انتهى الطريق لمنزلها سريعاً وبدون التفوه بحرف، ترجلت من السيارة وذهبت باتجاه المصعد. ذهب مسرعاً يلحق بها، ولكن المصعد كان قد تحرك بها. صعد مستخدماً السلالم، لكنها كانت قد دلفت للشقة وأغلقت الباب بوجهه في نفس وقت وصوله. استدارت وهي تستند بظهرها على الباب. سقطت زحفاً ببطء متكئاً على الباب وجلست على الأرضية وهي تبكي بحزن وقهر، وسط دقات قاسم كي تفتح له مع توسلاته لها.
بعدما يأس من أن تفتح له الباب، قام بالاتصال على مها وأمرها بأن تأتي سريعاً، ثم أغلق الهاتف دون أي تفسير منه لها. بينما ظل هو واقفاً بالخارج وهو يتكئ بظهره على الحائط، غير مستعد أبداً لخسارتها. فكرة خروجها من حياته تسبب له الاختناق. بعد وقت وصلت مها مسرعة وهي لا تعي شيئاً، كل ما تعرفه أن جودي بها خطب ما. صعدت لأعلى وجدت قاسم يقف وعلى وجهه حزن العالم، فقالت بفزع: "قاسم بيه.... في إيه.... ومالها جودي." قاسم بحزن:
"افتحي بسرعة... عايز أتكلم معاها." مها: "حاضر حاضر... بس أفهم بس عش... قاطعها بنفاذ صبر قائلاً: "مش وقته يا مها... افتحي." بالداخل كانت جودي قد وقفت تجر قدميها بذبول وذهبت لغرفتها. تسطحت على الفراش ودثرت نفسها بالغطاء رغم أننا في فصل الصيف.
انكمشت على نفسها وهي تبكي بشرود، ولا يأتي بمخيلتها سوى مشهد قاسم مع تلك الفتاة، يتزاحم معه مشهد والدها مع تلك المرأة، والدتها تسقط أرضاً بقهر مع أزمة قلبية أدت لوفاتها بعدها بأيام. احتد بكاؤها بقهر ووجع، في نفس وقت دخول مها وخلفها قاسم. شهقت مها بفزع عليها قائلة: "جودي... مالك... إيه اللي حصل." أسرعت تأخذها بحضنها وتتفحصها جيداً. ونظر قاسم لا يحيد عنها. وفي حضن مها أخذت تبكي وتبكي، وشهقاتها تعلو وتعلو.
بينما هو يقف بقلب مفتوح على هيئة أهم شخص لديه. بعد قليل غفت جودي بدموعها في حضن مها، وقاسم يقف مكتوف الأيدي. ود لو احتضنها هو، لكنها حتماً لن تسمح وسيزداد بكاؤها أكثر، وهو ما صدق أن هدأت قليلاً. خرجت مها من غرفتها وهو خلفها بهدوء. وقفت قائلة: "إيه اللي حصل يا قاسم بيه وصلها للحالة دي." تنهد قاسم وقص عليها كل ما حدث. مها بشك: "والمفروض بقا إني أصدق حضرتك." قاسم بغضب: "أيوه لأن ده اللي حصل." نظرت له بعدم تصديق ثم قالت:
"إزاي يعني ده اللي حصل... وأنا أقول إزاي وافق كده بسهولة إنه ما يقضيش معاها اليوم وسابها تمشي... اتاااااارى حضرته عنده معا... قاطعها بنفاذ صبر: "مهااااااااا... مش عايزة تصدقي براحتك... المهم هي تصدقني... يولع العالم.. المهم هي تبقى معايا." مها: "هقنعها إزاي إذا كنت أنا بصراحة مش مصدقة." قاسم: "والله ده إلى حصل.. وأنا فعلاً كنت خايف عليها عشان امتحانها...
وسبتها تمشي النهاردة لأنها بكرة هتبقى طول اليوم مش فاضية للمذاكرة لأنى عامل لها حفلة كبيرة عشان عيد ميلادها و... صوت جرس الباب قطع حديثه، فاتجهت مها لتفتح الباب وكانت ريتال صديقتها: "مساء الخير يا جماعة." قاسم ومها: "مساء الخير." ريتال باستغراب: "هو في إيه.. وجودي فين مش بترد على موبيلها خالص... المفروض إننا هنذاكر مع بعض." مها: "جودي تعبانة أوي يا ريتا وحالتها صعبة أوي." نظرت ريتال بملامح قاسم الحزينة وقالت:
"هو حصل حاجة تاني." نظروا لها بجهل وتفاجئ وقال قاسم: "حاجة تاني إزاي.... هو في حاجة أولاني." قامت بفتح هاتفها ووجهته له قائلة بحده: "أيوه في الصور دي... اتفضل." التقط الهاتف منها بصدمة وعينيه تتسع بذهول. كيف هذا... وما هذا الذي يراه... تناولت مها منه الهاتف سريعاً وأخذت تتفحصه بصدمة هي الأخرى. ولكن الصدمة زادت حينما سألها قاسم متى رأت جودي هذه الصور وكانت الإجابة: "من شهرين تقريباً."
