الأخوة سند، مهما طال الغياب ها هو يعود يُرجع لها الشعور بالأمان التي افتقدته لسنوات. كانت تخاف حتى وهي بكنف زوجها الذي لم يشعرها معه يوماً بالأمان. تبسم نعمان وهو يرى فادية تدخل عليه بصنية عليها كوبان من الشاي وجوارهما قطع من الكيك. تبسمت له فادية قائلة: عملت لك كيكة البرتقال زي اللي أمي زمان كانت بتعملها لنا في الأعياد.
تبسم نعمان بغصة في قلبه، تذكر وفاة والدته وهو بالغربة. لم يستطع النزول لمصر وقتها وآخذ عزاءها. كم هو ألم بقلبه ما زال مرافق له، حتى الوداع الأخير له مع أمه حُرم منه قهراً. حاول نعمان مداراة تلك الدمعة بعينيه وقال: فين البنات؟ ردت فادية: ليلى راحت الصيدلية وهبة زمانها على وصول من الدرس.
تبسم نعمان يقول: هي مش امتحانات ليلى خلاص قربت، المفروض تركز في دروسها ومالوش لازمة شغلها في الصيدلية ده، وكما أوقات بتتأخر والسكك مبقتش أمان. تنهدت فادية قائلة: والله بيفضل قلبي ملهوف عليها لحد ما ترجع بالليل. وقولت لها طالما خلاص امتحاناتك قربت، بلاش تشتغلي الفترة دي. خذي إجازة لحد ما تخلصي امتحاناتك والحمد لله معايا قرشين من بقية الجمعية اللي مروة كانت عاملاها. رامي ربنا يستره ما كلفناش حاجة خالص في الجهاز.
تبسم نعمان يقول: أنا زعلان منك يا فادية. ليه اشتغلتي وبهدلتي نفسك أنتِ وبناتك؟ ليه ما كنتيش بتصرفي من الفلوس اللي كنت بحولها لكِ. شعرت فادية بالخجل قائلة: دي كانت فلوس غربتك يا أخويا ودول كانوا بناتي وأنا ملزمة بيهم. أنت كنت في غربة وعاوزني أصرف فلوسك؟ ولما تنزل متلاقيش حاجة تعيش منها.
تبسم نعمان بغصة قائلاً: الفلوس دي كنت ببعتها مصاريفك يا فادية. أنا كان معايا غيرها الحمد لله، ربنا كان رزقه عليّ واسع، بفضل دعوات أمي...
ووقف لي أولاد الحلال في الغربة. حتى لما رجعت لهنا ربنا كمان وقف لي أولاد الحلال. عارفة الأرض اللي زمان كنا بنأجرها ونزرعها، ابن صاحبها الله يرحمه مالوش في الزراعة وكان عارضها للبيع وخلاص. ربنا كرمني واشتريتها وناوي أهد البيت القديم بتاعنا وأبني بيت كبير شوية. الأرض هعمل مزرعة شتلات للزهور صغيرة على قدي كده أسترزق منها وأشغل نفسي بدل الفضا. تبسمت فادية بفرحة: مزرعة صغيرة؟
دي أرض تيجي على تلات فدادين وأكثر. ربنا يرزقك يا أخويا. طول عمرك كنت بتحب الزرع والخضار. أنا فاكرة الشتلات اللي كنت بتشتلها فوق سطوح بيتنا، وكنت بتبيعها جنب وظيفتك الحكومية. على فكرة وظيفتك لسه مستنياك، أنا كنت بدفع لك كل سنة تمن الإجازة للحكومة. قولت الزمن مش مضمون ممكن تحتاج لمعاشك منها في يوم.
تبسم نعمان يضم فادية قائلاً: ظلمتك يا فادية لما سبتك أنتِ وأمي زمان وهجيت من البلد شريد. كان لازم أقاوم علشان خاطرك، بس وقتها كنت ضعيف. حتى صفوان كمان كان ندل، بدل ما يصون الجوهرة اللي في إيده والنِعم اللي ربنا أنعم عليه بيها، رفضها برجله. متأكد ربنا يعوضك في النهاية في بناتك وتفرحي بيهم. ومن النهارده خلاص أنتِ وبناتك ملزمين مني وليلى معدتش تشتغل وتركز في مذاكراتها، حتى هبة متحمليش هم مصاريفها وأنتِ كمان خلاص ممنوع تلفي على البيوت تاني تبيعي أو تشتري طيور. خلاص زمن الشقاء انتهى.
*** خرج رفعت مع فابيو وأوصله لإحدى السيارات وأمر السائق بإيصاله إلى أمام منزل هاشم الزهار. ثم توجه إلى مكان الحرس خلف بوابة السرايا. وقف مع قائد الحرس قائلاً بحسم: سبق وقلت محدش يدخل غريب للسرايا بدون إذن مني أو من رامي. مين اللي سمح بدخول الشخص ده من بوابة السرايا؟ رد قائد الحرس: مش أنا يا أفندم. ده دخل في المناوبة السابقة. وأنا لما عرفت فوراً عاقبت الحارس اللي سمح بدخوله واستغنيت عنه.
رد رفعت: تمام. والحارس ده فين لو لسه هنا؟ ابعته ليا المكتب كمان نص ساعة، عاوزة أتكلم معاه قبل ما يمشي من هنا. أومأ له قائد الحرس بموافقة قائلاً: تمام حضرتك. هو كان في سكن الحراس بيلم متعلقاته، هبلغه يجي لحضرتك. ترك رفعت الحرس وعاد يدخل إلى السرايا. ذهب إلى غرفة الصالون، لكن لم يجد زينب بها. نادى على إحدى الخادمات التي لبت نداؤه سريعاً: قال بسؤال: فين الدكتورة؟ ردت عليه: الدكتورة طلعت لأوضتها.
