بمنزل هاشم الزهار كان يجلس على طاولة الطعام وحده يتناول فطوره. يستمع إلى قول ذلك العامل لديه وهو يخبره بما يجري في البلد. تحدث هاشم قائلاً: يعني ولاد رضوان الزهار الاتنين بقالهم أكتر من أسبوع مش في البلد. لسه مرجعوش، واحد في القاهرة والتاني في إسكندرية ومعاه جدته أم أمه. غريبة الاتنين يسيبوا المزرعة في نفس الوقت، أكيد في سبب. رد العامل:
لا سبب ولا حاجة يا هاشم بيه. رفعت بيه كتير بيسافر لمصر وبيفضل لأيام من فترة للتانية. ورامي بيه جدته طلبت تزور قبر المرحوم جوزها في إسكندرية وهو راح معاها والجو الأيام دي حلو يمكن عجبه. بس البلد بقى ملهاش سيرة غير الدكتورة اللي جت جديدة للوحدة الصحية. بيقولوا شديدة وماسكة عالموظفين والدكاترة، ومش عارفين يزوغوا منها زي ما كانوا بيعملوا. حتى في أوقات النبطشيات بتاع بالليل بيقولوا بتفضل في الوحدة لوقت متأخر.
تبسم هاشم قائلاً: تلاقيها حابة تعمل منظر بس في الأول ومع الأيام هتتعود وتبقى زي المديرين اللي قبلها. تلاقيها دكتورة قربت عالستين، وجاية هنا تشغل وقتها بعد ما كبرت قبل ما تطلع معاش. رد العامل: لأ يا هاشم بيه، دي دكتورة صغيرة أنا شوفتها. دي شكلها مكملتش تلاتين سنة، غير بيقولوا عذبة ومش متجوزة. تعجب هاشم ووضع سبابته على فمه بتفكير، قائلاً: بتقول مكملتش التلاتين ومش متجوزة. طب جاية هنا ليه، يمكن مش حلوة. رد العامل:
لأ كمان دي حلوة قوي. تعجب هاشم: كمان حلوة قوي. لأ بقى لازم أشوفها بنفسي، وأقدم لها خدماتي. في ذلك الأثناء، دخلت مُهرة إلى غرفة السفرة. نظر هاشم للعامل قائلاً: روح إنت شوف شغلك دلوقتي. سمع العامل أمر هاشم له. وأثناء خروجه انحنى لمُهرة، التي تجاهلته، وتوجهت إلى مكانها بالسفرة وجلست، وبدأت تتناول فطورها في صمت. تنحنح هاشم قائلاً: إيه مفيش صباح الخير. ردت مُهرة بتهكم:
صباح الخير. غريبة إنك بتفطر هنا في السفرة النهارده بقالك مدة، كنت بتفطر في مزرعة الخيل. بس شايفة مفرقش هنا عن مزرعة الخيل. الخدام بتاعك كان جنبك، يا ترى أخدت منه أخبار البلد والناس اللي فيها وشاغلين تفكيرك طول الوقت. رد هاشم بتعالي: أنا مفيش حد في مستوى إنه يشغل تفكيري. وإيه يضايقك إن أفطر هنا، النهاردة. ناسيه إن البيت ده بيتي، ولا خلاص ابن الشامي، نساكي مين اللي له الحق يقعد على راس السفرة دي. ردت عليه:
ابن الشامي له هنا حق مش لقيط، يا هاشم. متنساش إن له تلث البيت ده وكمان تلت المزرعة اللي إنت بتدير شؤونها. وبسهولة يبقى تحت إيديهُ تلثين كل ده، لو ضميت نصيبي لنصيبه من المرحومة "حسناء" مامته. نظر هاشم لها بنظرة ساحقة. مُهرة بدأت تستعيد قوتها مرة أخرى بعد عودة ذلك المدعو وسيم الشامي. نهض هاشم، أقترب من مكان جلوس مُهرة وانحنى وهمس جوار أذنها يبخ سمه إلى قلبها:
مش فاضي للترهات اللي بتقوليها يا مُهرة. أصلي مش زي فرسة الحكومة لما بتعجز وخلاص ميبقاش منها أمل، يا بتتركن بجنب، يا بتطلب الرحمة. مش بتستقوي بوريث غيرها. استقام هاشم،، لكن قبل أن يغادر الغرفة تصادم على باب الغرفة مع وسيم الذي قال: صباح الخير. تنحى هاشم جانباً إلى أن دخل وسيم للغرفة ورد بسخرية: أهلاً بالوريث. ثم غادر. تعجب وسيم من قول هاشم، وقال وهو يقف أمام طاولة الفطور: خالي هاشم قصده إيه، بالوريث. تعلثمت مُهرة
قائلة: مفيش يلا خلينا نفطر سوا. رد وسيم: لأ أنا صحيت من بعد الفجر، جريت شوية بالفرسة، وفطرت بعدها، وكمان عندي محاضرة كمان ساعتين، لازم أمشي. أنا كنت جاي أصبح عليكي يا أجمل مُهرة.
تبسمت مُهرة بغصة. هذا يقول عليها جميلة والآخر الذي تحملت قسوته، ونسيت أنها كانت أنثى برية صعبة الترويض، لكن سقطت بعشق خيال مخادع، ليس فقط مخادع، بل عقيم، تحملت عقمهُ ونسيت أمومتها التي ليست مفقودة عوضتها بـ "وسيم" التي أكملت تربيته بعد وفاة أختها. انحنى وسيم وقبل رأس مُهرة قائلاً: لازم أمشي، علشان الوقت، أشوفك المسا.
