضر المحاضرة والسكشن العملي أن هناك درجات على الحضور وعليهم إخبار زملائهم الغائبين. فكر في ذلك كي تعود ليلى لحضور المحاضرة، لكن هو لا يفكر بليلى، هو يفكر بطريق يدخل به ليتعرف على أختها. شعر بالضجر، فنهض حاسماً أمره، سيذهب إلى تلك الصيدلية الذي التقى بمروة بها للمرة الوحيدة، وسيسأل تلك الصيدلانية عنها ويعرف كل شيء.
بالفعل بعض دقائق، دخل إلى الصيدلية ووجد فتاة لكن كانت تُعطيه ظهرها. تحدث قائلاً: "مساء الخير." استدارت الفتاة له قائلة: "دكتور وسيم." *** في نفس الوقت بسرايا رضوان الزهار.
مازال الوقت مبكراً، لكن شعر رفعت ببعض الإنهاك فذهب إلى غرفته لأخذ حمام بارد وتغيير ثيابه. ارتمى على الفراش يزفر أنفاسه، يشعر بسأم وملل لا يعرف سببهما. أغمض عينيه لتسحبه غفوة ليرى بها نفسه كان يقف أسفل سلم تلك السرايا العتيقة. رفع رأسه لثانية رأى زينب تنزل بذلك الرداء الأبيض تبتسم. هي كالنجمة متوهجة في ليلة بدر مكتمل بليالي الصيف الهادئ. لا يدري كيف غنى دون وعي منه: "لما النسيم بيعدي بين شعرك حبيبتي بسمعه بيقول آهات
وعطورك الهادية اللي دايبة فيكي كل ما تلمسك بتقول آهات عايزاني ليه لما تقوليلى بعشقك مصر؟ أخش وأملي الكون آهات يا نجمة كل ما ضيها يلمس حجر يعلى ويتحول قمر بكتب حروف اسمك بحبات الندى على كل أوراق الشجر مين اللي يقدر يعشقك قدي أنا؟ مين اللي يقدر يوصفك زي أنا؟ يا حلم نفسي تحلمه كل القلوب يا أعلى إحساس شدني خلاني أدوب خلاني أحس إني بشر عايزاني لما تقوليلى بعشقك مصر؟ أخش وأملي الكون آهات"
حين اقتربت منه ضمها بين يديه ومال ليقبلها، لكن.... استيقظ من غفوته. أيعقل أنه وقع بعشق تلك الطبيبة الشرسة؟ ما بها دون عن غيرها؟ ليتها ما وقعت أمام حصانه ذاك اليوم، من وقتها سكنت خياله، رغم لذعة لسانها وشراستها القوية حين سبته وكادت تتهجم عليه. لاااااا، العشق ليس مدرج بقوانين الانتقام. مستحيل. رحلة انتقامه لم تنتهِ بعد. لماذا ظهرت الآن لتُضعف قلب المنتقم المشتعل بنيران الماضي؟
لا لن تكون. لكن ليس هناك هرب من العشق. فالعشق مثل النيران يشتعلان دون إنذار وبلا إرادة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!