رد رفعت: تمام، روحي شوفي شغلك. بينما دخلت زينب إلى غرفتها بالسرايا، شعرت بإرهاق. شعرت بحرارة الطقس. خلعت عنها جاكيت البذلة النسائية التي كانت ترتديها، وفتحت أزرار بلوزتها التي كانت أسفله. شعرت ببعض الإرهاق، نامت بظهرها على الفراش قائلة: منك لله يا همجي. حاسة إني عاوزة أنام مقومش من على السرير. كل ده بسبب البنج اللي كل شوية ترشه في وشي. نفسي أديك منه بختين أنيمك يوم بطوله أرتاح من شوفة وشك. يا همجي.
رغم غيظ رفعت من فضول زينب، لكن حين فتح باب الغرفة الخاصة بها وسمعها تبسم قائلاً: للأسف أمنيتك مش هتحقق يا دكتورة، مش هترتاحي من وشي. انخضت زينب ونهضت جالسة على الفراش تزم طرفي كنزتها تغلقها على جسدها قائلة: فعلاً همجي. مفيش مرة تخبط على الباب قبل ما تدخل. وبعدين داخل أوضتي ليه دلوقتي. تبسم ساخرًا رفعت ليس فقط من قولها
بل إغلاقها لملابسها وقال: سبق وقلت إنك مراتي وأدخل أوضتك بدون استئذان عادي. بس ده مش موضوعنا دلوقتي. أنا جاي أسألك ليه سمحتي لفابيو إنه كان هيبوس إيدك من شوية. ردت زينب: مين فابيو؟ آه ضيفك اللي كان في الصالون. وسأل على البومة ريما. عادي هو مد إيده يسلم عليا، وأنا مديت له إيدي عادي زي أي شخص بسلم عليه. بس هو فاجئني وكان هيبوس إيدي، لو ما كنتش أنت حطيت إيدك فوق إيدي. شكله جينتل مان. سخر رفعت قائلاً: جينتل؟ جينتل إيه.
أكدت زينب قولها له بأغاظة: جينتل مان. اقترب رفعت من مكان جلوس زينب على الفراش وشدها من معصم يدها لتقف أمامه وقال بعصبية: اللي يسمعك يقول كنتِ مبسوطة وهو بيوطى عشان يبوس إيدك وكان نفسك يبوسها. حاولت زينب سلت معصم يدها من يد رفعت وقالت له: سيب إيدي. وبعدين أنا لا مبسوطة ولا مضايقة. وإنت إيه اللي يضايقك في كده؟ ضغط رفعت على معصم يد زينب بقوة، لو سحقه من فرط الغيرة اللي شعر بها، من نظر ذاك الحقير لزينب. لكن زينب
شعرت بوجع معصمها وقالت له: رفعت سيب إيدي. نظر رفعت لزينب ودون سابق إنذار ترك يدها ودفعها لتقع على الفراش خلفها. وقبل أن تنهض كان يجثو بجسده فوق جسدها، يلتهم شفاها في قبلات متملكة. لكن زينب شعرت بالاختناق ودفعته بيديها كي يبتعد عنها. لكن كان غياهب عقله يود أن يُمحى عقله. لمسة يد فابيو ليد زينب. ترك شفاها لكن ما زال فوقها. نظر لوجهها وهي تلهث تلتقط أنفاسها. تنظر
عيناها له وقالت بنهجان: حقير همجي. ابعد عني خلاص بقيت بكرهك متقربش مني تاني. وإيه اللي يضايقك إني أتكلم مع فابيو أو حتى يبوس إيدي. إنت أكدت لي إنك حيوان فعلاً وكل اللي في دماغك السيطرة على اللي حواليك. بس أنا خلاص يا رفعت كرهت السيطرة دي. ومش هسمح لك إنك تمنعني من الخروج من السرايا. وهرجع من بكرة لشغلي في الوحدة وتأكد في أقرب وقت هسيب لك الزهار وألعن فيها براحتك. المهم تولع وأنا بعيد.
نهض رفعت من فوق زينب ينظر لها ببغض ليس لها بل لنفسه، بسبب ضعفه أمامها وغيرته حين لمس فابيو يدها. خرج رفعت دون حديث صارخاً خلفه باب الغرفة. وقف يتكئ على حائط الغرفة يشعر بنيران بجسده، نيران قوية. زينب أصبحت توعد بالرحيل. كانت سابقاً تهدد أما الآن توعد. يؤلمه هذا الوعيد. لا يريدها أن تبتعد عنه. أيعود للغرفة، ويطلب منها عدم قولها مرة أخرى أنها ستغادر وتتركه. لن يقدر على ذلك بداخله نار قوية تنهشه. نار أقوى من نار الانتقام اللي في عقله. هو حائر بين قلبه اللي يريد زينب فقط بعيد عن أي انتقام وعقله اللي يريد القصاص لحريق الماضي اللي ما زالت نيرانه مشتعلة أمام عيناه.
هل نيران العشق أقوى من نيران الماضي؟ لا. زينب توعد بالرحيل. لترحل وتبتعد عن تلك النيران التي يشعر أنه اقترب إشعالها. بينما زينب بداخل الغرفة ما زالت نائمة على الفراش. قلبها مشتعل من ذاك الهمجي. تود إنقاذه من تلك النيران، لكن هو مع الوقت يتجه إليها بخطوات سريعة. تذكرت بالأمس حين عزفت عن قولها له أنها ستترك العمل بالزهار وتظل بها من أجل رفعت. كان ذلك بعد أن ذهبت برفقته إلى ذاك الغداء. *** *** فسحة الذاكرة ***
بسوهاج بحوالي الواحدة والنصف ظهراً بالدوار. استقبل محسن رفعت الذي كان يمسك بكف يد زينب. دخل محسن بهم إلى غرفة الضيوف. وجدوا باستقبالهم امرأة شابة في أواخر العقد الرابع من عمرها، لكن من يراها يجزم أنها لم تتم الخامسة والثلاثين. ورجل كهل يبدو عليه أيضاً الاحترام والهيبة. تبسمت لهم رشيدة مرحبة تقول: أهلاً بكم في بيتنا المتواضع. ترك رفعت يد زينب ومدها ليصافح يونس مبتسماً.