تبسمت له وهو يغادر. مازال معنى حديث هاشم برأسها، أصبح يعايرها أنها أصابها الكبر، لم تعد تلك المرآة، فالمرأة تفقد أنوثتها حتى إن كانت أجمل الجميلات مع بلوغها "سن اليأس" وانقطاع الحيض. بمنزل والد مروه. صحوت هبه وليلى، ومروه رغم أنها مستيقظة لكن لم تنهض من على الفراش تشعر بكسل، أو خمول لا تريد القيام ولا الذهاب إلى أي مكان، فقط تريد البقاء بالفراش لديها حالة ملل.
غمزن هبه وليلى لبعضهن، أن يُغلسن على ليلى التي تتكاسل عن النهوض من على الفراش منذ عدة أيام. ذهبن إلى فراشها، وبدأن بالتلقيح عليها. قالت هبه: بقولك إيه يا لولا، بقالي كم يوم مش بسمع صوت صهيل الحصان، يوه قصدي المنبه اللي بصوت صهيل الحصان اللي كنا بنسمعه كل يوم ونصحى عليه، ليكون الحصان هنج، أو بطاريته فضيت. تبسمت ليلى قائلة: أو يمكن المنبه زهق وطفش. تبسمت هبه قائلة: والله أنا لو مكان المنبه ده كنت طفشت من زمان.
تبسمن هبه وليلى لبعضهن، حين نهضت مروه من فراشها وقالت لهن: أنا بقول نصتبح عالصبح، وبعدين مش وراكم غيري. تذكرت هبه قائلة: هروح أشوف ماما حضرت الفطور ولا لسه معرفش. إمبارح كانوا بينادوا في البلد بيقولوا طلاب الثانوية العامة بكرة يروحوا المدرسة للأهمية، يمكن علشان نكتب الاستمارات. يلا يا بنات رجعالكم. نظرت مروه، لليلى قائلة: وإنتي مش عندك محاضرات النهارده. ردت هبه:
عندي طبعاً بس مش مهم أتأخر شوية. بقولك إيه هو الحصان الأسمر اللي كنا بنصحى كل يوم على صوت صهيله، متعرفيش بقاله أسبوع كده، مكتوم. ردت مروه بتسرع: بعيد الشر عليه من الكتمة. انتبهت مروه على تسرعها فصمتت. تبسمت ليلى قائلة:
طب طالما بتخافي عالحصان الأسمر ليه، مش بتوافقي عليه. مروه إيه سبب رفضك، لرامي. أنا عندي شك يكاد يكون يقين، إن عندك مشاعر، لرامي، يبقى ليه بتعذبي نفسك. متقوليش علشان بيقولوا عليه جسمه مشوه أو مسخ، متأكدة إن مش ده السبب، من إمتى الشكل بيفرق في المشاعر. وبعدين، ده عليه سمار يجنن، وعلى رأي الصبوحة، أسمر أسمر طيب ماله والله سماره، سر جماله. تبسمت مروه قائلة: عجبك سمارهُ، قوى، إختشي عيب. تبسمت ليلى بمكر:
مش بس عاجبني لوحدي نص بنات البلد ومش بس بنات البلد بنات أغنى الأغنياء مستنية منه إشارة، إن كان هو ولا أخوه. بس هما يشاوروا. تنهدت مروه قائلة:
أهو إنتِ قولتيها بنات أغنى الأغنياء، يتمنى من رامي أو أخوه إشارة، يبقى هيحبني على إيه، وأنا بنت واحد شغال عنده سايس. أنا مش أكتر من نزوة عنده، بنت وعجباه، زي عيل مدلع وشاف لعبة وعجبته، بس بمجرد ما هيوصل لها هيكسرها أو ممكن يحتفظ بها في ڤاترينة خاصة بيه، ويدور على لعبة غيرها. يبقى بلاش من أولها. أنا مش هتحمل أكون لعبة في حياته، ولا هقدر أبقى، زي ماما أتحمل بس علشان ولادي. دخلت عليهن أمهن، فسكتن. تبسمت لهن قائلة:
يلا الفطور جاهز وبينادي عالصبايا الحلوين. تبسمن لها وذهبن خلفها، لكن تفاجئن، بذلك الجالس، ووقفن الثلاث بنات مشدوهات. نظر لهن صفوان قائلاً: إيه شايفين عفريت. مش هتعقدوا تفطروا علشان كل واحدة تشوف طريقها.
تبسمن وجلسن أرضاً يتناولون الفطور، بصحبة صفوان. كان الحديث، شبه معدوم، لأكثر من مرة أرادت مروه السؤال عن رامي، وسر غيبته عن البلدة، لكن خشيت من والداها أن يزمها أو يسخر منها، ويقول لها إن كانتِ تريد معرفة أخباره لما ترفض الزواج منه، هل من أجل العناد فقط. لكن أحياناً يرسل الله لك جواب سؤال دون عناء، وها هو الجواب، في رنين هاتف والداها. نهض صفوان سريعاً وترك الفطور، ورد على الهاتف، ثم قال باختصار:
يعني رفعت بيه راجع من مصر النهارده، وكمان رامي بيه راجع من إسكندرية. يرجعوا، بالسلامة. شوية كده وهكون عندك. نظرت ليلى ل مروه وتبسمن لبعضهن. لاحظت بسمتهن فادية، تضاربت بداخلها المشاعر، تتمنى لإبنتها السعادة، وبنفس الوقت خائفة أن تكون سعادة زائلة مع الوقت. قبل الظهر بقليل بالوحدة الصحية. تبسمت زينب وهي ترد على مناكفة أخيها لها بالهاتف، حين قال لها: يعني بركاتك لسه محلتش عالوحدة اللي بتشتغلي فيها. تبسمت قائلة:
أهو قرك الفقر وقعني في مكان هادي مفيش فيه مشاكل. بقالي عشر أيام هنا، كل المشاكل عادية، يادوب عال موظفين اللي بحاول أعلمهم الانضباط، وكمان الدكاترة اللي بيجوا للوحدة بمزاجهم، ومقضينها في عياداتهم، يبتزوا الأهالي الغلابة. أهو بحاول أعمل توازن. تبسم أخيها، لكن، يبدو أن المشاكل تطاردها، بأي مكان، تذهب إليه. سمعت صوت صراخ. نهضت من على المقعد وقالت لأخيها:
سلام، في صريخ كده بالوحدة، هطلع أشوف فيه إيه. يمكن مريض محتاج لمساعدة. أغلقت الهاتف ووضعته بجيب معطفها الأبيض، وخرجت تتوجه إلى المكان الذي يأتي منه الصراخ وذالك المكان هو بتلك الحديقة القريبة من الباب الداخلي للوحدة. حين خرجت من الباب، رأت تجمع لأناس واقفين، يحجبون عنها رؤية ما يحدث. قالت بصوت عالٍ: ، في إيه إيه اللي بيحصل هنا، وسع منك ليها.