جلس في المقعد خلفه من الصدمة قائلاً: "وازاي ما قالتش إزاي ما عاتبتنيش حتى." ريتال: "أنا نفسي استغربت لما لقيتها مكملة في علاقتها معاك... لقيتها بتقولي إنها واثقة فيك وأكيد أكيد الصور دي مش صح... رغم إني أكدت لها إنها صح ومش فوتوشوب... مش بس كده لأ ده كمان اللي مصورها مصور محترف مش أي واحد معدي بكاميرا كدا وخلاص." يستمع لما يقال بذهول... لا يصدق... كل هذا حدث ولا علم له به... رأت هذه الصور ولم تتحدث لم تثور...
لم تغضب... لم تشكك به أو حتى تتهمه. أعطته كل قلبها وثقتها. تحدث بصعوبة وصدمة قائلاً: "هي وصلتها الصور دي امتى." وكان الرد أصعب. "من شهرين." من شهرين... شهرين ولم تنطق... لم تعقب... نعم هو كان في مرسى علم مع دنيا منذ شهران... الصور ملتقطة بطريقة استفزازية حد الجحيم تؤكد أن هذا الرجل على علاقة بهذه الفتاة. ولكنه حقاً مظلوم ولم يفعل شيئاً من هذا.. يعترف. هو يعترف... لقد كان زير نساء حقاً.. ولكن قبل أن يقابلها....
لقد كان على علاقة بكثير نساء حول العالم ولكن قبل أن يعشقها.. قبل أن تقع عينه عليها.. قبل أن يكتفي بها.. هو حقاً وصدقاً مظلوم ولكن ماذا تفعل قاسم وماضيك يطاردك.... سمعتك السيئة في عالم النساء تقف في طريق سعادتك. تحدث بقلة حيلة لأول مرة في حياته قائلاً: "طب أعمل إيه... أصلح كل ده إزاي." مها: "قاسم بيه جودي عمرها ما هتسامحك." رفع نظره لها بحدة وعيون حمراء من الغضب قائلاً: "إيه اللي بتقوليه ده." مها: "إلى هيحصل....
أنت من غير ما تحس عيدت المشهد اللي حصل لأمها من خمس سنين قدامها تاني." قاسم بجهل: "مشهد إيه... أنا مش فاهم حاجة." أخذت تسرد عليه ما عاشته حبيبته من معاناة. وما فعله أبوها بأمها وكم اتخذت هي من وقت كي تتخطى تلك الأزمة. كان ينظر حوله بضياع.. حياته تنهار. كل شيء يتحطم. مر وقت طويل وهم يجلسون بصمت رهيب يفكرون ماذا سيحدث... لم يتحرك أحد من مكانه.
ثواني واستمعوا لصوت شهقات تعلو وتعلو، علموا أنها لجودي، ذهبوا مسرعين تجاه غرفتها، ولكن مها أوقفت قاسم قائلة: "لو سمحت يا قاسم بيه." قاسم بغضب: "لا طبعاً." مها: "لو سمحت هي أكيد مش في حالة كويسة دلوقتي خالص... بلاش تتواجهوا دلوقتي." وقف بحزن شديد، فهل بات يزعجها برؤيته. وقف يحاول أن يراها من زاوية الباب الذي لم يغلق جيداً. جلست مها وهي تأخذها بأحضانها، وريتال تقف بحزن بجانبها وقالت: "مالك يا جودي... إيه اللي حصل."
مها: "حصل إيه يا جودي." جودي ببكاء: "شفتُه معاها... شو.. شوفتُهمها." "براحة بس... براحة." جودي: "كان واقف مكانه... وأنا مكانها." ربطت مها على ظهرها بحنان وهي تعلم عما تتحدث. جودي ببكاء: "ليه عمل كده يا مها... ليه... ده أنا حبيته أوي... ماكنتش غير نعم وحاضر... ماكنتش بعترض على أي حاجة... اعتبرته ليا كل حاجة.. أبويا وأخويا وحتى أمي اللي ماتت وسابتني... ليه عمل معايا كده...
ده أنا كنت مستعدة أقطع علاقتي بالناس كلها عشانه.... ماتكلميش يا من.. حاضر... ماتقفيش مع ده... حاضر..... ماتلبسيش كذا.... حاضر..... وكنت بقولها بنفس راضية والله.. حتى.. حتى لما وصلتني الصور والرسالة.. قلت لأ.... أهم حاجة في الحب الثقة... وأكيد الصور دي متفبركة... سألت ريتال.. وسألت كذا حد متخصص... كلهم أكدوا لي إنها حقيقية... ومع ذلك قلت لأ.. هكذب عيني ومش كدب قاسم... هكذب الناس كلها وأصدقه هو... وأحبه أكتر....