تحدث يونس بحفاوه: أهلاً بكم في بلدنا. مش بس بلدنا اللي نورت، سوهاج كلها نورت. تبسم رفعت: سوهاج منورة بأهلها وبحضرتك. تبسمت رشيدة قائلة: هنضيع الوقت في الترحيب؟ خلونا نتغدى الأول. الغدا جاهز وكمان يكون بعدها الكلام وإحنا بينا عيش وملح. اتفضلي يا..... رد رفعت: مراتي. دكتورة زينب. تبسمت رشيدة قائلة: أهلاً وسهلاً يا دكتورة. اتفضلوا، ندخل أوضة السفرة.
بالفعل دخلوا إلى غرفة السفرة كانت عامرة بأفضل الأطعمة. لاحظت رشيدة أن زينب لم تأكل أي نوع من أنواع اللحوم. تبسمت قائلة: واضح إن الدكتورة بندارية. اطمني يا دكتورة كل اللحوم اللي على السفرة دي تربية بيتي يعني لا متهرملة ولا واخدة علاجات قد كده. وكمان طبيخ إيدي أنا وأمي نرچس اللي تبجى حماتي. بس هي نعست من شوية بتاخد تجيليها.
تبسمت زينب قائلة: هو واضح جداً إن الطبيخ شهي جداً. بس أنا للأسف مش باكل أي نوع لحوم من صغري. كانت بتسبب لي قرحة في المعدة فبطلتها من وقتها. تبسمت رشيدة تقول: فعلاً الواحد طبيب نفسه واللي يضره ما ياكلوش. صحة وهنا يا دكتورة. تبسمت زينب وعادت تأكل تشعر بالألفة تجاه هذه السيدة التي تبدو شخصيتها قوية. بعد قليل انتهى الغداء. نهضوا من أمام طاولة السفرة ودخلوا إلى غرفة الضيوف بالدوار.
لكن سرعان ما قال حسين: إيه رأيك يا رفعت بيه نسيب الدكتورة شوية ونروح للأسطبل معايا. تبسم رفعت بموافقة ونهض وغادر مع حسين. استأذن يونس هو الآخر بسبب ذاك الاتصال الهاتفي الذي أتاه.
ظلت زينب ورشيدة فقط. كانت زينب مبتسمة تتحدث مع رشيدة التي تجذبها للحديث. في البداية كانت زينب ترد باقتضاب، لكن مع الحديث الهادئ والودي. لكن لا تعرف سبب لذاك الشعور التي شعرت به حين دخلت إحدى الخادمات بالدوار بتلك الصغيرة الباكية. التي أعطتها لرشيدة التي أخذتهما منه بمجرد أن حملتها صمتت الصغيرة. تبسمت رشيدة على نظرة عين زينب، وقالت: متزوجة من إمتى؟ ردت زينب: مش كتير من حوالي شهرين كده. بس حاسة إنهم قرنين من الزمن.
تبسمت رشيدة قائلة: ليه بس مع إن شكل رفعت بيحبك. لاحظت ده وإحنا على الغدا. من نظراته لكِ. ردت زينب: الهمجي ده يحب؟ ده كل هدفه في الحياة السيطرة. أنا ارتحت لحضرتك. هقولك بصراحة. أنا اتجوزته بالغصب. خطف ماما وساومني. تبسمت رشيدة قائلة بذهول: خطف مامتك؟ معقول. أنا متأكدة إنه بيحبك، وبيحبك جداً كمان. وأنتِ كمان بتحبيه بس بتكابري. تبسمت زينب... قالت رشيدة... يعني أنا صح بتحبيه وبتكابري؟
تعرفي إني كنت زيك كده في يوم من الأيام. تبسمت زينب قائلة: بس واضح جداً إن فيه تفاهم بينك وبين زوج حضرتك. إنما أنا والهمجي مفيش حاجة بنتفق عليها غير الخناق. عاملين زي القط والفار. حتى أنا بفكر في أخلعه الفترة الجاية. ذهلت رشيدة وابتسمت قائلة: تخلعيه!
طب ليه بعيد الشر. راجعي نفسك. أنا كنت في يوم من الأيام بس في لحظة العشق هو اللي فاز ونحيت الكبر. وقبلت بيونس وحطيت إيدي في إيده وغيرنا بحبنا كل شيء حوالينا ومرينا بظروف صعبة وقدرنا نتخطاها. وإحنا مع بعض. حتى تربية أولادنا ربينا ست شباب. نظرت لها زينب قائلة بذهول: ست أولاد! حضرتك عندك ست أولاد غير البنت اللي معاكي دي؟
ضحكت رشيدة: البنت دي حفيدتي الأولى. حتى اسمها على اسمي أنا ومامتها. مامتها كمان اسمها رشيدة تبقى بنت ابن عمي. تعجبت زينب قائلة: حفيدتك كمان! حضرتك أكيد اتجوزتي صغيرة. وبعدين أنا........ صمتت زينب. ماذا تقول؟ إنها قد لا تُنجب. لا تعرف لما لديها هذا الهاجس منذ أن سمعت قول ذاك الوغد سميح ووالدته. وأيضاً لا تعرف سبب لذاك الشعور الذي بدأ يتوغل لقلبها. تريد أن تصبح أمًا. سابقاً لم يكن يهفو عليها ذاك الشعور.