بالفعل وسعوا لها، ذُهلت مما رأت. ذالك الوغد يقوم بصفع وسحل تلك التمرجية التي قابلتها سابقاً، يسبها، بسباب نابٍ وبذئ، والجميع واقفون يشاهدون، دون أن يتدخلوا، للدفاع عن تلك المرأة. أين النخوة. تحدثت بصوت عالٍ وآمر: إبعد عنها بدل ما أطلعك من الوحدة عال مشرحة. توقف ذالك الرجل الوقح، عن ضرب التمرجية واستقام واقفاً، ونظر لها قائلاً بحنق:
بتقولي إيه يا إبله، هتطلعي مين عال مشرحة. أنا أقدر أولع لكم الوحدة، دي كلها باللي فيها. شوفي بتتكلمي مع مين. ردت زينب بغضب: بكلم واحد مجرم جبان بيتشطر على واحدة ست، ومفيش راجل في المكان قادر يدافع عنها، كأن النخوة عندهم ماتت. وإنت اللي متعرفش أنا مين، بس أنا بقى هعرفك أنا مين.
في لحظة كان ذالك الرجل الذي يدعي الإجرام مُسجى أرضاً، بعد أن رفعت زينب ساقها، وقامت بضربه ضربة قوية جوار أذنهُ أفقدته الإدراك، للحظات. وقبل أن يفيق من تلك الضربة باغتتهُ بضربه أخرى قوية بكف قدمها في منتصف صدرهُ ليقع صريع على الارض يلتقط أنفاسه بصعوبة. نظرت للواقفين المذهولين مما فعلت قائلة بأمر: خلاص الشو خلص، اتنين يشيلوا الحيوان ده يدخلوه أوضة الكشف، ويأيدوه من الأربع جهات، بالسرير، على ما أشوف سبب لللي عمله ده.
بينما هي توجهت لتلك التمرجية التي تحاول ستر نفسها أمام أعين الواقفين، وانحنت جالسة جوارها ومدت يدها لها قائلة: قومي معايا. تعجبت التمرجية، لكن تبسمت لها زينب، فأمسكت بيدها وحاولت الوقوف، لكن ساقيها لم تتحمل. قالت زينب بأمر: هاتولي نقالة هنا بسرعة. تحدثت التمرجية: لأ مش لازم يا دكتورة أنا هقف أهو. سندت زينب تلك التمرجية وسارت بها إلى داخل الوحدة، ودخلت إلى غرفتها بها، وقالت لإحدى الممرضات:
هاتلي، شاش وقطن ومُطهر، بسرعة. ساعدت زينب التمرجية بالجلوس على أحد المقاعد، إلى أن آتت تلك الممرضة، بما طلبت، داوت زينب جراح تلك المرأة الظاهرة، وقالت لها: أكيد في جروح في جسمك مش ظاهرة هكتبلك على نوع علاج مُسكن مش عارفة هتلاقيها في صيدلية الوحدة ولا لأ بس هو مش غالي. بس بما إنك بقيتي كويسة شوية.، قوليلي بقى مين الحيوان اللي كان بيضربك ده، وإزاي الناس سابوه من غير ما يبعدوه عنك. ردت التمرجية بدموع:
ده يبقى طليقي، ربنا ينتقم منه. مش كفاية، إني مبطلبش منه لا نفقة ولا حاجة، وأنا اللي بشتغل، وبطفح الدم علشان أربي بنتي، بالحلال، لأ كمان عاوز يجوزها وهى مكملتش خمسطاشر سنة، لواحدة من شلة الصيع اللي بيتلم عليهم، ويضيع مستقبلها. دي شاطرة قوي في المدرسة وبتطلع من الأوائل ونفسها تبقى زيك دكتورة. ليه البنت رفضت، وأنا كمان، جاي لهنا، علشان يتسبب في قطع عيشي. أنا بشتغل هنا في الوحدة بعقد، وهو عارف، والأدارة لو شمت خبر باللي حصل ده ممكن تنهي عقدي، علشان تتجنب المشاكل. وغلاوة أغلى حاجة عندك يا دكتورة بلاش تعملي، زي مدير المدرسة اللي كنت بشتغل فيها، قبل كده، وتقطعي عيشي. هو مش أول مرة يضربني، ربنا ينتقم منه. بس أبوس إيدك بلاش تقطعي عيشي، من هنا.