حتى ما اتكلمتش ولا عاتبت... ونسيت... بس.. بس هو... هو... ماحبنيش.... معقول... معقول.. كل اللي حصل ده كان كذب... معقول.. طب. طب. طب ليه.. ليه أنا... ما كان سابني في حالي.... ما كان قدامه ستات كتير ليه يعمل فيا كده... ليه.... أنا حبيته أوي يا مها." كانت تتحدث ببكاء وأحبال صوتها مجروحة ومبحوحة. صوت دموعها وشهقاتها قطعت نياط قلبه. دخل الغرفة بلهفة قائلاً: "وأنا والله حبيتك أوي." جودي بصراخ: "إيه اللي جابك هنا...
مش عايزة أشوفك." قاسم برجاء: "جودي... حبيبتي.. أنا قاسم يا عشق قاسم." جودي بصراخ أكبر: "كداااااااب... امشي... مش عايزة أشوفك... امشي... خليه يمشي يا مها... خليه يمشي يا ريتا." تقدمت ريتال منه قائلة: "لو سمحت اتفضل حضرتك دلوقتي." قاسم بإصرار: "لأ لا.. لازم أكلمها لازم أفهمها إنها حياتي كلها... مش هعرف أعيش من غيرها." ريتال بهدوء: "أي كلام مش هينفع دلوقتي ولا هيفيد خصوصاً بحالتها دي."
نظر قاسم باشفاق ناحيتها، وجد مها تحيط وجهها بكفيها وتتحدث لها بخفوت تحاول تهدئة روعها. خرج مسرعاً وصعد سيارته، وقد ترك قلبه بأعلاه مع تلك الصغيرة الحزينة. دخل إلى بهو الفيلا حيث يجلس والديه. وقفت والدته قائلة بتهكم: "إيه يا قاسم مالك... ده حتى بكرة عيد ميلاد النونة بتاعتك." رفع عينه لها ونظر إليها، فسقط قلبها بين قدميها وشهقت وهي تتقدم منه فزعاً من هيئته قائلة وهي تتفحصه: "قاسم... مالك يابني في إيه."
تقدم والده هو الآخر قائلاً: "إيه ده مالو هو عامل كده ليه.... مالك يا قاسم." نظر لهم بعينين محمرتين ومكسورتين. مجدي بفزع من سكوته ونظرته تلك: "في إيه يابني.... ماتقلقنيش عليك." والدته: "إيه اللي حصل." قاسم بحزن: "هتروح مني.... عايزة تسيبني... عايزة تسيبني وتاخد روحي معاها." مجدي: "هي مين دي... في إيه." والدته: "مين يا قاسم وإيه اللي حصل." قاسم: "جودي.... مش ده اللي كنتي بتتمنيه... عايزة تسيبني...
عايزة تبعد عني.. كسرتها بس والله ماليش ذنب." تبادل والداه النظرات، فطوال عمره لم يروه بهذه الحالة وهذا الانكسار. تركهم وصعد لغرفته يتحرك بلا روح جسد فقط. بينما هم يقفون ينظرون لأثره بذهول. فتحدث والده قائلاً: "معقول... أنا أول مرة أشوف قاسم كده." والدته: "فعلاً... ياترى إيه اللي حصل." مجدي: "لازم نعرف إيه اللي حصل ونتدخل ونساعده.... ده ابننا الوحيد... لازم نحل المشكلة اللي بينه وبين خطيبته...
أنا عمري ماشفت ابني سعيد وطاير من الفرحة غير الفترة اللي فاتت من ساعة ما البنت دي دخلت حياته." والدته: "فعلاً يا مجدي... أنا كنت معترضة عليها عشان حاجات كتير أوي... لكن لو هي اللي ابني سعادته معاها يبقى لازم أرجعها له حتى لو بالغصب... ده ابني الوحيد." نظر لها مجدي بذهول وهو يهز رأسه بيأس من طريقتها، ولكن لا بأس إن كان سيصب في مصلحة ابنه.
في صباح اليوم التالي استيقظت مها بكسل وتذكرت جودي وحزنها وقامت لتذهب إليها كي تحاول تخفيف حزنها عنها. خرجت من غرفتها ووقفت متسمرة في موضعها وهي ترى جودي تقف في المطبخ مرتدية يونيفورم مدرستها بكل أناقة وقد أنهت إعداد النسكافيه وذهبت للسفرة تحتسيه بجمود. ذهبت مها تجاهها بذهول، فقد تفاجأت كلياً بها، توقعت أن تجدها حزينة متكورة على نفسها في الفراش رافضة الذهاب للمدرسة أو التعامل مع أي شيء وهيئتها وثيابها مزرية للغاية...
ولكن ما كل هذا الجمال. حقاً لا تعلم. وقفت قائلة باستغراب: "صباح الخير." التفت لها جودي بهدوء: "صباح النور." مها يتفحص: "جودي... انتي كويسة." جودي بهدوء وقوة: "آه الحمد لله." مها: "بس انتي امبارح.... قاطعتها قائلة: "ده امبارح... النهاردة حاجة تانية........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!