نظرت رشيدة لها قائلة: إيه رأيك تشيلي رشيدة الهلالي شوية تتعرفوا على بعض. تبسمت زينب وأخذت الطفلة من يد رشيدة وحملتها. في البداية بكت الصغيرة لكن زينب هدهدتها وشغلتها باللعب. امتثلت لها الصغيرة وصمتت تتقبل منها المزاح. تبسمت رشيدة قائلة: ما قولتيليش إنتِ دكتورة تخصصك إيه. تبسمت زينب: تخصصي جراحة. تبسمت رشيدة وقالت: دكتورة جراحة؟
تعرفي إنك متناقضة مع مهنتك. شكلك بتستسلمي بسرعة. المفروض يكون عندك طول بال وتحاولي بدل المرة اتنين وتلاتة. وأكيد هتوصلى لهدفك. هدفك... قلب رفعت. ووصلتي له زي ما أنا شايفه. بس لسه عقله. لو الدكتور فقد الأمل في المريض واستسلم من أول محاولة عمره ما هيقدر يعالج المريض. أكيد الأمل اللي عند الطبيب هو اللي ممكن يجبر المريض إنه يستسلم ويتجاوب للعلاج.
فهمت زينب قول رشيدة وتبسمت. هي لن تستسلم وستبقى. لكن ستجعل ذاك الهمجي يجن أولاً حتى لو بالتهديد الكاذب أنها ستترك الزهار بسببه. *** ... مساءً بغرفة الفندق. جلست زينب على الفراش مُلثمة. تفاجئ رفعت حين خرج من الحمام ورأها ملثمة وقال: متلثمة زي الحرامية وقطاعين الطرق كده ليه. صمتت زينب وهي تنظر له. عاود رفعت الحديث قائلاً: متلثمة كده ليه؟ خلاص نويتي تطلعي تشتغلي مع المطاريد في الجبل. صمتت زينب أيضاً تنظر لسخريته منها.
تبسم رفعت وجلس جوارها على الفراش وحاول فك التلثيمة من على وجهها لكن زينب منعته قائلة: عاوز إيه؟ رد رفعت ببسمة: عاوز أعرف ليه متلثمة زي الحرامية وقطاعين الطرق. ردت زينب من أسفل التلثيمة: نويت أتنقب. ربنا يتقبل مني التوبة. وجه المرأة عورة. ضحك رفعت قائلاً بتكرار: تتوبي ووجه المرأة عورة؟ عورة على جوزها في أي شرع ده ومن إمتى. ردت زينب بغيظ: أيوه، من دلوقتي طالما هننفصل قريب، يبقى الأفضل أني أتنقب قدامك.
مد رفعت يده على وجه زينب يفك التلثيمة وقال بضيق: بطلي نغمة إننا هننفصل دي، وفكي التلثيمة دي، ويلا قومي غيري هدومك دي عشان نلحق الطيارة. وبعدين اللي ناويه تتنقب، بتلبس النقاب على لبس حشمة مش على بيجامة بنص كم مبينة نص إيدها وشورت لنص رجليها. ردت زينب: دي برمودا مش شورت ومالكش فيه. أنا من الآخر مش هسافر معاك في الطيارة. غور لوحدك وأنا خلاص اتصلت على محطة القطر وحجزت تذكرة لقطر الساعة خمسة الفجر.
تبسم رفعت يقول: خمسة الفجر نكون في القاهرة بنستعد نرجع للزهار تاني. يلا قومي غيري، هدومك الطيارة فاضل عليها ساعة يا دوب نوصل المطار. ردت زينب: قولت لك مش هسافر بالطيارة خلاص. سافر براحتك وأنا كمان هرجع بالقطر وأهو كمان فرصة معايا وقت أشوف سوهاج. بصراحة عجبتني وناوية أطلب نقلي لهنا وبالذات لبلدة الست رشيدة دي. شوفت واحنا ماشيين فيها وحدة صحية شكلها شغالة. مش هحتاج أطلب من حد ما يسواش معونات.
تبسم رفعت يقول: قصدك بمين اللي ما يسواش. على العموم أمر نقلك ده نبقى نشوفه بعدين. دلوقتي شيلي التلثيمة اللي على وشك دي وقومي غيري هدومك. ولا مكسوفة مني؟ عادي يعني. ردت زينب: أنا مش هركب طيارة يا رفعت وده آخر قرار عندي. تبسم رفعت وقال: طب فكي التلثيمة وأنتِ بتتكلمي. ولا خايفة...... قاطعته زينب: خايفة من إيه. تبسم رفعت يقول: خايفة أبنجك. عشان كده متلثمة.
ردت زينب: أنا مبخافش على فكرة وأتلثم براحتي. ودلوقتي أنا هنام وبلاش تأخر نفسك على الطيارة. تبسم رفعت بمكر ومد يده ناحية التلثيمة، لكن زينب عادت للخلف وتستطحت على الفراش وجذبت الغطاء عليها. تنهد رفعت وزفر أنفاسه بغيظ وقال: للأسف مفيش قدامي حل تاني. رفعت زينب وجهها وقالت: إيه الحل التاني؟ هتلغي السفر بالطيارة وتسافر معايا بكرة الفجر في القطر؟
بس الحمد لله أنا حجزت تذكرة واحدة معملتش حسابك معايا. مش مشكلة ابقى سطح على القطر. تبسم رفعت يقول: بس أنا عملت حسابك معايا وهنسافر بالطيارة ومفيش قدامي حل تاني. ردت زينب باستهزاء: وأيه الحل التاني؟ انسى إنك ترش عليا بنج. تبسم رفعت وتوجه إلى ناحية المرآة وآتي بقنينة العطر وعاد للفراش مبتسماً بمكر، وقال لزينب: مفيش حل تاني قدامي.