تدمعت عين زينب قائلة: يعني هو بقى متعود يضربك كده، طب ليه مش قدمتي فيه شكوى اللي أعرفه البلد دي فيها قسم صغير، أو نقطة شرطة، زي ما بتقولوا. وفين الأهالي، إزاي يسبوه يعمل كده. ردت التمرجية:
لو عملت له محضر هيخلي مراته التانية تعملي محضر وتبقى محضر قصاد محضر وفي الآخر الحكومة هتقول اتصالحوا. أنا فوضت أمري منه لله يخلصلي حقي أنا وبنتي اللي عاوز يظلمها، بجوازه وهى لسه صغيرة. والاهالي هيعملوا له إيه، ده مستبيع وبيشرب مخدرات وممكن يقتل اللي قدامه، والناس بتخاف على نفسها وعيالها. ردت زينب بتصميم:
أنا بقى معنديش عيال ومش بخاف غير من ربنا. قومي تعالي معايا وامسحي دموعك دي ومتخافيش، مش هبلغ الإدارة، واقرب وقت هتوسطلك وأخليهم يثبتوكي هنا في الوحدة. يلا قومي معايا، وأنا هفرجك على بيستقوي عليكي وهو زي الفرخة اللي بتهرب خايفة من الدبح. فرحت التمرجية قائلة: ربنا يخليكي ويبارك في شبابك، إنت طلعتي أحسن من مدير المدرسة اللي لغى عقدي وطردني قبل كده بسببه، وقال مش عاوز مشاكل مع الإدارة. تبسمت زينب، قائلة:
لأ متخافيش أنا بحب المشاكل. يلا قومي معايا واتفرجي، ولازم هكسرلك عينهُ قدامك، يخاف بس تقابليه في السكة صدفة. بس عاوزاكي كده قوية، يا أم الدكتورة. تبسمت التمرجية وذهبت مع زينب إلى غرفة الكشف. دخلن ووجدن، ذالك الرجل، مربوط من يديه وقدميه بالفراش الحديدي الخاص بالمشفى، وهناك حارسان يقفان بالغرفة، وتركت باب الغرفة مفتوح، ليأتي بعض المارة ويشاهدوا ماذا ستفعل بذالك الوضيع، بعد أن قامت بضربه سابقاً.
تبسمت زينب له بزهو، وهو يتلوى، يحاول فك وثاق يديه وساقيه، قائلة: حلو قوي منظرك ده، مش كنت عامل فيها سبع رجالة في بعض. حبلين مربوط بهم مش عارف تفُك نفسك، وعمال تتلوى، بس متخافيش أنا بعد اللي هعمله فيك، هتمشي تتوارى مين عيون الناس. ارتعب الرجل حين رأها تمسك بيدها مشرط طبي، وقالت له:
مش بتتشرف برجولتك، بين الناس أنا هعدمك الرجولة دي، ومش بس كده، كمان هطلعك من الوحدة دي عالسجن مباشر، وأوعدك تقضي الباقي من شبابك في السجن. ليه بقى عد ورايا، التهجم على منشأة حكومية اللي هي الوحدة دي، كمان التهجم على موظف أثناء تأدية خدمته، واللي هي أنا طبعاً ومش أي موظف أنا مديرة الوحدة، بس كده. لأ طبعاً، سب وقصف وسب وضرب صفاء اللي هي طليقتك، والتمرجية هنا في الوحدة، ومش هحتاج لشهود عليك، أكيد الكاميرات اللي في مدخل الوحدة مسجلة كل اللي حصل، بالتفصيل.
نظرة هلع من الرجل حين اقتربت زينب منه، ووضعت المشرط أمام عيناه قائلة: نسيت أقولك إني هعملك العملية اللي تساويك بالست بدون بنج، للأسف إنت عارف الوحدة، فيها علاج ناقص، ومن ضمن العلاج ده، مفيش أي مخدر، ولا بنج في الوحدة. لو عاوز بنج، هات فلوس أبعت اشتريلك من أي صيدلية قريبة من الوحدة. أصبح الرجل يرتجف، ويصرخ كالنسوة، ويستعطف بدموع. نظرت له زينب قائلة بأستهزاء:
راجل وبتعيط، إخص عالرجولة. طب تعرف إنت صعبت عليا،، وأنا قلبي حنين، وعندي ليك أوبشن تاني، أوبس نسيت متعرفش إنجليزي هقولك عرض تاني. إيه رأيك هفكلك أيد واحدة، هتمضي على إقرار عدم تعرض لصفاء ولا لبنتها، وهتبعد عنهم وتنساهم خالص من حياتك، والاقرار ده هيتوثق في الحكومة. ها مسمعتش ردك، ولا تحب أبدأ، بالعملية مباشر. صرخ الرجل بهلع قائلاً: موافق أمضي عالاقرار، بس بلاش العملية أبوس إيديكي.
فلتت ضحكة من شفاه التمرجية، وهي ترى ذالك الذي كان يتجبر عليها دائماً، وهو يترجى تلك الطبيبة أن ترفق به. نظرت زينب لصفاء قائلة: ها إيه رأيك، يا صفاء، هو هيمضي التعهد مش عاوزاه يمضي على حاجة تانية. ردت صفاء: لأ مش عاوزه منه غير يسيبني أنا وبنتي في حالنا، ويبعد عنا بشرهُ. قالت زينب: والله إنك قنوعة، يا صفاء. عارفة لو هو اللي كان مكانك كان ممضاكي على كل أعضاء جسمك، بس تمام، هتمضي عالتعهد وبعدها، تتأسف لصفاء.
ذهبت زينب إلى اليد اليمنى ل ذالك الوغد وبدأت بقطع الحبل الموثوق به، بالمشرط، لكن جرحت يدهُ جرح صغير، وقالت: أوبس، مكنش قصدي المشرط فلت من الحبل على إيدك. تبسمت صفاء على صرخة ذالك الوغد الجبان قائلة: بس هو بيكتب بالشمال يا دكتورة أصله أشول. تبسمت زينب قائلة: مش كنتِ تقولي كده من الأول، يا صفاء، بس تمام، نحل إيده الشمال، هو شكله أساساً من أهل الشمال.
ذهبت زينب وفعلت بيده اليسرى مثلما فعلت باليد الأخرى وجرحتها أيضاً، وادعت الخطأ. ثم آتت بورقة وقلم وكتبت تعهد بعدم التعرض ل صفاء وابنتها وقالت له: خد إمضي عالتعهد، وهنا اتنين من الشغالين في الوحدة هيشهدوا عالتعهد ده، وكمان التعهد ده هيتسجل في المحكمة نفسها. متفكرش إنك بعيد عن إيدي، بإشارة مني هخليك تلبس البدلة الزرقاء.، قوم إمضي. نهض الوغد جالسً على الفراش ومسك القلم بيد مرتعشة وقام، بإمضاء التعهد. خطفت،
زينب التعهد منه قائلة: هات لايدك تلوث التعهد بدمك الزفر، يلا يا صفاء نطلع من الاوضة دي الهوا فيها مكتوم، وإنت يا حلوف، هتعرف تفُك نفسك والا أجى أفُكك بالمشرط. رد مرعوب: لأ هفُك نفسي. تبسمت زينب وقالت للحارسين: هو مفيش ترحيب بالضيف ده في الوحدة، قدموا له واجب الترحيب. يلا بينا، يا صفوؤه، نفسي أشرب كوباية شاي بنعناع، من اللي بتزرعيه في جنينة الوحدة و من إيدك الحلوة.
تبسمت صفاء التي كانت تشعر بالقهر، الآن تشعر، بالفخر، فمن كان يتجبر عليها وأذاقها الذل والهوان أمام الناس وهو يضربها، ها هو يصرخ، وهو يُضرب على يد ذالك الحارسين اللذان كانا خائفين منه، لكن امرأة جعلت منه مسخة بين الناس. بكلية الطب البيطري.
بأحد المدرجات كان وسيم يقف يُلقي محاضرة على الطلبة أمامهُ. كانت تلك الهائمة، التي لا تعرف سبب انجذابها له. هي ليست تافهة العقل، لكن القلب حين يتدخل، أحياناً يلغي العقل، وبالأخص إذا كان القلب، يشعر بنبضات جديدة عليه. أنهى مدة المحاضرة وقال:
قدامكم يومين وهستلم الأبحاث منكم، ومتخافوش، مكتبة الجامعة فيها كتب هتساعدكم في البحث، غير كمان قدامكم، النت في مواقع شهيرة أنا ذكرت اسمها في المحاضرة ممكن تستعينوا منها، في الأبحاث، والى اللقاء في المحاضرة الجاية ومش هقبل أي أعذار عن تأخير الأبحاث، سلام وعليكم.
نهضت ليلى، سريعاً، علها تحدثهُ، لكن كان غادر القاعة هو الأخر، سريعاً، وقفت تتنهد، لكن آتت إلى رأسها فكرة، عليه أن تذهب له إلى مكتبه، بحجة أن تسأله على معلومة بالبحث. لكن قبل أن تذهب إلى مكتبه، رأته يخرج منه، ويسير، بأروقة الجامعة. سارت خلفه إلى أن دخل إلى غرفة المكتبة، فكرت قليلاً وقالت والله فرصة، يلا ربنا يسهل.
دخلت خلف ذالك الطاووس كما تنعته إلى غرفة مكتبة الجامعة. وجدته يتوجه إلى أحد الأركان، كانت تسير خلفه، رأته يرفع يدهُ يسحب، ذالك الكتاب من أحد أرفف المكتبة، مدت يدها وأخذته منه، قرأت ما هو مدون على الكتاب. بينما هو نظر له بلا مبالاة، وترك الركن وذهب لغيره، يبحث عن ما يريده. نظرت له ثم وضعت الكتاب بمحله وسارت خلفه، بنفس الطريقة السابقة حين أخذ كتاب مدت يدها تأخذهُ منه. حدث ذالك لأكثر من مرة، مما جعله يتضايق وقال لها:
في إيه يا آنسة هي المكتبة مفيهاش كتب غير اللي أنا ماسكها. ردت ببراءة مصطنعة: أنا آسفة حضرتك، مقصدتش طبعاً، بس أنا مطلوب مني بحث، وبدور على كتب معينة علشان أعمله منها. اعمل إيه الاستاذ اللي طلب البحث، واضح أنه غبي، تصور حضرتك، طلب إن البحث، يتسلم خلال يومين بس، اعمل إيه؟ نظر لها قائلاً: إنتِ في سنة كام، والبحث ده عن إيه؟ ردت:
أنا في سنة أولى طب بيطري حضرتك، والبحث عن كيفية استخدام التكنولوجيا الحديثة في علاج بعض الأمراض في بعض سلالات الخيل العربية. أستاذ غبي، محدد وقت قليل، حضرتك شايف، نص الدفعة أهم قاعدين في المكتبة علشان، يعملوا البحث، واكيد حضرتك كمان زميل لينا، وجاي علشان نفس السبب. تعصب عليها قائلاً: إسمك إيه؟ ردت ببساطة: ليلى صفوان المنسي، بس بتسأل ليه؟ رد عليها:
علشان أعرف سبب إن البحث بتاع حضرتك يتأخر وكمان علشان تعرفي، سبب إن البحث بتاعك بالذات هيترفض وهياخد صفر، علشان تبقى تعرفي، إن السبب هو طول لسانك اللي بينقط دبش، علشان أنا، الأستاذ وسيم الشامي، اللي طلب البحث ده. قال هذا وغادر، وتركها تبتسم قائلة:
طب ما أنا عارفه إنت مين، هو أنا تايهة عنك، يا سُومي. يلا كده اتعرفنا على بعض، يا سُومي. أما أشوف بحث مين اللي هياخد صفر، دا أنا كنت عملت اعتصام في الجامعة، وجبتلك في مكتبك قفص وز وبط فراخ من اللي ماما بتربيهم عالسطح، وقلت طلب مني دول رشوة. آتي المساء. بسرايا رضوان الزهار. بغرفة الصالون. جلس رامى متنهداً يقول: أخيراً رجعنا لمكاننا تاني، مش عارف سبب إنك تفضل في القاهرة المدة دي، لأ وكمان تقولي آخد جدتك ونروح إسكندرية.