قبل أن تستعلم منه زينب، شعرت بحرقة في عينيها بسبب رذاذ تلك الزجاجة التي سلطها على عينيها. بتلقائية رفعت يديها تفرك حرقة عينيها. استغل رفعت ذلك وأزال التلثيمة من على وجه زينب وقام برش البنج عليها، لتسترخي في ثواني نائمة على الفراش. نهض رفعت قائلاً باستهزاء: سلميلي على وجه المرأة عورة قدام جوزها. قال رفعت هذا ونهض يأتي بملابس أخرى لزينب وبدل لها ملابسها ثم غادر الفندق متوجهاً للمطار.
بعد دقائق، بغرفة خاصة بالمطار. دخل مدير المطار إليه. نهض رفعت يسلم عليه واخرج بطاقة هويته كضابط بالقوات البحرية وقال له: للأسف دي زوجتي وعندها سكر وجالها هبوط من ثواني وأخدت حقنة أنسولين وبعض الأدوية خلتها تغيب عن الوعي ولازم نرجع للقاهرة في أسرع وقت.
أخذ مدير المطار بطاقة هوية رفعت وقرأها ثم تبسم قائلاً: ألف سلامة على المدام، يا حضرة الضابط. رغم إنه ممنوع، بس طبعاً حفاظاً على سلامة المدام، هسمح بركوبها للطيارة وهي نايمة. تبسم رفعت يقول: متشكر جداً لسيادتك.
بعد حوالي ساعتين، أثناء هبوط الطائرة بمطار القاهرة. وضع رفعت قطنة مبللة بعطر على أنف زينب. بدأت تعود تدريجياً للوعي. نظرت لرفعت وهي بين الغفوة واليقظة. تبسمت تعتقد أنها ما زالت بالفندق. تبسم رفعت لها قائلاً: صح النوم. خلاص الطيارة هتنزل للمطار. ما زالت غير مستوعبة ومغمضة العين وقالت ببسمة: ابقى سلميلي على الطيار. تبسم رفعت وهو يعلم أنها ما زالت غير واعية. ربما تفتعل مشكلة أثناء هبوط الطائرة.
بالفعل هبطت الطائرة بمدرج الطائرات وزينب لم تستوعب بعد. وضع رفعت نفس القطنة مرة أخرى على أنفها وبدأ يوقظها إلى أن وعيت شبه كلياً. تبسم قائلاً بظفر: صح النوم يا زوزي. خلاص كل ركاب الطيارة تقريباً نزلوا. إيه مش ناوية تنزلي أنتِ كمان. وضعت زينب رأسها بين يديها وقالت بدوخة: همجي حقير. إزاي عرفت تبنجني. آخر مرة أسافر معاك. قالت زينب هذا ونهضت، لكن حين وقفت شعرت بدوخة فجلست مرة أخرى.
تبسم رفعت وقام بمسك يدها قائلاً: خليني أسندك حتى لحد ما ننزل من سلم الطيارة. بسبب شعور زينب بدوخة وليس هذا السبب فقط، بل ذاك الرهاب الذي لديها من ركوب الطائرات. تركت يدها لرفعت الذي حاوط خصرها إلى أن نزلوا من الطائرة. ليس هذا فقط بل إلى أمام باب المطار. شعرت زينب بتحسن نسبي، فنفضت يده عن خصرها قائلة: خلاص أنت خدتها فرصة، شوف لنا تاكسي، أنا عاوزة أبات الليلة عند بابا وماما وغور شوف لك أوتيل انزل فيه.
تبسم رفعت يقول: بذمتك أنا أقدر أسيبك تباتي بعيد عني يا زوزي. أكيد حماتي وحماتي مش هيمانعوا أبات عندهم الليلة أنا كمان. وتاكسي ليه؟ أنا راكن عربيتي هنا في جراج المطار قبل ما نسافر. يلا خلينا نروح للجراج. هتقدري تمشي لوحدك ولا هدوخي تاني؟ عشان أقرر أن كنت أسندك أو أسيبك تمشي لوحدك. نظرت له زينب بغيظ قائلة: لأ متشكره لخدماتك هقدر أمشي. ابعد إيدك عني.
قالت زينب هذا وسارت أمام رفعت الذي سار خلفها يبتسم إلى أن وصلوا إلى جراج المطار. صعدوا إلى السيارة. كان الوقت حوالي العاشرة مساءً. وقفت زينب أمام شقة والديها ورفعت يديها تضرب جرس الشقة. سريعاً فتح صفوت باب الشقة متبسماً يقول: إيه آخركم كده؟ الطيارة نازلة المطار بقالها أكتر من ساعتين والسكة من المطار لهنا يا دوب تلتين ساعة.
تعجبت زينب، بينما رفعت تبسم قائلاً: مفيش، كنا بنخلص إجراءات الخروج من المطار. أصلهم كانوا اشتبهوا في زوزي أنها مدمنة وكانوا هيعملوا لها اختبار، بس أنا اتصرفت. نظرت له زينب قائلة: يحق لهم لما يلاقوا واحدة مدروخة وهمجي ساحبها. والله كنت هقول خاطفني وأعملك فضيحة في المطار بس خوفت على سمعة مصر قدام الأجانب. ضحك رفعت وصفوت الذي قال: هتقفوا عالباب كده؟ ادخلوا. هالة كانت على نار ولسه كانت هتتصل عليك يا رفعت.