رد رفعت: جدتك السبب، طلبت مني كذا مرة وبإلحاح قبل ما أسافر عاوزه تروح تزور قبر جدك، وتطمن على شقتها هناك. تبسم رامى قائلاً:
والله أنا مش عارف جدتك دي إيه، عندها زهايمر وساعات بتغيب بصحيح ولا بتستعبط علينا، بص بقى أول منزلنا إسكندرية، فاكرة الشوارع حتى مكان الشقة، وكمان مكان قبر جدك، لأ وحكت لي على قصة جوازها له ومن أول مرة شافها عالبحر وهي بالمايوه الأزرق، لحد جوازه منها. وتيجي هنا ترجع تاني تنسى وتغيب، وتفتكر بس اللي على مزاجها، ومحاسن، يا عيني طالع عينها معاها ومستحملة حالتها دي. تبسم رفعت قائلاً:
هي بتنسى كل حاجة ما عدا ذكرياتها مع المرحوم، والمايوه الأزرق الحكاية اللي حكتها لأمة لا إله إلا الله. وبعدين محاسن بتخدمها من زمان قوي، دي جدتك تقريباً هي اللي مربياها، وعارفة أطباعها. بس سيبك عملت إيه في الموضوع التاني اللي قولتلك عليه. تبسم رامى قائلاً: عيب يا ريس، كله تم. هقوم أنا أنام بقى، الوقت بدأ يتأخر. أيه مش هتنام، ولا خدت عالسهر الكام يوم اللي فاتوا، مش هتبطل السهر الرقصات دول بقى. تبسم رفعت:
مالهم بقى الرقصات، من البداية كل واحد فينا عارف، هياخد إيه والمقابل إيه. علاقة صريحة، مفيهاش لوع ولا كذب بالمشاعر. هز رامى رأسه، بأسف قائلاً: عارف نفسي، تيجي بنت تحبها وتغير تفكيرك ده، وقتها هتندم عالوقت اللي ضيعته مع الرقصات والفنانات اللي من النوعية دي. تبسم رفعت يقول: لأ أنا سايبلك موضوع المشاعر البريئة دي، ربنا ينولك مرادك. مش عارف هتفضل صابر لحد إمتى، عندك أبوها موافق، طب ليه بقى صابر. تنهد رامى قائلاً:
لسه هي توافق، أنا سهل عليا أضغط عليها وأخليها توافق، بس لغاية دلوقتي مش عاوز أجبرها، بس تأكد قريب جداً هتوافق، بإرادتها. تبسم رفعت يقول: بإرادتها أو غصب، عاوزك تخلص الموضوع ده في أقرب وقت، علشان نفضي، لشغلنا. الراجل الخليجي، طلب مني فرسة تانية، زي اللي أخدها هدية لصديق له إنجليزي، وكمان "أندريه جيريمان"، كلمني، ع الموبايل، وبيقول بنته هتنزل مصر قريب، عاوز نكون جاهزين. تبسم رامى قائلاً:
إطمن، عندنا تشكيلة هتعجب، بنت أندريه، وهي سبق وجت هنا وعندها إعجاب كبير، مش بس بالخيل. تبسم رفعت: لأ أنا مش بعمل علاقات مع العملاء، مش عاوز أخسر أندريه له سمعته في أوربا كلها. تبسم رامى: فعلاً أندريه له سمعته في أوربا كلها، وفي إيدك تكسب، رضاه بسهولة، بس هقول إيه براحتك. يلا تصبح على خير، أنا طالع أنام. رد رفعت:
وإنت من أهل الخير، ومتنساش تقفل باب البلكونة، قبل ما تنام، إحنا في أيام رياح الخماسين، والرياح بتبقى مليانة تراب، علشان صحتك.
صعد رامى، وترك رفعت الذي ظل قليلاً ثم صعد إلى غرفة نومه. لا هي ليست غرفة نومه، هي غرفة والديه سابقاً. حقاً اختلفت الغرفة عن قبل احتراقها، لكن ما زال، يرى بسمة والدته له، وهو ذاهب للإسكندرية من أجل إكمال دراسته. أخته تدخل للغرفة دون استئذان كي يربط لها والداهما رباط حذائها، وتُجدل والدتهما لها خصلات شعرها، ورامي يأتي متأخراً لها كي تربط له والداته رابطة العنق كي يذهب إلى المدرسة، قبل أن يغادر باص المدرسة ويتركه.