تبسم رفعت ودخل إلى الشقة بينما زينب عانقت صفوت قائلة: أكيد الهمجي هو اللي اتصل عليكم قبل ما نركب الطيارة من مطار سوهاج وقالك إننا جايين. وأنا اللي كنت بفكر أطرده وأخليه يبات في أي أوتيل. بس هو دخل قبلي. إيه رأيك أخليه يغسلك المواعين. تبسم صفوت قائلاً: والله لو قبل ماعنديش مانع. تبسمت زينب وهي تدخل خلف والدها. رأت نوال تخرج من غرفة السفرة. تبسمت وذهبت تعانق زينب،
قائلة: أكيد جعانة. أنا وصفوت لما رفعت كلمنا وقال أنه هيبات في القاهرة، استنينا من غير عشا عشان نتعشى معاكم. بس أنتم اتأخرتوا. يلا ادخلي اغسلي إيدك أنا خلاص جهزت السفرة. تبسمت زينب وهي تترك عناق هالة قائلة: لو عندك سم حطيه في طبق الهمجي. بسببه عينيّ من شايفه بهم، غير مصدعة بسبب البنج اللي رشه عليا. تبسمت هالة قائلة: بلاش رغي كتير، روحي اغسلي إيدك أنا خلاص جهزت السفره.
ذهبت زينب غسلت يديها ووجهها وعادت إلى غرفة السفرة. جلست جوار والديها، قائلة: هي ماما اغتلست مؤسسة التأمينات؟ إيه أصناف الأكل دي كلها. تبسم صفوت يقول بهمس: أصلها جابت بواقي أكل الأسبوع كله. تبسمت زينب قائلة: فعلاً الهمجي يستحق ياكل الأكل البايت. تناولوا الطعام في مزح وتريقة بين صفوت ورفعت وكذلك هالة، على زينب وهو يسرد لهم أفعالها حين فاقت ووجدت نفسها بالطائرة. بعد وقت ليس
بالطويل تثاءبت زينب قائلة: البنج شكله لسه به تأثير عليا. يلا هقوم أنام. تصبح على خير يا بابا. متنساش تخلي رفعت يغسل بدالك المواعين. إكرام الضيف إنه يغسل المواعين اللي أكل فيها. تبسمت هالة قائلة: بس رفعت مش ضيف، ده صاحب مكان. روحي نامي شكلك هتقعي من طولك. أسندها يا رفعت لحد أوضتها. تصبحوا على خير. قالت هالة وهذا واشارت لرفعت على مكان غرفة زينب التي قالت: لأ خليه يروح ينام في أوضة الواد مجد.
نظرت هالة لزينب قائلة: بطلي سخافة، يلا تصبحوا على خير. ردت زينب: وأنتِ من أهله تصبح على خير يا بابا. بعد قليل بغرفة زينب، قالت بتهجم: بقى تخلي عندك أدب والسرير هنا صغير. عندك كام كرسي في الأوضة؟ ضم كرسين ونام عليهم. تبسم رفعت بمكر: متعودتش أنام على كراسي. والسرير مش صغير يعني حجمه متوسط ممكن يسعنا إحنا الاتنين.
قال رفعت هذا وتحرر من ملابسه وتوجه للنوم على الفراش وأغمض عيناه. نظرت له زينب بغيظ وسبته للحظة ترددت في خلع ملابسها أمامه، لكن هو كان مغمض العين. تحررت هي الأخرى من ثيابها وارتدت منامة لها وذهبت للنوم على الفراش جوار رفعت الذي تبسم وهو يفتح عيناه ينظر لها، وهي تذهب للنوم سريعاً. تنهد ببسمة وضمها بين يديه للحظة ترددت قولها بأذنه (جوازنا غلطة وتصحيحها الطلاق)
. زفر أنفاسه وضمها بقوة بين يديه، عازماً أمره أنه لن يتركها أبداً، ولو كلفه ذلك تخليه عن فكرة الانتقام. *** بالرجوع للحاضر. عادت زينب من تذكر ما حدث ليلة أمس. ذاك الهمجي يستحق أن تجعله يتراجع عن فكرة الانتقام. لكن ستلاعبه بطريقتها الخاصة، حتى لو هددته مراراً وتكراراً أنها ستغادر وتتركه. *** نزل رفعت إلى أسفل السرايا. تحدثت له إحدى الخادمات قائلة: في حارس في أوضة المكتب بيقول إن حضرتك عاوزه.
رد رفعت: تمام، اعملي لي قهوة. وفين رامي ومراته؟ ردت الخادمة: رامي بيه في الإسطبل ومراته في الجناح الخاص. دخل رفعت إلى غرفة المكتب وجد الحارس يقف ينتظره قائلاً: رفعت بيه بلغوني حضرتك طلبتني.
رد رفعت: إنت سبق دخلت ريما الزهار للسرايا بدون ما تاخد إذني الأول ولما لفتت نظرك، قولت إنها ست وانكسفت تسيبها واقفة عالبوابة وهي قالت لك إنها مش بس من عيلة الزهار، لأ كمان مراتي، وفرجتك كم صورة لينا مع بعض عالموبايل. وأنا اتغاضيت عن الموضوع واكتفيت بلفت نظر لك. لكن النهارده ليه سمحت لفابيو بدخول السرايا، بدون إذن من رامي في غيابي.
رد الحارس بخجل مفتعل: هو قالي إنه صديق ليك، وانه مش مصري. وأنا فتشته قبل ما يدخل وكمان هو كان لوحده. تهكم رفعت قائلاً: لأ براڤوا عليك إنك فتشته قبل ما يدخل للسرايا، وكمان رحبت بيه. الراجل مش مصري ولازم نضايفه. تمام. أنا عرفت إن قائد الحرس طلب منك تسليم سلاحك قبل ما تغادر السرايا. وده أقل واجب يتعمل معاك عشان بعد كده تبقى تنفذ أوامر اللي بتخدم عندهم. تقدر تمشي من السرايا. تصحبك السلامة.
خرج الحارس من غرفة المكتب. زفر رفعت نفسه وقام باتصال هاتفي قائلاً: من بكرة تنزل الزهار. مهمتك حراسة الدكتورة مش عاوزها تغيب عن نظرك. أي خدش هيصيبها هتكون المسؤول قدامي ووقتها مش هرحمك. قبل أن يغلق رفعت الهاتف، جاءه اتصال آخر سرعان ما رد عليه وقال: عارف سبب اتصالك يا محمود. هتقول لي إن فابيو هنا في الزهار.
رد محمود: واضح إن عنده هدف كبير. بعد ما كان لسه بيقول هينزل مصر آخر الأسبوع قدم ميعاد نزوله لمصر، وأن يكون أول محطة له يجى لعندك. أكيد عنده نوايا تانية. حاول تزود الحراسة. رد رفعت: الزهار كان أول محطة له عشان يرجع ريما. وخلاص هي مكنتش هنا هي في بيت هاشم الزهار. يروح ياخدها من هناك ويعمل معاها اللي هو عاوزه. وأنا فعلاً هغير بعض عناصر الحراسة. رد محمود قائلاً: بس في شيء تاني حصل مش عارف عندك علم بيه ولا لأ؟
قال رفعت: إيه الشئ ده... خير؟ رد محمود عليه وأخبره بالشئ. تعجب رفعت قائلاً: متأكد... تمام خلينا على تواصل. أغلق رفعت الهاتف وقام بشد خصلات شعره بقوة يزفر أنفاسه قائلاً: واضح النهاية بتقرب. *** ... مساءً بسرايا الزهار. دخل وسيم إلى غرفة المكتب، فوجئ بجلوس مهره، ورامي ومعهم رفعت. أيقن عقله لما هي هنا؟ هو توقع سابقاً سبب اتصال رفعت عليه وطلب لقاءه بالسرايا اليوم. بالتاكيد بسبب خطوبته ل لمى الزهار.
ألقى عليهم السلام. رد رامي عليه السلام. بينما رفعت ومهره لم يردان عليه. تحدث وسيم: على فكرة السلام لله وهتاخدوا عليه ثواب. ردت مهره: أنا رديت في سري. قال رفعت: فعلاً هناخد على ردنا عليه السلام ثواب. وهنأخذ ثواب كمان لما نرجعك عن غلط أنت بترمي نفسك فيه. أظن فاهم قصدي؟
رد وسيم: فاهم يا رفعت. من أول مكالمتك ليا الصبح، وطلبك إني أجلك عشان أمر مهم. بس صدقني وفر حديثك في الموضوع ده لأنه بالنسبة ليا منتهي خلاص. خطوبتي أنا ولمى بعد يومين بالظبط. نهضت مهره قائلة بعصبية: مستحيل الخطوبة دي تتم. ولو تمت انسى...... قاطعها وسيم: انسى إيه؟ عاوز أعرف سبب اعتراضك على خطوبتي أنا لمى؟ ردت مهره: مش سبب واحد دول أسباب. أهمها إن لمى متنفعش زوجة وفية وأنت عارف السبب. لمى زي مامتها وأختها معندهمش...
انتماء لأي دين. كان المفروض بالتبعية لأبوهم هشام الزهار، يبقوا مسلمين. لكن لمى وأختها زي مامتهم مش معترفين بأي ديانة ولا بأي أخلاق. عندك رفعت قدامك أهو متحملتش جوازها منه حتى لسنة، لأ زهقت وملت إنها ترتبط براجل واحد وتخلص ليه. خلاته كرهها وطلقها وقبل ما تطلع ورقة طلاقها من المحكمة كانت سافرت اليونان، ورجعت من تاني لحياة الانحطاط اللي كانت عايشة فيها. فوق يا وسيم وقولي سبب واحد لإصرارك على إكمال الخطوبة. لأ وممكن الجواز كمان.
صمت وسيم بداخله يعلم أن خالته محقة بكل كلمة تقولها لكن شيطانه يسوقه نحو هاوية ساحقة. نظر له رفعت قائلاً: متأكد مفيش غير سبب واحد اللي يجبرك إن تربط حياتك بواحدة زي لمى. إنك تكون نمت معاها. وحتى السبب ده ده ميجبركش عندي أهون إني أجلدك مش ميت جلدة عقوبة الزاني. أجلدك ألف ولا أني أوافق تورط نفسك مع واحدة زي لمى، معندهاش لا حلال ولا حرام، كله مباح طالما هوصل لهدفي في النهاية.
تعصب وسيم قائلاً: أوعى لكلامك يا رفعت. وإيه هو هدف لمى معايا؟ أنا مش زيك. منصب في الشرطة ولا عندي نص أملاكك. أنا ابن وحيد الشامي السايس. مش من أعيان عيلة الزهار. تبسم رفعت بسخرية يقول: أنت فعلاً من أعيان عيلة الزهار يا وسيم. بلاش تستقل بنفسك. عمرنا ما فكرنا إنك أقل منا أو مش منا طالما كنيتك الشامي. وسيم بلاش تحور الحديث لهواك. قولي ليه مُصر على الارتباط بلمى الزهار؟
ليه فجأة كده، بعد ما كنت رافض وبتتهرب منها، فجأة وقعت تحت تأثيرها؟ ولا كأنها سحرت لك.
رد وسيم: لا مسحرتليش يا رفعت ودي حياتي وأنا حر في اختياري. حتى لو غلط هتعلم منه. ويمكن المرة التانية أقع في دكتورة زي مراتك كده اللي كلنا عارفين إنت اتجوزتها ليه. عشان كنت عارف إن هاشم الزهار عينيه منها. بس للأسف وقعت في غرامها. رفعت بلاش دور الكبير اللي واخده ده، مش عليا. أنا حر في حياتي. ولمى ممكن تكون توأم ريما. بس مش زيها. وخلاص ملوش لازمة الاجتماع ده. الخطوبة بعد يومين اللي عاوز يحضر أهلا بيه واللي مش عاوز هو حر.