ذكريات صبي يافع، دمرتها بليلة نيران حرقت كل هذا، حرقت معها صباه، شاب سريعاً، من هول نار لم تشبع إلا حين أخذت منه، والدته وأبيه وأختهُ، نيران لم تفرق، بين جماد وحيوان وبشر التهمت كل شيء عدا أخيه، الذي أخرجه من بين النيران، وهناك شيئاً آخر، تركته النيران، هو تلك المهرة القوية، التي أعادت بناء اسم أبناء "رضوان الزهار" مرة أخرى.
بعد مرور يومان. صباحاً. بأستطبل رضوان الزهار. كان رفعت يجرى بذالك المضمار الموجود بالمزرعة، يتريض على إحدى خيوله. رأى جلوس العمال، معاً يتسامرون وهم يتناولون فطورهم، كان حديثهم عن الحديث الدائر بالبلد، وهو فعلة تلك الطبيبة بذالك الوغد طليق التمرجية. يتحدثون وهم متعجبون ومعجبون من فعلة تلك الطبيبة، في النهاية امرأة. نزل رفعت من على فرسه واقترب من مكان جلوسهم، وجلس معهم، بود لكن صمتوا قليلاً. فقال لهم:
أنا سمعتكم بتتكلموا عن الدكتورة، دكتورة إيه دي. رد أحد العمال: دي الدكتورة الجديدة في الوحدة، وكمان تبقى مديرتها، بس دي إيه جبارة، دي خلت الرجالة في البلد يخافوا منها، بسبب اللي عملته في طليق التمرجية صفاء اللي بتشتغل في الوحدة، دي خلته ناقص يلبس طرحة وهو ماشي. تعجب رفعت قائلاً: ليه عملت إيه. سرد أحد العمال له ما سمعوه عن فعلتها من طليق التمرجية، وشراستها معه. رغم ذهول رفعت من ما قصهُ عليه العامل، لكن قال:
وعملت إيه مع التمرجية. رد العامل: دي بقت صاحبتها، ومعاها في كل السكك في البلد. رد رفعت: بتقول إن الدكتورة شابة مش كبيرة في السن، طب إيه اللي جابها هنا للبلد دي. رد العامل: الله أعلم، يا رفعت بيه، بس البلد بقالها كام يوم ملهاش سيرة غير الدكتورة واللي عملته.
تبسم رفعت، لا يعرف إذا كانت بسمته إعجاب، بتلك الطبيبة التي يسمع عنها لأول مرة، أم استغراب إن هناك امرأة بتلك الشراسة، تشبه المهرة البرية. لا يعرف لما أراد أن يراها. ليلاً. بمنزل مروه.
تنهدت بسعادة، وهي تسمع صهيل تلك الفرسة، القريب من شباك منزلهم، إذا كما قال والداها أن رامي عاد للبلدة منذ يومان. لكن كان يشغل عقلها، لما لم تسمع صهيل فرسه، باكراً كما كان يفعل في السابق، لكن أتى اليوم مساءً. ماذا لو قامت وفتحت شباك الغرفة، وأطلت عليه، لكن لا سيفضح أمرها هي عاشقة، له، وتخاف أن تكون بحياته نزوة، هي سمعت عن نزوات هؤلاء الأغنياء، ولا تريد أن تصبح إحدى ضحاياهم. لا تريد خسارة ذالك الجزء الذي بقلبها منذ
الطفولة وذكرياتها البعيدة والسعيدة، حين كان رامي هو الآخر طفلاً مثلها، لكن حين عاد رامي، مرة أخرى للبلدة، تذكرت فقط قول تلك المربية التي كانت تعتني، ب رامي وأخته، والتي قالت لها أنها ليست سوى بنت خادم في سرايا والد رامي. لا تحلم باللعب معه مرة أخرى. ها هي، تضب قلبها بأقفال.
كانت هناك أيضاً ليلى مستيقظة، وسمعت صهيل الحصان. تبسمت وتذكرت، ذالك الوسيم الذي يشغل عقلها التفكير به. هل هو أيضاً ما زال يتذكرها، وسيعلم اسمها من بين الأبحاث التي قُدمت له اليوم. بغرفة وسيم الشامي. جلس على مكتب بالغرفة، ووضع تلك الأبحاث أمامه. تذكر اسم تلك الشعنونه الدبش التي تحدثت معه منذ يومين بمكتبة الجامعة. نطق قائلاً: ليلى صفوان المنسي. بحث بين الأبحاث عن البحث الخاص بها.
للحظة، شار عليه عقلهُ بقطع ذالك البحث، وإعطائها صفر كما قال لها سابقاً. لكن تحكم ضميرهُ وفتح البحث، وبدأ يقرأ محتواه. تعجب هو ظن أنها لن تقوم بفعل بحث مفيد، لكن ها هو أمامه، البحث مكتوب، بطريقة علمية مُنمقة، يستند لبعض المراجع الهامة، وتقديم بعض الحلول العلاجية، لبعض أمراض الخيول. محتوى البحث جيد، بل ممتاز، لكن طريقة تلك الفتاة في الحديث معه لم تعجبه.
أغلق البحث الذي حاز إعجابهُ، لكن فجأة أعاد الاسم برأسه، "ليلى صفوان المنسي". فذكره بأسم أخرى قالته له الصيدلانية حين أخبرته عن اسم تلك الرقيقة، "مروه صفوان المنسي". أعاد تذكر وجه الأثنتين، مروه ملامح رقيقة وهادئة، وجميلة ولديها حياء، وليلى، ملامح جميلة لكن تنضح، بالعبث أو بمعنى أصح الشعننة. أيعقل أن الاثنتين أخوات.، جاوب عقلهُ. ولما لا فكثير من الأخوات يجمعهن التضاد. تبسم وهو يتذكر تلك الشعنونة الدبش.