قال وسيم هذا وكان سيغادر، لكن سمع رفعت يقول: أنا فعلاً حر ومش هحضر. متعملش حسابي في المعازيم. متعودتش أدخل مكان مش بحس فيه بالراحة.
ردت مهره هي الأخرى: ولا أنا هحضر يا وسيم. مش هقدر أشوفك بتورط نفسك مع واحدة من نوعية لمى. نوعية لمى مش هي اللي تصون شرف جوزها. وأهو أنت شايف، ريما جت تجري وراء رفعت مرة تانية بدون حيا ولا خجل وهي عارفة إنه متجوز واحدة تانية. ورفعت متجوزش من زينب عشان ياخدها من قدام هاشم. رفعت أنا اللي قولت له اتجوز زينب عشان يحميها من هاشم اللي كان بينام يحلم بيها. لأن زينب بنتي بالرضاعة.
ذُهل وسيم واستدار بوجهه ونظر لمهره ماذا تقول. زينب ابنتها بالرضاعة. كيف هذا!؟ *** *** بإسطبل الخيل التابع لهاشم الزهار. استقبل هاشم صفوان. مد يده يصافحه. تعجب صفوان من ذاك، فمعروف عن هاشم الزهار كبره وغطرسته مع العاملين لديه. هذه أول مرة يتحدث ويمد يده يصافح أحد من العاملين. حقاً صفوان لم يعد يعمل لديه، لكن بالأخير هو مجرد سائس بسيط. مد صفوان يده على استحياء يصافح هاشم.
تبسم هاشم يشد على يد صفوان المرتجفة قائلاً: عارف مستغرب أنا ليه اتصلت عليك كذا مرة، وطلبت منك تقابلني هنا في الإسطبل. هدخل في الموضوع مباشر. أنا عاوز أتجوز بنتك ليلى. تعجب صفوان يقول: تتجوز بنتي ليلى؟ بس دي لسه صغيرة، وصغيرة قوي على جنابك. رد هاشم: لا مش صغيرة عليا، أنا الحمد لله لسه شباب. وأنت ليه قطعتني قبل ما أكمل كلامي. أنا هتجوزها عرفي مش رسمي وبعيد عن هنا. هاخد لها بيت في إسكندرية.
فوجئ صفوان بقوله وقال: تتجوزها عرفي. طب ليه جنابك، وليلى مش بتفكر في الجواز دلوقتي، دي بتدرس طب بيطري وهتبقى دكتورة بيطرية زي وسيم بيه كده. رد صفوان: وماله تكمل دراستها بعد الجواز. مش همنعها. تبقى تقدر تنزل للشرقية عالامتحانات. بس طبعاً محدش يعرف أنها هتبقى مراتي غيرك وبس. اهتز صفوان قائلاً: أنا مقدرش أغصبها يا هاشم بيه.
رد هاشم: ولما غصبت على مروة تتجوز من رامي بعد ما كانت هتنتحر بسببه وأنت اللي قلت كده. صفوان هدفع لك أي مبلغ تقول عليه بدون مناقشة. توقف هاشم لدقيقة ثم قال بتهديد: وكمان مش هسرب خبر لرفعت الزهار إنك زمان طمعت وسرقت من عنده مهره. ويمكن كنت السبب وقتها في الحريق اللي حصل. قدامك أسبوع ويكون الرد بالقبول عندي. تقدر تمشي دلوقتي.
غادر صفوان المكان وهو يرتعش، بينما هاشم يبتسم بظفر. ذاك الأحمق الطامع صفوان لن يقدر على رفض طلبه. سيتسلى مع ليلى قليلاً حتى يتمكن من القضاء على رفعت وبعدها يظفر بالطبيبة. *** ....... بعد مرور أسبوع. بجامعة ليلى. انتهت المحاضرة، تحدثت إحدى زميلات ليلى لها: برضو مش هتحضري محاضرة الدكتور وسيم؟ إيه السبب؟ ردت ليلى وهي
تجمع كتبها وتضعها قائلة: مفيش سبب. أنا لازم أستلم الصيدلية من الدكتور نهاد. يلا سلام، أشوفك في محاضرة بعد بكرة. نزلت ليلى سلم مدرج المحاضرة. ولكن قبل أن تخرج من المدرج، بسبب انشغالها بوضع الكتب بحقيبتها، اصطدمت مع أحدهم، ووقعت الكتب منها. انحنت سريعاً تجمعها، لكن هناك صوت هز كيانها حين سمعت من يقول: آسف. وليس هذا فقط، بل انحنى هو الآخر يلتقط معها الكتب، ثم نظر لها قائلاً: احضري المحاضرة يا ليلى.
رفعت ليلى وجهها ونظرت لوجهه للحظة لكن تذكرت قوله السابق بمنعها من حضور محاضراته. وليس هذا فقط وقعت عيناه على يده اليمنى رأت ضوء خاتم خطبة بيده. إذن ما سمعته كان حقيقياً. هو ارتبط بأخرى. للحظة شعرت بنار تشتعل بقلبها. لكن ردت بثبات: متلزمنيش المحاضرة. ولو عاوز تشيلني المادة معنديش مشكلة. قالت ليلى هذا وأخذت من يده الكتاب الخاص وغادرت تكبت دموع عينيها. بينما وسيم تعصب كثيراً وذهب إلى منصة المدرج وقال بحدّة
وتصميم: مساء الخير. محاضرة النهارده هتتأخر ساعة ونص لأني هحط درجات العملي النهارده. بناءً على نسبة الحضور النهارده. قدامكم ساعة ونص تعرفوا زملائكم الغايبين. وأكدوا عليهم اللي مش هيحضر المحاضرة النهارده يتأكد أنه شايل المادة بتاعتي. سلاموا عليكم. قال وسيم هذا وغادر قاعة المحاضرة تسحقه نار بقلبه. ***
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!