باليوم التالي عقب الظهر. بمنزل مروه. عادت مروه من تلك المدرسة التي تعمل بها باكراً. دخلت إلى المنزل، نادت على والدتها، لم ترد، عليها، فأيقنت أنها ليست بالمنزل. ذهبت إلى غرفتها مع أختيها. وبدلت ثيابها، بأخرى. في ذالك الأثناء عادت والداتها للمنزل، بعد أن اشترت بعضاً من مستلزمات البيت. دخلت ووضعتهم، بالمطبخ، وجلست تبكي، حتى أنها لم تسمع خطوات مروه. التي حين سمعت فتح باب المنزل خرجت من غرفتها، وتوجهت للمطبخ.
قالت مروه بلهفه: ماما بتبكي ليه. صمتت فادية وجففت دموعها بيديها، وقالت: مفيش، دا شوية هوا طرفوا عنيا، وبعدين إنتِ رجعتِ من المدرسة بدري ليه النهارده. نظرت لها مروه بعدم تصديق قائلة: مكنش عندي حصص، قولت بلاش أستنى الباص، ورجعت مواصلات. بس هوا إيه اللي طرف عنيكي، يا ماما، قولي الحقيقة، بابا زعلك زي عادته. ردت فادية: لأ،،، بس مصيبة تانية حصلت. بالوحدة الصحية.
كانت زينب تشعر، بالبغض من نظرات هذا الكهل الذي يجلس أمامها. تقوم بتقطيب جرح غائر له بمعصم يدهُ، إلى أن انتهت، وقبل أن تتحدث له، وجدت، ذالك المدعو، طارق التقي، وكيل إدارة الوحدة، يدخل مرحباً بقوة: هاشم بيه الزهار هنا في الوحدة. ليه يا هاشم بيه جيت بنفسك، كنت ابعت أي عامل من عندك، وكان الدكتور، بنفسه جالك لحد بيتك، أو الاستطبل الخاص، بيك. بس الوحدة نورت، بوجودك النهارده. قال طارق هذا ونظر إلى زينب قائلاً بنفاق:
ده يا دكتورة زينب، هاشم بيه الزهار، من أعيان البلد ومن رجال الخير كمان اللي اتبرعوا قبل كده كتير في بناء الوحدة دي، وكمان في بناء الملحق السكني بالوحدة، غير إنه اتبرع في بناء المبنى الجديد للوحدة اللي تحت الانشاء وهيخلص قريب. تبسمت زينب بسمة سطحية وقالت: أهلاً وسهلاً، بحضرتك. قال طارق بترحيب زائد: دا ميت ألف أهلاً وسهلاً، بيه، لا لازم تتوصى، بهاشم بيه يا دكتورة. ردت زينب بحنق قائلة:
أتوصى بيه إزاي، أزود له البنج شوية ولا اخيط له ايده بمكينة سرفلة، أنا معنديش تفرقة، بين المرضى. قالت هذا ونظرت للمدعو هاشم قائلة: أنا خيطت لك الجرح اللي كان في معصم إيدك، وهو مش جرح غويق، وبالنسبة للجرح اللي في كف إيدك ده مينفعش يتخيط، لأن كف اليد مش بيتخيط، بس مع المواظبة على تغيير الضماد بواحد تاني نضيف وكمان عدم تعرض اليد للميه، جرح كف إيدك هيلتئم بسرعة، وهكتب لحضرتك، مُسكن، ومعاه مضاد حيوي.
نظر لها هاشم، بنظرة تتفحصها، من أسفل لأعلى، وهمس لنفسه قائلاً: واضح إن الكلام اللي داير عنك في البلد يا دكتورة، شوية عليكي، إنتِ أجمل وأشرس، وأنا أحب المهرة الشرسة، أروضها بمزاج. لكن بنفس التوقيت كان رفعت أيضاً بالوحدة الصحية، يطمئن على أحد العاملين لديه بمزرعة الخيول وقع من على إحدى الخيول وأغمي عليه، وأتوا به العاملين إلى هنا بالوحدة،، لكن العامل لم يصبه مكروه، مجرد كدمات فقط.
خرج من غرفة العامل بعد أن اطمأن عليه، وضع نظارته الشمسية، وكاد يخرج من باب الوحدة الداخلي. لكن لفت انتباههُ سير هاشم الزهار مع ذالك المدعو طارق التقي، ومعهم أيضاً امرأة، ترتدي معطفاً أبيض، قربين من باب الخروج من الوحدة الصحية.
نظر لهم من بعيد، ذهب هاشم ومعه طارق، لكن عادت الطبيبة إلى الداخل مرة أخرى. تأمل ملامحها، هي جميلة جداً، هي أجمل مما وصفوها به. لم يتوقع أنها صغيرة بالعمر هي تبدو بوضوح لم تُكمل الثلاثين من عمرها، تسير بشموخ كالمهرة. تحير عقلهُ، لماذا أتت تلك الطبيبة لهنا، وهي بهذا السن كيف أصبحت مديرة لتلك الوحدة. كلما اقتربت خطواتها من مكان وقوفه، كان يشعر بزيادة خفقان قلبهُ. لكن تبسم وهو يقول لنفسه:
هاشم الزهار، بيحب، البنات الصغيره الورور، بس دي واضح إنها مُهرة شرسة، ومُتأكد إنها دخلت مزاجهُ والأ مكنش جه لحد هنا بنفسهُ. كويس قوي، كل شئ في الحب والحرب مُباح، واللي بيني وبين هاشم الزهار،،،،، حرب لغاية دلوقتي باردة بمزاجي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!